الشارع الفرنسي يغلي مجددا و الغضب الشعبي يتجاوز رحيل بايرو
ن.ع
بوابة الحزائر الإخبارية : لم تهدأ فرنسا منذ سقوط حكومة فرانسوا بايرو، بل انزلقت إلى موجة غضب شعبي واضطراب اجتماعي غير مسبوق.
فبعد أن ظل الشارع يغلي بصمت، خرج بقوة إلى العلن عبر إضراب واسع دعت إليه سبع نقابات عمالية كبرى، في محاولة لممارسة أقصى درجات الضغط على رئيس الوزراء الجديد سيباستيان لوكورنو، الذي لم يمض على توليه المنصب سوى أيام قليلة. المطالب واضحة: التراجع عن سياسات التقشف، فرض ضرائب إضافية على أصحاب الثروات الكبرى، وتوسيع تمويل الخدمات العامة.
التحرك النقابي جاء كتصعيد منظم بعد نحو أسبوع من احتجاجات 10 سبتمبر، التي قادتها حركة “لنغلق كل شيء” ضد الإجراءات المالية التي تبناها بايرو قبل إطاحته.
فقد تضمنت مقترحاته للميزانية الجديدة خفضا في النفقات العامة يصل إلى 43.8 مليار يورو، منها 5 مليارات يورو من مخصصات الصحة، إضافة إلى بند مثير للجدل يقضي بإلغاء يومي عطلة رسمية.
هذه الإجراءات فجّرت عاصفة غضب عارمة، لم تقتصر على الشارع، بل امتدت إلى أروقة السياسة والبرلمان، لتطيح في النهاية بحكومته.
النقابات وصفت الخطة بأنها “قاسية إلى حد بعيد”، مؤكدة في بيان مشترك نهاية أغسطس أنها تلقي مجددًا بعبء السياسات الحكومية على العمال والموظفين والمتقاعدين والمرضى.
ومع سقوط حكومة بايرو في 8 سبتمبر الجاري ، لم تهدأ الأوضاع كما توقعت بعض الدوائر، بل استمر الحراك الشعبي، وظلت دعوة الإضراب ليوم 18 سبتمبر قائمة، تعبيرا عن رفض واسع لمشروع ميزانية 2026 الذي ترى فيه النقابات تكريسا للتقشف وتهديدا مباشرا للخدمات العامة.
غضب عمالي يهز السلطة
الاحتجاجات الحالية جاءت استجابة لنداء سبع نقابات كبرى، التي لعبت دورا في قيادة الشارع الفرنسي خلال الأزمات الاجتماعية السابقة.
النقابات وصفت الإجراءات المالية التي قدمتها حكومة بايرو بـ”الجائرة”، معتبرة أنها تمثل عبئا إضافيا على الطبقات الوسطى والفقيرة، بينما تترك الأثرياء في مأمن من المساهمة الفعلية في سد عجز الميزانية.
هذه النقابات لم تكتفِ بالدعوة إلى إضراب رمزي، بل خططت لحركة شاملة شلت قطاعات التعليم، الصحة، النقل، وحتى الصيدلة، ما يعكس حجم الغضب والرفض العميق لسياسات التقشف.
ففي باريس، تعطلت معظم خطوط المترو طوال اليوم باستثناء ساعات الذروة، فيما توقفت حركة القطارات بين المدن، الأمر الذي تسبب في شلل شبه كامل لحياة الفرنسيين اليومية.
باريس مشلولة والطلاب في طليعة المواجهة
العاصمة الفرنسية بدت صباح اليوم الخميس وكأنها مدينة محاصرة.
المتاجر أُغلقت في بعض الأحياء، والشوارع امتلأت باللافتات والشعارات، والشرطة انتشرت بكثافة في الساحات الكبرى تحسبا لأي انزلاقات أمنية.
المشهد الأكثر لفتا للنظر كان مشاركة الطلاب في هذه الموجة الاحتجاجية؛ حيث أغلق تلاميذ المدارس الثانوية مداخل مؤسساتهم التعليمية، ورفعوا لافتات تعكس رفضهم لما يصفونه بـ”سرقة مستقبلهم”.
و أمام مدرسة “ليسيه موريس رافيل” في باريس، وقف طلاب يحملون لافتة كتب عليها “أغلقوا مدرستكم الثانوية رفضا لإجراءات التقشف”، وهو مشهد يلخص الهوة العميقة بين السلطة والجيل الشاب الذي يرى في السياسات المالية الجديدة تهديدا مباشرا لطموحاته.
مشاركة الطلبة في حراك اجتماعي بهذا الحجم ليست مجرد حدث عابر، بل رسالة سياسية قوية بأن الاحتجاجات لم تعد حكرا على العمال والموظفين، بل باتت قضية مجتمع بأسره.
النقابات تتوعد والشارع يقرر
رفعت النقابات الفرنسية سقف التحدي في وجه الحكومة، معلنة بصوت واحد أن الشارع هو الحكم الأخير.
ففي بيان مشترك اتسم بلهجة حادة، شددت على أن “العمال الذين نمثلهم غاضبون”، محذرة من أن الخطة المالية المطروحة “غير عادلة وتعمّق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية”.
صحيح أن الخطاب النقابي لم يكن يوما خاليا من التصعيد، لكن هذه المرة بدا أكثر جذرية، مع إصرار قيادات بارزة، مثل صوفي بينيه رئيسة الكونفدرالية العامة للشغل، على أن “الموازنة ستحسم في الشوارع”، في إشارة واضحة إلى انتقال المعركة من قاعات المفاوضات إلى ميادين الاحتجاج.
وزارة الداخلية الفرنسية تحدثت عن مشاركة ما يقارب 800 ألف شخص في الإضرابات والمظاهرات، بينما ذهبت النقابات أبعد من ذلك، مؤكدة أن الأعداد قد تتجاوز المليون مع استمرار التعبئة.
هذه الحشود الضخمة لم تشهدها فرنسا منذ سنوات، ما يكشف حالة من الغليان الشعبي غير المسبوق، ويمهد لصراع طويل الأمد قد يمتد لأشهر.
و أمام هذا المشهد، تجد الحكومة نفسها في مأزق بالغ الحساسية، إما الانحناء أمام ضغوط النقابات، بما قد ينعكس ضعفا في صورتها أمام المستثمرين والاتحاد الأوروبي، أو المضي في مسار التقشف والمجازفة بتفجير أزمة اجتماعية أعمق وأوسع نطاقا.
فرنسا على أبواب ثورة كومونة جديدة
قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، البروفيسور نور الصباح عكنوش، في تصريح ل “بوابة الجزائر”، إن فرنسا تمر بمرحلة انتقالية حبلى بالتحديات البنيوية، على مستوى الاستقرار النسقي والعجز الاقتصادي، واصفا الوضع بـ”السابقة التاريخية” التي ستكون لها ـ حسب تعبيره ـ تداعيات سلبية على مستقبل الجمهورية.
وأوضح عكنوش أن التقاليد النقابية العريقة في فرنسا عادت لتؤكد، من خلال ما يحدث اليوم، على “الدور العضوي للحركة العمالية”، التي يرى أنها ستكون عاملا حاسما في تحديد مصير المنتظم السياسي الفرنسي، مشيرا إلى أن هذا الأخير يعيش “امتحانا أخلاقيا واستراتيجيا مهما”.
ووصف محدثنا ما يجري بـ”ثورة كومونة جديدة”، معتبرا أن فرنسا “دخلت مرحلة من التدهور أفقدتها مكانتها في سلم القيم والأمم”، وهو ما أرجعه إلى ما سماها “السياسات الماكرونية المنبثقة من مدرسة الليبرالية الجديدة المتوحشة بأدواتها الطبقية الاستغلالية للمجتمع المدني الفرنسي”.
















