محمد قنديل – مدوّن وناشط سياسي وحقوقي مغربي مستقل
في المغرب، لا حاجة لأي جهاز إستخبارات أجنبي لإختراق الشعب، ولا حاجة للمخزن لبناء بنية تجسس متطورة… لأنّ المجتمع نفسه قد تحوّل إلى جهاز تجسس جماعي، قاعدته العريضة ما يُعرف بـ” العياشة “؛ أولئك الذين يرون في الملكية المخزنية دينًا، وفي التطبيل للوهم وطناً.
العياشة ليسوا فقط أشخاصًا يُهلّلون لكل صورة ينشرها الملك، ولا أولئك الذين يصرخون ” عاش الملك ” في كل تعليق فايسبوكي. العياشة، في جوهرهم، هم أدوات القمع الأخطر على الإطلاق :
هم الذين يُبلّغون عن جارك إذا تفوّه بكلمة ضد ” سيدهم “.
هم الذين يُسجّلون كلامك في المقاهي أو في الطوابير ثم يُرسِلونه للمخزن.
هم الذين يُشيطنون كل حر ويصفونه بالخائن والعميل والإنفصالي.
هم الذين يَبيعونك من أجل لايك من صفحة مخزنية أو 200 درهم من ” قايد “.
الحقيقة المرعبة أن غالبية المغاربة قد تمّ تدجينهم عبر عقود من القهر والإستعباد والعبودية السياسية ليتحوّلوا إلى مُخبرين مجانيين، بل فخورين بما يفعلون.
المواطن المغربي، في ظل هذا النظام البوليسي، لم يعُد بحاجة إلى شرطي خلفه، لأنه صار بنفسه الشرطي والجاسوس والمحقّق والمنفّذ.

والمخزن يعرف هذا جيدًا، لذلك لا يحتاج لقمع مباشر دائم.. بل يكفي أن يُترك المجال للعياشة ليقوموا بالمهمة القذرة.. التخويف، التخوين، التشهير، الكذب، التبرير.
هكذا صار المغربي يخاف من أخيه، من جاره، من إبن عمه.
وصار الناشط الحر، قبل أن يُخشى عليه من المخابرات، يُخشى عليه من وشاية صديق الطفولة أو خادمة الحي أو تلميذه في القسم.
فهل هؤلاء أبرياء؟؟ هل نستطيع التذرع بالجهل أو الفقر أو الخوف؟؟ كلا.
حين يختار المرء أن يطبل للمجرم ويسبّ الضحية، يصبح شريكًا في الجريمة.
وحين يختار أن يطعن في ظهر المناضل ويقبّل حذاء الجلاد، يصبح خائنًا.
إن كل عياشي، سواء كان واعيًا أو غبيًا، صغيرًا أو كبيرًا، هو مشروع جاسوس نشِط.
ليس فقط لأن المخزن يُجنّده أو يدفع له، بل لأن البنية الأخلاقية التي يعيش فيها قد دمّرت إحساسه بالعدالة والحرية والكرامة.
في المغرب، لا نتعامل مع نظام قمعي فقط، بل مع نظام إستطاع أن يخلق ” مواطنًا ضد نفسه “.
النتيجة؟؟ وطن منقسم، مشلول، خائف، مراقب من الداخل أكثر من الخارج.
الحقيقة الصادمة هي أنه لم تعد هناك دولة تراقب المواطن… بل أصبح المواطن هو الدولة البوليسية ذاتها.
الخلاصة :
العياشة ليسوا مزحة.
ليسوا مرضًا نفسيًا جماعيًا.
بل هم الركيزة الأساسية لكل خيانة تحدث في هذا الوطن.
فإن أردت أن تعرف لماذا يُسجن المناضلون، لماذا يُغتال الشرفاء معنويًا، لماذا تُدفن الحقيقة قبل أن تولد…
فتّش عن عياشي.
العياشي هو الجاسوس رقم واحد.
العياشي خنجر الخيانة.. ومعول الهدم…
العياشي = إبن رائعة…



















