محمد قنديل – مدوّن وناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
بينما تتصدّر الأنظمة الديمقراطية مؤشرات التعليم والصحة والبحث العلمي، نجد المغرب يتقدّم في تصنيف مخزٍ.. كوجهة متقدمة عالميًا في ما يسمى ” السياحة الجنسية “.
هذا الواقع الكارثي لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة النظام الحاكم في المغرب، ولا عن العقلية المخزنية التي تُدير البلاد بعقلية السوق، لا بعقلية الدولة.
في المغرب، لا أحد يُفاجأ حين يرى رجال الأمن يحمون سائحًا يمارس البيدوفيليا، بينما تُعتقل فتاة حاولت فضح شبكة دعارة دولية. لماذا؟؟ لأن المنطق المخزني لا يرى في المواطن إلا سلعة، ولا في الأجنبي إلا مصدر عملة صعبة.
لم تكن هذه الوجهة المتميزة نتيجة عفوية أو إنفلات أخلاقي فردي، بل هي ثمرة مباشرة لهندسة إجتماعية ممنهجة، تُشرف عليها الدولة المخزنية منذ عقود، وتغذّيها منظومة من الفساد والتواطؤ والتجهيل.
شعب مغيَّب في دولة تغذّي الإنحطاط
المخزن والملكية لم يجدوا بيئة مواتية لهيمنتهم في شعب مستسلم، بل خلقوا هذه البيئة بأنفسهم، عبر سياسات مركّزة إستهدفت كل منابع الوعي والتحرّر.. التعليم تم تدميره عمدًا، الإعلام حُوِّل إلى مسرح للتفاهة، الدين أُفرغ من مضمونه التنويري، والمجتمع دُفِع نحو الخضوع أو الهروب أو الرذيلة.
تمت شيطنة كل مشروع إصلاحي، وإعتقال أو تشويه كل صوت حر.. أما من بقي من الشرفاء، فقد أُجبر على الصمت، أو أُرغم على الرحيل.

دولة تُقنّن الرذيلة وتطارد الفضيلة
في المغرب، لا أحد يُفاجأ حين يرى رجال الأمن يحمون سائحًا يمارس البيدوفيليا، بينما تُعتقل فتاة حاولت فضح شبكة دعارة دولية. لماذا؟؟ لأن المنطق المخزني لا يرى في المواطن إلا سلعة، ولا في الأجنبي إلا مصدر عملة صعبة.
السياحة الجنسية ليست إنحرافًا أخلاقيًا فقط، بل سياسة إقتصادية فاسدة تستبدل الإستثمار الحقيقي ببيع الجسد المغربي، تحت غطاء ” الإنفتاح ” و” الإستقرار “.
والأدهى من ذلك، أن هذه السياسة تجد تبريرها في خطاب رسمي يدّعي ” الحداثة “، بينما يُفرّغ البلاد من أي منظومة قيمية أو أخلاقية، ويجعل من الإنحلال حرية، ومن الطهرانية رجعية.
القضاء والأمن.. أدوات في خدمة السوق السوداء
أمام هذا الواقع، تُصبح مؤسسات الدولة شريكة في الجريمة : القضاء يطوي ملفات الإغتصاب والإتجار بالبشر، والأمن يتواطأ مع شبكات دعارة منظمة، أحيانًا ترتبط مباشرة بشخصيات نافذة في الدولة أو مقربة من القصر.
أما الإعلام، فيشتغل على تلميع صورة المغرب ” المنفتح “، بينما يتجاهل مأساة آلاف الضحايا من الأطفال والنساء، الذين حوّلتهم السياسة المخزنية إلى أدوات إستغلال يومي.
من صناعة الطاعة إلى تعميم الإنحطاط
منذ عقود، يشتغل النظام المغربي على تفريغ الشعب من كل عناصر المقاومة.. لا تعليم يحفّز التفكير، لا إعلام ينقل الحقيقة، لا مؤسسات تستجيب لتطلعات المواطنين… والنتيجة، مجتمع يعيش على حافة الإنفجار، أو السقوط في الصمت أو الرذيلة أو الهجرة.
لكن الحقيقة الأخطر أن هذا الإنهيار القيمي ليس نتيجة ضعف الشعب، بل نتيجة خيانة ممنهجة من قبل النظام.. المخزن لم يكتفِ بسرقة الثروة، بل سرق الوعي، والمستقبل، والكرامة.

حين تصل دولة إلى هذا المستوى من التواطؤ مع شبكات السياحة الجنسية، فهي لم تعد دولة، بل شركة فاسدة تُتاجر في كل شيء، حتى في شرف أبنائها وبناتها.
وحين يُصبح المواطن المغربي مهددًا في جسده وقيمه وأطفاله، فإن معركة التحرير لم تعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
لا بد من نزع القداسة عن الملكية، وفضح المخزن، وفضح القوى الدولية التي تدعمه، لأن صمت العالم هو شراكة في الجريمة.

























