بقلم محمد قنديل: مدون ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: منذ أن ورث محمد السادس عرش المخزن، كانت الحِرَاكَات الشعبية المرآة الحقيقية التي تعكس فشل نظامه في الإستجابة لأبسط مطالب الناس.. فمن سيدي إفني إلى الريف، ومن جرادة إلى اللحظة الراهنة مع حراك شباب Z، يتكرر المشهد ذاته.. دولة عاجزة، ملك غائب، وشعب غاضب، لكن السؤال الجوهري اليوم هو كيف سيتعامل النظام مع جيل جديد لا يرفع صور المهبول السادس ولا يلوّح براية ليوطي، جيل وُلد في زمن الإنترنت ولا يقبل بتكرار نفس الأكاذيب التي ملّت منها الأجيال السابقة؟؟
الجواب نجده في جعبة الملك المليئة بالأسطوانات القديمة، فمحمد السادس لا يملك سوى بعض السيناريوهات البالية، التي يحاول تسويقها كما لو كانت حلولًا سياسية، بينما هي في الحقيقة مجرد مناورات للهروب إلى الأمام.
أول هذه السيناريوهات هو التخوين.. المخزن بارع في تعليق شماعة الفشل على الخارج.. فإذا رفع الشعب صوته ضد الفقر والبطالة والظلم، سارع البلاط إلى وصفه بالعمالة والإنفصال والخيانة.. نفس الوصفة التي إستعملوها ضد شباب الريف ستُعاد صياغتها مع شباب Z من قبيل (( أنتم أذناب للخارج )) و (( أنتم تريدون زعزعة الإستقرار ))، وكأن المغاربة يحتاجون سفارات أجنبية كي يكتشفوا أن بلدهم منهوب وأن كرامتهم مسلوبة.. إنها السخافة ذاتها التي تُردَّد منذ عقود، لكنها لم تعد تقنع أحدًا سوى أبواق المخزن الإعلامية.
السيناريو الثاني، بطبيعة الحال، هو الإعتقال. هذا السلاح الذي أستُعمل بوحشية في الريف وجرادة، حينما كان قادة الحراك معروفين بأسمائهم ووجوههم، فتمت مطاردتهم وإقتناصهم بسهولة، لكن في حالة شباب Z، الأمر مختلف تمامًا، إذ لا وجود لزعيم يُعلَّق على المشنقة الإعلامية، ولا قائد يمكن إستهدافه بالإعتقال، القادة مجهولون، والإحتجاجات بلا رأس، والأفكار تنتشر بسرعة البرق على المنصات الرقمية.. إنها مقاومة بلا قيادة، وهذا ما يجعل الأجهزة الأمنية في حيرة من أمرها.. كيف تعتقلون فكرة لا تملك عنوانًا ولا صورة شخصية في بطاقة التعريف الوطنية؟؟
أما السيناريو الثالث فهو المسرحية المملة التي ألفناها.. الخطاب الملكي، حيث سيطل علينا محمد السادس، بعد أن يوقظه أحد مستشاريه من سباته الطويل، ليخاطب الشعب بوجه متعب وبنبرة مصطنعة من (( التفهم )) و (( القلق ))، حيث سيقول كالعادة إنه (( متابع عن كثب ))، وأنه (( يتفهم )) مطالب الشباب، وربما سيضيف بعض الجمل الرنانة حول (( العدالة الإجتماعية )) و (( الكرامة ))، لكنه يعلم قبل غيره أنه يكذب، والشعب يعلم أنه يكذب، ومع ذلك ستُبث الأكذوبة على القنوات الرسمية وكأنها فتح سياسي عظيم.. إنها مسرحية رديئة الإخراج، يعرف جميع الحاضرين أن بطلها مجرد ممثل فاشل يؤدي دورًا لم يعد يقنع أحدًا.
السيناريو الرابع لا يقل سخافة.. إجراء إنتخابات سابقة لأوانها، بحيث كلما إشتد الخناق على القصر، هرع المخزن إلى ورقة الإنتخابات..! لكن ما جدوى صناديق الإقتراع في ظل دستور ممنوح يمنح الملك جميع السلطات ويترك للحكومة فتاتًا من الصلاحيات الشكلية؟؟ أي قيمة لتغيير الوجوه في البرلمان إذا كان الفرعون نفسه هو الذي يتحكم في القوانين والسياسات والقرارات الكبرى؟؟ إنها لعبة كراسي موسيقية تضحك على الذقون.. نفس المسرح، نفس النص، لكن بوجوه كومبارس جديدة.

السيناريو الخامس قد يكون أكثر جرأة من سابقاته، وهو إعلان تعديل دستوري يمنح للحكومة بعض السلطات الإضافية.. تنازل شكلي محسوب بدقة، أشبه ببيع هواء في قنينة، في النهاية، الملك سيبقى الآمر الناهي، والمخزن سيبقى ممسكًا بكل الخيوط، وما يُمنح في خطاب قد يُسحب بمرسوم، وما يُقدَّم كإصلاح قد يتحول إلى مجرد خدعة لتخفيف الضغط، ولنا في تجربة دستور 2011 خير مثال.. ضجيج كبير، آمال واسعة، ثم عودة سريعة إلى نفس النقطة الصفر.
في المحصلة، ما نراه ليس حلولًا سياسية، بل مجرد مناورات ملك هارب من مواجهة الحقيقة.
محمد السادس لا يريد أن يعترف بأن الشعب تغيّر، وأن الزمن تغيّر، وأن أساليبه البالية لم تعد تصلح.
جيل شباب Z ليس هو جيل الريف ولا جرادة، إنه جيل الإنترنت، جيل الوعي الرقمي، جيل لا يخاف الإعتقال لأنه بلا قائد محدد يمكن إستهدافه، ولا يبيع أوهامه في صناديق إقتراع فارغة.

المأزق التاريخي الذي يعيشه محمد السادس اليوم هو أنه ملك بلا أوراق، يحكم أمة لم تعد تخاف عصاه ولم تعد تصدق معجزاته.. أما السيناريو الحقيقي الوحيد فهو أن المخزن يتآكل، وأن الكذب لم يعد يكفي، وأن الملك لم يعد سوى ظل شاحب يتكرر في مسرحية رديئة الإخراج.
في النهاية، لا يملك محمد السادس إلا أن يواصل حياته المعتادة.. التنقل بين القصور كالسائح المترف، والغرق في هواياته الصبيانية من يخوت وخمور وسهرات، بينما الشعب يئن تحت وطأة الجوع والبطالة والقهر… لكنه ربما ينسى أن الزمن تغيّر، وأن شباب Z لا يكتفون بالشتائم على الفيسبوك، بل هم الآن على أعتاب قصوره، يطرقون الأبواب بعنف لا يوقفه لا بوليس ولا دبابات.

نصيحتي الوحيدة للملك الذي ضيّع رصيده وشرعيته، أن إحزم حقائبك وارحل بهدوء قبل أن يُكتب إسمك في كتب التاريخ كآخر ملوك العلويين (( قطاع الطرق ))، ذلك الذي أسقطه الشعب لأنه لم يفهم أن زمن الوهم إنتهى وزمن الحساب قد بدأ.
ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر










