بوابة الجزائر الإخبارية: يتوجه أكثر من 15.8 مليون ناخب مغربي غداً الأربعاء، 23 سبتمبر، إلى صناديق الاقتراع لاختيار 395 عضواً في مجلس النواب للسنوات الخمس المقبلة. ورغم مشاركة 27 حزباً في هذا السباق الانتخابي، إلا أن المشهد تظلله غيمة كثيفة من خيبة الأمل السياسي، لا سيما بين فئة الشباب. غير أن قراءة المشهد المغربي تتطلب تجاوز لغة الأرقام السطحية؛ فالنظام السياسي هناك لا يحاكي الملكيات البرلمانية بل يكرس واقعاً يحتفظ فيه القصر بالكلمة الفصل والسلطة المركزية، متجاوزاً بكثير مجرد الأدوار التمثيلية أو الشرفية.

كما تناولت الصحافة الإسبانية القراءة التفكيكية للمشهد السياسي في المغرب مؤكدة أن الصناديق في الرباط لا تُنتج تحولات جزرية بقدر ما تمنح شرعية انتخابية لمعادلة سلطوية مضبوطة بدقة
هندسة انتخابية تكرس التشتت البرلماني
لا يصوت المغاربة بشكل مباشر لاختيار رئيس الحكومة، بل يختارون نوابهم عبر نظام اللوائح (305 مقاعد للدوائر المحلية و90 للدوائر الجهوية). والمفارقة الأبرز في هذا النظام الانتخابي هي اعتماده على قاعدة حسابية (قاسم انتخابي مبني على عدد المسجلين وليس المصوتين) مصممة عملياً لمنع أي حزب من تحقيق أغلبية مريحة.
هذه “الهندسة الانتخابية” تفرض واقعاً سياسياً مجزءاً، حيث تُجبر الأحزاب الفائزة على الدخول في مفاوضات شاقة لتشكيل حكومات ائتلافية هشة. والنتيجة الحتمية لهذا التشتت هي تحجيم قدرة البرلمان على التحول إلى مركز قوة مستقل وقادر على إحداث توازن حقيقي مع مؤسسة العرش. فرغم أن الدستور ينص على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، إلا أن هذه الحكومة تظل مقيدة بتوازنات الائتلاف المشتت.
”وزارات السيادة”.. خطوط حمراء خارج سلطة الاقتراع
يتجلى الفارق الجوهري بين الديمقراطيات البرلمانية والنظام المغربي في النطاق الواسع لصلاحيات المؤسسة الملكية. فالملك محمد السادس هو من يترأس المجلس الوزاري، الذي يُعد المطبخ الحقيقي للتوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة. إلى جانب ذلك، يحتكر العاهل المغربي السلطة الدينية كما يسميه اتباعه “أمير المؤمنين”، فضلاً عن صلاحيات دستورية واسعة.

على أرض الواقع، يُترجم هذا النفوذ باحتفاظ القصر بالسيطرة المطلقة على ما يُعرف بـ “وزارات السيادة” كالدفاع، الداخلية، الخارجية، والشؤون الإسلامية. وبالتالي، فإن التغيير الذي تفرزه صناديق الاقتراع يقتصر على إعادة هيكلة الإدارة الاقتصادية والاجتماعية اليومية، دون أن يمس جوهر السلطة السياسية والاستراتيجية التي تظل محصنة داخل أسوار القصر.
الشباب خارج المعادلة: إقصاء هيكلي أم مقاطعة صامتة؟
بعيداً عن صخب الحملات الانتخابية، يبرز “العزوف” كفاعل رئيسي في هذه المحطة. الأرقام تكشف عن خلل بنيوي عميق: 3% فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً مسجلون في اللوائح الانتخابية، رغم أنهم يمثلون نحو 12% من التركيبة السكانية للمغرب.

هذا الإقصاء ليس مجرد نتيجة لانعدام الثقة في الأحزاب السياسية أو الإحباط من غياب التغيير، بل هو أيضاً نتاج عقبة إجرائية تتمثل في عدم تلقائية التسجيل في اللوائح الانتخابية، مما يوسع الهوة بين الكتلة الناخبة المحتملة وتلك المسجلة فعلياً. ورغم وعود الأحزاب بخلق فرص عمل للشباب، إلا أن هذه الشعارات تصطدم بواقع شبابي يرى في الانتخابات مسرحية لا تعنيه.
تعتيم ديمغرافي وتهميش لاقتراع المهاجرين
تغيب عن هذه الانتخابات أدوات القياس الديمقراطي المتعارف عليها دولياً؛ فالقانون المغربي يحظر نشر استطلاعات الرأي خلال فترة الانتخابات، مما يترك الناخبين في حالة من العمى الديمغرافي حتى لحظة إغلاق الصناديق.
من جهة أخرى، يواجه مغاربة المهجر تهميشاً مركباً. فبالرغم من حقهم النظري في المشاركة، يفتقر النظام الانتخابي لآليات التصويت المباشر في القنصليات، مُجبراً إياهم على اللجوء إلى نظام “التصويت بالوكالة” المعقد والذي يحد من فاعلية مشاركتهم.
صراع على هوامش السلطة
تنحصر المعركة الانتخابية غداً بين التحالف الحكومي المنتهية ولايته — ممثلاً في التجمع الوطني للأحرار (RNI)، وحزب الأصالة والمعاصرة (PAM)، وحزب الاستقلال — وبين معارضة مشتتة يحاول فيها حزب العدالة والتنمية (PJD) لملمة جراحه بعد انهياره المدوي في انتخابات 2021.

يتنافس هؤلاء على تصدر المشهد وتولي واجهة الجهاز التنفيذي، لكن الحقيقة الثابتة التي تقبع خلف صناديق الاقتراع هي أن الأحزاب تتصارع على إدارة الحكومة، بينما تظل بوصلة الدولة وقراراتها الاستراتيجية الكبرى ثابتة في يد المؤسسة الملكية.
















































