بقلم : العربي مازيغ
بوابة الجزائر الإخبارية: كما كان منتظرا غصت شوارع فرنسا اليوم السبت بالمتظاهرين الذين خرجوا بالآلاف فرنسا في الشارع “ماكرون ديكتاتور” لنداء أحزاب اليسار والنقابات والهيئات الطلابية وتنظيمات المجتمع المدني.
واحتجاجا على قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد تعيينه لميشال بارنييه رئيسا للوزراء وعلى سياسته التي أدخلت البلاد في أتون أزمة سياسية منذ بداية عهدته الثانية سار الفرنسيون في أكثر من 150 نقطة تظاهر في عموم فرنسا.

وعندما كان ميشال بارنييه يزور إحدى المستشفيات بالعاصمة باريس بدل أن يبدا في المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة كان المتظاهرون وفي مقدمتهم مناضلو حزب فرنسا الأبية (أقصى اليسار) يتهمون ماكرون بإنكار الديمقراطية وسرقة الانتخابات وبأنه ديكتاتور عندما رفض تعيين مرشح الجبهة الشعبية الجديدة التي فازت في الانتخابات البرلمانية المسبقة في جويلية الماضي.
وزيادة على قربه من التجمع الوطني (اليمين المتطرف) وتقاطعه مع لوبان في قضايا الهجرة والقدرة الشرائية رفع المتظاهرون في وجه رئيس الحكومة المعين الذي ينتمي إلى معسكر الجمهوريين (يمين الوسط) شعارات أخرى تتعلق بالحريات الفردية.

من أزمة التعيين إلى أزمة الثقة
ومباشرة بعد تعيينه الخميس، لاحت أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أزمة جديدة هي أزمة الثقة التي يجب أن تنالها الحكومة الجديدة التي يقودها بارنييه وهو في خريف العمر (73 سنة).
وبعد بحث استمر لشهرين عين ماكرون بارنييه الذي كان المفوض السابق للاتحاد الأوروبي بشأن خروج بريطانيا من التكتل القاري (البريكسيت) وهو يأمل في أن يشكل حكومة توحد البلاد وتجمع شتات الطبقة السياسية الفرنسية المقسمة إلى ثلاثة تكتلات في البرلمان الجديد.
وفي أول مقابلاته التلفزيونية اعترف ميشال بارنييه بأن حكومته تفتقر للأغلبية الواضحة وأنها ستضم سياسيين محافظين (يعني يمينيين يقتربون من اليمين المتطرف) ووزراء من معسكر ماكرون (ماكرونيين) مع أمله في أن يجد بعض المنتمين إلى اليسار ليحملوا بعض الحقائب الوزارية أو الوظائف الحكومية.
وحتى إن نالت حكومة الأزمة الثقة في البرلمان فستكون مهمتها صعبة جدا لدفع الإصلاحات السياسية وسط هذا الانقسام الحاد بين الفرنسيين ولتمرير الموازنة العامة للبلاد لعام 2025 (قانون المالية ل 2025) ولاسيما أن فرنسا تواجه حاليا ضغوطا أوروبية وأخرى من أسواق السندات من أجل خفض عجز موازنتها.
“بارنييه” لا يحظى بتأييد الفرنسيين
وزيادة على أحزاب اليسار، النقابات العمالية، الهيئات الطلابية والمدنية التي غزت الشوارع اليوم السبت لا يحظى رئيس الحكومة الفرنسية المعين بتأييد غالبية الفرنسيين.
وأظهرت استطلاعات نشرتها مؤسسة إيلاب لسبر الآراء أمس الجمعة أن 74 في المائة من الفرنسيين (3 من 4 فرنسيين) يعتقدون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاهل نتائج الانتخابات البرلمانية وأن 55 في المائة منهم يؤكدون بأنه سرقها (2 من 4 فرنسيين).
ومرد ذلك أن رئيس الوزراء المعين “يتيم سياسيا” فهو ينتمي لحزب الجمهوريين الذي حل خامسا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وهو لا يمتلك 50 مقعدا في الجمعية الوطنية الجديدة.

وزاد من متاعب بارنييه الذي يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة اليوم السبت موقف اليمين المتطرف الذي كشف عن تحالف خفي بين ماكرون ولوبان من أجل ضمان الاستقرار السياسي لوزراء بارنييه ولو لبعض الوقت.
وفور إعلان الاسم الذي ينتمي لفريق لم يشارك في الجدار الذي منع اليمين المتطرف من الوصول إلى الحكم قدم التجمع الوطني موافقته الضمنية على بارنييه ولكنه أشار إلى وجود عدد من الشروط التي يجب الموافقة عليها أولا للتصويت بالثقة للحكومة الجديدة.
ويريد اليمين المتطرف أن يلعب ورقة حجب الثقة من أجل الضغط على بارنييه سواء فيما يتعلق بالتعيينات أو السياسة العامة للحكومة وهو ما أشار إليه بشكل علني رئيس الحزب جوردان بارديلا الذي قال السبت لإحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية أن رئيس الوزراء تحت الملاحظة وأنه لا يمكنه أن يفعل أي شيء دون التجمع الوطني.
فهل أجهض ماكرون الجدار الوطني الذي كان يحاول في جويلية الماضي حماية الجمهورية الفرنسية الخامسة من السقوط في الغوغائية أم أنه قايض على مستقبله السياسي بتفجير بعض الألغام الداخلية (الهجرة والأقليات) والخارجية (السيادة والبيئة) وهو ما قد يرتد إليه في حالة تحالف الجبهة الشعبية الجديدة والتجمع الوطني لحجب الثقة عن بارنييه وهو تحالف “ظرفي” و”برغماتي” لا علاقة له بالسياسة ولا بالتوجهات وإنما لتوزيع أوراق البوكر الفرنسية من جديد.












