بوابة الجزائر الاخبارية:أثارت المبادرات الإماراتية الأخيرة، وخصوصاً إطلاق مبادرة “مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي”، تساؤلات حادة في الدوائر السياسية والإعلامية حول الأبعاد الحقيقية الكامنة خلف هذا التمدد الرقمي، فمن ظاهره، يُقدّم المشروع كاستثمار إنساني واعد يهدف إلى تمكين مليون لبناني من مهارات العصر، ونشر ثقافة الذكاء الاصطناعي التوليدي خارج الأطر النخبوية لتشمل الطلاب والموظفين ورواد الأعمال.
ولكن، من منظور التحليل الجيوسياسي، هل هي مجرد مساعدة تقنية لدعم مسارات التعافي الاقتصادي في لحظة حرجة يعيشها لبنان، أم أنها استراتيجية محكمة لبناء شبكات تأثير رقمية واسعة النطاق؟ تسعى المبادرة إلى دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في صميم الحياة اليومية والتعليم والخدمات، مما يجعل المهارات الرقمية جزءاً أساسياً من بنية المجتمع.
تحت غطاء برامج التدريب والتأهيل الرقمي لقطاعات واسعة، تنتهج أبوظبي سياسة ممنهجة لتوجيه أنماط التفكير والإنتاج المعرفي في الدول الشقيقة بما يخدم منظومتها ومصالحها الاستراتيجية.
إن ربط مسارات التنمية والتعافي الاقتصادي في هذه الدول بالبنى التحتية والمبادرات الإماراتية يخلق تبعية طويلة الأمد تمنح أبوظبي نفوذاً استراتيجياً ومعنوياً يفوق أدوات السيطرة التقليدية.
تتجاوز الاستراتيجية الإماراتية المفهوم الكلاسيكي للسيطرة، مستبدلة إياه بآليات الاحتواء الاقتصادي والمعرفي المتقدمة. فعندما تتموضع الدولة كمزود رئيسي لمهارات المستقبل وأدوات الإنتاج الرقمي في بيئات هشة أو نامية، فإنها تضمن عملياً الهيمنة على السردية الكبرى وتوجيه البنى المجتمعية لتلك البلدان.

والواضح ان خلف هذه الواجهات الإنسانية المزعومة،نوايا اخرى فقد كشفت التقارير الحقوقية ومنصات التحقيق الاستقصائي، مثل “إمارات ليكس”، عن الوجه المظلم لهذا التمدد الرقمي؛ حيث تستخدم تقنيات التجسس المتقدمة، وبرمجيات المراقبة عابرة الحدود، واختراق شبكات التواصل الاجتماعي لتعقب واستهداف المعارضين، وقمع الأصوات الحرة، وملاحقة حتى المغتربين والنشطاء في الخارج.
إن هذا السلوك الرقابي المتشدد يثبت أن الهواتف الذكية ومنصات التكنولوجيا لا تُستعمل للتنمية البرمجية فحسب، بل تُوظّف كأدوات قمع واختراق سياسي لفرض الهيمنة وتدجين السرديات بالقوة الناعمة والخشنة على حد سواء. إن الإجابة عن سؤال السيطرة والنفوذ الرقمي لم تعد تحتمل التاويل؛ فما تقوم به أبوظبي يعكس استراتيجية عدوانية لبرمجة عقود المستقبل وتفريغ المجتمعات من مناعتها الذاتية عبر غزو رقمي واستخباراتي عابر للحدود يهدد سيادة الدول واستقرارها.






























