الغاز والجيش والمتوسط والساحل أوراق حوّلها الرئيس تبون إلى قوة تفاوضية.. والجزائر تثبت موقعها رابع اقتصاد ورابع قوة إفريقية
بوابة الجزائر الإخبارية: حين وضعت دراسة استشرافية دولية الجزائر ضمن الدول الإفريقية الست الأكثر قدرة على ممارسة النفوذ حتى عام 2050، لم تكن تمنحها موقعًا بروتوكوليًا في ترتيب قاري جديد، بقدر ما كانت تقيس نتيجة مسار سياسي واستراتيجي سبق به رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون التحولات التي بدأت اليوم تعيد تشكيل إفريقيا والعالم. فالجزائر التي تصنفها الدراسة رابع أكبر اقتصاد في القارة ورابع قوة إفريقية في مؤشر القوة العالمية، لم تبلغ هذا الموقع اعتمادًا على الغاز وحده، وإنما بفضل منظومة متكاملة تجمع السيادة في القرار، والقدرة الدفاعية، والتموقع المتوسطي، والعودة القوية إلى العمق الإفريقي والساحلي.

وتبدو الخريطة التي رسمها معهد الدراسات الأمنية الإفريقي حتى منتصف القرن أقرب إلى تثبيت دولي لصواب الخيارات التي انتهجها الرئيس تبون منذ توليه قيادة البلاد، عندما أعاد ترتيب الأولويات انطلاقًا من أن القوة الجزائرية لا يمكن أن تبقى رهينة مورد واحد، وأن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ ما لم تدعمه دولة قوية، واقتصاد أكثر تنوعًا، وجيش قادر على حماية القرار الوطني، ودبلوماسية تتحرك باستقلالية بين إفريقيا والمتوسط والعالم العربي.
وبهذا المعنى، لا تقرأ الدراسة مستقبل الجزائر من فراغ؛ إذ تجد أمامها دولة استعادت زمام المبادرة، ورفعت سقف طموحها الاقتصادي، وأعادت الاعتبار للصناعة والمناجم والزراعة الاستراتيجية والبنية التحتية الكبرى، بالتوازي مع توسيع علاقاتها الإفريقية وتنويع شركائها الدوليين. وهي خيارات تكشف أن الرئيس تبون لم يتعامل مع التحولات العالمية بمنطق رد الفعل، بل استشرف مبكرًا انتقال مركز الثقل نحو عالم متعدد الأقطاب، تتراجع فيه التبعية لمركز واحد وتزداد فيه قيمة الدول التي تملك الطاقة والموقع والقدرة الدفاعية وحرية القرار.
وتمنح النسخة المحدثة من دراسة «إفريقيا في العالم 2043»، الصادرة عن برنامج «African Futures and Innovation» التابع لمعهد الدراسات الأمنية، لهذا المسار أبعادًا رقمية قابلة للقياس. فقد استندت إلى نموذج «International Futures» الذي يربط الاقتصاد والسكان والتكنولوجيا والطاقة والتجارة والحوكمة والأمن، واختبرت موقع القارة ودولها الكبرى داخل أربعة سيناريوهات تمتد إلى 2050: عالم مستدام، وعالم تقوده الأسواق والنمو، وعالم منقسم إلى تكتلات متنافسة، وعالم تغلب عليه الحروب والعسكرة.
وعبر هذه المسارات المتناقضة، تبقى الجزائر داخل الدائرة الإفريقية الضيقة القادرة على التأثير، ما يعني أن وزنها لا يرتبط بظرف دولي مؤقت ولا بسيناريو واحد ملائم، بل يستند إلى أصول استراتيجية تستطيع الصمود في بيئات مختلفة. وهذا هو الإنجاز الأعمق في الرؤية التي يقودها الرئيس تبون: بناء دولة تحتفظ بقيمتها سواء اتجه العالم إلى التعاون أو الانقسام، وسواء توسعت الأسواق أو اشتدت المنافسة على الطاقة والممرات ومناطق النفوذ.
اعتراف دولي بقوة بنتها الجزائر
تكشف الأرقام حجم الموقع الذي حصّنته الجزائر خلال السنوات الأخيرة. فمن حيث الناتج المحلي الإجمالي بأسعار صرف السوق، جاءت رابع أكبر اقتصاد إفريقي في 2025، بعد نيجيريا ومصر وجنوب إفريقيا، ومتقدمة على اقتصادات إفريقية وُصفت لسنوات بأنها مرشحة لقيادة النمو القاري. كما احتلت المرتبة الرابعة إفريقيًا في مؤشر القوة العالمية، والمرتبة الخمسين من أصل 188 دولة، بعد مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا مباشرة. ويقيس المؤشر الاقتصاد والسكان والتكنولوجيا والموارد والمؤسسات والقدرات العسكرية، ولا يختزل القوة في الناتج الخام أو عدد السكان.
هذه المكانة لا يمكن فصلها عن التحول الذي قاده الرئيس تبون في تصور الدولة لاقتصادها. فبدل الاكتفاء بإدارة العائدات النفطية، جرى توجيه السياسات نحو استعادة القاعدة الإنتاجية، وإطلاق استثمارات ضخمة في المناجم والسكك الحديدية والصناعة والزراعة والطاقة وتحلية المياه، مع منح الصادرات خارج المحروقات والمؤسسات الوطنية والأسواق الإفريقية موقعًا متقدمًا في الأجندة الاقتصادية.
ولذلك، عندما تسجل الدراسة أن الجزائر رابع اقتصاد في إفريقيا، فإنها تقيس قاعدة قائمة بالفعل، لكن الرقم يكتسب معناه الاستراتيجي من المشاريع التي يُراد بها نقل الاقتصاد إلى مرحلة أعلى. فالرهان على غارا جبيلات لا يتعلق باستخراج الحديد فقط، وإنما ببناء سلسلة صناعية ولوجستية تمتد من المنجم إلى السكك والتحويل والتصدير. كما أن توسيع شبكة السكك والطرق نحو الجنوب لا يقتصر على فك العزلة الداخلية، بل يؤسس لممرات قارية تربط المتوسط بالساحل والأسواق الإفريقية.
وبالمثل، لم يعد الأمن الغذائي في رؤية الرئيس تبون مجرد ملف اجتماعي يُدار بالاستيراد، بل تحول إلى قضية سيادية مرتبطة بالإنتاج المحلي وتوسيع المساحات المزروعة واستقطاب الاستثمارات الكبرى وتطوير الزراعات الاستراتيجية في الجنوب. أما تحلية مياه البحر، فقد انتقلت من استجابة للضغط المائي إلى بنية سيادية تحمي المدن والاقتصاد من تقلبات المناخ، وتحرر الموارد التقليدية لصالح الزراعة والتنمية.
هكذا تُبنى القوة التي تقيسها النماذج الدولية: ليست رقمًا واحدًا، وإنما قدرة الدولة على تأمين الطاقة والمياه والغذاء والبنية التحتية والدفاع، ثم تحويل هذه العناصر إلى استقلال في القرار وهامش أوسع في التفاوض.
تبون قرأ التحول قبل اكتماله
تكمن القيمة الاستشرافية لسياسة الرئيس تبون في أنها تعاملت مبكرًا مع عالم لم يعد يحتمل الارتهان لمحور واحد. فقد حافظت الجزائر على علاقاتها الاقتصادية العميقة مع أوروبا، ووسعت في الوقت نفسه شراكاتها مع الصين والهند وتركيا وروسيا ودول الخليج وإفريقيا، من دون أن تسمح بتقليص قرارها السيادي إلى وظيفة داخل اصطفاف دولي مغلق.
وهذا التوازن ليس حيادًا سلبيًا، بل سياسة قوة. فالدولة التي تمتلك موردًا استراتيجيًا وموقعًا حساسًا وتنوعًا في الشركاء تستطيع المفاضلة بين العروض، ورفع شروطها، وتوجيه الاستثمارات نحو أولوياتها الوطنية. أما الدولة التي ترتبط بسوق أو ممول أو حليف واحد، فتدخل أي تفاوض من موقع التبعية مهما بدت أرقام استثماراتها مرتفعة.
وتؤكد دراسة «إفريقيا في العالم» أن الصين والهند ودول الخليج وتركيا أصبحت مصادر متزايدة لرأس المال والتجارة والبنية التحتية والشراكات الأمنية، بينما بقيت أوروبا فاعلًا مركزيًا. وفي هذا العالم المتعدد، تحصل الدول الإفريقية على مساحة أكبر لاعتماد سياسة تنويع تنافسية، وهو بالضبط المسار الذي اختارته الجزائر بقيادة الرئيس تبون: شراكات مفتوحة، لكن القرار جزائري؛ استثمارات مرحب بها، لكن ضمن الأولويات الوطنية؛ وعلاقات دولية واسعة، من دون التنازل عن الثوابت أو مقايضة السيادة بالمكاسب الآنية.
كما وردت الجزائر ضمن الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين للهند في إفريقيا، إلى جانب نيجيريا وجنوب إفريقيا وأنغولا ومصر وكينيا والمغرب وموزمبيق. ولا يمثل هذا الإدراج تفصيلًا تجاريًا، بل دليلًا على نجاح سياسة تنويع المنافذ الاقتصادية في وقت تنتقل فيه حركة التجارة والاستثمار العالمية تدريجيًا نحو آسيا والجنوب العالمي.
فالرئيس تبون لم ينتظر حتى يكتمل تراجع النظام الأحادي القطبية ليعيد توجيه البوصلة، بل بنى منذ البداية مقاربة تحافظ على أوروبا شريكًا أساسيًا وتفتح، في الوقت نفسه، الاقتصاد الجزائري أمام أقطاب صاعدة. وبذلك أصبحت الجزائر تتعامل مع التحول العالمي باعتباره فرصة لتعظيم مصالحها، لا أزمة تفرض عليها اختيار معسكر ضد آخر.

ست دول فقط تملك أدوات النفوذ
تظهر قوة الجزائر بصورة أوضح عندما تنتقل الدراسة من قياس الإمكانات العامة إلى تقييم أدوات الفعل الخارجي الفعلية. فمؤشر الدبلوماسية والقوة العسكرية والاقتصاد، المعروف اختصارًا بـ«DiME»، يضع الجزائر ضمن ست دول إفريقية فقط تمتلك أكبر قابلية لممارسة النفوذ حتى 2050، إلى جانب مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا والمغرب وليبيا.
ويقيس هذا المؤشر ما تستطيع الدولة استخدامه عمليًا: شبكة السفارات والمشاركة في المعاهدات، والقدرة العسكرية من حيث الأفراد والتجهيزات والإمكانات الاستراتيجية، والقاعدة الاقتصادية التي تشمل السوق والموارد المالية. وبذلك، لا يسأل المؤشر عن حجم الدولة فقط، وإنما عما تستطيع فعله بقدراتها.
وهنا تحديدًا تظهر حصافة القيادة الجزائرية. فعدد السكان يمنح دولًا إفريقية أخرى أسواقًا ضخمة، لكنه لا يصنع وحده سياسة خارجية مؤثرة. كما أن النمو السريع لا يتحول آليًا إلى نفوذ إذا غابت المؤسسات والقدرة الدفاعية والاستقلالية الدبلوماسية. أما الجزائر، فقد راكمت منظومة دولة متماسكة تستطيع الجمع بين الاقتصاد والجيش والدبلوماسية، وتحويل هذه الأدوات إلى حضور يتجاوز حدودها المباشرة.
وتشير الدراسة إلى أن نيجيريا ستتفوق ديمغرافيًا على معظم منافسيها، لكنها لا تمتلك الانتشار المؤسسي للشركات الجنوب إفريقية، ولا الموقع الاستراتيجي المصري، ولا ما تمتلكه الجزائر من موارد هيدروكربونية وقدرة عسكرية. وهذه المقارنة تكشف أن الثقل الجزائري لا يقوم على ورقة عابرة، بل على تداخل أصول يصعب جمعها داخل دولة واحدة.
كما أن تصنيف الجزائر ضمن القوى الست الأكثر نفوذًا لا يعني أنها تتساوى مع بقية الدول في طبيعة تأثيرها. فالجزائر تتميز بقرارها السيادي وبعدم وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، وبجيش عقيدته دفاعية وقدراته مصممة لحماية دولة شاسعة وحدود من بين الأطول والأكثر تعقيدًا في القارة. ولذلك، تتحول القوة العسكرية في الحالة الجزائرية إلى ضمانة للاستقرار والاستقلال، لا إلى أداة لفرض الوصاية على الجوار.
أربع أوراق صنع منها تبون بوابة إفريقيا
تلخص الدراسة موقع الجزائر في أربع كلمات ثقيلة استراتيجيًا: الغاز، والبحر المتوسط، والقدرة العسكرية، والوصول إلى الساحل. وبهذه العناصر، تصنفها ضمن «دول البوابة» التي تتنافس واشنطن وبكين وبروكسل وموسكو وأنقرة والرياض على بناء العلاقات معها، لأن كل قوة دولية تبحث في إفريقيا عن دولة تمنحها منفذًا إلى الطاقة أو الأسواق أو الممرات أو الأمن الإقليمي.
غير أن الرئيس تبون لم يتعامل مع هذه الأوراق باعتبارها امتيازات جغرافية جامدة، بل شرع في تحويلها إلى سياسة مترابطة. فالغاز لم يعد مجرد سلعة للتصدير، وإنما أصبح عنصرًا في أمن الطاقة الأوروبي وأداة لبناء شراكات طويلة الأمد قائمة على موثوقية الجزائر واحترامها لتعهداتها. وفي أشد مراحل اضطراب أسواق الطاقة، قدمت الجزائر نفسها موردًا مسؤولًا لا يستخدم العقود للمساومة السياسية ولا يفرط، في المقابل، في مصالحه السيادية.
كما أن الموقع المتوسطي لم يعد مجرد واجهة بحرية، بل قاعدة للربط بين أوروبا والعمق الإفريقي. فالموانئ والطرق والسكك وخطوط الطاقة والاتصالات يمكنها، ضمن الرؤية الاقتصادية الجديدة، أن تجعل الجزائر معبرًا للإنتاج والتجارة والاستثمار، بدل بقائها نهايةً لمسارات قادمة من الخارج.
أما القدرة العسكرية، فقد حافظ الرئيس تبون على موقعها بوصفها الدرع الذي يحمي التنمية والقرار الوطني في محيط تتسع فيه الحروب والجريمة المنظمة والإرهاب والتدخلات الأجنبية. فاقتصاد بلا أمن يبقى معرضًا للابتزاز، وموقع بلا قوة حماية يتحول إلى مطمع، وموارد بلا سيادة قد تصبح عبئًا على أصحابها. ولذلك، فإن الجمع بين بناء الاقتصاد وتعزيز الجيش ليس تناقضًا، بل هو الشرط الذي يسمح للجزائر بتحويل ثرواتها إلى قوة وطنية محمية.
وتبقى ورقة الساحل الأكثر تعبيرًا عن الرؤية الاستشرافية للرئيس تبون. فالجزائر أدركت أن حدودها الجنوبية لا تُحمى فقط بالمراقبة، وإنما ببناء جوار مستقر وقادر على إدارة أراضيه ومؤسساته. ومن هنا جاء الانتقال من المقاربة الأمنية الضيقة إلى شراكات تشمل الكهرباء والطاقة والتكوين والبنية التحتية والتجارة، بما يجعل التنمية خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الجزائري.
وهذا ما يمنح التحركات الجزائرية مع مالي والنيجر وتشاد معناها الكامل. فالجزائر لا تبحث عن دول تابعة تدور في فلكها، وإنما عن محيط قوي يحمي سيادته ويمنع تحويل الساحل إلى ساحة مفتوحة للتنظيمات الإرهابية وشبكات التهريب والقوى الأجنبية. إنها براغماتية تحترم الجوار، لكنها تحمي الجزائر في العمق؛ وتقدم التنمية، لكنها تبني في الوقت نفسه مصالح استراتيجية بعيدة المدى.
الغاز بداية القوة لا نهايتها
ترى الدراسة أن أهمية الجزائر بالنسبة إلى أوروبا ارتفعت مع بحث القارة عن تنويع مصادر الغاز وتقليص مخاطر الاعتماد على موردين أو ممرات محددة. غير أن الرؤية التي يقودها الرئيس تبون تتجاوز تثبيت الجزائر في وظيفة المورد التقليدي؛ إذ تتجه إلى توسيع الاستكشاف والإنتاج والبتروكيمياء، بالتوازي مع فتح مسارات للطاقات المتجددة والهيدروجين والربط الكهربائي.
ويحمل هذا الانتقال أهمية حاسمة، لأن القيمة الاقتصادية للغاز لا تكمن فقط في تصديره خامًا، بل في استخدامه رافعة للصناعة والتحويل والأسمدة والحديد والصلب والطاقة الكهربائية، ثم توجيه عائداته لتمويل أصول إنتاجية تستمر بعد تغير أسواق المحروقات.
ولهذا، فإن المكانة التي تمنحها الدراسة للجزائر ليست دعوة إلى الاطمئنان، بل شهادة على قاعدة يمكن البناء فوقها. والميزة هنا أن القيادة الجزائرية شرعت بالفعل في هذا البناء، من خلال استعادة المشاريع المنجمية الكبرى، وتوسيع السكك الحديدية، ودعم الصناعات التحويلية، وإعادة هيكلة مناخ الاستثمار، وإعطاء الأولوية للإنتاج الوطني والتصدير.
كما أن الجزائر تمتلك فرصة لتتحول من مورد للطاقة إلى منصة متعددة للطاقة بين إفريقيا وأوروبا، تجمع الغاز والكهرباء والهيدروجين والطاقات المتجددة والخدمات الهندسية. وإذا اكتمل هذا التحول، فلن تعود قيمتها مرتبطة بحجم احتياطاتها فقط، بل بموقعها داخل منظومة إنتاج ونقل وتوزيع تتجاوز حدودها.
2050 ليس تحذيرًا بل سباقًا بدأته الجزائر
تتوقع الدراسة تغيرًا واسعًا في ترتيب الاقتصادات الإفريقية بحلول منتصف القرن، مع صعود إثيوبيا وكينيا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية بفعل النمو السكاني واتساع الأسواق وتراكم الاستثمارات. وترجح أن تتجاوز إثيوبيا حجم الاقتصاد الجزائري وربما اقتصاد جنوب إفريقيا أيضًا، إذا نجحت في تحويل كتلتها الديمغرافية إلى إنتاجية وصناعة.
لكن هذا الصعود لا يعني انكماش الجزائر، بل يعكس نمو دول أخرى بوتيرة أسرع داخل مؤشرات تمنح أفضلية واضحة للأسواق ذات مئات الملايين من السكان. ولذلك، لا ينبغي قراءة تغير الترتيب باعتباره تراجعًا حتميًا، خصوصًا أن السيناريوهات الاستشرافية ليست أحكامًا نهائية، وإنما مسارات تتغير بتغير السياسات والاستثمارات والإنتاجية.
وهنا تظهر أهمية الاستباق الذي طبع الخيارات الاقتصادية للرئيس تبون. فالجزائر لا تستطيع الدخول في منافسة عددية مع دول ذات كتل سكانية ضخمة، لكنها تستطيع التفوق في نوعية الاقتصاد، ونصيب الفرد من الدخل، وكفاءة البنية التحتية، وأمن الطاقة، والتكنولوجيا، والصناعة، والقدرة على الوصول إلى الأسواق. وهذا هو المسار الذي يجعل الإنتاجية، لا العدد وحده، أساس القوة الجزائرية في 2050.
كما تحافظ الجزائر، وفق النمذجة، على حضورها ضمن الاقتصادات الإفريقية المتقدمة نسبيًا في نصيب الفرد من الناتج وفق تعادل القوة الشرائية. ويؤكد ذلك أن قياس المستقبل بحجم الناتج الكلي وحده قد يظلم الدول التي تجمع بين اقتصاد كبير نسبيًا وعدد سكان أقل من العمالقة الديمغرافيين.
والأهم أن الجزائر تبقى ضمن مجموعة الدول المؤثرة في جميع السيناريوهات، بما فيها العالم المنقسم والعالم الغارق في الحروب. وهذا يعني أن الغاز والجيش والموقع والدبلوماسية تمنحها قدرة على امتصاص الصدمات، بينما يوفر التنويع الاقتصادي الجاري فرصة لتحسين موقعها بدل الاكتفاء بالدفاع عنه.
نفوذ الجزائر يتحول إلى مكسب إفريقي
ترى الدراسة أن صعود القوى الإفريقية لا يتحول تلقائيًا إلى قوة جماعية للقارة، لأن الدول الكبرى قد توجه قدراتها نحو منافساتها الإقليمية أو علاقاتها الخارجية بدل بناء مواقف مشتركة. ولهذا يصبح الاتحاد الإفريقي ومنطقة التجارة الحرة القارية والتكامل في البنية التحتية عناصر أساسية لتحويل القدرات الوطنية إلى وزن تفاوضي قاري.
وتنسجم هذه الخلاصة مع التصور الإفريقي للرئيس تبون، الذي أعاد القارة إلى صدارة السياسة الخارجية الجزائرية، انطلاقًا من أن الجزائر لا تستطيع فصل مستقبلها الاقتصادي والأمني عن مستقبل إفريقيا. ففتح الأسواق أمام المؤسسات الجزائرية، وربط الطرق والسكك والطاقة جنوبًا، وتعزيز التجارة الحدودية، ودعم الاستقرار في الساحل، ليست ملفات متجاورة، وإنما أجزاء من مشروع واحد يجعل الجزائر بوابة بين القارة والمتوسط.
كما يمنح تراجع النفوذ التقليدي لبعض القوى الأوروبية وصعود الصين والهند وتركيا ودول الخليج الجزائر هامشًا أوسع للوساطة والتفاوض. فالدولة التي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع الأقطاب المختلفة تستطيع أن تكون جسرًا لا تابعًا، وأن توجه المنافسة الخارجية نحو التمويل والتكنولوجيا ونقل الخبرة بدل السماح بتحويلها إلى صراع نفوذ فوق الأراضي الإفريقية.
وبذلك، تصبح المكانة الجزائرية مكسبًا للقارة عندما تستخدم في الدفاع عن سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية، وتسوية الأزمات بالحوار، وإنجاز مشروعات تربط الاقتصادات بدل تكريس التبعية. وهذا هو الفارق بين نفوذ يبحث عن الهيمنة ونفوذ يصنع الاستقرار؛ فالجزائر بقيادة الرئيس تبون لا تتطلع إلى إفريقيا باعتبارها مجالًا للسيطرة، بل امتدادًا طبيعيًا لأمنها واقتصادها ودورها التاريخي.
وتشير الدراسة إلى أن اقتصاد إفريقيا قد يتجاوز 17 تريليون دولار بحلول 2050 في سيناريو العالم المستدام، مقارنة بنحو 3.4 تريليون دولار في 2025، بينما لا يتجاوز 9.6 تريليونات دولار في سيناريو العالم الغارق في الحرب. كما لا تتعدى التجارة البينية الإفريقية حاليًا 16.3 بالمائة من إجمالي تجارة القارة، ما يكشف حجم الفرصة التي يمكن أن تستفيد منها الجزائر عبر الإنتاج واللوجستيك والطاقة والخدمات المالية والرقمية.
ومن ثم، فإن أفضل ضمانة لاستمرار القوة الجزائرية ليست انتظار الأزمات العالمية للاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة، بل المساهمة في بناء قارة أكثر استقرارًا وترابطًا. فكل طريق يتجه جنوبًا، وكل خط سكة يفتح منفذًا إفريقيًا، وكل مشروع كهرباء أو اتصالات أو تجارة حدودية، يوسع السوق الجزائرية ويخفض كلفة العزلة الجغرافية ويحول الأمن إلى قيمة اقتصادية.

الجزائر التي رآها تبون قبل أن تقيسها النماذج
لا تقدم دراسة معهد الدراسات الأمنية الإفريقي مجاملة سياسية للجزائر، بل تضع أرقامًا خلف حقيقة عمل الرئيس تبون على تثبيتها: الجزائر دولة محورية لا يمكن اختزالها في الغاز، ولا تجاوزها في ترتيبات المتوسط والساحل، ولا التعامل معها باعتبارها سوقًا تابعة أو طرفًا قابلًا للضغط.
فهي رابع اقتصاد إفريقي في نقطة الانطلاق التي يعتمدها النموذج، ورابع قوة في القارة ضمن مؤشر يجمع الاقتصاد والتكنولوجيا والسكان والموارد والجيش، وواحدة من ست دول فقط تمتلك أدوات نفوذ عملية تمتد حتى 2050. وفوق ذلك، تصنفها الدراسة دولة بوابة تمنح العالم وصولًا إلى الغاز والمتوسط والساحل، وتحمي هذه المكانة بقدرة عسكرية وقرار سياسي مستقل.
غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الترتيب وحده، وإنما في أن الرئيس تبون قرأ مبكرًا ما تقيسه الدراسة اليوم. فقد أدرك أن السيادة الاقتصادية تبدأ بالإنتاج، وأن الأمن القومي يمتد إلى الساحل، وأن الغاز ينبغي أن يمول اقتصاد ما بعد الغاز، وأن التوازن بين الشركاء يحمي القرار الوطني، وأن إفريقيا ليست هامشًا للسياسة الخارجية، بل المجال الذي ستُختبر فيه قوة الجزائر خلال العقود المقبلة.
وبينما ترسم النماذج أربعة عوالم محتملة حتى 2050، تبني الجزائر مسارها الخاص بقيادة رئيس جعل الاستشراف جزءًا من القرار، وحوّل الجغرافيا من قدر ثابت إلى رصيد اقتصادي، والطاقة من مورد مالي إلى ورقة سيادية، والجيش من قوة دفاعية إلى ضمانة للاستقرار، والانتماء الإفريقي من ذاكرة تاريخية إلى مشروع نفوذ وتنمية.
لهذا، لا يتعلق السؤال بما إذا كانت الجزائر ستظل قوة إفريقية مؤثرة؛ فالدراسة تجيب عن ذلك بوضوح. السؤال الحقيقي هو إلى أي مدى ستنجح في تحويل هذا النفوذ إلى صناعة وتكنولوجيا وصادرات وشبكات قارية قبل 2050. والمؤشرات الحالية تقول إن الجزائر لم تنتظر المستقبل حتى يفاجئها، لأن الرئيس تبون بدأ بالفعل في بناء الدولة التي تريد أن تصل إليه.















