زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر تتجاوز استعادة العلاقات الثنائية نحو بناء حزام استراتيجي يجمع الأمن بالطاقة والتنمية ويحمي سيادة دول المنطقة
بوابة الجزائر الإخبارية: يكسب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون واحدة من أكثر معارك الأمن القومي الجزائري تعقيدًا من دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة أو سباق نفوذ مكلف، مستندًا إلى براغماتية أعادت وصل ما قطعته التوترات مع مالي، وحوّلت التضامن مع النيجر وتشاد إلى شراكات طاقوية وتنموية. فبدل انتظار التهديدات عند الحدود الجنوبية، تنقل الجزائر دفاعاتها الاستراتيجية إلى المجال الذي تتشكل فيه المخاطر، عبر بناء جوار قوي يحمي سيادته، ويستعيد قدرته على ضبط أراضيه ومؤسساته.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز زيارة الوزير الأول، رئيس حكومة مالي، عبد الله مايغا، إلى الجزائر في 24 أغسطس 2026، مجرد استئناف للعلاقات الثنائية؛ إذ تستكمل ضلعًا سياسيًا وأمنيًا أساسيًا في رؤية جزائرية أوسع لمنطقة الساحل. فمالي تمثل الجبهة الغربية الأكثر حساسية، والنيجر تشكل حلقة مركزية في التوازن الأمني والطاقوي، بينما تفتح تشاد امتدادًا شرقيًا متصلًا بالمجالين الليبي والسوداني ووسط إفريقيا.
غير أن الجزائر لا تبني هذه الجبهات بمنطق القواعد العسكرية أو الوصاية السياسية، بل من خلال الحوار واحترام السيادة وتكوين الكفاءات ونقل الخبرة وإنجاز البنية التحتية. وبين استعادة الثقة مع باماكو، وتدشين محطة كهرباء بقدرة 40 ميغاواط في النيجر، وإطلاق مشروع مماثل في تشاد، تتضح معالم مقاربة تجعل الطاقة والتنمية وبناء القدرات أدوات دفاع متقدمة عن الأمن القومي.

وهكذا، لا تنظر الجزائر إلى مالي والنيجر وتشاد باعتبارها دولًا تفصلها عن مصادر الخطر، بل بوصفها جبهات الاستقرار الأولى التي يبدأ منها أمنها. فهل ينجح تبون في تحويل الساحل من حزام أزمات مفتوح على التدخلات الخارجية إلى عمق استراتيجي يحمي الجزائر ويعيد تشكيل موقعها داخل إفريقيا؟
عودة مالي تعيد فتح العمق الساحلي
تكتسب هذه العودة معناها الكامل عند وضعها إلى جانب التقدم المسجل في علاقات الجزائر مع النيجر وتشاد، إذ تكشف التحركات تجاه الدول الثلاث عن مقاربة تتعامل مع الساحل باعتباره امتدادًا استراتيجيًا مترابطًا، لا مجموعة من الملفات الثنائية المنفصلة. فمالي تشكل البوابة الغربية الأكثر حساسية، بينما تمثل النيجر حلقة مركزية في تقاطع المصالح الأمنية والطاقوية والجيو-اقتصادية، في حين تفتح تشاد الامتداد الشرقي المتصل بليبيا والسودان ووسط إفريقيا.
وبقدر ما تستند هذه المقاربة إلى ثقل التاريخ، تفرضها الجغرافيا أيضًا. فالجزائر، بمساحتها الصحراوية وحدودها الجنوبية الواسعة، لا تستطيع عزل أمنها الداخلي عن مسار التحولات داخل الساحل. كما أن التهديدات التي تنشأ في فضاءات تعاني ضعف المؤسسات وشح الموارد ومحدودية البنية التحتية لا تتوقف عند الخطوط الحدودية، بل تتحول بسرعة إلى مخاطر عابرة للدول، تتخذ شكل إرهاب أو تهريب أو اتجار بالبشر أو هجرة غير نظامية أو اختلال في حركة التجارة والإمدادات.
إلى جانب ذلك، يفرض المستقبل نفسه بوصفه العامل الثالث في إعادة تشكيل هذه العلاقات. فمنطقة الساحل تواجه نموًا ديموغرافيًا متسارعًا، وضغوطًا مناخية واقتصادية متزايدة، وعجزًا في الطاقة والبنية الأساسية، ومحدودية في فرص العمل، بالتزامن مع احتدام تنافس القوى الدولية والإقليمية على الموارد الطبيعية والأسواق والممرات البرية. ولذلك، لم يعد تأمين الحدود وحده كافيًا، لأن احتواء نتائج الأزمات بعد وصولها إلى المجال الحدودي أكثر كلفة من المساهمة في معالجة أسبابها داخل بيئتها الأصلية.
وعليه، يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل بناء جوار قادر على إدارة أراضيه وحماية مؤسساته وتأمين موارده وتوفير الحد الأدنى من شروط الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فالعمق الاستراتيجي لا يعني، في المقاربة الجزائرية، توسيع دائرة النفوذ أو فرض خيارات سياسية على الدول المجاورة، وإنما بناء مجال تتقاطع داخله المصالح بصورة تجعل استقرار الساحل جزءًا من أمن الجزائر، مثلما يصبح استقرار الجزائر عنصرًا أساسيًا في توازن المنطقة بأكملها.
أمن الجزائر يبدأ قبل الحدود
يتجلى الفارق بين هذه المقاربة ونماذج التدخل الخارجي في تركيز الجزائر على تمكين دول الجوار بدل التأثير في قراراتها. فبناء المؤسسات، وتكوين الإطارات المدنية والعسكرية، ونقل الخبرة التقنية، وتعزيز قدرات الدول على إدارة أمنها واقتصادها، كلها أدوات تقلل هشاشة مؤسساتها وتدعم استقلال قرارها الوطني، بدل تحويل ضعفها إلى مدخل لإقامة علاقات تبعية جديدة.
وقد اكتسب هذا التوجه أهمية أكبر مع اتساع دائرة الفاعلين في الساحل. فإلى جانب الدول والقوى الدولية التقليدية، تنشط جماعات مسلحة وشبكات للجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع، فضلًا عن شركات أمنية وعسكرية خاصة وشبكات اقتصادية عابرة للحدود. ويؤدي تداخل هذه الأطراف إلى تحويل أي فراغ أمني أو مؤسسي إلى مساحة مفتوحة للاستقطاب والاختراق، وهو ما يجعل تقوية سيادة دول المنطقة مصلحة جزائرية مباشرة، لا مجرد موقف دبلوماسي مبدئي.
ولا تبحث الجزائر، وفق هذا التصور، عن جوار يدور في فلكها، بل عن دول مستقرة وقوية وقادرة على حماية أراضيها ومؤسساتها واتخاذ قراراتها بصورة مستقلة. ومن ثم، يصبح تكوين الكفاءات ونقل الخبرة وبناء القدرات أكثر استدامة من التأثير السياسي المباشر؛ لأن الدولة التي تملك مؤسسات فاعلة وموارد بشرية مؤهلة تكون أقل قابلية للارتهان والاختراق، وأكثر قدرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية.
كما يتصل بذلك الموقف الجزائري الرافض لتحويل هشاشة بعض دول الساحل إلى مبرر لإعادة تشكيل خياراتها السياسية والأمنية من الخارج، أو إلى مدخل لجعل المنطقة ساحة مفتوحة لتنافس القوى. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، اتسعت المساحات التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والفاعلون الأجانب، فيما تتراجع قدرة الحكومات الوطنية على فرض سلطتها وإدارة مواردها.
ثلاث حتميات ترسم العلاقة
وفي هذا السياق يضع البروفيسور بريش عبد القادر، الخبير الاقتصادي والمهتم بالشؤون الجيوسياسية والجيو-اقتصادية، في مسامهة له نقلتها تادامسا نيوزعودة العلاقات الجزائرية المالية وتنامي الشراكة مع النيجر وتشاد ضمن ثلاث حتميات مترابطة هي التاريخ والجغرافيا والمستقبل.
ويرى البروفيسور بريش أن هذه الدول تمثل، باختلاف مواقعها وأدوارها، مكونات أساسية من العمق الاستراتيجي الحيوي للجزائر، غير أن بناء هذا العمق لا يقوم على الوصاية أو إقامة مجال للنفوذ، بل على توسيع دائرة الاستقرار والسيادة والمصالح المشتركة. فاستقرار هذه الدول، وفق قراءته، يتحول إلى جزء من البيئة الأمنية الجزائرية، مثلما يمثل استقرار الجزائر مصلحة حيوية لدول المنطقة.
وبحسب الخبير، تستمد العلاقة مع مالي أهميتها من الروابط التاريخية والامتداد الحدودي والتداخل الأمني، بينما تحتل النيجر موقعًا مركزيًا في الحسابات الطاقوية والجيو-اقتصادية، في حين تشكل تشاد امتدادًا شرقيًا يصل الجزائر بالمجال الليبي والسوداني ووسط إفريقيا. ولا يعني اختلاف مواقع الدول الثلاث تفاوتًا في أهميتها، بل يسمح بتطوير مقاربة مرنة تتكيف مع خصوصية كل بلد، مع الحفاظ على ثوابت السياسة الجزائرية القائمة على حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل والحوار ودعم الحلول السياسية.
ويؤكد بريش أن بناء العمق الحيوي للجزائر ينبغي ألا يُقرأ بمنطق السيطرة، لأن الجزائر لا تحتاج إلى جوار تابع، وإنما إلى جوار قادر على حماية سيادته وإدارة مؤسساته ومواجهة التهديدات التي تستهدف استقراره. وهنا يظهر الفارق بين التأثير في دول الساحل وتمكينها؛ إذ يقود التأثير إلى التبعية، بينما يرفع التمكين قدرة الدول على الدفاع عن مصالحها ويحد من قابلية مؤسساتها للاختراق الخارجي.
غير أن هذا العمق لا يكتمل بالأدوات السياسية والأمنية وحدها. فالمسار الذي تقوده الجزائر مع النيجر وتشاد يكشف انتقالًا تدريجيًا من دبلوماسية التضامن إلى دبلوماسية تنموية ذات مضمون جيو-اقتصادي، تتحول فيها الطاقة والهندسة والتكوين إلى قاعدة لبناء مصالح متبادلة طويلة الأجل.

الكهرباء تنقل التضامن إلى الاستثمار
يقدم مشروع محطة التضامن الكهربائي الجزائرية النيجرية في نيامي أحد أكثر نماذج هذا التحول وضوحًا. فقد أنجزت الجزائر محطة «غورو باندا» بقدرة 40 ميغاواط، ودُشنت في 3 يونيو 2026 بوصفها هبة جزائرية إلى النيجر. ولا تتوقف أهمية المشروع عند قدرته الإنتاجية، إذ شكّل أول إنجاز طاقوي تنفذه «سونلغاز الدولية»، بما يمنحه بعدًا مزدوجًا يتمثل في دعم الأمن الطاقوي للنيجر وفتح المجال أمام انتشار الخبرة والمؤسسات الجزائرية داخل السوق الإفريقية.
أما في تشاد، فقد انتقل التعاون من مستوى التفاهمات إلى مرحلة التجسيد، بعد توقيع اتفاق لإنجاز محطة لإنتاج الكهرباء بقدرة 40 ميغاواط في نجامينا، ثم وضع حجرها الأساس خلال يونيو 2026. ويترافق المشروع مع نقل الخبرة الجزائرية وتكوين الإطارات التشادية في استغلال المحطات وإدارة الشبكات، ما يعني أن التعاون لا يقتصر على تسليم منشأة، بل يمتد إلى بناء قدرة محلية تضمن تشغيلها واستدامتها.
وتحمل هذه المشروعات قيمة اقتصادية واجتماعية أكبر من أرقام إنتاج الكهرباء المعلنة. ففي الدول التي تعاني ضعف التغطية الطاقوية، لا تمثل الكهرباء خدمة منفصلة، وإنما البنية التي يقوم عليها النشاط الإنتاجي والاستثمار والصناعة والصحة والتعليم والاتصالات والخدمات. وكل ميغاواط إضافي يمكن أن يرفع قدرة المؤسسات على العمل، ويقلل كلفة الإنتاج، ويوسع وصول السكان إلى الخدمات، ويفتح المجال أمام استثمارات لم تكن ممكنة في غياب إمدادات مستقرة.
ومن هذا المنطلق، تصبح الدبلوماسية الطاقوية أداة وقائية للأمن. فتنمية البنية الأساسية وخلق فرص العمل وتحسين الخدمات تقلص المساحات التي تتغذى منها الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة، كما تعزز حضور الدولة داخل أراضيها. ولذلك، لا ينفصل الاستثمار في محطة كهرباء أو شبكة نقل أو برنامج تكوين تقني عن الحسابات الأمنية، بل يعالج بعض الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الهشاشة.
وفي الوقت نفسه، تخدم هذه المشروعات المصالح الاقتصادية الجزائرية من دون أن تفقد بعدها التضامني. فدخول «سونلغاز الدولية» إلى النيجر وتشاد يفتح أمام الخبرة الهندسية الجزائرية سوقًا إفريقية واسعة تحتاج إلى محطات إنتاج وشبكات توزيع وصيانة وتكوين وحلول في الطاقات المتجددة. كما يهيئ المجال أمام مؤسسات جزائرية أخرى تنشط في البناء والأشغال العمومية والاتصالات والنقل والخدمات المصرفية واللوجستية، بما يحول العلاقات السياسية إلى منافذ اقتصادية مستدامة.
ويشير البروفيسور بريش إلى أن جوهر الانتقال المطلوب يكمن في تحويل التضامن إلى شراكة؛ أي مساعدة دول الساحل على بناء قدراتها، بالتوازي مع إنشاء دوائر للإنتاج والتبادل والاستثمار يستفيد منها جميع الأطراف. فالمساعدات الظرفية تخفف ضغطًا آنيًا، بينما تنشئ البنية التحتية والتكوين والمشروعات المشتركة مصالح تظل قائمة حتى مع تغير الحكومات والظروف السياسية.
كما أن اختلاف طبيعة العلاقة مع الدول الثلاث يمنح الجزائر هامشًا لتطبيق سياسة مرنة. ففي مالي، تحتل استعادة الثقة والحوار السياسي أولوية المرحلة الحالية بسبب تشابك الملفين الأمني والدبلوماسي. أما في النيجر، فقد بلغ التعاون مستوى متقدمًا في الطاقة والتنمية، مع إمكان توسيعه نحو المحروقات والطاقات المتجددة والهندسة والبنية التحتية. وفي تشاد، يتقدم المسار عبر الكهرباء ونقل الخبرة وبناء القدرات، بالتوازي مع تحسن الربط الجوي والتبادل المؤسسي.
ولا يمثل هذا التفاوت خللًا في الرؤية الجزائرية، بل يعكس قدرتها على تكييف أدواتها مع خصوصية كل دولة. فالساحل ليس كتلة سياسية أو اقتصادية متجانسة، ولا يمكن بناء العلاقات داخله من خلال نموذج واحد. غير أن ثوابت المقاربة تظل واحدة: احترام السيادة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم الحلول السياسية، وتقوية مؤسسات الدول، وربط الأمن بالتنمية.
من حدود المخاطر إلى ممرات القيمة
يتيح هذا المسار للجزائر فرصة الانتقال إلى مستوى أكثر طموحًا يتمثل في بناء فضاء جيو-اقتصادي يصل شمال إفريقيا بالساحل. فالجزائر تمتلك الموقع والموارد الطاقوية والخبرة التقنية والقدرات الهندسية وشبكات الطرق والمنشآت التي يمكن تمديد آثارها جنوبًا، بينما تمتلك دول الساحل موارد طبيعية وأسواقًا قابلة للنمو واحتياجات واسعة في الطاقة والنقل والاتصالات والخدمات.
ومن شأن تكامل الطرق والممرات التجارية والطاقة والاتصالات واللوجستيك والتجارة الحدودية أن يحول الحدود الجنوبية من خطوط لمراقبة المخاطر إلى مساحات لإنتاج القيمة. كما يمكن للجزائر أن تصبح منصة لعبور السلع والخدمات والخبرات نحو العمق الإفريقي، في مقابل استفادة دول الساحل من منفذ أقرب إلى أسواق المتوسط ومن قاعدة صناعية وطاقوية أكثر تطورًا.
ويحمل هذا التحول بعدًا أمنيًا بقدر ما يحمل بعدًا اقتصاديًا؛ فكلما ازدادت قدرة دول الساحل على إنتاج الطاقة وتطوير بنيتها التحتية وخلق فرص العمل وتحسين مؤسساتها، انخفضت بعض مصادر الهشاشة التي تغذي عدم الاستقرار. وبذلك، يصبح التعاون الاقتصادي جزءًا من استراتيجية الوقاية الأمنية، وليس مجرد نشاط تجاري منفصل عن الحسابات الجيوسياسية.
غير أن الانتقال إلى هذا المستوى يتطلب تجاوز المبادرات القطاعية المنفصلة نحو رؤية إقليمية مترابطة، تجمع بين الدبلوماسية والأمن والاستثمار والطاقة والتكوين والربط اللوجستي. كما يستدعي تحويل التفاهم السياسي إلى برامج قابلة للقياس، وتوسيع حضور المؤسسات الجزائرية، وتطوير آليات تمويل وتأمين للمشروعات، وتنظيم التجارة الحدودية بما يسمح بخروجها من نطاق المبادلات المحدودة إلى سلاسل قيمة أوسع.
وبذلك، تمثل زيارة عبد الله مايغا أكثر من عودة للعلاقات بين الجزائر ومالي، إذ تفتح الباب أمام استكمال ضلع سياسي ظل ضروريًا لربط التحرك الجزائري في الساحل. فإذا كانت مشروعات النيجر وتشاد قد قدمت نماذج عملية لدبلوماسية الطاقة والتنمية، فإن استعادة الحوار مع مالي تمنح هذا المسار بعده الجيوسياسي الأكثر حساسية.
فالرهان الجزائري لا يتعلق ببناء جوار تابع، وإنما بجوار يمتلك من القوة المؤسسية والاقتصادية ما يسمح له بحماية سيادته ومنع تحويل أراضيه إلى قواعد للتهديد أو ساحات لتصفية تنافسات القوى الخارجية. وفي هذا التصور، لا يقاس العمق الاستراتيجي بحجم النفوذ الذي تفرضه الجزائر، بل باتساع دائرة الاستقرار التي تساعد على بنائها، وبحجم المصالح المشروعة التي تنشئها مع شعوب المنطقة.
إن التاريخ يحفظ للجزائر روابطها العميقة مع الساحل، والجغرافيا تجعل أمن المنطقة متصلًا بأمنها، فيما يفرض المستقبل بناء نموذج جديد تتكامل فيه الوساطة السياسية مع الكهرباء، وحماية الحدود مع الطرق، والتضامن مع الاستثمار، والتكوين مع السيادة. وضمن هذا التقاطع، تتحول عودة مالي وتقدم الشراكة مع النيجر وتشاد إلى ملامح مشروع استراتيجي واحد: ساحل أكثر استقرارًا، ودول أكثر قدرة، وجنوب جزائري تحيط به شراكات التنمية بدل أحزمة الأزمات.



















