بوابة الجزائر الإخبارية: في تحرك سياسي وفكري لافت، عادت القضية الريفية إلى واجهة النقاش الدولي من العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث جمعت ندوة دولية دبلوماسيين وسياسيين وحقوقيين وخبراء قانونيين ومحللين، بالتزامن مع مسيرة نظمها الحزب الوطني الريفي وجدد خلالها مطالبه بـتقرير المصير والحرية والاستقلال.
التحرك، الذي تزامن مع مرور 105 سنوات على إعلان جمهورية الريف، وضع ملف الريف مجددًا أمام فضاء أوروبي يحاول الحزب الوطني الريفي من خلاله نقل القضية من نطاقها التاريخي والمحلي إلى مستوى النقاش السياسي والقانوني الدولي.
ولم تكتف الندوة باستحضار تاريخ الريف، بل تناولت القضية من زوايا سياسية وقانونية وحقوقية، فيما شدد مشاركون، وفق ما نقلته التلفزة الجزائرية، على ضرورة إيصال صوت الريفيين إلى الرأي العام الدولي وإخراج القضية مما وصفوه بـ«دائرة التعتيم». كما طُرحت خلال النقاشات انتقادات للسياسات المغربية تجاه الريف، وهي مواقف عبّر عنها أصحابها خلال الندوة ولا تمثل موقفًا رسميًا للاتحاد الأوروبي أو الحكومة البلجيكية.
وفي الشارع، حملت مسيرة الحزب الوطني الريفي في بروكسل رسالة أكثر مباشرة، إذ جدد منظموها المطالبة بحق الشعب الريفي في تقرير المصير والاستقلال، ورفعوا مطلب إنهاء ما يصفه الحزب بـ«الاحتلال المغربي» للمنطقة. وتأتي هذه المطالب ضمن المشروع السياسي للحزب، ولا تمثل توصيفًا قانونيًا صادرًا عن المؤسسات الأوروبية.
وتكتسب بروكسل أهمية خاصة في استراتيجية تدويل القضية، باعتبارها مقر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يمنح اختيارها منصة للتحرك بعدًا سياسيًا يتجاوز مجرد إحياء ذكرى تاريخية. فالحزب يحاول استثمار الفضاء الأوروبي لطرح أسئلة تتعلق بتاريخ المنطقة ووضعها السياسي وحقوق سكانها، وإعادة إدخال الملف إلى دوائر النقاش السياسي والقانوني.
كما أن توقيت التحرك يحمل دلالة رمزية واضحة بالنسبة إلى المنظمين، إذ جرى ربطه بالذكرى الـ105 لإعلان جمهورية الريف سنة 1921، التجربة التي ارتبطت تاريخيًا بقيادة عبد الكريم الخطابي للمقاومة الريفية في مواجهة الوجود الاستعماري الإسباني والفرنسي.
ومن هنا، يسعى الخطاب السياسي للحزب الوطني الريفي إلى بناء جسر بين الإرث التاريخي لتلك التجربة وبين مطالبه السياسية الحالية، في حين يبقى هذا الربط جزءًا من قراءة الحزب للتاريخ وليس توصيفًا قانونيًا دوليًا جديدًا لوضع الريف.
واللافت في تحرك بروكسل أن النقاش لم يبقَ محصورًا في النشاط الحزبي، بل ضم شخصيات ذات خلفيات دبلوماسية وقانونية وفكرية، من بينها ماركوس غارسيا، القائم بالأعمال لدى سفارة فنزويلا في بلجيكا ولوكسمبورغ، وبيدرو بينتو ليت، الأمين العام للمنصة الدولية للقانونيين من أجل تيمور الشرقية، إلى جانب محللين وخبراء شاركوا في مناقشة أبعاد القضية.
وهكذا تحاول الفعاليات المنظمة في بروكسل توجيه رسالة سياسية إلى الخارج مفادها أن ملف الريف لا ينبغي أن يبقى حبيس الرواية الرسمية المغربية، بل يجب، وفق خطاب المنظمين، أن يكون موضوع نقاش دولي مفتوح يستمع إلى المطالب التي يطرحها الحزب الوطني الريفي وأنصاره.
وفي المقابل، فإن المشاركة في ندوة أو حضور شخصية دبلوماسية لا يعني تبني الدولة أو المؤسسة التي ينتمي إليها المشارك لمطالب الحزب، كما أن انعقاد الفعالية في بروكسل لا يمثل موقفًا رسميًا من الاتحاد الأوروبي بشأن استقلال الريف أو تقرير مصيره.
لكن من منظور سياسي، تكشف تحركات 19 سبتمبر عن محاولة واضحة لرفع مستوى المواجهة الخطابية مع الرباط، عبر الجمع بين المسيرة والندوة والخطاب القانوني والتدويل السياسي، واستخدام العاصمة الأوروبية منصة لإعادة طرح قضية الريف أمام جمهور دولي.
وبينما يستند الحزب الوطني الريفي إلى رمزية جمهورية الريف وإرث عبد الكريم الخطابي، فإنه يدفع اليوم باتجاه تحويل تلك الذاكرة إلى قضية سياسية معاصرة، عنوانها الأبرز تقرير المصير والاستقلال، في تحرك يسعى إلى إبقاء الريف حاضرًا في النقاش الأوروبي والدولي.
ومن بروكسل، جاء التصعيد في رسالة مباشرة إلى الرأي العام الدولي: القضية الريفية يريد أصحابها أن تُناقش خارج الإطار الذي تحدده الرباط، وأن تنتقل من صفحات التاريخ إلى طاولة السياسة والقانون الدولي.

















