الأحد, 18 أكتوبر 2026 • 18:39 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
انتخابات جنوب السودان 2026: بوابة الاستقرار أم شرارة الانقسام تواصل فعاليات معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في دورته الثالثة في العاصمة الليبية ​بورصة الجزائر والتمويل الأخضر..قراءة في أبعاد النظام رقم 26-01 وآفقه الدولية الجزائر تتجه نحو التمويل الأخضر: السندات المستدامة تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار هذا ما سيتناوله إجتماع مجلس الوزراء الجزائري اليوم! تسريب شهادة طبية لوزيرة مغربية ..مرض نفسي أم تزوير للإفلات من ملف فساد! النفط الجزائري يتصدر خامات “أوبك” وسط أزمة الإمدادات العالمية “رأس العافية”.. الخطوط الجوية الجزائرية تتسلم سادس طائرة من طراز “إيرباص A330neo”! 60 ألف حافلة وشاحنة سنويا.. مصنع ضخم بباتنة يدخل الإنتاج بداية جانفي 2027 ​”كسر الجليد التاريخي: هل ترسم محادثات دكار ملامح نظام إقليمي جديد في غرب إفريقيا؟”
شارك المقال

صناديق الاقتراع في المغرب: برلمان مشتت، شباب عازف، وسلطة استراتيجية لا تغادر القصر

• الكاتب(ة): عماري محمد • 0 تعليق • 16 مشاهدة
صناديق الاقتراع في المغرب: برلمان مشتت، شباب عازف، وسلطة استراتيجية لا تغادر القصر

​بوابة الجزائر الإخبارية: يتوجه أكثر من 15.8 مليون ناخب مغربي غداً الأربعاء، 23 سبتمبر، إلى صناديق الاقتراع لاختيار 395 عضواً في مجلس النواب للسنوات الخمس المقبلة. ورغم مشاركة 27 حزباً في هذا السباق الانتخابي، إلا أن المشهد تظلله غيمة كثيفة من خيبة الأمل السياسي، لا سيما بين فئة الشباب. غير أن قراءة المشهد المغربي تتطلب تجاوز لغة الأرقام السطحية؛ فالنظام السياسي هناك لا يحاكي الملكيات البرلمانية بل يكرس واقعاً يحتفظ فيه القصر بالكلمة الفصل والسلطة المركزية، متجاوزاً بكثير مجرد الأدوار التمثيلية أو الشرفية.

صناديق الاقتراع في المغرب: برلمان مشتت، شباب عازف، وسلطة استراتيجية لا تغادر القصر

كما تناولت الصحافة الإسبانية القراءة التفكيكية للمشهد السياسي في المغرب مؤكدة أن الصناديق في الرباط لا تُنتج تحولات جزرية بقدر ما تمنح شرعية انتخابية لمعادلة سلطوية مضبوطة بدقة

​هندسة انتخابية تكرس التشتت البرلماني

​لا يصوت المغاربة بشكل مباشر لاختيار رئيس الحكومة، بل يختارون نوابهم عبر نظام اللوائح (305 مقاعد للدوائر المحلية و90 للدوائر الجهوية). والمفارقة الأبرز في هذا النظام الانتخابي هي اعتماده على قاعدة حسابية (قاسم انتخابي مبني على عدد المسجلين وليس المصوتين) مصممة عملياً لمنع أي حزب من تحقيق أغلبية مريحة.

​هذه “الهندسة الانتخابية” تفرض واقعاً سياسياً مجزءاً، حيث تُجبر الأحزاب الفائزة على الدخول في مفاوضات شاقة لتشكيل حكومات ائتلافية هشة. والنتيجة الحتمية لهذا التشتت هي تحجيم قدرة البرلمان على التحول إلى مركز قوة مستقل وقادر على إحداث توازن حقيقي مع مؤسسة العرش. فرغم أن الدستور ينص على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، إلا أن هذه الحكومة تظل مقيدة بتوازنات الائتلاف المشتت.

​”وزارات السيادة”.. خطوط حمراء خارج سلطة الاقتراع

​يتجلى الفارق الجوهري بين الديمقراطيات البرلمانية والنظام المغربي في النطاق الواسع لصلاحيات المؤسسة الملكية. فالملك محمد السادس هو من يترأس المجلس الوزاري، الذي يُعد المطبخ الحقيقي للتوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة. إلى جانب ذلك، يحتكر العاهل المغربي السلطة الدينية كما يسميه اتباعه “أمير المؤمنين”، فضلاً عن صلاحيات دستورية واسعة.

صناديق الاقتراع في المغرب: برلمان مشتت، شباب عازف، وسلطة استراتيجية لا تغادر القصر

​على أرض الواقع، يُترجم هذا النفوذ باحتفاظ القصر بالسيطرة المطلقة على ما يُعرف بـ “وزارات السيادة” كالدفاع، الداخلية، الخارجية، والشؤون الإسلامية. وبالتالي، فإن التغيير الذي تفرزه صناديق الاقتراع يقتصر على إعادة هيكلة الإدارة الاقتصادية والاجتماعية اليومية، دون أن يمس جوهر السلطة السياسية والاستراتيجية التي تظل محصنة داخل أسوار القصر.

​الشباب خارج المعادلة: إقصاء هيكلي أم مقاطعة صامتة؟

​بعيداً عن صخب الحملات الانتخابية، يبرز “العزوف” كفاعل رئيسي في هذه المحطة. الأرقام تكشف عن خلل بنيوي عميق: 3% فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً مسجلون في اللوائح الانتخابية، رغم أنهم يمثلون نحو 12% من التركيبة السكانية للمغرب.

صناديق الاقتراع في المغرب: برلمان مشتت، شباب عازف، وسلطة استراتيجية لا تغادر القصر

​هذا الإقصاء ليس مجرد نتيجة لانعدام الثقة في الأحزاب السياسية أو الإحباط من غياب التغيير، بل هو أيضاً نتاج عقبة إجرائية تتمثل في عدم تلقائية التسجيل في اللوائح الانتخابية، مما يوسع الهوة بين الكتلة الناخبة المحتملة وتلك المسجلة فعلياً. ورغم وعود الأحزاب بخلق فرص عمل للشباب، إلا أن هذه الشعارات تصطدم بواقع شبابي يرى في الانتخابات مسرحية لا تعنيه.

​تعتيم ديمغرافي وتهميش لاقتراع المهاجرين

​تغيب عن هذه الانتخابات أدوات القياس الديمقراطي المتعارف عليها دولياً؛ فالقانون المغربي يحظر نشر استطلاعات الرأي خلال فترة الانتخابات، مما يترك الناخبين في حالة من العمى الديمغرافي حتى لحظة إغلاق الصناديق.

​من جهة أخرى، يواجه مغاربة المهجر تهميشاً مركباً. فبالرغم من حقهم النظري في المشاركة، يفتقر النظام الانتخابي لآليات التصويت المباشر في القنصليات، مُجبراً إياهم على اللجوء إلى نظام “التصويت بالوكالة” المعقد والذي يحد من فاعلية مشاركتهم.

صراع على هوامش السلطة

​تنحصر المعركة الانتخابية غداً بين التحالف الحكومي المنتهية ولايته — ممثلاً في التجمع الوطني للأحرار (RNI)، وحزب الأصالة والمعاصرة (PAM)، وحزب الاستقلال — وبين معارضة مشتتة يحاول فيها حزب العدالة والتنمية (PJD) لملمة جراحه بعد انهياره المدوي في انتخابات 2021.

صناديق الاقتراع في المغرب: برلمان مشتت، شباب عازف، وسلطة استراتيجية لا تغادر القصر

​يتنافس هؤلاء على تصدر المشهد وتولي واجهة الجهاز التنفيذي، لكن الحقيقة الثابتة التي تقبع خلف صناديق الاقتراع هي أن الأحزاب تتصارع على إدارة الحكومة، بينما تظل بوصلة الدولة وقراراتها الاستراتيجية الكبرى ثابتة في يد المؤسسة الملكية.

#المغرب
شارك المقال
الكاتب(ة)
عماري محمد
طالع مقالاتي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الشريط الرئيسي
شارك المقال

المغرب يستسلم لمصيره المحتوم.. هروب قاتل نحو مخالب إسرائيل!

المغرب يستسلم لمصيره المحتوم.. هروب قاتل نحو مخالب إسرائيل!

بوابة الجزائر الإخبارية : لم يكن الاعلان عن افتتاح سفارة إسرائيلية في الرباط مجرد خطوة بروتوكولية عابرة بل هروبا قاتلا نحو مخالب إسرائيل، استسلم من خلالها المغرب ورفع الراية البيضاء، أمام شخصيات نافذة في القصر الملكي أمثال مستشار الملك المغربي، أندري أزولاي الذي يتصرف، كما لو أنه المقيم العام الإسرائيلي بالمغرب، فالسياسة المغربية التي كانت بالأمس القريب تقدم الاختراق الصهيوني للمغرب، على أنه مجرد تطبيع دبلوماسي، تحوّل خلال بضع سنوات إلى تبعية متزايدة ومعلنة بصورة أكبر، وسط تزايد الاحتقان والرفض الشعبي لاتفاقيات العار التي قدمت سيادة البلاد على طبق من ذهب أمام المستوطن الإسرائيلي.

المغرب يستسلم لمصيره المحتوم.. هروب قاتل نحو مخالب إسرائيل!

تسارع خطوات التقارب الإسرائيلي المغربي تتجاوز بكثير المجال الدبلوماسي فالنظام المغربي يسعى جاهدا إلى تحويل خضوعه لإسرائيل إلى أداة لتعزيز قوته الإقليمية، ولا سيما في إطار صراع النفوذ مع الجزائر.

المخزن أصبح يوسع باستمرار المجالات التي يسعى من خلالها إلى الاستفادة من تحالفه الملغم مع تل أبيب من خلال التعاون العسكري، إلى تكنولوجيات الأمن، والاستخبارات، والاستثمارات، والدعم الدبلوماسي.

https://twitter.com/algatedz/status/2101761728551743846?s=46

ويبدو أن المغرب أصبح يحن إلى زمن الحماية ذات عام 1912، والذي تأثر كثيرا برحيل الماريشال هوبير ليوطي، المهندس الفعلي للمغرب وهاهي اليوم الدولة الصغيرة أقصى غرب أفريقيا تكرر السيناريو نفسه وأصبحت مجرد محمية إسرائيلية رهنت سيادتها لقوة أجنبية في سبيل تعزيز وزنها الإقليمي.

https://twitter.com/algatedz/status/2100333935028740127?s=46

وهنا تكمن مفارقة استراتيجية المخزن ففي سعيه إلى تقليص الفجوة التي تفصله عن الجزائر وهو الأمر الذي يستحيل تحقيقه بالنظر لكون الجزائر قوة إقليمبة والرقم الصعب في معادلة الأمن الإقليمي، والقوة الضامنة للاستقرار في المنطقة أما المغرب، ففي الواقع، بات ينشئ شكلاً جديداً من أشكال التبعية غير أن الدعم الإسرائيلي قد يوفر قدرات عسكرية أو تكنولوجية أو دبلوماسية إضافية، لكنه بعيد كل البعد عن أن يحل محل بناء قوة مستقلة.

وبمحاولة جعل إسرائيل مضاعِفاً للقوة في مواجهة الجزائر، يرتكب المخزن بذلك خطأً استراتيجياً كبيراً في الحسابات: تحويل التنافس الإقليمي إلى عامل من عوامل التبعية الخارجية فالتحالف ليس مجانياً أبداً؛ إذ إنه يخلق مصالح مشتركة، لكنه يفرض أيضاً التزامات وقيوداً ومواطن ضعف.

ومن ثم يصبح السؤال متعلقاً بثمن هذا الهروب إلى الأمام: هل يكسب المغرب فعلاً مزيداً من السيادة من خلال تعزيز علاقته بقوة أجنبية، أم أنه يستبدل مجرد ضعف إقليمي بتبعية استراتيجية؟

المغرب يستسلم لمصيره المحتوم.. هروب قاتل نحو مخالب إسرائيل!

وتندد المعارضة المغربية والحركات الرافضة للتطبيع مرارا وتكرارا هذا الانحراف المتسارع، محذّرة من تجاوز الحضور الإسرائيلي للإطار الدبلوماسي نحو قطاعات استراتيجية، في وقت تواجه فيه المملكة ضغوطاً اقتصادية وديوناً متزايدة.

ويعكس وصف هذا الحضور بـ«الاستعمار» من جانب مغاربة رافضين للتطبيع، حجم مخاوغهم المتنامية، والذين يرون أن ارتهان الرباط لقوة خارجية تحت غطاء الشراكة الإقليمية قد يقود، وفق قراءتهم، إلى نتائج عكسية تهدد استقرار المملكة ومستقبلها وتقودها نحوالفناء التام.

#المغرب،إسرائيل
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

الأفامي يعرض بالأرقام.. الجزائر تتجه نحن تحقيق طفرة اقتصادية بصفر مديونية خارجية!

الأفامي يعرض بالأرقام.. الجزائر تتجه نحن تحقيق طفرة اقتصادية بصفر مديونية خارجية!

بوابة الجزائر الإخبارية: بأرقام غير مسبوقة وفي مؤشر يعكس النمو المتسارع الذي يشهده الاقتصاد الجزائري، أشاد صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير حول الجزائر بقوة النمو الاقتصادي وجهود التنويع متوقعا نموا في إجمالي الناتج المحلي بـ3.8 بالمائة في 2026.

الأفامي يعرض بالأرقام.. الجزائر تتجه نحن تحقيق طفرة اقتصادية بصفر مديونية خارجية!

وحسب الأرقام التي وردت في تقرير صندوق النقد الدولي، وقد سجّل الاقتصاد الجزائري ارتفاعا قويا من 3.7 بالمائة في 2024 إلى 3.9 بالمائة في 2025 مدعوما بزيادة الاستثمارات.

وبلغ نمو القطاع غير النفطي في الجزائر بلغ 4.3 بالمائة في 2025 ويتوقع البنك بلوغه أكثر من 4 بالمائة في 2026.

الأفامي يعرض بالأرقام.. الجزائر تتجه نحن تحقيق طفرة اقتصادية بصفر مديونية خارجية!

كما أبرز صندوق النقد الدولي أن برنامج الإصلاح الجزائري ساهم في دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز النمو.

وبخصوص الدين الخارجي الإجمالي للجزائر، فلا يتجاوز 1 بالمائة من الناتج المحلي في 2026 مقابل 1.1 بالمائة في 2025 متوقعا انخفاضا تدريجيا إلى 0.5 بالمائة في 2031، وفق تقرير الصندوق.

وقال صندوق النقد الدولي، إن الآفاق الاقتصادية للجزائر على المدى القريب إيجابية بوجه عام وارتفاع أسعار المحروقات سيعزز إيرادات الجزائر من التصدير والمالية العامة.

الأفامي يعرض بالأرقام.. الجزائر تتجه نحن تحقيق طفرة اقتصادية بصفر مديونية خارجية!

ويتوقع صندوق النقد الدولي انحسار عجز الحساب الجاري للجزائر خلال 2026 مع ارتفاع إيرادات المحروقات الذي سيتيح للجزائر فرصة لإعادة بناء هوامش الأمان المالي.

ومن جهة أخرى، رحب صندوق النقد الدولي بجهود الجزائر لتعزيز الاستقرار والشمول الماليين مؤكدا أن البنوك الجزائرية تتمتع بمستويات ملائمة من السيولة والربحية والرسملة.

الأفامي يعرض بالأرقام.. الجزائر تتجه نحن تحقيق طفرة اقتصادية بصفر مديونية خارجية!

كما رحب صندوق النقد الدولي بجهود الجزائر لتعزيز الاستقرار والشمول الماليين مشيدا بنجاحها في سرعة الخروج من قائمة الرقابة المعززة FATF لمجموعة العمل المالي.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن تسريع التنويع والإصلاحات في الجزائر من شأنه تحسين مناخ الأعمال أكثر ويجذب الاستثمار الخاص ويعزز النمو مؤكدا أهمية تعميق روابط الجزائر التجارية والطاقوية مع أوروبا وإفريقيا.

#الجزائر#صندوق النقد الدولي
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
الشريط الرئيسي
شارك المقال

هل زوج إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

هل زوج إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

مقال رأي بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل

بوابة الجزائر الإخبارية : لم يعد ما يجري بين الكيان المخزني والكيان الصهيوني مجرد علاقة دبلوماسية عابرة يمكن دفنها تحت عبارات « التعاون » و« السلام » و« المصالح المشتركة »، ففي السادس عشر من شتنبر الجاري، إنتقلت هذه العلاقة خطوة جديدة بإعلان الإتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، بالتوازي مع توسيع التعاون في مجالات الإقتصاد والتكنولوجيا والأمن والإبتكار والماء والفلاحة والطاقة والإتصالات.

هل زوج إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

الأمر هنا لا يتعلق بعلاقة بين دولتين يمكن التعامل معهما بإعتبارهما صاحبتَي شرعية سياسية مطلقة؛ بل إن موقفي من العصابتين واضح وصريح.. بحيث لا أمنح الشرعية السياسية للمنظومة المخزنية التي أعتبرها منظومة إستبداد وفساد مفروضة على الشعب، كما لا أتعامل مع المشروع الصهيوني بإعتباره مشروعاً طبيعياً أو محايداً في المنطقة، ولذلك فإن ما يسمى « التطبيع » لا أراه مجرد تبادل سفراء وفتح سفارات، وإنما أراه جزءاً من مسار سياسي أوسع يستحق التفكيك والمساءلة والمواجهة الفكرية والسياسية.

هل زوج إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

فمنذ العام 2020، لم تتوقف العلاقة عند حدود الإتصال الدبلوماسي، بل تطورت تدريجياً نحو مجالات متعددة، وفي الإعلان الأخير جرى الحديث صراحة عن التعاون في الأمن والتكنولوجيا والإبتكار، إلى جانب الإقتصاد والتجارة والماء والزراعة والأمن الغذائي والطاقة والإتصالات… وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة التي لا تريدها المنظومة المخزنية أن تُطرح :

من يقرر؟

من يحدد سقف هذه العلاقة؟

من يضع خطوطها الحمراء؟

ومن يضمن أن التعاون الأمني والتكنولوجي والإقتصادي لن يتحول إلى نفوذ سياسي وإستراتيجي داخل القرار المغربي؟

هل زوج إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

وهل يستطيع المخزن أن يثبت أن كل هذه الإتفاقيات تخدم مصلحة الشعب المغربي، أم أن الأولوية الحقيقية هي حماية منظومة الحكم ومصالحها وتحالفاتها الخارجية؟

ثم ماذا بقي من معنى السيادة إذا أصبحت قطاعات إستراتيجية من الدولة مرتبطة بشراكات صهيونية متزايدة، بينما يجري التعامل مع الشعب وكأنه مجرد متلقٍّ لما تقرره السلطة؟

إن القضية ليست سفارة إسرائيلية في الرباط، ولا سفارة مغربية في تل أبيب فقط؛ بل القضية هي المسار كله.. إذ كيف إنتقل الأمر من التطبيع إلى التوسع، ومن التمثيل المحدود إلى بناء شبكة متشعبة من المصالح والإتفاقيات والتعاون؟ وكيف يمكن لعلاقة تتسع بهذا الشكل أن تبقى، في الوقت نفسه، مجرد « علاقة دبلوماسية عادية »؟

والأكثر إستفزازاً أن هذا التوسع يحدث في وقت تستمر فيه حرب الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري في غزة، وفي ظل الغضب الشعبي المغربي تجاه السياسات الصهيونية والتطبيع معها، وقد إرتفعت الآلاف من الدعوات المغربية للإحتجاج على تعميق العلاقة ورفض إقامة سفارة إسرائيلية في المغرب.

هل زوج إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟
محمد قنديل

فأي سيادة هذه التي تتحدث عنها المنظومة المخزنية، بينما تفتح أبوابها بهذا الشكل أمام مشروع صهيوني يعتبر مشروعاً إستعمارياً فاقداً للشرعية؟

وأي إستقلال للقرار الوطني إذا كان المخزن يربط ملفات إستراتيجية متعددة بعلاقات وتحالفات خارجية لا يعرف الشعب تفاصيلها الكاملة؟

وأي كرامة وطنية حين تتحول القضية الفلسطينية، التي يحتل القدس مكانة خاصة في الخطاب الرسمي المغربي، إلى ملف يمكن التعايش معه في الوقت نفسه الذي تتوسع فيه العلاقات مع إسرائيل؟

هنا لا أريد إستعمال لغة دبلوماسية ناعمة، ولا لغة البيانات الرسمية، ولا لغة السياسيين الذين يتركون دائماً باب الهروب مفتوحاً.

أريد طرح السؤال كما هو، عارياً، صادماً، ومستفزاً :

هل زوج السادس إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

هذا ليس سؤالاً عن الزواج بالمعنى الحرفي، بل عن طبيعة العلاقة السياسية.. هل بلغ مستوى الإرتهان درجة أصبح معها القرار المخزني مرتبطاً بإسرائيل إلى الحد الذي يجعل مصالح تل أبيب جزءاً من حسابات السلطة في الرباط؟

هل زوج إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

وهنا تأتي الأسئلة الأكثر خطورة :

وهل أصبح المغرب تابعاً لمملكة بنو صهيون بزعامة الملك بنيامين نتنياهو؟

هل تحولت الرباط من عاصمة يفترض أن تصنع قرارها المستقل إلى مساحة نفوذ لمشروع إقليمي تقوده تل أبيب؟

هل أصبح التحالف مع إسرائيل وسيلة لحماية النظام أكثر مما هو خدمة لمصالح الشعب؟

وهل أصبح كرسي الحكم يحتاج إلى الخارج كي يستمر في الداخل؟

هذه ليست أسئلة أطرحها بحثاً عن إجابات دبلوماسية جاهزة، وإنما أطرحها لأن حجم التطور في العلاقة يفرضها، فالبيانات الرسمية تستطيع أن تتحدث عن « السلام » و« الإستقرار » و« الإزدهار »، لكنها لا تستطيع أن تمنع المواطن من السؤال عن الثمن السياسي والإستراتيجي لهذه العلاقة، والإتفاقيات تستطيع أن تُوقّع في نيويورك، لكن السيادة تظل قضية شعب وليست ملكاً خاصاً للسلطة.

ولا حر يقبل أن تتحول السيادة المغربية إلى سلعة في سوق التحالفات، ولا أن يصبح مستقبل المغرب رهيناً بحسابات أي قوة خارجية، ولا أن يُطلب من المغاربة التسليم بعلاقة مرفوضة من أساسها.

إن المغرب، لا يحتاج إلى وصاية المخزن ولا إلى وصاية تل أبيب، ولا إلى حماية عرش عبر تحالفات تُضعف إستقلال القرار الوطني، ولهذا سيظل السؤالان مطروحين فوق الطاولة :

هل زوج السادس إبن لطيفة نفسه لبنيامين نتنياهو؟

وهل أصبح المغرب تابعاً لمملكة بنو صهيون بزعامة الملك بنيامين نتنياهو؟

وإذا كان جواب المنظومة المخزنية عن السؤالين هو « لا »، فلتكشف للشعب المغربي حدود هذه العلاقة، وتفاصيل إتفاقياتها، وطبيعة التعاون الأمني والتكنولوجي، وحقيقة الإلتزامات التي تُبنى بإسمه.

أما الصمت؛ فلن يكون جواباً.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر

شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

الجزائر
شارك المقال

لقاء تشاوري تفاعلي بمبنى الرئاسة.. الصحافة الإلكترونية في قلب معادلة المشهد الإعلامي الجزائري!

لقاء تشاوري تفاعلي بمبنى الرئاسة.. الصحافة الإلكترونية في قلب معادلة المشهد الإعلامي الجزائري!

بوابة الجزائر الإخبارية : في توقيت بالغ الدلالة، احتضن مقر رئاسة الجمهورية الجزائرية بالمرادية لقاءً تشاورياً تفاعلياً أشرف عليه المستشار لدى رئيس الجمهورية المكلف بالمديرية العامة للاتصال، كمال سيدي سعيد ووزير الاتصال في الحكومة الجزائرية محمد بوسليماني، وبمشاركة نوعية لمدراء الصحف الإلكترونية المعتمدة في الجزائر .

لم يكن الاجتماع مجرد جلسة استماع روتينية، بل محطة في مسار أوسع أعاد بلغة “المكاشفة والمصارحة ” تعريف مفهوم العلاقة بين مؤسسات الجمهورية والفضاء الإعلامي الرقمي خاصة عقب القرارات غير المسبوقة التي أقرها الرئيس تبون لفائدة الصحافة الإلكترونية منذ وصوله إلى سدة الحكم بعد أن أخرج المواقع من غرفة الإنعاش، وهي التي كانت تصارع من أجل البقاء ، لقاء وضع قطاع الإعلام الإلكتروني في موقع استراتيجي ريادي داخل مشروع الجزائر الجديدة وسمح لمدراء المواقع الإلكترونية بطرح جملة من الانشغالات ورؤيتهم لكسب معركة التأثير إعلاميا “وطنيا واقليميا ودوليا “.

الرسالة السياسية كانت واضحة ودلالات ورمزية مكان الاجتماع بقصر المرادية تحمل في طياتها رسالة من صانع القرار أن الإعلام الإلكتروني في الجزائر لم يعد مجرد ديكور في المشهد أو امتداداً للصحافة الورقية، أو أحد روافد الإعلام الحكومي أو الخاص الثقيل بل أصبح أداة من أدوات القوة الناعمة الجزائرية، وساحة من ساحات التنافس على تسويق السردية الجزائرية في بيئة إقليمية ودولية مفتوحة على التضليل والاختراق والتأثير العابر للحدود يقول مراقبون لبوابة الجزائر

اللقاء التشاوري مع الفاعلين في المشهد الإعلامي الجزائري أصبح تقليدا معمولا به في المديرية العامة للاتصال برئاسة الجمهورية ويندرح وفق مراقبين ضمن سلسلة مشاورات في إطار مؤسسي لصياغة رؤية جديدة تواكب التحولات

مؤسسات الجمهورية لم تعد تكتفي بإصدار النصوص القانونية والتشريعية ثم انتظار الامتثال من قبل المؤسسات الإعلامية بل انتقلت إلى نمط من السياسة التشاركية يُستدعى فيه الفاعل المهني إلى فضاء صناعة القرار، ليطرح انشغالاته ويُختبر مدى قدرته على التحول من متلقٍ للسياسة الإعلامية إلى شريك في صياغتها ،وهو ما يُعد يقول مراقبون ثورة في هندسة المشهد الإعلامي وصناعة التأثير في زمن الاستقطاب وحرب السرديات.

مؤسسات الجمهورية تبنت سياسة واضحة المعالم عنوانها الرئيس أن الإعلام الإلكتروني لم يعد مجرد وسيط إخباري كلاسيكي بل جزء من الأمن المعلوماتي

فالإعلام الرقمي مرافق للديناميكية التي تشهدها الجزائر على جميع الأصعدة وتسويق مقاربتها الدبلوماسية

#الإعلام الرقمي#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

247 مترًا مكعبًا للفرد تضع الزراعة الجزائرية أمام معادلة جديدة.. 7 أولويات من الفاو للماء والتربة والاستثمار

247 مترًا مكعبًا للفرد تضع الزراعة الجزائرية أمام معادلة جديدة.. 7 أولويات من الفاو للماء والتربة والاستثمار

بوابة الجزائر الإخبارية: 247 متراً مكعباً فقط من الموارد المائية العذبة الداخلية المتجددة للفرد سنوياً؛ رقم يختصر جانباً كبيراً من التحدي الذي سيحدد شكل الزراعة الجزائرية خلال السنوات المقبلة. ففي بلد يتوسع في استصلاح الأراضي ويرفع رهاناته على الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية والزراعة الصحراوية، لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم يتعلق بعدد الهكتارات الجديدة وحده، وإنما بكمية الغذاء والقيمة المضافة التي يمكن إنتاجها من كل متر مكعب من الماء ومن كل هكتار من التربة، وهي بالضبط المعادلة التي يضعها تقرير جديد لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في قلب التحول نحو الزراعة الخضراء.

247 مترًا مكعبًا للفرد تضع الزراعة الجزائرية أمام معادلة جديدة.. 7 أولويات من الفاو للماء والتربة والاستثمار

وتظهر أحدث بيانات البنك الدولي المستندة إلى قاعدة «أكواستات» التابعة للفاو أن نصيب الفرد في الجزائر من الموارد المائية الداخلية المتجددة بلغ 247 متراً مكعباً في 2022، وهي أحدث سنة متاحة في السلسلة المنشورة.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية أكبر بعدما وضعت منظمة الأغذية والزراعة سبع أولويات مترابطة للانتقال من السياسات الخضراء المكتوبة إلى التنفيذ الفعلي، في تقريرها التجميعي الجديد Green Agriculture: A Stocktaking، الذي أطلقته خلال الحوار الإقليمي الذي احتضنته بودابست يومي 14 و15 سبتمبر 2026 وجمع مسؤولين وخبراء من أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأدنى وشمال إفريقيا.

غير أن القراءة الجزائرية لهذا التقرير لا ينبغي أن تبدأ من البعد البيئي وحده. المسألة في جوهرها اقتصادية؛ لأن ندرة المياه وتراجع خصوبة التربة وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة وتزايد المخاطر المناخية كلها عوامل تدخل مباشرة في تكلفة إنتاج القمح والبطاطا والخضر والأعلاف والمحاصيل الصناعية، وبالتالي في فاتورة الغذاء وفي قدرة الاستثمار الزراعي على الاستمرار.

ومن هنا، فإن التحول نحو الزراعة الخضراء بالنسبة إلى الجزائر لا يعني تقليص الإنتاج أو الحد من برامج الاستصلاح، بل يمكن أن يعني العكس تماماً: إنتاجاً أكبر بموارد أقل، ورفع مردودية الاستثمار الزراعي، وإطالة عمر الأراضي والمياه المستخدمة، والانتقال تدريجياً من التوسع الأفقي وحده إلى التوسع القائم على التكنولوجيا والإنتاجية.

وتؤكد «الفاو» أن التحدي الذي تواجهه الدول اليوم لم يعد نقص الطموح أو غياب الخطط، وإنما الفجوة بين الالتزامات والتنفيذ. ولهذا يخلص التقرير، بعد تجميع نتائج خمسة تقييمات إقليمية شملت إفريقيا، وآسيا والمحيط الهادئ، وأوروبا وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية والكاريبي، والشرق الأدنى وشمال إفريقيا، إلى أن السياسات الزراعية لا يمكن أن تستمر في العمل داخل قطاعات منفصلة. فالزراعة والماء والبيئة والمناخ والتمويل والأسواق والتنمية الريفية أصبحت أجزاء من معادلة واحدة.

وهذه الخلاصة تلتقي مباشرة مع طبيعة التحول الجاري في القطاع الزراعي الجزائري.

فالجزائر لا تواجه مشكلة نقص الأراضي القابلة للتطوير فقط، بل معادلة أكثر تعقيداً تتعلق بمكان وجود الماء، وكلفة نقله وضخه، ونوعية التربة، والمسافة بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك، ووجود التخزين والتبريد والصناعة التحويلية، ثم قدرة المحاصيل المزروعة على تحقيق قيمة اقتصادية تتناسب مع كمية الموارد المستعملة.

وبذلك، قد يصبح المتر المكعب من الماء مؤشراً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الهكتار.

فالهكتار الذي ينتج محصولاً كبيراً لكنه يستهلك كميات ضخمة من المياه الجوفية قد يبدو ناجحاً في حساب الموسم الزراعي، لكنه يصبح أقل جدوى عندما تُحتسب كلفة استنزاف المخزون المائي والطاقة المستخدمة في الضخ وتدهور التربة على مدى سنوات. وفي المقابل، يمكن لتقنيات الري الدقيقة واختيار الأصناف الملائمة والمراقبة الرقمية لرطوبة التربة أن ترفع القيمة المنتجة من الحجم نفسه من المياه.

وهذا تحديداً ما يفسر تركيز «الفاو» على الشرق الأدنى وشمال إفريقيا بوصفهما من أكثر المناطق تعرضاً لندرة المياه. ويعتبر التقرير أن الإنتاجية المائية والإصلاح المالي والتنظيمي وحماية التربة يجب أن تكون في مركز التحول الزراعي في المنطقة، في حين شدد المدير العام المساعد للفاو والممثل الإقليمي للشرق الأدنى وشمال إفريقيا عبد الحكيم الواعر على أن الإدارة المستدامة للمياه وصحة التربة والتنوع البيولوجي ومرونة المجتمعات الريفية تمثل عناصر أساسية في هذا المسار.

وتمنح هذه المقاربة الجزائر فرصة لإعادة تقييم نجاح البرامج الزراعية بمعايير أوسع.

فالتوسع الكبير في الزراعة الصحراوية، الذي أصبح أحد محاور سياسة الأمن الغذائي، يمكن أن ينتقل تدريجياً من منطق «مساحة مستصلحة وإنتاج محقق» إلى نموذج أكثر دقة يحتسب المردود لكل هكتار، والمردود لكل متر مكعب، وكلفة الطاقة، ونسبة الملوحة، وعمر الطبقات الجوفية، والقيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

وهذا لا ينتقص من أهمية التوسع الصحراوي؛ بل على العكس، يمكن أن يمنحه قاعدة أكثر صلابة واستمرارية. فالجزائر تملك مساحات واسعة وإشعاعاً شمسياً مرتفعاً وتجربة متراكمة في استصلاح مناطق جديدة، وإذا جرى الجمع بين هذه المزايا والري الذكي والطاقة الشمسية واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للبيئات الجافة، فإن الصحراء يمكن أن تتحول من مجرد احتياطي للأراضي إلى مختبر واسع للزراعة عالية الكفاءة في المناخات القاحلة.

كما يبرز مسار آخر بدأت الجزائر بالفعل في تطويره: إعادة إدخال المياه المستعملة المعالجة إلى الدورة الاقتصادية.

ففي 15 أوت 2026، وُضعت ببلدية رأس الماء في ولاية سيدي بلعباس اللبنة الأولى لمحيط سقي فلاحي على مساحة 100 هكتار يعتمد بالكامل على المياه الخارجة من محطة معالجة المياه المستعملة في البلدية. وأكد وزير الري لوناس بوزقزة خلال إطلاق المشروع أهمية تنويع مصادر المياه وتثمين الموارد غير التقليدية وتوسيع استخدام المياه المعالجة في النشاط الزراعي.

وقد يبدو مشروع بمساحة 100 هكتار محدوداً عند مقارنته بالبرامج الكبرى للاستصلاح، لكن قيمته الاقتصادية تكمن في النموذج الذي يختبره.

فكل متر مكعب من المياه المعالجة يُعاد توجيهه إلى الزراعة يمثل مورداً إضافياً لا يُسحب من سد ولا من طبقة جوفية. وكل توسع مدروس في هذا النوع من المشاريع يمكن أن يحرر جزءاً من المياه التقليدية لاستخدامات أخرى، ويوفر للقطاع الزراعي مورداً أكثر انتظاماً، خصوصاً حول المدن والمناطق التي تمتلك محطات معالجة.

وهذا هو الاقتصاد الدائري بأحد أكثر تطبيقاته وضوحاً: المورد لا ينتهي بعد استخدامه الأول، بل يدخل دورة إنتاج ثانية.

لكن الانتقال من عشرات أو مئات الهكتارات إلى نموذج واسع يتطلب أكثر من محطة معالجة. فهو يحتاج إلى شبكات نقل منفصلة، ومراقبة مستمرة لنوعية المياه، وتحاليل للتربة، وتصنيف المحاصيل التي يمكن ريها، واستثمارات في التخزين والضخ، إضافة إلى إطار اقتصادي يجعل استخدام المياه المعالجة جذاباً للمستثمر والفلاح مقارنة بالمصادر التقليدية.

وتضع «الفاو» الاقتصاد الدائري وكفاءة الموارد ضمن أولوياتها السبع، إلى جانب مواءمة السياسات والتخطيط والتمويل، وتقوية المؤسسات والحوكمة، وتحسين البيانات والأنظمة الرقمية والمتابعة، وتوسيع التكنولوجيا والابتكار بصورة شاملة، وإدماج العدالة والمشاركة، وتعزيز التنسيق الإقليمي والدولي.

وعند إسقاط هذه الأولويات على الجزائر، يظهر أن التحول المطلوب يتجاوز وزارة واحدة أو برنامجاً قطاعياً واحداً.

فقرار إنشاء محيط زراعي جديد يرتبط بالماء، والماء يرتبط بالطاقة المستخدمة في الضخ، والطاقة تؤثر في تكلفة الإنتاج، بينما تحدد الطرق وغرف التبريد والأسواق والصناعة التحويلية مقدار ما يصل من ذلك الإنتاج إلى المستهلك ومقدار القيمة الاقتصادية التي تضيع بين الحقل والسوق.

ولهذا تحذر «الفاو» من بقاء الاهتمام مركزاً على الإنتاج والموارد الطبيعية مقابل تقدم أبطأ في سلاسل التوريد الخضراء والاستهلاك المستدام وتقليل الفاقد والنفايات الغذائية. وتقول المنظمة إن المكاسب التي تتحقق داخل المزرعة لا يمكن الحفاظ عليها إذا بقيت الحلقة اللاحقة للإنتاج ضعيفة.

وهي نقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الجزائر.

فطن من المحاصيل يُفقد خلال التخزين أو النقل ليس مجرد طن من الغذاء الضائع؛ إنه أيضاً مياه ضائعة وطاقة وأسمدة وعمل وتمويل ومساحة زراعية استُهلكت دون تحقيق قيمتها النهائية.

ومن ثم، يمكن أن يصبح الاستثمار في غرف التبريد والمخازن والمنصات اللوجستية والصناعة الغذائية جزءاً من سياسة الحفاظ على المياه نفسها، لأن تخفيض الفاقد يعني إنتاج الكمية الصافية نفسها بموارد أقل.

وهنا يتحول مفهوم الزراعة الخضراء من ملف بيئي إلى سياسة لرفع الكفاءة الاقتصادية للقطاع الزراعي بالكامل.

كما أن التحول الرقمي قد يكون واحداً من أكبر مصادر الزيادة المقبلة في الإنتاجية الزراعية الجزائرية. فالأقمار الصناعية وأجهزة قياس رطوبة التربة ومحطات الطقس المحلية والطائرات المسيرة وأنظمة الري المتصلة رقمياً تسمح بتحديد موعد السقي وكميته بدقة أكبر، ومراقبة تطور المحاصيل، والكشف المبكر عن الأمراض والإجهاد المائي.

وفي المناطق الصحراوية الواسعة، تصبح هذه التقنيات أكثر أهمية، لأن الإدارة التقليدية للمساحات الكبيرة تكلف وقتاً ويداً عاملة ومياهاً أكثر، بينما يسمح الاستشعار عن بعد بمراقبة آلاف الهكتارات بصورة متواصلة.

لكن القيمة الحقيقية للرقمنة لا تأتي من امتلاك الأجهزة وحدها، وإنما من البيانات التي تنتجها وربطها بقرارات الاستثمار والسياسة الزراعية.

فعندما تعرف السلطات كمية المياه المستهلكة في كل محيط، ونوعية التربة، والمحاصيل المزروعة، والمردودية، ومستوى الملوحة وتطور الطبقات الجوفية، يصبح من الممكن توجيه الاستصلاح إلى المناطق والمحاصيل الأكثر جدوى، بدلاً من بناء القرارات على المساحة والإنتاج الإجمالي فقط.

وهنا تظهر واحدة من أهم الرسائل التي يحملها التقرير للجزائر: الانتقال من سياسة تعتمد أساساً على المدخلات إلى سياسة تعتمد أكثر على المعرفة.

وتنسجم هذه الفكرة مع المسار الذي تطرحه «الفاو» ضمن إصلاحاتها لعام 2026، والقائم على الانتقال من معالجة الأزمات إلى بناء القدرة على الصمود، ومن نظم غذائية كثيفة المدخلات إلى نظم أكثر اعتماداً على المعرفة، ومن السياسات المنعزلة إلى التنسيق، ومن الالتزامات العالمية إلى التنفيذ المحلي.

أما الحلقة التي يمكن أن تحدد سرعة التحول فهي التمويل.

فالزراعة الخضراء أكثر كفاءة على المدى الطويل، لكنها تحتاج في بدايتها إلى استثمارات: شبكات ري حديثة، مجسات، معدات رقمية، طاقة شمسية، معالجة مياه، تحسين التربة، غرف تبريد ومنشآت تحويل.

ومن هنا يمكن للقطاع المالي الجزائري أن يصبح شريكاً مباشراً في التحول إذا تطورت منتجات مصرفية تمنح شروطاً أفضل للمشروع الذي يخفض استهلاك المياه أو يستخدم الطاقة المتجددة أو يعيد تدوير المخلفات أو يعتمد تقنيات زراعية دقيقة.

وعندها يمكن أن ينتقل التمويل الزراعي من السؤال التقليدي: كم هكتاراً سيستصلح المشروع؟ إلى أسئلة أكثر تطوراً: كم ينتج؟ كم يستهلك من الماء؟ ما نسبة الفاقد؟ وما قدرته على الاستمرار عشرين أو ثلاثين عاماً؟

كما يمكن لآليات التأمين الزراعي المرتبطة بالمناخ أن تخفف جزءاً من المخاطر الجديدة التي تواجه المنتجين، خصوصاً مع زيادة تواتر موجات الحر والجفاف والتقلبات الجوية.

ولا تقدم «الفاو» وصفة واحدة جاهزة للجزائر أو لغيرها. بل تؤكد صراحة أن التحول لا يملك مساراً موحداً، وأن السياسات يجب أن تنطلق من الواقع المحلي، وهو ما يمنح الجزائر مساحة كبيرة لبناء نموذجها الخاص انطلاقاً من خصائصها الصحراوية والمتوسطية ومواردها المائية غير التقليدية وإمكاناتها الطاقوية.

وهذه قد تكون إحدى نقاط القوة الجزائرية في السنوات المقبلة.

فالدول التي تملك وفرة مائية تستطيع زيادة الإنتاج عبر توسيع الري بسهولة نسبية، بينما تدفع ندرة الموارد الجزائر إلى البحث مبكراً عن حلول أكثر تقدماً في التحلية ومعالجة المياه والري المحسوب والزراعة الصحراوية والطاقة الشمسية. وإذا تحولت هذه الضرورة إلى قاعدة تكنولوجية وصناعية، فقد تنتج عنها خبرة قابلة للتعميم في أسواق أخرى تعاني الظروف المناخية نفسها، خصوصاً في إفريقيا والساحل والشرق الأوسط.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى رقم 247 متراً مكعباً للفرد باعتباره مؤشراً على القيد فقط.

إنه أيضاً رقم يحدد طبيعة النموذج الزراعي الذي تحتاجه الجزائر: نموذج لا يقيس القوة بكثرة المياه المستعملة، بل بما يستطيع استخراجه من قيمة اقتصادية من كل وحدة منها.

وهنا تلتقي الأولويات السبع للفاو مع التحولات التي بدأت تظهر داخل الجزائر: المياه المعالجة، الزراعة الصحراوية، الرقمنة، استصلاح الأراضي، تطوير التخزين والتحويل، والبحث عن مردودية أعلى للمحاصيل الاستراتيجية.

التحدي الحقيقي سيكون في ربط هذه المشاريع ضمن منظومة واحدة.

فإذا نجحت الجزائر في جعل قرار الاستثمار الزراعي مرتبطاً منذ البداية بمصدر المياه وحالة التربة والطاقة والرقمنة والتخزين والتحويل والسوق، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تنتقل فيها السياسة الزراعية من سباق على توسيع المساحات إلى سباق أكثر أهمية: رفع الإنتاجية والقيمة المضافة مع خفض استهلاك الموارد.

وبذلك، فإن تقرير «الفاو» لا يضع أمام الجزائر سبعة التزامات جديدة بقدر ما يقدم إطاراً دولياً لمسار بدأت أجزاء منه بالفعل داخل البلاد.

والفرصة الأكبر تكمن في تحويل هذه الأجزاء المتفرقة إلى سياسة متكاملة تجعل المياه غير التقليدية والري الذكي والتربة السليمة والرقمنة والتمويل الأخضر والصناعة الغذائية حلقات في مشروع اقتصادي واحد.

عندها لن يقاس نجاح الزراعة الجزائرية فقط بعدد ملايين الأطنان أو الهكتارات الجديدة، بل بمؤشر أكثر حسماً لاستدامة الأمن الغذائي: كم قيمة زراعية تستطيع الجزائر إنتاجها من كل متر مكعب من الماء، وكم عاماً تستطيع الأرض مواصلة الإنتاج بالكفاءة نفسها.

وهذه هي المعادلة التي قد تحدد ليس فقط مستقبل الزراعة الخضراء، بل قدرة الجزائر على بناء أمن غذائي أكبر وأكثر استقلالاً وأقل تعرضاً لندرة الموارد وتقلبات المناخ خلال العقود المقبلة.

#الجزائر#الزراعة
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

بوابة الجزائر الإخبارية: من رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة إلى ملفات الساحل وليبيا والسودان وغزة وإصلاح مجلس الأمن، فتحت الجزائر في نيويورك خلال الساعات الأولى من الأسبوع رفيع المستوى شبكة متوازية من المشاورات جمعت أحمد عطاف بخمسة مسؤولين في مؤسسات دولية وإقليمية وثلاثة ممثلين لدول إفريقية، في تحرك يكشف اتساع المساحة التي تتحرك فيها الدبلوماسية الجزائرية بين الأمن والتنمية والعمل الإنساني وإعادة تشكيل الحوكمة متعددة الأطراف.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

ويأتي هذا النشاط مع دخول الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مرحلتها الأعلى سياسياً، بعدما افتتحت رسمياً في 8 سبتمبر 2026 برئاسة وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن، تحت شعار «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، فيما يبدأ النقاش العام في 22 سبتمبر ويستمر حتى 26 منه، قبل استئنافه في 28 سبتمبر.

وحسب ما ورد في البيانات الرسمية الجزائرية والأممية والإفريقية، فإن قيمة التحرك لا تكمن فقط في عدد اللقاءات، بل في طبيعة الأطراف التي استهدفتها المشاورات. فوزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، انتقل بين رئاسة الجمعية العامة، ورئاسة مفوضية الاتحاد الإفريقي، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبرنامج الأغذية العالمي، والأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بالتوازي مع مباحثات مع مسؤولين من ليبيا وأوغندا وسيراليون. وتظهر هذه التركيبة أن الجزائر اختارت العمل في أكثر من دائرة مؤسسية في الوقت نفسه، بدلاً من حصر مشاركتها في اللقاءات الثنائية التقليدية.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

ويكتسب المسار الأممي ثقلاً مضاعفاً هذه السنة لأن الجزائر لا تدخل الجمعية العامة كطرف مشارك فقط، بل تتولى أيضاً، عبر سفيرها ومندوبها الدائم عمار بن جامع، رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة للدورة 2027، بعد انتخابه بالإجماع في يوليو الماضي. وتمثل «إيكوسوك» أحد الأجهزة الرئيسية الستة للأمم المتحدة والمسؤول عن التنسيق الاقتصادي والاجتماعي والتنموي، بما يمنح الجزائر خلال هذه المرحلة موقعاً مؤسسياً مباشراً داخل أحد أهم أذرع أجندة 2030.

ولهذا حمل لقاء عطاف مع رئيس الجمعية العامة خليل الرحمن دلالة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية. فبحسب البيان الصادر عن مكتب رئيس الجمعية العامة عقب اجتماعهما في 20 سبتمبر، هنأ خليل الرحمن الجزائر على تولي رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وبحث الطرفان التطورات الإقليمية والدولية وأهمية الحوار والدبلوماسية والعمل الجماعي في الدفع نحو التسويات السلمية. ويعطي هذا التقاطع بين رئاسة الجزائر لـ«إيكوسوك» وعلاقتها المباشرة برئاسة الجمعية العامة مساحة أوسع لربط القضايا السياسية بملفات التنمية والتمويل والتعاون جنوب–جنوب.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

كما تفتح رئاسة «إيكوسوك» أمام الجزائر مجالاً لتوسيع حضور ملفات الدول النامية داخل النقاش الاقتصادي العالمي، خصوصاً أن الأولويات التي أعلنها عمار بن جامع عند توليه المجلس تشمل تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وخفض الفوارق، وتمويل التنمية، ومعالجة قضايا الديون والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وهي ملفات تتقاطع مباشرة مع جانب مهم من أجندة دول الجنوب خلال الدورة الحالية للجمعية العامة.

وفي المسار الإفريقي، برز لقاء عطاف برئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف باعتباره الأكثر اتساعاً من حيث الجغرافيا السياسية للأزمات المطروحة. ووفق المعطيات التي نقلت عن الجانب الجزائري، شملت المحادثات الساحل وليبيا والصحراء الغربية والسودان وجنوب السودان، إلى جانب التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما شدد الجانب الجزائري على معالجة الأسباب الجذرية للأزمات وتفعيل الآليات الإفريقية، ضمن مقاربة تقوم على تعزيز الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية.

وفي مقابل ذلك، صدر عن مفوضية الاتحاد الإفريقي نفسها تقدير واضح للدور الجزائري، إذ قال بيان رسمي للاتحاد إن محمود علي يوسف أشاد بـ«الدور المهم» للجزائر في تعزيز السلم والأمن، بما في ذلك من خلال مجلس السلم والأمن الإفريقي، بينما أطلع عطاف رئيس المفوضية على نتائج النسخة العاشرة من «شهر العفو في إفريقيا» التي احتضنتها الجزائر وركزت على نزع السلاح والحد من الانتشار غير المشروع للأسلحة الصغيرة والألغام ومخلفات الحروب.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وتمنح هذه الإشارة الصادرة عن المؤسسة الإفريقية نفسها ثقلاً أكبر للتحرك الجزائري لأنها تضعه داخل منظومة العمل القاري، لا خارجه. كما تعكس استمرار الجزائر في الدفع نحو ربط الأمن بالتنمية ونزع السلاح والعمل الوقائي، وهي مقاربة تكتسب أهمية متزايدة في الساحل مع تداخل التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

وامتدت الدائرة الإفريقية إلى سيراليون، حيث التقى عطاف نظيره محمد رحمان سواراي وناقشا العلاقات الثنائية والتنسيق حول الملفات الإقليمية والدولية. وتوقفت المحادثات خصوصاً عند التجربة التي جمعت الجزائر وسيراليون داخل مجلس الأمن في إطار الدول الإفريقية الثلاث «A3»، فضلاً عن ملف إصلاح المجلس، في وقت تضطلع فيه سيراليون بدور بارز داخل لجنة العشرة التابعة للاتحاد الإفريقي المكلفة بالدفاع عن الموقف الإفريقي المشترك بشأن إصلاح مجلس الأمن.

وتكمن أهمية هذا المسار في أن الجزائر أنهت عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن بعد تجربة كثيفة ضمن «A3+»، لكنها تواصل العمل عبر المؤسسات الإفريقية والأممية الأخرى على الملفات نفسها، ما يسمح باستمرار جزء من الرصيد التفاوضي الذي تراكم خلال عضويتها في المجلس، خصوصاً في القضايا المتعلقة بتمثيل إفريقيا داخل مؤسسات القرار الدولي.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وفي اللقاء مع المسؤول الأوغندي، برز مسار مختلف يجمع التعاون الثنائي بقضايا التنمية والتحضير لاجتماعات حركة عدم الانحياز. وتناول النقاش، وفق البيان الجزائري، أهداف التنمية المستدامة في إفريقيا وأهمية مواصلة التشاور بشأن الاجتماع الوزاري للحركة المقرر في كامبالا قبل نهاية 2026، بما يوسع التنسيق الجزائري خارج أطر الاتحاد الإفريقي نحو فضاء أوسع يضم عدداً كبيراً من دول الجنوب.

أما المحادثات مع المكلف بتسيير وزارة الخارجية والتعاون الدولي الليبية الطاهر الباعور، فقد مزجت بين الملف السياسي والتعاون الاقتصادي والأمني والتنموي. وأكدت وزارة الخارجية الليبية أن اللقاء بحث تطوير الشراكة في هذه المجالات، إلى جانب تداعيات تطورات الساحل على أمن المنطقة وضرورة تنسيق المواقف داخل الأطر متعددة الأطراف، ولا سيما الإفريقية.

ويعيد هذا اللقاء تأكيد موقع الملف الليبي داخل الحسابات الجزائرية، ليس فقط بوصفه أزمة حدودية وأمنية، بل باعتباره أيضاً ملفاً مرتبطاً بالتنمية والتجارة واستقرار فضاء الساحل وشمال إفريقيا. ومن هذه الزاوية، فإن ربط التعاون الاقتصادي والأمني بالمسار السياسي الليبي يعكس اتجاهاً أوسع نحو التعامل مع الأزمات الإقليمية باعتبارها ملفات مترابطة وليست منفصلة.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وفي المسار الإنساني، حمل لقاء عطاف برئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريك إيغر بعداً نوعياً لأنه انتقل من الملفات الكلاسيكية للقانون الدولي الإنساني إلى قضايا حديثة تتصل بتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتطبيق قواعد الحرب في البيئات البحرية. كما تناول التحضير للمؤتمر الدولي رفيع المستوى حول «صون الإنسانية في الحرب» المقرر عقده في الأردن في 7 ديسمبر 2026.

وتشارك الجزائر في هذا المسار من موقع أكثر تقدماً من مجرد الانضمام إلى المبادرة، إذ تتولى إلى جانب سلوفينيا وسيراليون وكوستاريكا الرئاسة المشتركة لمسار العمل الخاص بحماية المنشآت المدنية. وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد أشادت سابقاً بقيادة هذه الدول للمسار، في وقت باتت فيه حماية المياه والكهرباء والمستشفيات والمنشآت الأساسية من أبرز تحديات النزاعات الحديثة.

أما لقاء عطاف بالمدير التنفيذي بالنيابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، فنقل التحرك إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في المنظومة الإنسانية الدولية: الأمن الغذائي في مناطق النزاع. وأكدت المصادر الجزائرية أن المحادثات تناولت التعاون بين الجزائر والبرنامج ودعم الفئات الهشة في إفريقيا والشرق الأوسط، مع تركيز خاص على تحديات إيصال المساعدات إلى غزة مع اقتراب الشتاء، وعلى استمرار الاستجابة الإنسانية لفائدة اللاجئين الصحراويين.

ويعطي هذا اللقاء بعداً عملياً للسياسة الإنسانية، لأن برنامج الأغذية العالمي يتحرك في مساحة ترتبط بالتمويل وسلاسل الإمداد والقدرة على الوصول إلى السكان بقدر ارتباطها بالمواقف الدبلوماسية. كما يسمح للجزائر بإبقاء الملف الإنساني للصحراء الغربية وغزة داخل دائرة المؤسسات التشغيلية التابعة للأمم المتحدة، وليس فقط في البيانات السياسية.

وفي الدائرة العربية، استهل عطاف نشاطه في نيويورك بلقاء الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، حيث تناولت المباحثات الملفات العربية والإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب آليات العمل العربي المشترك. وتأتي هذه المشاورات بالتوازي مع التحرك الجزائري داخل الأمم المتحدة، ما يعكس محاولة الربط بين التنسيق العربي والمنصات الأممية خلال أسبوع يشهد كثافة غير مسبوقة في اللقاءات متعددة الأطراف.

من إيكوسوك إلى أزمات إفريقيا.. الجزائر توسع دوائر تحركها في نيويورك عبر 8 لقاءات رفيعة المستوى

وبجمع هذه المسارات، لا تبدو اللقاءات الثمانية مجرد برنامج جانبي موازٍ للجمعية العامة، بل شبكة عمل تمتد من رئاسة أعلى هيئة تمثيلية في الأمم المتحدة إلى رئاسة المفوضية الإفريقية والمنظومة الإنسانية والغذائية، ثم إلى دول إفريقية فاعلة في إصلاح مجلس الأمن وحركة عدم الانحياز والملف الليبي.

كما تكشف بنية التحرك عن محاولة الجزائر الحفاظ على اتصال مباشر بين ثلاثة ملفات عادة ما تعالج بصورة منفصلة: الأمن، والتنمية، والتمثيل الدولي. فالساحل وليبيا والسودان تتصل بالأمن، بينما «إيكوسوك» وأهداف التنمية المستدامة ترتبط بالاقتصاد والتمويل، في حين يتصل ملف مجلس الأمن بمدى حضور إفريقيا والدول النامية داخل مراكز القرار.

وتزداد دلالة هذا الربط مع تزامن رئاسة الجزائر للمجلس الاقتصادي والاجتماعي مع استمرار حضورها داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي ومسارات القانون الدولي الإنساني، وهي مواقع تمنح الدبلوماسية الجزائرية أدوات عمل مختلفة داخل مؤسسات متعددة، وإن كانت القدرة على تحويل هذا الحضور إلى نتائج ستظل مرتبطة بما ستنتجه المفاوضات والقرارات والبرامج اللاحقة.

وعليه، فإن أهم ما تكشفه الساعات الأولى من نشاط أحمد عطاف في نيويورك ليس الرقم «8» في حد ذاته، بل اتساع الخريطة التي شملتها المشاورات: من فلسطين إلى الساحل، ومن ليبيا إلى السودان، ومن إصلاح مجلس الأمن إلى أجندة 2030، ومن حماية المنشآت المدنية إلى الأمن الغذائي.

وبذلك تدخل الجزائر الدورة الـ81 للجمعية العامة وهي تتحرك في أكثر من منصة مؤسسية في الوقت نفسه، مستفيدة من رئاسة «إيكوسوك» ومن شبكات التنسيق الإفريقية والعربية والإنسانية، في وقت يشهد فيه النظام متعدد الأطراف نقاشاً متصاعداً حول الإصلاح والتمثيل والتنمية وقدرة المؤسسات الدولية على التعامل مع الأزمات المتزامنة.

#الأمم المتحدة#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

شبكات النفوذ السري للإمارات!

شبكات النفوذ السري للإمارات!

مقال رأي بقلم الصحفي والكاتب الجزائري إسماعيل مليلي

بوابة الجزائر الإخبارية: إن ما ستطّلع عليه الآن ليس مجرد قائمة بفضائح متفرقة، بل هو خيوط تتقاطع وتتشابك لتكشف نمطاً ثابتاً لسلوك دولي يجمع بين استخدام المال السياسي الفاسد، وتوظيف شركات الاستخبارات الخاصة، وغسيل الأموال عبر الملاذات الضريبية الآمنة، ودعم الميليشيات والجماعات المسلحة خارج الحدود الرسمية للامارات، ونسج تحالفات عسكرية سرية، تُعيد رسم خارطة الأمن الإقليمي.

شبكات النفوذ السري للإمارات!
الصحفي والكاتب الجزائري إسماعيل مليلي

كل ملف من الملفات التالية مدعوم بوثائق مسربة، وتحقيقات صحفية مستقلة، وتقارير أممية.
1- ملف “أبوظبي سيكريتس“: حملات التشويه الممنهج في أوروبا
كشفت شكبة التحقيقات الأوربية المشتركة EIC عن 78 ألف وثيقة سرية مسربة حول جهاز الأمن الوطني الإماراتي، تحت إشراف مستشار الأمن الوطني طحنون بن زايد، الذي تعاقد مع شركة استخبارات خاصة مقرها جنيف، اسمها “ألب سيرفيسيز” يملكها المحقق الإيطالي السويسري، ماريو بريرو. تلقت الشركة ما لا يقل عن 5.7 مليون يورو بين عامي 2017 و2020 من طرف شركة تستخدم كواجهة اسمها “الأرياف” تعمل كغطاء للمخابرات الإماراتية لتنفيذ مخططاتها، وتحمل أسماء سرية: “أرنيكا” و”كروكوس”. المهمة التي كلّفت بها الشركة لم تكن مجرد جمع معلومات، بل بناء ملفات استخبارية مُلفقة عن أكثر من 1000 شخص و400 منظمة موزعين على 18 دولة أوروبية منها: فرنسا (أكثر من 200 شخص و120 منظمة)، بلجيكا (160 شخصاً)، إسبانيا (أكثر من 160 شخصاً). تم تصنيف هؤلاء بشكل جماعي، شبكة مرتبطة بالإخوان المسلمين على غرار المافيا، دون أن تتوفر أدلّة جنائية، أو اتهامات رسمية بحق الغالبية العظمى منهم.

شبكات النفوذ السري للإمارات!

شملت الأهداف سياسيين، صحفيين، أكاديميين، ورؤساء جمعيات إسلامية. تم تمرير التقارير إلى دوائر صنع القرار الأوروبي بهدف التأثير على قرارات منع الإقامة، إغلاق الجمعيات، وتشويه السمعة المهنية، مع تضخيم خطاب الفوبيا من الإسلام في الإعلام الغربي. ورداً على هذه الممارسات، تقدم أعضاء في البرلمان الأوروبي باستجوابات رسمية، تطالب بفتح تحقيق للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للاتحاد.
2- وثائق باندورا: العائلات الحاكمة في قلب شبكات التدفق المالي المظلم

كشف تقرير الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ICIJ مشروع وثائق باندورا في الخامس عشر من نوفمبر2021، عن 11.9 مليون وثيقة سرية أن شركة خدمات مالية مقرها دبي اسمها (إس إف إم كوربوريت سيرفيسيز)، أسست شركات وهمية لما لا يقل عن 2977 عميلاً من جميع أنحاء العالم، من بينهم متهمون بتهريب ذهب الكونغو الديمقراطية، وتجارة المخدرات والأسلحة، وغسيل مئات الملايين من الدولارات.

شبكات النفوذ السري للإمارات!

تضمنت القائمة أسماء ما لا يقل عن خمسة وثلاثين فرداً من أفراد العائلات الحاكمة في الإمارات، من بينهم نائب رئيس الدولة حاكم دبي محمد بن راشد، وشقيقاه طحنون وطاهر، استخدموا شركات في جزر فيرجن البريطانية والباهاما، لإخفاء أصولهم واستثماراتهم عن الرقابة.

لم تكن هذه مجرد حسابات استثمارية خاصةفحسب، بل تورط عملاء الشركة في تحويل أموال مرتبطة بعمليات احتيال دولية، وشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات، وتهريب المعادن النفيسة من مناطق النزاع. وأشار التحقيق إلى أن مسؤولين أمريكيين سابقين كشفوا لمنظمي التحقيق أن واشنطن تراجعت عن إدراج الإمارات في القائمة الرمادية لمراقبة غسيل الأموال، خوفاً من الإضرار بالعلاقات الاستراتيجية معها.

شبكات النفوذ السري للإمارات!

3- ليبيا: التسليح السري والضغط على المبعوثين الدوليين
عن صحيفة نيويورك تايمز في يونيو 2025، توثّق الرسائل الإلكترونية المسربة، و تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بليبيا في مارس 2026، إضافة إلى البيانات الاستخبارية المباشرة، أن الإمارات لم تكتفِ بدعم خليفة حفتر عسكريا منذ 2014 فقط، بل مارست ضغوطا مالية ووظيفية على المبعوثين الدوليين، لعرقلة أي تسوية سياسية لا تخدم حلفاءها، وكشفت تقارير استخباراتية أمريكية عن اتصالات هاتفية متكررة ومباشرة بين نائب رئيس الدولة منصور بن زايد، وقادة الميليشيات المسلحة في ليبيا والسودان، وفي تقريرها الصادر في مارس 2026، وثّقت لجنة خبراء الأمم المتحدة أن مئات رحلات الشحن الجوي انطلقت من العين بالإمارات، مروراً بمنطقة الكفرة جنوب ليبيا، لتزويد قوات حفتر، ثم ميليشيا الدعم السريع في السودان بالأسلحة والذخائر، مع تعطيل أجهزة تتبع الطائرات لإخفاء المسار، وبلغت وتيرة هذه الرحلات في فترات الذروة إلى خمس رحلات أسبوعيا.

شبكات النفوذ السري للإمارات!

4- السودان: تجنيد المرتزقة وتسليح الميليشيا عبر الجسور الجوية
تُظهر الأدلة التي قدمتها الحكومة السودانية رسمياً إلى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي مطلع سبتمبر 2025، حسب تقرير Politico، أن ما لا يقل عن 248 رحلة جوية مستأجرة من الإمارات، نقلت بين نوفمبر 2024 وفبراير 2025 مئات المرتزقة، معظمهم من كولومبيا، بالإضافة إلى أسلحة ومعدات عسكرية متطورة، هبطت في مطارات يسيطر عليها الدعم السريع في نيالا والفاشر، وتمت العملية عبر شبكة شركات طيران وهمية، من بينها شركة “نيو واي كارغو” المسجلة في قيرغيزستان. وقدّرت مصادر استخبارية أن قيمة ما تلقته قوات الدعم السريع من الإمارات تجاوزت مليار دولار، شملت طائرات مسيرة، وذخائر دقيقة، ونظم اتصالات. وفي المقابل، حاولت أبوظبي ممارسة ضغوط على البرلمان الأوروبي لحذف أي إشارة إلى دورها في قرارات الإدانة، وفقا لما كشفته صحيفة “بوليتيكو”.

شبكات النفوذ السري للإمارات!

وفي السادس من مايو 2025، قطعت السودان رسميا علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات احتجاجاً على التدخل في شأنها الداخلي، ودعم الانفصاليين.
5- البحر الأحمر والقرن الأفريقي: قواعد عسكرية لدعم إسرائيل
كشفت وثيقة رسمية مسربة موجهة إلى قيادة العمليات المشتركة في القوات المسلحة الإماراتية، عن خطط تفصيلية لاستخدام القواعد العسكرية الإماراتية في إريتريا والصومال وجنوب اليمن، كمنصات استخباراتية ولوجستية، لدعم الجيش الإسرائيلي في حربه على غزة. نصّت الوثيقة صراحة على أن الهدف هو تعزيز دولة إسرائيل في حربها ضد الإرهابيين في فلسطين، وتضمنت جداول اجتماعات ميدانية وتنسيق استخباراتي مباشر، حسب صحيفة هآرتس، وتحقيق أعده موقع Drop site news.
وفي تحقيق منفصل، تم الكشف عن 55 ألف رسالة إلكترونية داخلية مسربة من شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، عن صفقات سرية لتزويد الإمارات بطائرات مسيرة متطورة، وقنابل خارقة للتحصينات، ونظم اعتراض اتصالات ورصد إلكتروني، بقيمة إجمالية تزيد على 2.3 مليار دولار، بعضها نُفّذ بالفعل وبعضها لا يزال قيد التوقيع. وتبيّن أن هذه الشراكة تجاوزت المظاهر الدبلوماسية لتصبح شبكة أمن مشتركة تغطي الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

6- غسيل الأموال: دبي كمركز عالمي لتدفق الأموال الملوثة
وثّق تقرير كارنيغي أن حوالي 30 منطقة حرة في دبي تعمل كملاذات لغسيل الأموال عبر الفواتير المزورة، والقوائم المزدوجة، والشركات الوهمية، مع ضعف رقابي يُوصف بأنه متعمّد. وجاء في ذات التقرير أن جارة الذهب القادم من مناطق النزاع في أفريقيا الوسطى، والشرق الأوسط، يعاد تصديره من دبي دون فحص جدي لمصدره، متسببة في إنشاء قناة مفتوحة لتحويل عائدات العنف، والفساد، إلى أموال نظيفة. وفي “ملفات فينسين”، كشف الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، أن البنوك العاملة في دبي تجاهلت مئات التحذيرات من المعاملات المشبوهة في إيران، وتحويل ما لا يقل عن 2 تريليون دولار عبر فروعها خلال عقدين. وخلص المحللون إلى أن الإمارات لا تُعاني من نقص في القدرة على المراقبة، بل من نقص في الإرادة لوقف هذه التدفقات، لأنها تشكل أحد أعمدة نموها الاقتصادي.

شبكات النفوذ السري للإمارات!

7- اليمن: دعم الانفصاليين وتقسيم البلاد
حسب مذكرة بحثية لبرلمان المملكة المتحدة في فبراير 2026، لم يكن دعم المجلس الانتقالي الجنوبي انحرافاً عن سياسة أبوظبي، بل امتداد لنهج بدأ مبكرا عندما حصلت شركة موانئ دبي العالمية على حق استئجار ميناء عدن لمدة 25 عاماً في 2008. ومنذ 2017، موّلت الإمارات، وسلّحت، فصائل المجلس الانتقالي بهدف الفصل الفعلي بين شمال اليمن وجنوبه، ما أدى إلى تفكك الجيش الوطني اليمني، وإضعاف الحكومة المعترف بها دوليا. ورغم سحب معظم قواتها مطلع 2026، إلا أن شبكات النفوذ المالي مازالت تسطير هناك، والعمل العسكري مازال يعمل بوتيرة منتظمة في الخفاء، كما حافظت أبوظبي على وجودها العسكري في جزر استراتيجية تتحكم في منفذ البحر الأحمر.
إن ما يربط بين كل هذه الملفات ليس مجرد تشابه في الأساليب، بل هو منطق واحد متكرر: استخدام القوة الناعمة والصلبة معاً، لتوسيع دائرة النفوذ خارج الحدود، بمعزل عن القانون الدولي، ودون احترام لسيادة الدول. فمن أوروبا إلى أفريقيا مروراً بالخليج، تتكرر نفس الآليات: المال السري، الشركات الوهمية، شركات الاستخبارات الخاصة، ودعم الأطراف الانفصالية في النزاعات ضد الحكومات المعترف بها دوليا. وإذا كان لكل ملف من هذه الملفات طابعه الخاص، فإن الرسالة المشتركة بينها جميعا، هي أن الاستقرار الإقليمي لا يُبنى بتحالفات سرية، ولا بصفقات الأسلحة المبرمة خلف الأبواب، بل يُبنى باحترام مبدأ أساسي واحد، وهو سيادة كل دولة على أراضيها، وعدم استخدام المال الفاسد أو السلاح لفرض واقع ترفضه الأعراف والقوانين الدولية، ويبقى شريان نبض الامارات هو الاتجار في المال الفاسد عبر مناطقها الحرة، شريان لايد أن تجتمع الدول المتضررة من سياسة أبوظبي لتضييق لاخناق عليه.

#الإمارات#بن زايد
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

عرقاب في النيجر.. الجزائر تدفع بعجلة كفرا وأنبوب الغاز العابر للصحراء

عرقاب في النيجر.. الجزائر تدفع بعجلة كفرا وأنبوب الغاز العابر للصحراء

بوابة الجزائر الإخبارية : حل وزير الدولة، وزير المحروقات، الجزائري محمد عرقاب، الاثنين، بمطار ديوري حماني الدولي بالعاصمة نيامي، في مستهل زيارة عمل إلى جمهورية النيجر، بتكليف من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون،حسبما أوردته وزارة المحروقات الجزائرية.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2102054752146034855?s=46

وكان في استقبال وزير الدولة، لدى وصوله، وزير البترول لجمهورية النيجر، حمادو تيني (Hamadou Tinni)، وذلك بحضور سفير الجزائر لدى جمهورية النيجر.

ويرافق وزير الدولة، خلال هذه الزيارة، الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك، نور الدين داودي، ونائب الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك المكلف بنشاط التكرير والبتروكيمياء، سليمان سليماني، والمدير العام لشركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج البترولي (SIPEX)، شريف بوعرعارة، إلى جانب عدد من إطارات القطاع.

وتندرج هذه الزيارة في إطار متابعة وتقييم مدى تقدم مشاريع واتفاقات التعاون الثنائي بين الجزائر والنيجر في مجال المحروقات، لاسيما مشروع البحث والاستكشاف على مستوى رقعة كفرا، وآفاق تطوير الرقع النفطية الجديدة، وفي مقدمتها رقعة بيلما (Bilma)، إلى جانب متابعة التعاون في مجال التكرير والبتروكيمياء، وخاصة أشغال الصيانة الكبرى لمصفاة زندر، والتعاون في مجال التسويق المشترك للنفط النيجري.
كما ستشكل الزيارة مناسبة لمتابعة مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، لاسيما التحضيرات المتعلقة بإطلاق حملة المسح الطوبوغرافي لمسار الأنبوب على الأراضي النيجرية، بما يسمح بدفع مختلف مراحل تجسيد هذا المشروع الاستراتيجي.

#عرقاب،الجزائر،النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

بوابة الجزائر الإخبارية: 4.3 تريليون دولار سنوياً هي الفجوة التي ما تزال تفصل الاقتصادات النامية عن الاستثمارات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، في وقت تزداد فيه كلفة الاقتراض وتتسع احتياجات التكيف المناخي وتتحول الطاقة إلى أحد أكثر عناصر الاقتصاد العالمي حساسية. وسط هذه المعادلة، تبدأ الجزائر أسبوعاً دبلوماسياً مكثفاً في نيويورك، حيث تضع رزنامة الدورة الـ81 للجمعية العامة أمامها ملفات تتقاطع مباشرة مع مصالحها الاقتصادية: التمويل، الانتقال الطاقوي، الحق في التنمية، التكنولوجيا وأمن الإمدادات.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

ويمثل وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، الجزائر في الأسبوع رفيع المستوى بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بعد وصوله إلى نيويورك يوم الأحد 20 سبتمبر، فيما تنطلق المناقشة العامة الثلاثاء 22 سبتمبر وتستمر إلى 26 سبتمبر، قبل استئنافها في 28 سبتمبر. وافتتحت الدورة العادية الـ81 رسمياً في 8 سبتمبر وتستمر إلى 7 سبتمبر 2027، تحت شعار «استعادة الثقة، إدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع».

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

وحسب البرنامج الرسمي للأمم المتحدة والوثائق الاقتصادية المصاحبة للدورة، فإن أهمية المشاركة الجزائرية لا تقاس هذه المرة فقط بالكلمة التي ستلقى في الجمعية العامة أو بالمواقف من الأزمات الدولية، بل أيضاً بتزامن الأسبوع مع نقاشات تعيد فتح بعض أكثر الملفات تأثيراً في اقتصادات الدول النامية: من يدفع كلفة الانتقال الطاقوي؟ كيف تموّل البلدان استثمارات التكيف؟ وبأي شروط تحصل على رؤوس الأموال والتكنولوجيا؟ وكيف يمكن إصلاح منظومة مالية دولية باتت كلفة الاقتراض داخلها جزءاً من فجوة التنمية نفسها؟

وقد بدأ عطاف تحركاته قبل افتتاح المناقشة العامة، فيما يسجل مكتب رئيس الجمعية العامة لقاءً عقد في نيويورك يوم 20 سبتمبر بين وزير الخارجية الجزائري ورئيس الدورة الـ81 خليل الرحمن، كما استهل عطاف نشاطاته بلقاء مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، وفق البيان الجزائري المنشور في اليوم نفسه.

وهذه الحركة المبكرة مهمة من منظور الدبلوماسية الاقتصادية، لأن أسبوع الجمعية العامة يجمع في مساحة زمنية واحدة الحكومات والمؤسسات الدولية ووزراء الخارجية والاقتصاد والطاقة، ويتيح للدول تحويل الملفات متعددة الأطراف إلى مشاورات ثنائية وشراكات ومفاوضات تمتد إلى ما بعد قاعات الأمم المتحدة.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

المشهد الاقتصادي الذي تحتضنه نيويورك هذا العام أكثر تعقيداً من السنوات السابقة. فبيانات الأمم المتحدة تشير إلى فجوة تمويل سنوية تتجاوز أربعة تريليونات دولار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بينما أظهر تقرير للأونكتاد في 2026 أن التدفقات المالية الخارجية التي استقبلتها البلدان النامية بلغت قرابة 1.5 تريليون دولار في 2024، لكنها بقيت عاجزة عن سد فجوة استثمار تقدر بنحو 4.3 تريليون دولار سنوياً.

وتتضاعف الضغوط مع ارتفاع تكلفة الدين. فقد خلصت الأونكتاد إلى أن ارتفاع مدفوعات الفائدة قلّص الحيز المالي المتاح للتنمية في 99 دولة نامية تضم نحو 5.5 مليارات نسمة بين 2018 و2024، بما يعني أن جزءاً متزايداً من الموارد التي كان يمكن تخصيصها للبنية التحتية والطاقة والمياه والصحة والاستثمار أصبح يذهب لخدمة الدين.

وهنا يصبح «الحق في التنمية» الذي سيعود إلى الواجهة في نيويورك قضية مالية بقدر ما هو مبدأ قانوني وسياسي.

الطاقة والتمويل.. أين تتقاطع المصالح الجزائرية؟

يحمل الأربعاء 23 سبتمبر كثافة اقتصادية خاصة، إذ تعقد الجمعية العامة اجتماعاً رفيع المستوى بمناسبة مرور أربعين عاماً على اعتماد إعلان الحق في التنمية، بينما يعقد الأمين العام للأمم المتحدة في اليوم ذاته حدثاً رفيع المستوى حول العمل المناخي والانتقال العادل. ويركز المسار المناخي رسمياً على تسريع انتقال «عادل ومنظم» نحو الطاقة المتجددة، وتوسيع التمويل والاستثمارات الميسرة للدول النامية، ودعم التكيف والقدرة على الصمود.

بالنسبة إلى الجزائر، يضع هذا التقاطع موضوع الطاقة في سياق أوسع من النقاش التقليدي حول خفض الانبعاثات. فالاقتصاد الجزائري منتج ومصدر للمحروقات، وفي الوقت نفسه يملك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية ومشروعات الهيدروجين، ولذلك فإن شكل الانتقال الدولي وسرعته وشروط تمويله ونقل التكنولوجيا المرتبط به كلها مسائل ذات أثر مباشر في الاستثمارات وفي مستقبل الصادرات وفي بنية الاقتصاد خلال العقود المقبلة.

ولا يعني «الانتقال العادل» بالنسبة إلى الدول النامية التخلي الفوري عن مصادر الطاقة الحالية، وفق مفهوم الاجتماع الأممي، بل يرتبط بكيفية إدارة التحول مع تأمين التمويل والاستثمار ومراعاة اختلاف القدرات التنموية بين الاقتصادات. ومن هنا تكتسب المناقشات أهمية خاصة للدول المنتجة التي تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على أمن الإمدادات وتوسيع الاستثمارات منخفضة الكربون.

كما أن الأزمة المناخية باتت تحمل فاتورة مالية يصعب فصلها عن سياسات التنمية. ويقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة احتياجات التكيف في البلدان النامية بما يتراوح بين 310 و365 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، في حين لم تتجاوز التدفقات الدولية العامة المخصصة للتكيف نحو 26 مليار دولار في 2023. أي أن الاحتياجات الحالية والمستقبلية تعادل ما بين 12 و14 ضعف التمويل المتاح وفق أحدث تقديرات البرنامج.

هذه الأرقام تمنح النقاش بعداً مباشراً بالنسبة إلى الجزائر وإفريقيا عموماً. فالتكيف لا يعني الإنفاق البيئي المجرد، وإنما تمويل شبكات المياه، وتحلية مياه البحر، والزراعة المقاومة للجفاف، والحماية من الحرائق والتصحر، والبنية التحتية القادرة على تحمل الظواهر المناخية، إلى جانب تحديث شبكات الكهرباء والطاقة.

كما أن شكل التمويل لا يقل أهمية عن حجمه. فإذا جاءت التدفقات المناخية في معظمها على هيئة ديون مرتفعة الكلفة، فإن الدول النامية قد تجد نفسها تمول التحول المناخي على حساب الاستثمار والتنمية، وهو ما يفسر تصاعد النقاش الدولي حول المنح والتمويل الميسر وإصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف وخفض علاوات المخاطر.

وفي الحالة الجزائرية، يفتح ذلك مجالاً اقتصادياً أوسع للدبلوماسية الطاقوية. فموقع الجزائر بين إفريقيا وأوروبا يسمح لها بربط نقاشين يجريان غالباً بصورة منفصلة: حاجة أوروبا إلى أمن الطاقة وتنويع الإمدادات من جهة، وحاجة إفريقيا إلى الكهرباء والبنية التحتية ورأس المال والتكنولوجيا من جهة أخرى.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

وهذه المعادلة يمكن أن تجعل مشروعات الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين والربط الكهربائي والممرات العابرة للصحراء جزءاً من خطاب اقتصادي واحد يقوم على أن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن تمويل التنمية في جنوب المتوسط وإفريقيا.

لكن القيمة العملية لهذه الورقة ستبقى مرتبطة بما ينتج فعلياً عن اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف. فالجمعية العامة لا توقع تلقائياً عقود الطاقة أو الاستثمار، لكنها توفر منصة سياسية نادرة يجتمع خلالها عدد كبير من أصحاب القرار، ما يسمح بفتح مسارات تفاوضية قد تتحول لاحقاً إلى استثمارات أو ترتيبات تمويل أو تعاون تكنولوجي.

وهنا يمكن قراءة اللقاءات التي يجريها عطاف على هامش الدورة باعتبارها مكوناً مكملاً للمشاركة الرسمية، وليس نشاطاً بروتوكولياً منفصلاً عنها. وفي 21 سبتمبر، أفادت وكالة الأنباء الليبية بأن عطاف والقائم بأعمال وزارة الخارجية الليبية الطاهر الباعور بحثا، إلى جانب القضايا السياسية والأمنية، آفاق تطوير التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين.

كما كان مقرراً أن يلتقي عطاف في نيويورك وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابيتريتيس، وفق البرنامج الذي أعلنته أثينا ليوم 21 سبتمبر، بالتزامن مع حضور وزير البيئة والطاقة اليوناني إلى نيويورك بأجندة تشمل الطاقة والمناخ والتحضير لمؤتمر COP31. ولا تعني هذه البرمجة بحد ذاتها وجود مفاوضات طاقوية جزائرية-يونانية معلنة، لكنها توضح كيف تتحول نيويورك خلال هذا الأسبوع إلى مساحة تتقاطع فيها الدبلوماسية السياسية مع ملفات الطاقة والاقتصاد.

الحق في التنمية يعود بأرقام أكثر إلحاحاً

يأتي اجتماع 23 سبتمبر بعد أربعين عاماً من اعتماد الجمعية العامة إعلان الحق في التنمية في 4 ديسمبر 1986، الذي ربط التنمية بمشاركة الأفراد والشعوب في العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستفادة العادلة من نتائجها. وتقول الأمم المتحدة إن اجتماع الذكرى الأربعين يستهدف إعادة تأكيد هذا الحق إطاراً لمعالجة التحديات المعاصرة وتعزيز السياسات الوطنية والتعاون الدولي.

لكن الفرق بين 1986 و2026 أن الجدل اليوم أصبح أكثر ارتباطاً بالمال والتكنولوجيا والأسواق.

فالدول النامية تواجه اقتصاداً دولياً أصبحت فيه تكلفة رأس المال عاملاً حاسماً في تحديد القدرة على إنشاء مصنع أو محطة كهرباء أو شبكة مياه أو بنية رقمية. وفي الوقت الذي تستطيع فيه بعض الاقتصادات المتقدمة الاقتراض بكلفة أقل، تدفع العديد من الدول النامية علاوات مخاطر أعلى، وهو ما يرفع تكلفة المشروعات ويؤخر الاستثمار حتى عندما تكون الجدوى الاقتصادية موجودة.

وتفيد بيانات الأمم المتحدة بأن نحو ثلاثة مليارات شخص يعيشون في دول تنفق حكوماتها على فوائد الدين أكثر مما تنفقه على الصحة والتعليم مجتمعين، وهو رقم يختصر جانباً من المعضلة التي سيعود ملف التنمية إلى طرحها في نيويورك.

بالنسبة إلى الجزائر، يمنح هذا النقاش مساحة لربط أولوياتها الوطنية بقضايا أوسع تتشاركها مع الدول الإفريقية والنامية: تمويل البنية التحتية، توسيع التصنيع المحلي، نقل التكنولوجيا، الأمن الغذائي، الطاقة، الاقتصاد الرقمي وتحسين شروط الوصول إلى رؤوس الأموال.

وتزداد أهمية ذلك مع كون إفريقيا تحتاج إلى تمويل ضخم لمشروعات الربط الكهربائي والنقل والمياه والممرات التجارية، بينما تحد الديون وتكلفة الاقتراض من قدرة عدد من اقتصادات القارة على تنفيذها. ولهذا فإن إصلاح الهيكل المالي الدولي لم يعد نقاشاً مؤسسياً مجرداً، بل بات مرتبطاً مباشرة بسرعة تنفيذ المشاريع ومقدار النمو وفرص العمل.

4.3 تريليون دولار تضع التمويل في قلب أسبوع نيويورك.. الجزائر تدخل الجمعية العامة بأوراق طاقوية وتنموية ثقيلة!

وفي المقابل، تمتلك الجزائر بعض الخصائص التي تسمح لها بتقديم نفسها ضمن هذه المناقشات ليس فقط كمتلق محتمل للتمويل، وإنما كشريك في مشروعات إقليمية: فهي منتج للطاقة، ولها واجهة متوسطية وامتداد إفريقي، وتوجد على مسارات مشروعات للربط الطاقوي والطرقي والتجاري نحو الجنوب والشمال.

وبالتالي فإن إحدى القضايا الاقتصادية التي يمكن أن تبرز خلال الدبلوماسية الجزائرية في السنوات المقبلة تتمثل في تحويل هذه الجغرافيا إلى أصول اقتصادية مترابطة: الغاز نحو أوروبا، الطاقة والكهرباء والهيدروجين مستقبلاً، الممرات التجارية نحو الساحل وغرب إفريقيا، وربط ذلك بالاستثمار الصناعي واللوجستي داخل الجزائر.

ويأتي هذا كله بينما تدخل التكنولوجيا بدورها قلب النقاش الأممي. فالذكاء الاصطناعي أصبح أحد الملفات البارزة في أسبوع الجمعية العامة، وسط نقاش دولي حول الحوكمة والمخاطر والوصول العادل إلى التكنولوجيا، وهي مسألة تحمل للدول النامية آثاراً اقتصادية تتجاوز تنظيم التطبيقات إلى البنية التحتية الرقمية والحوسبة والبيانات وتكوين الكفاءات.

وهذا يضع مفهوم «الحق في التنمية» أمام اختبار جديد: فبعدما كان النقاش يدور تاريخياً حول الموارد والأسواق ورأس المال، أصبح الوصول إلى التكنولوجيا والحوسبة والقدرات الرقمية جزءاً متزايد الأهمية من الفجوة التنموية نفسها.

لذلك، تبدو الدورة الـ81 بالنسبة إلى الجزائر مساحة تتداخل فيها ثلاثة مستويات في وقت واحد: الدفاع عن المواقف داخل النظام متعدد الأطراف، توسيع شبكة العلاقات الثنائية، ومحاولة تحويل ملفات التمويل والطاقة والمناخ والتكنولوجيا إلى فرص اقتصادية ملموسة.

ولا يمكن قياس نتيجة أسبوع نيويورك بعدد الاجتماعات وحده، بل بما يمكن أن يتحول منها لاحقاً إلى استثمار وتمويل وتعاون تقني واتفاقات اقتصادية.

فالجزائر تدخل هذه الاجتماعات في وقت يعاد فيه تشكيل أسواق الطاقة، ويتسع فيه عجز تمويل التنمية، وتبحث الدول عن سلاسل توريد أكثر أمناً ومصادر جديدة للطاقة والمعادن والتكنولوجيا. وفي مثل هذه البيئة، تزداد قيمة الدبلوماسية الاقتصادية عندما تتحرك بالتوازي مع السياسة الخارجية، بحيث تصبح اللقاءات الدولية وسيلة لفتح الأسواق وجذب رأس المال وتمويل البنية التحتية وتثبيت الشراكات.

ومن هذه الزاوية، فإن الرقم الأكثر دلالة في أسبوع الجمعية العامة قد لا يكون عدد القادة الحاضرين ولا عدد الاجتماعات المبرمجة، بل 4.3 تريليون دولار: فجوة تمويل تكشف حجم المنافسة التي ستخوضها الدول النامية على رأس المال خلال السنوات المقبلة، وتجعل التمويل والطاقة والتكنولوجيا في صميم النقاش حول من يستطيع فعلاً تحويل «الحق في التنمية» من إعلان أممي عمره أربعون عاماً إلى قدرة اقتصادية قابلة للقياس.

#الأمم المتحدة#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

بوابة الجزائر الإخبارية: 35 مليار متر مكعب من الغاز صدّرتها الجزائر إلى الاتحاد الأوروبي خلال 2025، لتكرّس موقعها ضمن أكبر ثلاثة موردين للسوق الأوروبية، لكن القيمة الحقيقية لهذا الرقم تتجه إلى الارتفاع في 2026 مع اجتماع ثلاثة تحولات في وقت واحد: مخزونات أوروبية لا تتجاوز 69%، أسعار غاز مرتفعة بنحو 150% في عام، ومسار أوروبي ملزم لإغلاق آخر منافذ الغاز الروسي. هذه التحولات لا تمنح الجزائر مجرد فرصة لبيع الغاز بسعر أعلى، بل تفتح أمامها مجالاً أوسع لتحويل الطاقة إلى رافعة تفاوض واستثمار ونفوذ اقتصادي طويل الأجل في الضفة الشمالية للمتوسط.

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

وحسب ما رصدته تادامسا نيوز في بيانات السوق الأوروبية وتحركات شركات الطاقة والمؤسسات الأوروبية، فإن ما يجري حالياً يتجاوز دورة موسمية مرتبطة بقرب الشتاء. أوروبا نفسها تعيد بناء منظومة إمداداتها بعد سنوات من فك الارتباط التدريجي مع روسيا، وفي اللحظة التي تسعى فيها إلى تأمين بدائل دائمة، تدخل موسم التدفئة بهامش تخزين أضعف بكثير من المعتاد، فيما أعادت الحرب واضطرابات الملاحة البحرية تذكير المستوردين بأن الغاز المسال، مهما بلغت مرونته، يظل مرتبطاً بمخاطر المضائق والناقلات والتأمين وأسعار الشحن.

وتظهر بيانات Gas Infrastructure Europe أن منشآت الاتحاد الأوروبي كانت ممتلئة بنسبة 69.06% فقط في 18 سبتمبر، بما يعادل نحو 781.5 تيراواط/ساعة من الغاز، بينما هبط مستوى ألمانيا إلى 56.12% وهولندا إلى 54.1%. وهذه ليست فجوة هامشية، لأن السوق الأوروبية اعتادت في مثل هذا الوقت من السنة الدخول إلى الخريف بمخزونات أكثر امتلاء، فيما يضع المستوى الحالي القارة أمام حاجة أكبر إلى استمرار الاستيراد حتى خلال موسم السحب الشتوي.

المشكلة لا تتعلق بالكمية وحدها. سعر الغاز الأوروبي ارتفع بنحو 150% خلال عام، وفق رويترز، ليدور حول 81 يورو للميغاواط/ساعة، وهو ما يعيد الطاقة مرة أخرى إلى صدارة المخاطر التي تواجه التضخم والصناعة والمالية العامة الأوروبية. وكل أسبوع يمر من دون إعادة بناء هامش مريح داخل المخزونات يزيد حساسية الأسعار لأي موجة برد أو عطل في منشأة إنتاج أو اضطراب جديد في حركة الغاز المسال.

هذه البيئة هي التي تمنح الجزائر أهمية أكبر من مجرد كونها بلداً منتجاً قريباً من أوروبا. فالمفوضية الأوروبية تصنف الجزائر ثالث أكبر مورد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، وتقول صراحة إن أوروبا تعتمد على الغاز الجزائري في أمن إمداداتها، مقابل اعتماد الجزائر على السوق الأوروبية لضمان الطلب، وهي صيغة تعكس درجة من الاعتماد المتبادل يصعب اختزالها في عقود شراء وبيع تقليدية.

كما أن هذا الوزن يأتي في توقيت مفصلي. الاتحاد الأوروبي خفّض الغاز الروسي من 152 مليار متر مكعب في 2021 إلى نحو 36 ملياراً في 2025، وتراجعت حصة روسيا من وارداته من 45% إلى 12%. وفي فبراير 2026 دخلت قواعد REPowerEU الجديدة حيز التنفيذ، واضعة مساراً قانونياً لإنهاء واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بنهاية 2026، ثم وقف الغاز الروسي عبر الأنابيب في موعد أقصاه 30 نوفمبر 2027.

وهذا يعني أن السوق التي تتحرك الجزائر داخلها اليوم ليست السوق نفسها التي كانت قائمة قبل أربع أو خمس سنوات. أوروبا لا تبحث فقط عن شحنة لسد فجوة عابرة، بل تعيد توزيع عشرات المليارات من الأمتار المكعبة التي كانت تأتي تاريخياً من الشرق، وتعيد بالتوازي ترتيب مفهومها للأمن الطاقوي حول التنويع، وقصر سلاسل الإمداد، ومرونة البنية التحتية وتقليل التعرض لممرات جغرافية حساسة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تتحول الجغرافيا الجزائرية إلى أصل اقتصادي.

فالغاز المتجه إلى إيطاليا وإسبانيا عبر الأنابيب لا يواجه سلسلة النقل البحرية الطويلة نفسها التي تتحملها الشحنات القادمة من الخليج أو الولايات المتحدة، ولا يحتاج إلى البحث عن ناقلة متاحة أو المرور بالوتيرة نفسها عبر سوق الشحن الفورية. أما ميدغاز، فيربط بني صاف مباشرة بألميريا بطاقة تبلغ 10.16 مليارات متر مكعب سنوياً عبر 210 كيلومترات من الأنابيب تحت البحر، وتقدمه الشركة المشغلة باعتباره أحد أقصر المسارات وأكثرها مباشرة لتزويد جنوب أوروبا.

وفي ظرف طبيعي قد تُقرأ هذه الميزة باعتبارها فارقاً في الكلفة فقط. أما في سوق يواجه اضطراباً في الملاحة وشحاً في بعض شحنات الغاز المسال وقفزة في التأمين، فإنها تتحول إلى علاوة أمان لها قيمة اقتصادية وسياسية.

ويزداد هذا البعد وضوحاً مع التطورات الأخيرة في سوق الغاز الطبيعي المسال. فقد أدت الأسعار المرتفعة واضطراب الإمدادات الخليجية إلى إحجام مشترين آسيويين عن السوق الفورية، وتتجه واردات آسيا في سبتمبر إلى أدنى مستوى لهذا الشهر منذ ثماني سنوات، بينما تستقطب أوروبا جزءاً أكبر من الشحنات المتاحة لتعويض ضعف مخزونها. هذه المنافسة بين أوروبا وآسيا تعني أن أمن الإمداد لن يحدد فقط بمن يملك الغاز، وإنما أيضاً بمن يستطيع نقله بصورة مستقرة وبكلفة يمكن تحملها.

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

من عقود الغاز إلى دبلوماسية المصالح

من هنا يبدأ الرهان الأهم بالنسبة إلى الجزائر. فالفرصة ليست في مضاعفة سعر الشحنة الواحدة، وإنما في استخدام اللحظة الحالية لتثبيت عقود أطول، وتسريع استثمارات الإنتاج، ورفع طاقة المنشآت القائمة، وربط أمن الطلب الأوروبي بخطط تطوير المنبع الجزائري.

وهذه العملية بدأت عملياً قبل أزمة التخزين الحالية. ففي جويلية 2025، وقعت سوناطراك و«إيني» بروتوكولاً لتوسيع التعاون يشمل زيادة إنتاج الغاز وتمديد عقود التصدير إلى إيطاليا، وقالت الشركة الإيطالية إن المشاريع المرتبطة بالاتفاقات الجديدة يمكن أن تضيف ما يصل إلى 5.5 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً بحلول 2028، باستثمارات إجمالية تفوق 8 مليارات دولار.

الأهمية الاقتصادية لهذا الرقم تتجاوز حجمه المجرد. فأوروبا تتجه إلى التخلص من مورد كبير، بينما تبحث الجزائر عن رفع الإنتاج القابل للتصدير. وإذا وصل جزء معتبر من هذه الكميات الجديدة في اللحظة التي يكتمل فيها خروج الغاز الروسي من السوق الأوروبية، فإن التوقيت نفسه يمكن أن يمنح الجزائر قدرة تفاوضية أكبر بشأن مدة العقود وأسعارها والاستثمار في الحقول والبنية التحتية.

وقد أصبح هذا البعد معلناً في العلاقات مع بروكسل أيضاً. ففي فبراير الماضي، انتقل مفوض الطاقة الأوروبي إلى الجزائر في زيارة خصصت صراحة لتعزيز الشراكة وتنويع الإمدادات بالتزامن مع التخلص التدريجي من الغاز الروسي، وشملت المحادثات الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين والربط الطاقوي. وتصف المفوضية الشراكة الطاقوية الجزائرية الأوروبية بأنها مكوّن «دائم وهيكلي» في العلاقات بين الطرفين.

وبلغة المصالح، فإن الدبلوماسية الطاقوية الجزائرية تملك هنا مجالاً أوسع من مجرد الدفاع عن موقع سوناطراك في سوق الغاز.

فكل متر مكعب إضافي تطلبه أوروبا يمكن أن يتحول إلى مفاوضات حول استثمار جديد في حقل، أو تطوير شبكة نقل، أو عقد طويل الأجل، أو تمويل منشأة، أو تعاون تكنولوجي، أو مشروع طاقة متجددة. وبهذا تنتقل الطاقة من خانة الصادرات الجارية إلى خانة بناء العلاقات الاقتصادية طويلة الأمد.

كما أن المفوضية الأوروبية نفسها تضع الجزائر في صميم تصورها لإنشاء محور غازي متوسطي، وتشير إلى الإمكانات الجزائرية الكبيرة في الغاز التقليدي وغير التقليدي، معتبرة أن منطقة المتوسط يمكن أن تصبح مصدراً ومساراً رئيسياً إضافياً لإمداد الاتحاد الأوروبي.

لكن الاستفادة من هذه النافذة ليست مضمونة تلقائياً.

فالقيمة الاستراتيجية للغاز الجزائري ستتحدد في السنوات المقبلة بقدرة القطاع على إنتاج كميات إضافية وليس فقط بيع الكميات نفسها بأسعار أعلى. كما ستتوقف على التحكم في الاستهلاك المحلي، والمحافظة على الحقول الناضجة، وإدخال اكتشافات جديدة إلى الإنتاج، وتقليص الحرق والانبعاثات، ورفع جاهزية منشآت التسييل والضغط والنقل.

وهذه المعادلة مهمة لأن الطلب الأوروبي نفسه لن يبقى ثابتاً إلى الأبد. أوروبا تحتاج الغاز الآن، لكنها تدفع بالتوازي نحو الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والهيدروجين. ولذلك فإن أفضل استراتيجية للجزائر ليست بناء علاقتها بالقارة على فرضية أن استهلاك الغاز سيواصل الارتفاع إلى ما لا نهاية، وإنما استثمار السنوات التي يبقى فيها الغاز ضرورياً لتمويل وتأسيس الجيل التالي من الشراكة الطاقوية.

ولهذا يكتسب ممر الهيدروجين الجنوبي SoutH2 Corridor ثقلاً يتجاوز الخطاب البيئي. المشروع يستهدف ربط شمال إفريقيا بإيطاليا والنمسا وألمانيا، ويحظى بدعم سياسي من الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا. وتصفه المفوضية الأوروبية بأنه استثمار بنية تحتية يخدم «مصلحة استراتيجية متبادلة» بين أوروبا وشمال إفريقيا، فيما بدأت دراسات الجدوى ومشاريع أولية في الجزائر وتونس.

إذا تقدم المشروع وفق المخطط، فإن العلاقة الطاقوية بين الجزائر وأوروبا يمكن أن تمر بثلاث طبقات متكاملة: غاز طبيعي يؤمن المرحلة الحالية، استثمارات إنتاج تحفظ مكانة الجزائر خلال مرحلة التخلص الأوروبي من الغاز الروسي، ثم هيدروجين وربط كهربائي يمددان العلاقة إلى ما بعد ذروة الطلب على الوقود الأحفوري.

وهذه هي النقطة التي تجعل الأزمة الحالية أكبر من شتاء مرتفع الأسعار.

فما تملكه الجزائر فعلياً هو فرصة لتحويل اعتماد أوروبي آني على الغاز إلى اعتماد اقتصادي متبادل أكثر تعقيداً، حيث تحتاج أوروبا إلى المورد والبنية التحتية والموقع، بينما تحتاج الجزائر إلى السوق والاستثمار والتكنولوجيا وضمانات الطلب على المدى المتوسط.

كما أن هذا التموقع يمنح الجزائر هامشاً أوسع في التفاوض مع أكثر من شريك أوروبي في آن واحد. إيطاليا تسعى إلى ترسيخ نفسها مركز عبور للطاقة القادمة من الجنوب، وإسبانيا مرتبطة فعلياً بميدغاز، فيما تبحث ألمانيا والنمسا عن مصادر مستقبلية للهيدروجين. وبدلاً من النظر إلى هذه المسارات كل واحد على حدة، يمكن للدبلوماسية الطاقوية الجزائرية أن تجمعها داخل تصور واحد يجعل البلاد منصة إمداد جنوبية متعددة المنتجات والأسواق.

وتزداد قوة هذا الطرح عندما تؤخذ الكلفة الاقتصادية لأزمة الغاز على أوروبا في الحسبان.

فبحث نشره بنك إيطاليا في جوان 2026، استناداً إلى بيانات منطقة اليورو بين 1996 و2025، خلص إلى أن صدمات النفط تنتقل سريعاً إلى تضخم الطاقة لكنها تتراجع نسبياً بسرعة، بينما تكون صدمات الغاز أبطأ في الظهور وأكثر استمراراً، وتمتد بدرجة أكبر إلى الأسعار غير الطاقوية.

كما أظهر تحليل للبنك المركزي الأوروبي نُشر في 21 سبتمبر أن انتقال أسعار الغاز بالجملة إلى فواتير المستهلكين أصبح أسرع مقارنة بأزمة 2021-2022، وهو ما يعني أن اضطراب الغاز يمكن أن يصل إلى الأسر والشركات في زمن أقصر مما كان عليه سابقاً.

وبذلك تصبح موثوقية المورد ذات قيمة تتجاوز أمن التدفئة. فهي تمس التضخم، وهوامش الشركات الصناعية، والقدرة الشرائية، وأسعار الفائدة، وحتى قدرة الحكومات على تجنب برامج دعم مكلفة.

وهذا بالتحديد هو المجال الذي تستطيع الجزائر أن تجعل فيه الاستقرار جزءاً من سعرها التفاوضي: ليس فقط سعر الغاز في السوق، بل قيمة أن يأتي هذا الغاز من مورد قريب، عبر منشآت قائمة، وفي إطار علاقات تعاقدية مستقرة.

أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز.. الجزائر أمام نافذة طاقوية تتجاوز مكاسب الشتاء

النفط يعطي درساً مختلفاً

على الضفة الأخرى من أسواق الطاقة، تقدم أسعار النفط في 21 سبتمبر رسالة أكثر حذراً.

فخام برنت هبط إلى نحو 101.75 دولار للبرميل، بانخفاض يقارب 2%، وسجل أدنى مستوى في 11 يوماً، بينما تراجع عقد غرب تكساس القريب إلى 98.34 دولار، رغم أن المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط لم تختف. السبب هو أن السوق بدأت ترى قدرة أكبر على إبقاء البراميل السعودية متدفقة، بالتزامن مع آمال في تحرك دبلوماسي خلال اجتماعات الأمم المتحدة.

وتظهر بيانات الأقمار الاصطناعية أن تدفقات النفط السعودية عبر مضيق هرمز ارتفعت إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً خلال الأيام الستة السابقة، بعد مستويات أقل بكثير في أوت، ما ساعد على سحب جزء من علاوة الخوف التي كانت مضافة إلى الأسعار.

وفي الوقت نفسه، توسعت عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى قرب سلطنة عمان، لتبلغ نحو 2.5 مليون برميل يومياً في سبتمبر مقابل 1.4 مليون برميل في أوت، وهي آلية سمحت باستمرار الإمدادات لكنها رفعت كلفة التجارة بصورة حادة؛ إذ تجاوزت تكلفة نقل الخام الخليجي إلى آسيا 30 دولاراً للبرميل في بعض المسارات.

بالنسبة إلى الجزائر، لا يقلل ذلك من أهمية بقاء النفط فوق 100 دولار بالنسبة إلى مداخيل التصدير والجباية البترولية، لكنه يوضح الفارق بين مكسب سعري ظرفي وتحول استراتيجي في السوق.

علاوة النفط يمكن أن تتراجع في جلسات قليلة إذا عاد المزيد من البراميل إلى السوق أو تقدم المسار الدبلوماسي. أما حاجة أوروبا إلى إعادة تشكيل مصادر الغاز بعد روسيا فهي عملية تمتد لسنوات، وترتبط بعقود وبنية تحتية واستثمارات لا تتغير بالسرعة نفسها.

ولهذا يبدو الرهان الجزائري الأكثر قيمة اليوم في مكان آخر: ليس في حساب كم دولاراً يمكن أن يضيفه برنت إلى الإيرادات هذا الشهر، بل في تحديد كم مليار متر مكعب إضافي تستطيع الجزائر وضعه في السوق الأوروبية بين 2027 و2030، وبأي عقود، وبأي استثمارات مرافقة، وما الذي يمكن أن تحصل عليه اقتصادياً مقابل تثبيت نفسها مورداً طويل الأجل.

وبهذه القراءة، يتحول انخفاض المخزونات الأوروبية إلى أكثر من خبر عن شتاء صعب.

إنه يأتي في لحظة تاريخية تعيد فيها أوروبا اختيار مورديها ومساراتها وبنيتها الطاقوية لعقود مقبلة. والجزائر موجودة بالفعل داخل هذه الخريطة؛ تصدر 35 مليار متر مكعب إلى الاتحاد الأوروبي، ترتبط مباشرة بأسواقه عبر الأنابيب، وتملك منشآت للغاز المسال، وتوسع استثمارات المنبع، كما أصبحت جزءاً من المشاريع الأوروبية المستقبلية للهيدروجين.

التحدي الآن هو الانتقال من الاستفادة من السوق إلى صناعة موقع داخل السوق.

فإذا استُخدمت سنوات الأسعار المرتفعة لزيادة الإنتاج وتحديث البنية التحتية وتوسيع العقود وربط الغاز باستثمارات الهيدروجين والكهرباء والطاقات المتجددة، يمكن للجزائر أن تدخل المرحلة التالية من علاقتها بأوروبا ليس بوصفها مورداً تلجأ إليه القارة عند الأزمات، بل باعتبارها أحد الأضلاع الدائمة في معادلة أمنها الطاقوي.

وعندها لن تكون القيمة الكبرى لأزمة الـ69% في ارتفاع سعر الغاز هذا الشتاء، وإنما في أنها جاءت في اللحظة نفسها التي تبحث فيها أوروبا عن هندسة جديدة للطاقة بعد روسيا؛ وهي نافذة قد تكون أهم للجزائر من أي قفزة مؤقتة في أسعار النفط.

#أوروبا#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي