مقال رأي بقلم محمد قنديل – مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: في المملكة الشريفة، حيث تُقاس قيمة الوطن بسلامة عضلات المستوردين، تحولت إصابة نايف أكرد وشدّ عضلة عبد الصمد الزلزولي إلى قضية أمن قومي تستحق المتابعة الدقيقة. فجأة، صار الشعب الذي لا يجد سريراً في المستشفى، ولا دواء في الصيدلية، ولا عملاً يطعم أبناءه، يعيش على أعصابه في إنتظار البلاغ الطبي المتعلق بفخذ هذا، وكاحل ذاك.

محمد قنديل
ملايين المغاربة يتضرعون إلى السماء كي يتعافى {منتخب أبناء المهاجرين }، حتى يستمر مهرجان الركض المقدس، لأن الوطن، كما يبدو، يتوقف مصيره على سلامة أوتار الركبة.
وفي المقابل، عندما يخرج الديوان الملكي ببلاغ جديد عن صحة الملك، لا يشتعل الفضاء العام، ولا تتوقف القلوب، ولا يخرج الناس حاملين الشموع والبخور، وحدهم العياشة والزلايجية يهرعون إلى مواقع التواصل الإحتماعي لترديد عبارات الولاء والدعاء بطول العمر، وكأنهم يتحدثون عن مصدر أرزاقهم الوحيد، أما غالبية المغاربة، فقد إعتادت المرور على هذه البلاغات كما تمر على أخبار الطقس في بوركينا فاسو؛ لا خوف، لا قلق، ولا حتى فضول، بل إن كثيرين ينظرون إلى تلك البلاغات بعين من يتساءل في صمت { ومتى ينتهي هذا الفيلم الطويل؟ }.
المفارقة مضحكة إلى حد البكاء، سيقان اللاعبين تثير التعاطف أكثر من رأس النظام نفسه، فعضلة في فخذ مستورد من أوروبا قادرة على إشغال الملايين، بينما مرض صاحب العرش لا يوقظ إلا أصحاب الإمتيازات والمستفيدين من موائد القصر.
يبدو أن الشعب، حتى وهو مخدر بكرة القدم، يعرف بالفطرة من يمنحه تسعين دقيقة من الوهم الجميل، ومن يمنحه ربع قرن وزيادة من الفواتير والبطالة والغلاء والفساد….
فالذي ينتظر ساعات الماء، ويقف في طوابير المستشفيات التي تشبه قاعات الإنتظار نحو المقبرة، ويرى أبناءه يهاجرون أو يحلمون بالهروب، لا يمكنه أن ينبهر بأساطيل السيارات الملكية ولا بحفلات البذ، فبالنسبة إليه، لم يعد الملك { أمير المؤمنين }، بل صار { أمير الأزمات المتراكمة }، والراعي الرسمي لبلد يزداد فقراً بينما تتضخم ثروات المحيط الملكي كما تتضخم بطون التماسيح.
ولأن المخزن يعرف أن الناس لم تعد تبتلع الحكايات القديمة، فقد وجد ضالته في أفيون الملاعب، فكلما إشتدت الأزمات، قُدمت لهم جرعة جديدة من الكرة، وبعض الأناشيد الوطنية، وقليل من الدموع عند عزف النشيد، وكثير من الحديث عن { الإنجاز التاريخي }.
المهم أن يظل المواطن منشغلاً برباط الكاحل الخاص بالزلزولي، وألا يسأل عن رباط عنق الإقتصاد المختنق، أو عن الأربطة التي تشد البلاد إلى قاع الفساد.
لكن الكوميديا السوداء الكبرى تكمن في أن النظام نجح في جعل المغاربة يتعاطفون مع إصابة لاعب، بينما فشل في جعلهم يتعاطفون مع الملك نفسه، وكأن الرسالة التي يبعث بها المزاج الشعبي تقول بسخرية قاسية.. { اللهم اشفِ فخذ أكرد وكاحل الزلزولي، أما مشاكل البلاد فقد أعيتنا منذ عقود }.
وهكذا، يبدو أن سيقان المستوردين أصبحت بالفعل أغلى من رقبة الطاغية، وأن مملكة الأقدام السليمة والأوطان المريضة مستمرة في عرضها العبثي، إلى أن يسدل التاريخ ستاره على هذه المسرحية الطويلة.











