بوابة الجزائر الاخبارية: كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن تسارع عملية إعادة هندسة مراكز النفوذ داخل دويلة الإمارات، في ظل الدفع المتزايد الذي يقوده الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان لتمكين نجله خالد، ولي عهد أبوظبي، مقابل انحسار أدوار أشقائه وتراجع نفوذهم التقليدي داخل منظومة الحكم.
وبحسب الصحيفة، فإن التحركات المكثفة التي يقودها خالد بن محمد خلال الأشهر الأخيرة لا تعكس مجرد توزيع إداري للمهام، بل تشير إلى مشروع سياسي متكامل يهدف إلى ترسيخ انتقال السلطة داخل دائرة ضيقة يقودها الأب والابن، في تحول جوهري عن الصيغة التي حكمت الإمارات لعقود وقامت على تقاسم النفوذ بين أجنحة الأسرة الحاكمة.

ويرى مراقبون أن محمد بن زايد يمضي بخطوات متسارعة نحو تكريس نموذج أكثر مركزية للسلطة، يقوم على حصر القرار السياسي والاقتصادي والأمني في يد مجموعة محدودة، بما يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل التوازنات الداخلية التي لطالما شكلت أحد أعمدة استقرار النظام الحاكم.
وبات خالد، البالغ من العمر 44 عاما، حاضرا في معظم الملفات الحساسة للدولة، من السياسة الخارجية إلى الاستثمارات السيادية والأمن والاقتصاد والطاقة. فمنذ تعيينه وليا للعهد عام 2023، شهدت صلاحياته توسعا لافتا، تزامنا مع تراجع ملحوظ لأدوار عدد من أعمامه الذين كانوا يشغلون مواقع مؤثرة في صناعة القرار.

وخلال الفترة الماضية، قاد خالد زيارات خارجية رفيعة المستوى، كان أبرزها زيارته إلى الصين ولقاؤه بالرئيس شي جين بينغ، كما أشرف على اجتماعات مع كبار المستثمرين العالميين وصفقات بمليارات الدولارات، إلى جانب متابعته ملفات استراتيجية داخلية مرتبطة بشركة النفط الوطنية “أدنوك” والبنية الصحية وخطط الطوارئ.
ويعكس هذا الحضور المكثف، وفق تقديرات متابعين، رغبة واضحة لدى محمد بن زايد في تقديم نجله بوصفه الحاكم الفعلي المقبل للإمارات، وإكسابه الخبرة والنفوذ اللازمين قبل أي انتقال رسمي للسلطة.
وتبرز السيطرة على أدوات الثروة السيادية كأحد أهم مظاهر صعود خالد السياسي. فولي عهد أبوظبي يرأس صندوق “العماد” الذي تقدر أصوله بنحو 300 مليار دولار، فيما يلعب دورا متناميا في إدارة جزء من الإمبراطورية المالية الضخمة لأبوظبي التي تتجاوز أصولها 1.8 تريليون دولار، ما يمنحه نفوذا اقتصاديا يتجاوز حدود الدولة إلى الأسواق العالمية.

وفي هذا الإطار، دخل الصندوق في شراكات استثمارية كبرى مع مؤسسات دولية مثل “بلاك روك” و”تيماسيك” و”أدنوك”، ضمن مشاريع تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، الأمر الذي عزز مكانة خالد كلاعب رئيسي في رسم التوجهات الاقتصادية والاستثمارية للإمارات.
لكن هذا الصعود المتسارع لا يخلو من تداعيات داخلية. إذ تشير تقارير إلى تنامي حالة التململ داخل بعض دوائر الأسرة الحاكمة نتيجة ما ينظر إليه على أنه إقصاء تدريجي للأجيال والأجنحة الأخرى من مواقع التأثير، في مقابل تركيز غير مسبوق للسلطة والموارد في يد الوريث المفضل لمحمد بن زايد.
وترى “فايننشال تايمز” أن ما يجري لا يقتصر على إعداد خليفة للرئيس الإماراتي، بل يمثل عملية إعادة تشكيل كاملة لهرم السلطة في أبوظبي، هدفها ضمان انتقال الحكم إلى الجيل التالي وفق رؤية محمد بن زايد، مع تحييد أي مراكز قوة محتملة داخل الأسرة الحاكمة قد تشكل تحدياً مستقبلياً لهذا المسار.

وفي سبيل ذلك، أعاد محمد بن زايد خلال السنوات الأخيرة توزيع المناصب داخل العائلة الحاكمة بطريقة أبقت على بعض أشقائه في واجهة المشهد السياسي والاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه عززت من موقع نجله خالد باعتباره المستفيد الأكبر من عملية إعادة ترتيب السلطة، ما يجعل الحديث عن مرحلة ما بعد محمد بن زايد أقرب إلى مسار توريث سياسي يجري الإعداد له بهدوء ولكن بثبات.

























