نحن لا نخون شهداءنا وتاريخنا”، تتردّد هذه العبارة أكثر من مرّة على لسان الرئيس الجزائري
بقلم :الإعلامي اللبناني سامي كليب
وقفتُ في شارع “أودان” قرب أحد المقاهي العامرة بالسيّاح في قلب العاصمة الجزائرية، انتظرُ سيارة أجرة تقلّني الى فندق الأوراسي الذي يعتلي العاصمة ويشرف على الكثير من جمالها وأناقتها ولونها الأبيض الذي يزداد جمالاً مع انعكاس لون البحر وزرقة السماء الصافية.
انتظرتُ دقائق طويلة ولم أُفلح في العثور على تاكسي (أو طاكسي باللهجة المحليّة). كان شُرطيان يُسطّران مخالفةَ مرور بسائق توقّف عند القسم المخطّط من الشارع والمخصص للمارة، وهو يُجادلهما في محاولة للتخلّص من المخالفة لكن دون جدوى. فهنا لا مكان للرشاوى ، بل أي محاولة لذلك قد تفضي إلى السجن.

اقتربتُ منهما في ذاك الشارع الذي يحمل اسم مناضلٍ فرنسي ساند ثورة الجزائر واعتُقل وعُذّب من قبل جيش الاستعمار حتّى الموت. وسألتُهما إن كان المكان الذي أقف فيه مُناسِبًا للعثور على سيارة الأجرة والذهاب إلى الفندق، أجاب الاثنان بأنَّني في المكان الصحيح، ثم سألني أحدُهما من أيّ بلاد أنا، قلت من لُبنان، سارع الى الترحيب والإشادة بلبنان وأهله، وقال:” لا تقلق، سوف أجد لك فورًا سيّارة، نحن نحب لبنان وأهله، وإن شاء الله أنتم دائمًا منتصرون “.

سمعتُ العبارة نفسها، ولمست الحبّ عينه، في اليوم التالي اثناء اللقاء مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون الذي كان قد ودّع للتوّ الرئيس اللبناني جوزيف عون . قال حرفيًّا:” لبنان بالقلب، فانتم دولة صمود، عاشت هولَ الاحتلال عشرات السنين بسبب التماس مع الصهاينة، لكن لبنان ما زال واقفًا، لا يتراجع ولا ينحني رغم الضربات، عندكم روح المقاومة والصمود، ونحن نحب أصحاب الكرامة والعزّة الواقفين دائمًا رغم الظروف الأمنية الصعبة، وكما كُنّا واقفين مع لبنان الشقيق عبر التاريخ، سنبقى كذلك ونحن لا نطلب شيئًا بالمقابل، هذا واجبنا، ولا ننسى من وقف إلى جانبنا في الثورة، ولبنان كان معنا ونحن معه ولن نبخل بأي مساعدة نستطيعها”.
هكذا هي الجزائر من الشرطي والعامل والرجل البسيط الى قمّة الدولة ومؤسساتها المدنيّة والعسكريّة وأحزابُها، كانت وما زالت واقفة إلى جانب لُبنان، وتجاهد لجمع الصف الفلسطيني، وتعمل بكل ما تستطيع كي تقوم دولة فلسطينية كاملة الحقوق.
لكن العالم يتغيّر، وهذا يفترض كثيرًا من الواقعية والبراغماتيّة، وليس الخطابات الشعبوية عديمة الفائدة. وإذ تُدرك الجزائر بقيادة الرئيس تبّون أهمية النبض الشعبي في الوطن العربي، وأنّ هذا النبض ما زال مؤيدًا لفلسطين والقضايا العربيّة المُحقّة، إلا أنها في هذا العهد الجديد تسعى للموازنة الدقيقة بين الواقعية والحفاظ على المبادئ المؤسِسة للجزائر منذ الثورة حتّى اليوم.

شخصية تبون
” نحن لا نخون شهداءنا وتاريخنا”، تتردّد هذه العبارة أكثر من مرّة على لسان الرئيس الجزائري الذي يبدو في جلستنا معه، حازمًا في مواقفه، مرنا في التعامل مع المتغيرات الدولية، ثابتًا على مبادئ الثورة، دمث الكلام، مع بعض الغمزات الطريفة من هنا وهناك حين يريد اختصار موقف من قضية شائكة بابتسامة لمّاحة أو عبارة مُضحكة.
كان اللقاء معه صريحًا إلى اقصى حد، شفّافًا الى أبعد حدود الشفافية، لم يعترض على سؤال، ولا تجنّب الاجابة على تساؤل. يقول الأمور كما هي دون مواربة ولا وجل. لا يوازي حزمه في التأكيد على مبادئ الجزائر، سوى حسن استقباله، وحجم الود الذي عبّر عنه، حتى يُشعرك كأنك واحد ٌ من اهل بيته. هو هكذا يحتفظ ببساطة أهل الأرض الحقيقين ووداعة أهل الصوفية وحزم الثوّار في الجبال، ناهيك عن معرفته الدقيقة بكلّ تفاصيل البلاد نظرا للمناصب الكثيرة التي تولاها أكان في الولايات المتعدّدة أو في الوزارات او رئاسة الوزراء او في ولايته الأولى ومستهل الولاية الثانية.
لا نخون الشهداء

” لا نخون شهداءنا” يقولها الرئيس تبون بحزم، حين يتعلّق الأمر بسبب الخلاف الحالي مع فرنسا.
يبدو مُصرًّا على كشف التاريخ الاستعماري الذي خلّف في الجزائر أكثر من 5 ملايين و630 ألف شهيد، وترك خلفه آثارَ تجارب نوويّة ما زالت تترك ندوبًا جسديّة على أبناء المناطق المحاذية، تمامًا كما تركت ندوبًا وكوارث تجارب الأسلحة الكيماوية التي لم ينظّف الفرنسيون مكانها، ولم يُزِلوا 11 مليون لَغَم عند الحدود مع تونس والمغرب، ولم يسلّموا الجزائر أيَّ خرائط مما تسبَّب بآلاف المعطوبين والمعوّقين وبينهم بعض الروس الذين جاؤوا للمساعدة في نزع الألغام.
الخلاف مع فرنسا يتعمّق، رغم استمرار العلاقة مع الرئيس ايمانويل ماكرون، لكن الجزائر تملك الكثير من البدائل، فزيارة الرئيس تبّون إلى إيطاليا عززت شراكة واسعة مع البلد الذي لا تنسى الجزائر فضله في خلال الثورة خصوصًا أنّ معظم الإعلاميين الإيطاليّين الذين غطوّا حرب التحرير تضامنوا مع الثورة بعد أن شاهدوا ويلات المستعمر، ولا نسيت موقف روما حين قرّر الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران منع كل الطائرات الأوروبية من الهبوط في مطار هواري بومدين وتطويق الجزائر في خلال العشرية السوداء، لكن الخطوط الجوية الإيطالية بقيت تهبط هناك رغم الخطر.
وحين تدهور الوضع الاقتصادي في الجزائر وترتبت على البلاد ديونٌ كثيرة في بداية التسعينيات، لم تجد البلاد أفضل من إيطاليا التي أقرضتها مليارات الدولارت.
استطاع الرئيس تبّون تحقيق توازنٍ دقيق في سياسته الأوروبيّة والعالمية، فكلّما تقلّص دور فرنسا واستثماراتها، توسّع دور إيطاليا وألمانيا والصين وإسبانيا وتركيا وغيرها، وكانت زيارته الأخيرة إلى الفاتيكان ولقاؤه مع البابا الجديد علامة فارقة، حيث كان الرئيس العربي والافريقي الوحيد الذي التقى البابا منذ تعيينه وقدّم له غصن زيتون كان زرعها في الجزائر القديس أوغسطين. يكفي أن يراقب المرء كيف قامت قيامة الإعلام الفرنسي بعد زيارتي تبون الى إيطاليا والفاتيكان ليدرك أثر هذا الاختراق.

الواقعيّة السياسيّة:
” اصدقاؤنا الأميركيون”، ما عاد زائرُ الرئيس الجزائريّ عبد المجيد تبّون، يُفاجأ بأن يسمع منه هذه العبارة. والواقع أنَّ هذه الصداقة لها جذورُها الضاربة في التاريخ وليست حديثة ولا أمرًا عابرًا رغم أنّ الاتحاد السوفياتي كان أول دولة في العالم تعترف باستقلال الجزائر.
الولايات المتحدة الأميركية هي التي فرضت قضية الجزائر في الجمعية العامة للأمم المتحدة قبيل الاستقلال، بينما فرنسا كانت تعتبر القضية شأنًا فرنسيٍّا داخليًّا.
لا تقبل الجزائر أن يفرض عليها أحدٌ شيئًا، ولا تقبل أن تكون علاقتُها بدولة ما مشروطة برضى هذا الطرف الدولي أو ذاك. والرئيس تبّون قال للأميركيّين ” لا يستطيع أحدٌ أن يوجّهنا ضد أي أحدٍ آخر”.
هذه الحريّة هي بالضبط التي جعلت الجزائر تعقد اتفاقيات كبرى مع الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا واسبانيا، وإيطاليا وتركيا وغيرها.
ويبقى بالنسبة للرئيس الجزائري أن ” الجزائر هي الأساس”، وأنّ سياسة عدم الانحياز الدولي هي المبدأ.

فلسطين وإسرائيل والسعوديّة.
من يُراجع خطابات الرئيس تبّون في القمم العربيّة، وبينها تلك التي رفعت شعار ” لمّ الشمل” والتي استضافتها الجزائر قبل سنوات، وشهدت جمع الفصائل الفلسطينية، يُدرك أمرين، أولهما حرص الجزائر على توحيد الصف الفلسطيني بغية تعزيز مسار الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة، وهو اعتراف ضروري لأنَّ قرار التقسيم لم يلحظ اسم “دولة فلسطينية” الى جانب الدولة اليهودية، بل دولة عربيّة.
والثاني، هو الهمُّ الأكبر بكيفية توحيد الصوت العربي، وسط هذا التشرذم الكبير والضعف والوهن على مستوى القرار العربيّ الرسمي والذي يتناقض تمامًا مع النبض الشعبي العربيّ.
لذلك فإن من يزور الرئيس الجزائري هذه الأيام يسمع منه دعما واضحا للمسار السعودي في الأمم المتحدة ل ” حل الدولتين”، وهو الحل الذي قال عنه تبّون إنّه المعبر الضروري للاستقرار في الشرق الأوسط.
ثمة عاطفة واضحة تبدو في كلام الرئيس الجزائري حيال الملك سلمان بن عبد العزيز الذي ” يعشق الجزائر” على حد تعبيره، ويروي تبّون أنّ قصة الملك سلمان مع الجزائر قديمة من قِدم الثورة نفسها، فهو الذي كان مُكلّفًا من قبل الملك فيصل بجمع التبرعات للثورة الجزائرية”، وما تفعله السعودية اليوم حيال الدفع صوب حلّ الدولتين محمود ومهم ومدعوم من قبل الجزائر.
الواقعية والمبادئ ومؤشرات اقتصادية لافتة
هنا بالضبط نقطة الارتكاز في المشروع الطموح للرئيس تبّون على المستويات العربية والافريقية والدوليّة، فالمبادئ لم تتغيّر، وما زالت الجزائر متمسّكة بالحق العربي والحق الفلسطيني حتّى ولو انها شعرت بالخذلان غير مرّة خصوصًا بعد القمة العربيّة على أرضها، وبعد أن رأت حدود الموقف العربي في أعقاب حرب الإبادة التي يشنّها نتنياهو، لكن الواقعية تفرض حلولاً سياسيّة ودبلوماسيّة، تدفع نحو الاعتراف بدولة فلسطينية كاملة الحقوق، ومن هنا أهمية العلاقة الجيدة مع أميركا والدول الأوروبية والعمق الإفريقي.
والواقعية والحرص العميق على الدول العربيّة، يُبرّران مساعدة الجزائر حاليًّا لسورية على القيام من كبواتها وتوحيد صوتها، بعد أن رفض بشّار الأسد كلَّ النصائح الجزائريّة التي نقلها اليه الموفد الرئاسي السفير كمال بوشامة وبينها ضرورة المصالحة الوطنية على غرار ما فعلته الجزائر بعد العشرية السوداء، ووقف الحرب، لكن جواب الأسد كان أنّه منتصر ولا داعي للتنازلات.
على وقع استراتيجية المبادئ والبراغماتية، تبدو الجزائر ورغم عدد من الخلافات التي تعمّقت أكان مع فرنسا أو المملكة المغربية أو الإمارات العربية، عاكسةً مؤشرات اقتصادية وتنموية لافتة في هذه الولاية الثانية من عهد الرئيس تبّون وبينها مثلا :” احتياطي نقد أجنبي وصل الى 64 مليار دولار، وصادرات خارج المحروقات تجاوزت 4 مليار دولار، والزراعة حققت مدخولا وصل الى 37 مليار دولار، ونمو داخلي وصل الى نسبة 4,3 %، ومنح للعاطلين عن العمل طالت مليوني شخص، واسترداد 22 مليار دولار من الأموال المنهوبة، وغيرها من المؤشرات الهامة، ناهيك عن المشاريع الكبرى وبينها بناء أطول سكة حديد ( نحو 1650 كيلومترًا) بتكلفة قاربت 14 مليار دولار، من ميناء وهران الى أكبر منجم حديد في العالم في غار جبيلات في ولاية تندوف في الجنوب الغربي للبلاد “.
سحر البلاد

كان طقسُ الجزائر ونحن نودّعها شبه معتدل، والمهاجرون الجزائريون الذين يعيشون في الغرب يتوافدون على الفنادق، بينما مقاهي وشوارع العاصمة تعجّ بالسيّاح الذاهبين نحو مناطق مختلفة ومتنوعة الجمال وسحر الطبيعة في الجزائر، وهذا أمرٌ قد يكبر في السنوات المُقبلة حيث تقتضي السياسات الجديدة تخفيف إجراءات تأشيرات دخول السيّاح، خصوصًا أنَّ طبيعة الجزائر التي تبقى مجهولة عند كثيرين تضم في جغرافيتها الممتدة على نحو 2،382 مليون كيلومتر مربّع أجمل ما منحه الخالق من جبال وبحار وبحيرات، وخضرة، وصحاري وواحات.

غالِبًا ما أودّع هذه البلاد الساحرة بطبيعتها، وبأصالة شعبها، تاركًا فيها شيئًا من قلبي ومحمّلا منها بكثير من الحبّ، مع شعورٍ بأن مستقبَلَها واعد بالكثير إذا ما نجحت في استراتيجيتها القائمة على هذا التوازن الدقيق بين الحفاظ على المبادئ والانفتاح الواقعي والأمل بإطلاق مشروع عربي جامع.


















