مقال رأي بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية؛ إنتهى زمن الحديث عن قصر أم عزة بإعتباره مجرد ورش غامض على أطراف الرباط، فما بدأناه في الجزأين السابقين ككشف لمعطيات صادمة حول إقامة ملكية خاصة تُقدّر كلفتها بحوالي 8 مليارات درهم، وما رافقه من تكتم أمني وملاحقة للصور والمعلومات والعمال والتقنيين، وصل اليوم إلى مرحلة أكثر وضوحًا.. القصر إكتمل، وتجري حاليًا عملية تجهيزه، والمعلومات التي وصلتني تفيد بأن السادس ولد لطيفة يزوره بشكل دوري، وأن الإستعدادات جارية لبدء إقامته فيه إبتداءً من الشهر المقبل.

إنتهت أشغال البناء والتجبيص والصباغة والرخام والإضاءة وشبكات المياه، وانتقلت العملية إلى الأثاث والأفرشة والتجهيزات الداخلية، أي أن مليارات الدراهم تحولت من أرقام على الورق إلى جدران ورخام وحدائق وإقامة ملكية جاهزة للسكن، في الوقت الذي يُطلب فيه من ملايين المغاربة إبتلاع الغلاء والتهميش والبطالة وشظف العيش بإسم الصبر والتضحية.
لكن القصر لم يكتفِ بالرخام؛ فلقد جرى وفق المعلومات المتوفرة لدي، تزويده بمنظومة أمنية شديدة التطور، تشمل كاميرات مراقبة وأنظمة مرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تقول المعطيات إنها ذات #صناعة_إسرائيلية، حيث قامت شركة مغربية متخصصة بتركيبها تحت إشراف أمني رفيع المستوى من الدرك الملكي والأمن الوطني.
وهنا تتكشف المفارقة بأبشع صورها.. أحدث تقنيات المراقبة تُسخّر لحماية إقامة خاصة، بينما تُترك قطاعات واسعة من المجتمع المغربي تواجه أزماتها بأقل الإمكانيات.
الدولة التي لا تجد مشكلة في حشد الأجهزة والتقنيات لحماية جدران القصر، تجد دائمًا ألف مبرر عندما يتعلق الأمر بحقوق المواطن في السكن والكرامة والخدمات والعدالة الاجتماعية.
أما ورشة البناء نفسها، فيبدو أن نهايتها حملت معها عملية تنظيف شاملة لكل من مرّ من هناك، فقد وصلتني معلومات تفيد بأن غالبية العمال التابعين للمجموعتين المكلفتين بالأشغال، SGTM وCEGELEC، جرى تسريحهم بعد الإشتباه في أن بعضهم سرب معلومات وصورًا عن القصر، كما قامت شركة ( سجليك )، بحسب المعلومات التي وصلتني، بحصر وتوثيق بيانات العمال الذين إشتغلوا داخل الورش، في محاولة لمعرفة مصدر المعلومات التي خرجت إلى الرأي العام.
وهنا تنكشف طبيعة الأولويات.. فبدل أن يكون السؤال الرسمي هو كيف تُصرف مليارات الدراهم على إقامة خاصة، يصبح السؤال الأمني هو.. من تكلم؟ من صوّر؟ من سرّب؟ ومن عرف؟
بل إن هوس السرية وصل، بحسب المعلومات المتوفرة، إلى حد أن بعض صغار الدركيين ومرؤوسيهم المكلفين بحراسة الإقامة قاموا بتجهيز مساكنهم الشخصية من أثاث القصر!؟ إنها مفارقة تختصر المشهد كله.. إذا كانت كلفة القصر نفسها، وفق المعطيات المنشورة، قد جاءت من المال العام الذي يدفعه المغاربة، فإن بعض أثاثه، وفق هذه المعلومات، لم يسلم هو الآخر من الإستيلاء عليه.

أي أن المواطن قد يجد نفسه أمام طبقتين من الإستنزاف : مليارات تُصرف على قصر خاص في الوقت الذي يُطلب منه دفع الضرائب وتحمل الأزمة، ثم ممتلكات داخل القصر يجري التعامل معها، وفق المعطيات التي وصلتني، وكأنها غنيمة متاحة لمن يحرس المكان.
وهنا لا تعود القضية قضية رخام فاخر أو أثاث باهظ أو كاميرات ذكية، القضية تصبح صورة مكثفة لنظام كامل تُحيط فيه السرية بالثروة، وتحرس الأجهزة الإمتيازات، بينما يُدفع المواطن إلى الهامش ويُطلب منه ألا يسأل.
والسؤال الذي طرحناه منذ الجزء الأول يعود الآن أكثر إلحاحًا.. من دفع ثمن هذا القصر؟
ثمانية مليارات درهم ليست رقمًا عابرًا يمكن دفنه تحت عبارة ( ملكية خاصة )، إنها ثروة هائلة في بلد يعاني فيه المواطنون من أزمات إجتماعية وإقتصادية خانقة… وإذا كان المشروع خاصًا بالفعل، فالسؤال البديهي هو من موّل البناء؟ من دفع تكاليف التجهيز؟ من تحمل كلفة الأمن والحراسة والمنظومات التقنية؟ ومن أين #جاءت كل هذه الأموال؟

لا يمكن أن تكون ( الملكية الخاصة ) حصانة مطلقة ضد الأسئلة عندما يتعلق الأمر بمشروع بهذه الضخامة، خصوصًا حين يحيط به هذا المستوى من السرية والإستنفار الأمني.
لقد إكتمل القصر تقريبًا، وبدأت مرحلة الأثاث، وتُركت الكاميرات لتراقب، وغادر غالبية العمال الورش، والسادس ولد لطيفة، وفق المعلومات التي وصلتني، أصبح يزوره دوريًا، فيما تستعد الإقامة لإستقباله إبتداءً من الشهر المقبل.
لكن القصر، مهما إرتفعت أسواره، لن يستطيع بناء جدار حول السؤال.
فوراء كل قطعة رخام سؤال، وخلف كل كاميرا سؤال، وتحت كل درهم صُرف سؤال أكبر.. من أين جاءت المليارات؟ ومن دفع ثمن هذا القصر؟
لقد إنتهى البناء، لكن قصة المال لم تنتهِ. بل ربما بدأت الآن.
















