بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد العلاقة العسكرية بين الرباط وتل أبيب تُدار خلف صفقات متفرقة أو اتصالات أمنية بعيدة عن الأضواء. في معرض مراكش الدولي للطيران 2026، دخلت وزارة الدفاع الإسرائيلية نفسها للمرة الأولى بجناح وطني رسمي، واصطحبت معها ثماني شركات سلاح، بينما أصبحت تقنيات إسرائيلية أخرى تُنقل إلى خطوط إنتاج داخل المغرب. هكذا انتقل التطبيع الدفاعي خلال ست سنوات من شراء المعدات إلى محاولة إدماج جزء من الصناعة العسكرية الإسرائيلية في القاعدة الصناعية المغربية.
ويكشف حجم الحضور في مراكش طبيعة التحول. فالمعرض، الذي نظم بين 7 و10 أكتوبر بقاعدة القوات الجوية الملكية، جمع قرابة 200 عارض من 27 دولة، لكن المشاركة الإسرائيلية حملت دلالة مختلفة عن بقية الوفود: إنها أول مشاركة رسمية تقودها وزارة الدفاع الإسرائيلية منذ تطبيع العلاقات سنة 2020، وأول جناح وطني تشرف عليه مديرية التعاون الدفاعي الدولي «SIBAT» في المغرب.

وضم الوفد ثمانية أسماء تمثل طيفًا واسعًا من صناعة السلاح الإسرائيلية: Israel Aerospace Industries، Elbit Systems، Rafael، XTEND Systems، SHILAT Optronics، UVision Air، ASIO Technologies وOrbit Communication Systems. وخصصت الشركات الثلاث الكبرى أجنحة مستقلة، فيما تجمعت خمس شركات أخرى داخل الجناح الإسرائيلي الرسمي.
والأهم أن تل أبيب لم تقدم هذه المشاركة باعتبارها نشاطًا تجاريًا عاديًا. فقد وصفت وزارة الدفاع الإسرائيلية الأنظمة المعروضة بأنها تقنيات «مجرّبة قتاليًا»، وقال رئيس «SIBAT» يائير كولاس إن مراكش تمثل منصة لتوسيع التعاون الدفاعي وبناء شراكات طويلة الأجل. بهذا المعنى، لم تكن المشاركة مجرد عرض منتجات، بل تحركًا رسميًا لفتح سوق وتثبيت حضور صناعي وسياسي.
ترسانة هجومية في قلب المعرض
وتظهر طبيعة المعروض أن الأمر يتجاوز الطيران المدني أو معدات المراقبة.
فشركة «إلبيت سيستمز» حملت إلى مراكش منظومة واسعة تشمل الطائرة غير المأهولة Hermes 900، والذخيرة الجوالة SkyStriker، ومنظومة المدفعية الصاروخية PULS، إلى جانب ذخائر موجهة بالليزر وأنظمة حرب إلكترونية واستطلاع واتصالات عسكرية.
وتصل قدرة التحمل المعلنة لـHermes 900 إلى 36 ساعة، مع حمولة قصوى تبلغ 350 كلغ وسقف تحليق يصل إلى 30 ألف قدم، وهي طائرة مخصصة لجمع المعلومات والمراقبة ومهام متعددة طويلة المدى.
أما «PULS» فيستطيع إطلاق ذخائر وصواريخ موجهة إلى مدى يصل إلى 300 كيلومتر، كما يمكن تكييفه لإطلاق ذخائر جوالة من طراز SkyStriker. وهي قدرات تجعل العرض الإسرائيلي في مراكش أقرب إلى تقديم منظومة متكاملة للاستطلاع وتحديد الأهداف والضربات بعيدة المدى، وليس مجموعة معدات منفصلة.
وتكتسب عبارة «مجرّبة قتاليًا» حساسية سياسية خاصة. فوزارة الدفاع الإسرائيلية نفسها أعلنت في جوان الماضي أن صادراتها العسكرية بلغت مستوى قياسيًا قدره 19.2 مليار دولار خلال 2025، بزيادة تقارب 30% في عام واحد، وربطت الطلب الدولي المتزايد على منتجاتها بالأداء العملياتي للأنظمة الإسرائيلية في ساحات القتال. وشكلت الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي نحو 29% من قيمة العقود، بينما تجاوزت الاتفاقيات الحكومية المباشرة 10 مليارات دولار.
وبذلك تدخل مراكش في منظومة تصدير سلاح باتت تل أبيب نفسها تقدم الحرب والخبرة العملياتية كعنصر من عناصر تسويقها التجاري.

«السيادة الدفاعية».. بتكنولوجيا إسرائيلية
في المقابل، تقدم الرباط تطوير الصناعة العسكرية المحلية تحت عنوان «السيادة الدفاعية» وتقليص الاعتماد على الاستيراد.
لكن الوقائع الصناعية التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة تكشف مفارقة واضحة: جزء من الطريق نحو هذه «السيادة» يمر حاليًا عبر شركات وتكنولوجيا إسرائيلية.
فشركة BlueBird Aero Systems، التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية «IAI»، أقامت في بنسليمان منشأة لإنتاج ذخائر SpyX الجوالة، في خطوة تضمنت نقل معرفة تقنية وتدريب فرق مغربية على عمليات التصنيع والتجميع.
وتحمل SpyX رأسًا حربيًا يصل إلى 2.5 كلغ، ويمكنها العمل لمسافة تصل إلى نحو 50 كيلومترًا، مع قدرة على التحليق لمدة تقارب ساعة ونصف، بحسب البيانات المنشورة حول المنظومة.
ولم يبق الحضور الإسرائيلي محصورًا في الطائرات غير المأهولة.
فصحيفة «Le Desk» المغربية كشفت بالتزامن مع معرض مراكش عن شركتين، MMI Ammunition وMMI Weapon Systems، برأسمال إجمالي معلن قدره 380 مليون درهم، تعملان في إنتاج الذخائر والأبراج العسكرية، مع وجود ارتباط بشركة «Elbit Systems» الإسرائيلية، بينما يجري التحضير لكيان ثالث مخصص لأنظمة الاتصالات العسكرية «C4I».
وأكدت رويترز بدورها أن «Moroccan Military Industry» تستعد لبدء تسليم أبراج للمركبات المدرعة إلى الجيش المغربي في مارس 2027، وأن الشركة مرتبطة، وفق المعلومات المتاحة، بـ«Elbit Systems». كما تعمل على إنتاج ذخائر من عيارات متوسطة وكبيرة وتطوير أنظمة مضادة للطائرات غير المأهولة ومدافع هاون ذاتية الحركة.
وهنا يصبح التحول أكثر وضوحًا: العلاقة لم تعد «المغرب يشتري وإسرائيل تبيع»، بل بدأت تدخل مرحلة الإنتاج على الأراضي المغربية والتدريب ونقل بعض خطوط التصنيع ومحاولة بناء قدرات تصديرية مشتركة.
الصفقات الكبرى سبقت المصانع
ويستند هذا الوجود الصناعي إلى مسار طويل من صفقات التسلح.
ففي نوفمبر 2021، وقع الطرفان مذكرة تعاون دفاعي وفرت إطارًا رسميًا للتعاون في الاستخبارات والتدريب والصناعات الدفاعية والمشتريات العسكرية. وكانت الاتفاقية بمثابة الإطار القانوني الذي فتح الباب أمام التوسع اللاحق.
وفي 2024، كشفت تقارير عن صفقة مرتبطة بقمر التجسس الإسرائيلي Ofek 13 قدرت بنحو مليار دولار، بعد إعلان «IAI» عن عقد بهذه القيمة مع طرف لم تسمه رسميًا، بينما نسبت وسائل إعلام مغربية وإسرائيلية المشتري إلى المغرب. ولهذا تبقى هوية المشتري في هذه الصفقة مستندة إلى تقارير إعلامية وليست إعلانًا رسميًا من الشركة.
كما ارتبط المغرب خلال السنوات الأخيرة بأنظمة إسرائيلية للدفاع الجوي والطائرات غير المأهولة والمدفعية بعيدة المدى، وهو ما جعل السوق المغربية واحدة من أكثر الأسواق الإفريقية أهمية للصناعة العسكرية الإسرائيلية.
وتأتي هذه الحركة داخل قطاع طيران مغربي أوسع يحاول التدرج من تصنيع المكونات إلى أنظمة أكثر تعقيدًا. فالقطاع يضم حاليًا نحو 160 شركة ويشغل قرابة 25 ألف عامل، وتبلغ صادراته نحو 3 مليارات دولار سنويًا، مع استهداف رفعها إلى 5 مليارات خلال ثلاث سنوات. لكن الانتقال إلى الصناعات الدفاعية يضيف إلى هذا المسار بعدًا سياسيًا وأمنيًا مختلفًا تمامًا.
من التطبيع الدبلوماسي إلى تثبيت الشراكة العسكرية
وما ظهر في مراكش لم يولد داخل المعرض.
فمنذ استئناف العلاقات في 2020 برعاية أمريكية، تحرك الطرفان بوتيرة متصاعدة من التعاون السياسي إلى اتفاق الدفاع ثم الصفقات ونقل التكنولوجيا، قبل أن يعلنا في سبتمبر 2026 ترقية العلاقات إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء.
وهكذا جاء الجناح الإسرائيلي الرسمي في مراكش بعد أسابيع فقط من الخطوة الدبلوماسية الجديدة، بما يجعل التزامن بين المسارين واضحًا: تمثيل سياسي أعلى، وفي المقابل حضور عسكري وصناعي أكثر علنية.
بل إن المشاركة الحالية منحت وزارة الدفاع الإسرائيلية منصة رسمية داخل قاعدة جوية مغربية لعرض منتجاتها وعقد لقاءات مع وفود ومسؤولين، وهو ما وصفته تل أبيب نفسها بأنه «محطة مهمة» في استراتيجية توسيع صادراتها الدفاعية.
في القاعدة الجوية جناح إسرائيلي.. وأمام البرلمان احتجاج ضد التطبيع
غير أن الصورة التي قدمتها مراكش لم تكن هي الصورة الوحيدة في المغرب خلال الأسبوع نفسه.
ففي 7 أكتوبر، اليوم الذي فتح فيه المعرض أبوابه، تجمع مئات المغاربة أمام البرلمان في الرباط دعمًا لفلسطين ورفضًا للتطبيع مع إسرائيل، في احتجاج أكد استمرار الفجوة بين الاختيارات الرسمية وجزء من المزاج الشعبي المغربي.
ورفع المتظاهرون الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف التطبيع، بينما جاءت الوقفة في الذكرى الثالثة لاندلاع حرب غزة. وكانت مفارقة التوقيت حادة: في الرباط احتجاج على العلاقات مع إسرائيل، وفي مراكش وزارة الدفاع الإسرائيلية تفتتح أول جناح وطني لها وتعرض شركاتها أنظمة تصفها بأنها «مجرّبة قتاليًا».
وهذه المفارقة هي التي تمنح معرض مراكش 2026 بعده السياسي الحقيقي.
فالمسألة لم تعد زيارة وفد عسكري ولا صفقة يمكن تمريرها في بيان مقتضب، بل أصبحت شركات إسرائيلية تعمل داخل المغرب، وخطوط إنتاج يجري توطينها، وتكنولوجيا عسكرية تنقل، وجناح رسمي لوزارة الدفاع الإسرائيلية داخل أحد أبرز المعارض العسكرية في المملكة.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث المغربي عن الانتقال من «استيراد السلاح» إلى «السيادة الدفاعية» يحتاج إلى قراءة أكثر دقة: لأن بناء الصناعة المحلية يجري، في جزء منه على الأقل، عبر إدخال الشركات الإسرائيلية نفسها إلى سلسلة الإنتاج المغربية.
وبالتالي، فإن معرض مراكش لم يكشف فقط حجم التقارب بين الرباط وتل أبيب، بل كشف مرحلته الجديدة: التطبيع لم يعد يفتح السوق المغربية أمام السلاح الإسرائيلي فحسب؛ بل بدأ يفتح أمام صانعيه المصانع، وسلاسل التوريد، والمؤسسات الدفاعية المحلية، في محاولة لتحويل علاقة سياسية أُعلنت قبل ست سنوات إلى شراكة تسليح وإنتاج طويلة الأمد.
















