الإثنين, 19 أكتوبر 2026 • 02:36 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
الجزائر في عهد تبون عازمة على استعادة نفوذها الإقليمي والدولي بعد عقود من الغياب! الجزائر تتحرك لضبط الأسواق وتسريع الاستثمار.. قرارات رئاسية تشمل اللحوم والفوسفات والمياه المغرب لا يبلغ 60% من حجم اقتصاد الجزائر.. توقعات 2026 تكشف فارقًا بـ136 مليار دولار بأمر من الرئيس تبون.. التحقيق يطال هؤلاء المستوردين! ‏الرئيس الجزائري يأمر الحكومة بالتنفيذ الفوري لسبعة تدابير لضبط الأسعار ..إليكم الأوامر الرئاسية الجزائر ترفع صوتها من بغداد.. تحرك إسلامي عاجل لدعم فلسطين ومواجهة الأزمات الإقليمية ! الرئيس الجزائري يأمر بفتح تحقيق في الفارق بين أسعار اللحوم المستوردة! انتخابات جنوب السودان 2026: بوابة الاستقرار أم شرارة الانقسام تواصل فعاليات معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في دورته الثالثة في العاصمة الليبية ​بورصة الجزائر والتمويل الأخضر..قراءة في أبعاد النظام رقم 26-01 وآفقه الدولية
شارك المقال

الأمونيا الجزائرية تتصدر واردات النرويج.. أرقام جويلية تكشف تفوقها على الولايات المتحدة

• الكاتب(ة): عبد الجبار.ب • 0 تعليق • 78 مشاهدة
الأمونيا الجزائرية تتصدر واردات النرويج.. أرقام جويلية تكشف تفوقها على الولايات المتحدة

لم تحتج الجزائر في جويلية 2026 إلى زيادة صادراتها نحو عشرات الأسواق حتى تسجل اختراقًا لافتًا في شمال أوروبا. فقد كانت شحنة واحدة بحجم 25,463 طنًا من الأمونيا اللامائية كافية لوضعها في صدارة موردي النرويج خلال الشهر، متقدمة على الولايات المتحدة، في سوق صناعية شديدة الارتباط بالأسمدة والمواد الكيميائية والمتفجرات المستخدمة في الأنشطة الصناعية.

وبحسب بيانات التجارة الخارجية النرويجية المحدثة في 17 أوت 2026، بلغت القيمة الجمركية للشحنة الجزائرية 176.3 مليون كرونة نرويجية، بينما استوردت النرويج إجمالًا 58,627 طنًا من الأمونيا اللامائية خلال الشهر. وبذلك استحوذت الجزائر وحدها على نحو 43.4 بالمائة من الحجم المستورد، وقرابة 42.9 بالمائة من قيمته، وهي حصة تضع المنتج الجزائري في موقع يتجاوز مجرد الحضور التجاري إلى التأثير المباشر في هيكل إمدادات السوق خلال الشهر.

واللافت أن الجزائر لم تنتزع الصدارة من مورد هامشي. فالولايات المتحدة جاءت ثانية بـ23,260 طنًا بقيمة بلغت 166.4 مليون كرونة، ما يعني أن الشحنة الجزائرية تجاوزتها بنحو 2,203 أطنان وبفارق يقارب 9.9 ملايين كرونة من حيث القيمة الجمركية.

غير أن أهمية هذه الأرقام تتجاوز ترتيب الموردين. فالمادة التي دخلت السوق النرويجية ليست غازًا طبيعيًا في صورته الخام، بل منتجًا بتروكيميائيًا صُنع انطلاقًا منه. وهنا تحديدا تكمن الدلالة الاقتصادية الأكبر: الجزائر لا تنافس فقط على بيع جزيئات الطاقة، وإنما على بيع منتج صناعي مشتق منها، يحمل قيمة مضافة أعلى ويفتح أمامها مجالًا مختلفًا داخل سلاسل القيمة الأوروبية.

تكشف القراءة الدقيقة لبيانات الجمارك النرويجية أن إجمالي واردات النرويج من الأمونيا اللامائية خلال جويلية بلغ 58,627 طنًا، وليس نحو 53 ألف طن كما تداوله بعض التقديرات. وعند إضافة 326 طنًا من الأمونيا في محلول مائي، يرتفع مجموع واردات الصنفين إلى نحو 58,953 طنًا بقيمة إجمالية تقترب من 411.9 مليون كرونة نرويجية.

43 بالمائة من السوق في شهر واحد

تكشف القراءة الدقيقة لبيانات الجمارك النرويجية أن إجمالي واردات النرويج من الأمونيا اللامائية خلال جويلية بلغ 58,627 طنًا، وليس نحو 53 ألف طن كما تداوله بعض التقديرات. وعند إضافة 326 طنًا من الأمونيا في محلول مائي، يرتفع مجموع واردات الصنفين إلى نحو 58,953 طنًا بقيمة إجمالية تقترب من 411.9 مليون كرونة نرويجية.

وتكتسب هذه الدقة أهمية لأن تصنيف الأمونيا اللامائية يتم تحت الرمز الجمركي 28141000، بينما تُسجل الأمونيا المذابة في الماء تحت رمز مختلف، وهو ما يجعل جمع الصنفين دون التمييز بينهما مصدرًا محتملا للخلط في قراءة السوق.

وفي هذا الحجم الإجمالي، كانت الجزائر أكبر مورد منفرد للأمونيا اللامائية خلال الشهر. أما الولايات المتحدة، فجاءت ثانية بحصة أقل قليلًا، لتستحوذ الدولتان معًا على نحو 83.1 بالمائة من الكميات المستوردة، ما يكشف درجة مرتفعة من تركز الإمدادات لدى موردين رئيسيين.

وبلغ متوسط القيمة الجمركية للطن الجزائري نحو 6,925 كرونة، مقابل قرابة 7,156 كرونة للطن الأميركي. ولا يمكن التعامل مع هذا الفارق باعتباره سعر بيع مباشرًا أو دليلا مطلقًا على تفوق سعري، لأن القيمة الجمركية تتأثر بشروط التسليم وتوقيت التعاقد وكلفة النقل والتأمين ونوعية الحمولة وغيرها من العناصر. لكنه يقدم، مع ذلك، مؤشرًا أوليًا على أن الشحنة الجزائرية وصلت إلى السوق بقيمة جمركية للطن أقل من نظيرتها الأميركية خلال الشهر نفسه.

من الغياب إلى الصدارة في شهرين

وتصبح دلالة رقم جويلية أكثر وضوحًا عند النظر إلى الأشهر السابقة من 2026. فقد لم تسجل النرويج واردات من الأمونيا الجزائرية خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة، قبل أن تستقبل في جوان شحنة بلغت 13,526 طنًا بقيمة 108.9 ملايين كرونة.

وبعد شهر واحد فقط، ارتفعت الكمية إلى 25,463 طنًا، أي بزيادة تقارب 88.3 بالمائة، بينما صعدت القيمة بنحو 61.8 بالمائة. وبذلك بلغ إجمالي ما استوردته النرويج من الجزائر خلال جوان وجويلية نحو 38,989 طنًا بقيمة تجاوزت 285.3 مليون كرونة.

لكن هذه القفزة لا ينبغي قراءتها بوصفها معدل نمو شهريًا يمكن إسقاطه آليًا على بقية السنة. فتجارة الأمونيا تقوم أساسًا على ناقلات وشحنات كبيرة، ويمكن لوصول سفينة في الأيام الأخيرة من شهر أو الأولى من الشهر التالي أن يغير المقارنة جذريًا.

ولهذا فإن المؤشر الأكثر أهمية ليس نسبة الزيادة من جوان إلى جويلية، وإنما أن الجزائر استطاعت، فور عودة التدفقات، أن تنتقل إلى المركز الأول بين موردي السوق النرويجية.

2025 يؤكد أن الصدارة ليست حادثًا عابرًا

ولا يمثل دخول الأمونيا الجزائرية إلى النرويج في 2026 حدثًا جديدًا أو أول اختبار لهذا السوق. ففي 2025، استوردت النرويج من الجزائر نحو 144,233 طنًا من الأمونيا اللامائية موزعة على ثمانية أشهر، بقيمة إجمالية قاربت 754.2 مليون كرونة.

وكانت أكبر شحنة شهرية خلال تلك السنة في ماي بنحو 36,117 طنًا، ثم أفريل بـ28,321 طنًا، ونوفمبر بـ27,535 طنًا.

وفي المقابل، لم تسجل النرويج واردات جزائرية خلال جويلية 2025، ولذلك لا توجد قاعدة كمية تصلح لحساب نمو سنوي مباشر لشهر جويلية 2026. فالمقارنة مع صفر لا تنتج معدل نمو اقتصاديًا ذا معنى.

لكن السلسلة السنوية تحمل رسالة أوضح: الجزائر مورد معروف ومستقر نسبيًا داخل السوق النرويجية، حتى وإن كانت الشحنات تتحرك بصورة غير شهرية.

وعلى المستوى العالمي، صدرت الجزائر نحو 971 ألف طن من الأمونيا اللامائية خلال 2024، ما وضعها ضمن كبار المصدرين الدوليين في سوق بلغ حجم تجارتها نحو 13.9 مليون طن خلال السنة نفسها.

أما في الاتحاد الأوروبي، فقد أظهرت بيانات تتبع الشحنات أن الجزائر كانت خلال الربع الأول من 2026 أكبر مصدر منفرد للأمونيا المنقولة بحرًا إلى الاتحاد الأوروبي، بحصة بلغت 30 بالمائة من إجمالي واردات أوروبية قدرها 717 ألف طن.

وتعني هذه الحصة حسابيًا نحو 215 ألف طن، وإن كان من الضروري الفصل بين بيانات تتبع السفن والبيانات الجمركية الرسمية، وبين الاتحاد الأوروبي وأوروبا كمنطقة جغرافية أوسع.

الغاز الجزائري يدخل أوروبا في صورة أكثر قيمة

اقتصاديًا، تكتسب الأمونيا أهمية خاصة لأنها تقع في منطقة وسطى بين تصدير المحروقات الخام وبين الصناعة الكيميائية المتقدمة.

فهي تُنتج أساسًا من الغاز الطبيعي، وتستخدم بصورة واسعة في صناعة الأسمدة الآزوتية، خاصة اليوريا ونترات الأمونيوم، كما تدخل في صناعات كيميائية وتطبيقات تبريد واستعمالات صناعية أخرى.

ولهذا لا يمكن تصنيف صادرات الأمونيا باعتبارها خروجًا كاملًا من اقتصاد المحروقات؛ فالغاز يظل مادتها الأولية الأساسية. غير أن الفرق الجوهري هو أن الجزائر، بدل تصدير الغاز وحده، تقوم بتحويل جزء منه داخل مصانعها قبل طرحه في السوق الخارجية.

وهذه العملية تعني بقاء حلقة إضافية من سلسلة القيمة داخل الاقتصاد الوطني: مصانع تعمل، وظائف صناعية، خدمات لوجستية، عمليات معالجة وتحويل، نشاط موانئ، وعائدات تصدير مرتبطة بمنتج نهائي أعلى قيمة من المادة الخام التي انطلق منها.

ومن هذه الزاوية، تقدم صادرات الأمونيا نموذجًا عمليًا لمفهوم التنويع الصناعي المرتبط بموارد الطاقة، إذ لا يعني التنويع بالضرورة التخلي عن الغاز، وإنما استخدامه قاعدة لإنتاج سلع أكثر تصنيعًا وقيمة.

أرزيو وعنابة.. القاعدة التي تقف خلف الأرقام

ولا تأتي القدرة الجزائرية على إرسال عشرات آلاف الأطنان إلى شمال أوروبا من فائض ظرفي، وإنما تستند إلى قاعدة صناعية قائمة، خصوصًا في أرزيو وعنابة.

ويعد مجمع سورفرت الجزائر في المنطقة الصناعية بأرزيو أحد أهم هذه الأصول، إذ يرتبط بمرافق تصدير عبر ميناءي أرزيو وبطيوة، ويملك تجهيزات تسمح بنقل الأمونيا واليوريا من وحدات الإنتاج مباشرة إلى منشآت الشحن.

كما تستند القاعدة الصناعية إلى شركة فرتيال التابعة لمجمع «أسمدال»، التي تمتلك منشأتين في أرزيو وعنابة بطاقة سنوية معلنة تصل في مجموعها إلى نحو مليون طن من الأمونيا.

وتمنح هذه البنية الجزائر ميزتين متلازمتين: القدرة على إنتاج كميات كبيرة، ثم إمكانية إخراجها بحرًا من منشآت قريبة من مواقع التصنيع، وهو ما يقلص جزءًا من الكلفة اللوجستية ويزيد مرونة التصدير.

وبذلك، فإن أرقام النرويج لا تعكس فقط عقدًا تجاريًا أو شحنة ناجحة، وإنما نتيجة لاستثمارات صناعية ومينائية تجعل الجزائر قادرة على تحويل الغاز إلى منتجات وسيطة تدخل مباشرة في صناعات أوروبا.

النرويج.. سوق صغيرة في الحجم التجاري وكبيرة في الدلالة

لا تمثل قيمة الأمونيا المستوردة نسبة كبيرة من إجمالي التجارة الخارجية للنرويج؛ فقد بلغت واردات البلاد من مختلف السلع في جويلية نحو 89.3 مليار كرونة، مقابل صادرات بقيمة 173.6 مليار كرونة، أي بفائض تجاري قدره 84.3 مليارًا.

غير أن أهمية الأمونيا لا تقاس بحصتها من مجمل الواردات، بل بدورها في قطاعات صناعية حساسة، ولا سيما الأسمدة ونترات الأمونيوم والمواد الكيميائية.

ومن هنا، فإن نجاح الجزائر في انتزاع حصة تفوق 43 بالمائة خلال شهر واحد يعني دخولها إلى حلقة توريد صناعية لا تعتمد على الاستهلاك النهائي، بل على مدخل إنتاج تحتاجه مصانع وأسواق أخرى.

كما يمنح الموقع الجغرافي للجزائر صادراتها عنصرًا إضافيًا. فالموانئ الجزائرية تقع على مسار أقصر نسبيًا نحو شمال أوروبا مقارنة ببعض المنتجين في الخليج أو آسيا، كما أن الناقلات المتجهة منها إلى أوروبا لا تحتاج إلى المرور عبر مضيق هرمز أو قناة السويس.

ولا يعني ذلك أن المنتج الجزائري يملك تلقائيًا أرخص كلفة شحن في كل الحالات، لأن السوق تخضع للأسعار الفورية والعقود وتوافر السفن والتأمين، لكنه يمنح الجزائر ميزة لوجستية بنيوية تقلل تعرض الشحنات لبعض الاختناقات الجيوسياسية التي تمس مسارات أطول.

المنافسة القادمة لن تُحسم بالسعر وحده

ومع ذلك، فإن العنصر الذي سيعيد تشكيل المنافسة خلال السنوات المقبلة لن يكون المسافة أو السعر وحدهما، بل كثافة الكربون.

فالأمونيا والأسمدة دخلتا ضمن القطاعات التي تغطيها آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية «CBAM»، بسبب حجم الانبعاثات المرتبطة بإنتاج الهيدروجين المستخدم في صناعة الأمونيا التقليدية.

وبذلك، لم يعد السؤال بالنسبة إلى المستورد الأوروبي مقتصرًا على: كم يبلغ سعر الطن؟ بل أصبح يتجه تدريجيًا إلى سؤال إضافي: كم طنًا من ثاني أكسيد الكربون ارتبط بإنتاج هذا الطن؟

وفي الاتحاد الأوروبي، دخلت الآلية مرحلتها النهائية مطلع 2026، بينما تخطط النرويج لتطبيقها اعتبارًا من 1 جانفي 2027 بعد اعتماد التشريع الخاص بها خلال جوان 2026، مع استكمال المتطلبات المرتبطة بإدراجها ضمن إطار المنطقة الاقتصادية الأوروبية.

وتعني هذه الخطوة أن الأفضلية الحالية للجزائر في السوق النرويجية ستواجه خلال الفترة المقبلة اختبارًا جديدًا لا يرتبط بالقدرة على إرسال الشحنة فقط، بل بإثبات البصمة الكربونية للمنتج.

الجزائر أمام فرصة كربونية حقيقية

وتشير البيانات التي أوردتها مؤسسات متخصصة في أسواق السلع إلى فروق قد تكون مهمة في هذه المنافسة. فقد قدرت كثافة الانبعاثات الافتراضية للأمونيا الأميركية بنحو 3.41 أطنان من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل طن أمونيا، في حين أوردت تقديرات أولية قيمة افتراضية للمنتج الجزائري في حدود 2.10 طن، مقابل 2.44 طن لمنتج ترينيداد وتوباغو.

وإذا ثبتت هذه الفوارق ضمن منهجيات القياس المعتمدة، فإن المنتج الجزائري يمكن أن يستفيد من تكلفة كربونية أدنى مقارنة بمصادر أعلى انبعاثًا.

وقد ظهرت حساسية السوق لهذه المتغيرات بالفعل خلال الربع الأول من 2026، حين تراجعت شحنات الأمونيا الأميركية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 56 بالمائة إلى نحو 40 ألف طن، بالتزامن مع بدء التطبيق النهائي لـ«CBAM» وارتفاع الكلفة المرتبطة بالقيم الافتراضية للانبعاثات.

لكن الأفضلية النظرية لا تتحول تلقائيًا إلى مكسب دائم.

فالمؤسسات الجزائرية ستحتاج إلى الانتقال من الاعتماد على القيم الافتراضية إلى قياس فعلي وموثق للانبعاثات، لأن المنتج الذي يستطيع إثبات بصمة كربونية أقل من القيمة المفترضة يحصل على وضع أكثر تنافسية من منتج لا يملك بيانات دقيقة يمكن التحقق منها.

وهنا تصبح أنظمة القياس والإبلاغ والتحقق جزءًا مباشرًا من القدرة التصديرية، وليست مجرد مطلب بيئي.

من كفاءة الغاز إلى الأمونيا منخفضة الكربون

ويدفع هذا التحول المصنعين إلى إعادة النظر في كامل دورة الإنتاج، بداية من كفاءة استهلاك الغاز، مرورًا بخفض انبعاثات الميثان والحرق والتنفيس، ووصولًا إلى استهلاك الكهرباء ومصادرها.

كما يفتح الباب أمام تقنيات احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، واستخدام الكهرباء المتجددة في أجزاء من سلسلة الإنتاج، ثم على المدى الأبعد تطوير الأمونيا الزرقاء والخضراء.

غير أن الانتقال نحو هذه المنتجات يحتاج استثمارات كبيرة في التحليل الكهربائي، والطاقات المتجددة، واحتجاز الكربون، والنقل والتخزين، إضافة إلى أنظمة الشهادات وإثبات منشأ الهيدروجين وكثافته الكربونية.

ولهذا، فإن الرهان الأكثر واقعية على المدى القريب لا يبدأ بإعادة بناء الصناعة من الصفر، بل بخفض انبعاثات المصانع القائمة وإثباتها بدقة، بما يسمح للمنتج الجزائري بالحفاظ على تنافسيته كلما زادت كلفة الكربون في الأسواق الأوروبية.

من صدارة شهرية إلى موقع صناعي دائم

تكشف شحنة جويلية، في النهاية، أكثر من رقم تجاري عابر. فالجزائر باعت 25,463 طنًا من الأمونيا إلى النرويج بقيمة 176.3 مليون كرونة، وتجاوزت الولايات المتحدة بـ2,203 أطنان، واستحوذت على أكثر من 43 بالمائة من واردات السوق خلال الشهر.

لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في احتلال المرتبة الأولى لشهر واحد.

فالأرقام تثبت أن الجزائر تمتلك قاعدة إنتاج وتصدير قادرة على تحويل الغاز إلى منتج صناعي تنافسي، وأنها تملك حضورًا سابقًا في السوق النرويجية والأوروبية، وأن قربها الجغرافي وقدرتها الإنتاجية يمنحانها أساسًا يمكن البناء عليه.

وفي المقابل، تكشف التحولات التنظيمية في أوروبا والنرويج أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة. فالسوق التي كانت تفاضل بين الموردين وفق السعر، الكمية وانتظام الشحن، بدأت تضيف عنصرًا رابعًا إلى المعادلة: الكربون.

ومن هنا، لن يكون التحدي الجزائري بعد جويلية هو تكرار شحنة مماثلة فحسب، بل تثبيت موقع المنتج الجزائري عندما تبدأ الأسواق في تسعير الانبعاثات داخل كل طن مستورد.

فإذا نجحت الجزائر في الجمع بين وفرة الغاز، والقاعدة الصناعية القائمة، والكلفة اللوجستية التنافسية، وخفض البصمة الكربونية وتوثيقها، فإن ما تحقق في النرويج لن يبقى مجرد صدارة شهرية، بل يمكن أن يتحول إلى موقع أوسع للأمونيا الجزائرية داخل خريطة الإمدادات الأوروبية الجديدة.

#الأمونيا الجزائرية#النرويج
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

صيدال تضاعف رقم أعمالها إلى 44 مليار دينار.. كيف أعاد تبون بناء عملاق الدواء الجزائري؟

صيدال تضاعف رقم أعمالها إلى 44 مليار دينار.. كيف أعاد تبون بناء عملاق الدواء الجزائري؟

بوابة الجزائر الإخبارية: في 20 أوت 2026، عادت خطوط الإنتاج في مصنع HUP Pharma السابق بقسنطينة إلى الدوران تدريجيًا بعد توقف دام ثلاث سنوات. ولم يكن الأمر مجرد إعادة فتح موقع صناعي متوقف؛ فقبل أيام فقط، كانت وزارة الصناعة الصيدلانية قد وجهت إلى تسريع مشروعين استراتيجيين لمجمع «صيدال» يتعلقان بإنتاج أدوية السرطان واللقاحات. وبين التطورين تتضح صورة مؤسسة عمومية كانت، قبل ست سنوات، تبحث عن استعادة موقع فقدته داخل سوقها الوطنية، ثم دخلت 2026 وهي توسع نشاطها نحو الأنسولين والأورام واللقاحات والمواد الأولية والعلاجات البيولوجية، وتستعيد مصانع وشبكات توزيع، وتبني شراكات لنقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي.

صيدال تضاعف رقم أعمالها إلى 44 مليار دينار.. كيف أعاد تبون بناء عملاق الدواء الجزائري؟

الأرقام المالية تمنح هذا التحول وزنه الاقتصادي. فقد بلغ رقم أعمال المجمع في 2025 نحو 44.040 مليار دينار، بارتفاع قدره 98.43 بالمائة في عام واحد، بينما وصل الإنتاج إلى 144.334 مليون وحدة بيع، بزيادة 9.70 بالمائة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت القيمة المضافة 88.05 بالمائة، وقفز فائض الاستغلال الخام 358.48 بالمائة، والنتيجة التشغيلية 243.27 بالمائة، والنتيجة الصافية 263.23 بالمائة. وهي مؤشرات تجعل 2025 عامًا مفصليًا في مسار «صيدال»، بعدما كان رقم أعمالها لا يتجاوز 22.194 مليار دينار في 2024.

والفارق الكبير بين نمو رقم الأعمال بنحو 98 بالمائة وزيادة الكميات المنتجة بأقل من 10 بالمائة لا يسمح، في غياب تفصيل منشور للمبيعات حسب المنتجات والأسعار، بإرجاع القفزة إلى عامل واحد. لكنه يؤكد أن التحسن لم يكن مجرد زيادة كمية في الإنتاج؛ إذ تزامن مع توسع محفظة المجمع، وتحسن مؤشرات التشغيل والقيمة المضافة، ودخول تدريجي إلى منتجات وشراكات تختلف اقتصاديًا وتقنيًا عن نموذج الأدوية الجنيسة الذي طبع جانبًا كبيرًا من نشاطه سابقًا.

من 10 بالمائة إلى 44 مليار دينار.. نقطة التحول

لفهم حجم المسافة التي قطعتها المؤسسة، ينبغي العودة إلى 30 أوت 2020، عندما وضع مجلس الوزراء ملف الصناعة الصيدلانية في صلب الأولويات الاقتصادية والصحية، وأمر الرئيس عبد المجيد تبون بمنح «صيدال» مرافقة خاصة لاسترجاع موقعها الريادي وحصتها السابقة في السوق، بعدما تراجعت، وفق المعطيات المقدمة آنذاك، من نحو 30 بالمائة إلى قرابة 10 بالمائة. وفي الاجتماع نفسه، جرى ربط إصلاح القطاع بتوسيع التصنيع المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد، مع هدف بخفضها بنحو 400 مليون دولار قبل نهاية السنة.

وكان ذلك التحول أبعد من خطة لإنقاذ شركة عمومية. فالجزائر كانت تعيد في الوقت نفسه ترتيب علاقتها بسوق الدواء: من اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على شراء المنتج النهائي من الخارج إلى سياسة تسعى إلى إبقاء حصة أوسع من القيمة الصناعية داخل البلاد، وضبط فاتورة العملة الصعبة، ثم الانتقال تدريجيًا من تركيب الأدوية وتصنيع الجنيس إلى المواد الأولية والمنتجات البيولوجية والعلاجات الأكثر تعقيدًا.

وجاءت جائحة كورونا لتضع «صيدال» سريعًا أمام اختبار مختلف. ففي سبتمبر 2021 دخل مشروع إنتاج لقاح CoronaVac في قسنطينة بالشراكة مع Sinovac مرحلة التصنيع، بطاقة تقنية أعلن آنذاك أنها يمكن أن تصل إلى 320 ألف جرعة يوميًا في وردية واحدة، أي ما يعادل ثمانية ملايين جرعة شهريًا. ورغم أن الطلب العالمي على لقاحات كورونا انخفض لاحقًا مع تغير الوضع الوبائي، فإن القيمة الصناعية للمشروع تجاوزت الظرف الصحي نفسه، لأنه أعاد إدخال المجمع إلى منظومة اللقاحات ونقل التكنولوجيا والتعامل مع المنتجات البيولوجية.

حين تحوّل الإنقاذ إلى سيادة دوائية

في ديسمبر 2022، انتقلت المهمة رسميًا إلى مستوى أعلى. فقد تحدث الرئيس تبون عن مرحلة وصل فيها إنتاج «صيدال» إلى تغطية نحو 4 بالمائة فقط من احتياجات السوق، وربط إعادة بعثها بهدف أوسع يتمثل في بناء صناعة دوائية جزائرية قادرة على تغطية ما بين 40 و50 بالمائة من حاجات السوق، مع دخول لقاحات الأطفال والأنسولين ضمن الأولويات والانفتاح على الأسواق العربية والإفريقية.

ولم يعد الرهان، منذ ذلك التاريخ، استعادة نشاط مصنع أو رفع رقم مبيعات مؤسسة، وإنما تحويل الإنتاج الصيدلاني إلى أحد مكونات السيادة الصحية، عبر استعادة القدرة الإنتاجية أولًا، وتقليص الواردات ثانيًا، ثم الانتقال إلى الأصناف ذات القيمة الاستراتيجية الأعلى.

وكانت خطة تطوير المجمع قد تضمنت رفع الإنتاج وإطلاق منتجات جديدة طورت داخل مركز البحث والتطوير، وتأهيل وحدة المدية لإنتاج المواد الأولية والمضافات الصيدلانية، بالتوازي مع التوجه نحو أسواق إفريقية وعربية، ما أظهر أن إعادة بناء «صيدال» بدأت تنتقل من معالجة اختلالات المؤسسة إلى إعادة تشكيل موقعها داخل سلسلة القيمة الصيدلانية.

قفزة 2025.. النمو يتجاوز عدد العلب

ابتداء من 2023، بدأت النتائج المالية تعكس انتقال «صيدال» من مرحلة إعادة التنظيم إلى النمو. فقد سجلت الشركة الأم صافي ربح بنحو 1.736 مليار دينار، بينما قاربت النتيجة الإيجابية الموحدة للمجمع 1.99 مليار دينار.

وفي 2024 ارتفع رقم الأعمال إلى 22.194 مليار دينار، بنمو 21.53 بالمائة، مع إنتاج 131.576 مليون وحدة بيع. ثم جاءت قفزة 2025 لتضاعف المبيعات تقريبًا خلال عام واحد وترفع رقم الأعمال إلى 44.040 مليار دينار، بالتوازي مع إنتاج 144.334 مليون وحدة.

والأهم أن مؤشرات الأداء لم تتحسن في رقم الأعمال وحده. فقد ارتفعت القيمة المضافة 88.05 بالمائة، وفائض الاستغلال الخام 358.48 بالمائة، والنتيجة التشغيلية 243.27 بالمائة، والنتيجة الصافية 263.23 بالمائة، بما يعكس تحولًا أوسع في الأداء التشغيلي والمالي.

وبذلك لم يعد قياس تحول «صيدال» ممكنًا بعدد العلب المنتجة وحده، وإنما بنوعية المنتجات التي تدخل محفظتها، ومقدار القيمة التي تحتفظ بها داخل الاقتصاد، وقدرتها على تقليص الاعتماد على الخارج في الأصناف ذات الكلفة والحساسية الأعلى.

صيدال تضاعف رقم أعمالها إلى 44 مليار دينار.. كيف أعاد تبون بناء عملاق الدواء الجزائري؟

الأنسولين والسرطان.. نحو قلب الفاتورة الدوائية

ويظهر التحول بوضوح في الأنسولين، أحد أكثر ملفات الأمن الدوائي حساسية. ففي 30 جوان 2026 وسعت «صيدال» تعاونها مع Novo Nordisk من خلال اتفاق يستهدف الإنتاج والتوزيع المشترك محليًا لعلاجات مبتكرة مرتبطة خصوصًا بالسكري والسمنة، في امتداد لمسار سابق بين الجانبين في مجال علاجات السكري والأنسولين.

وبذلك انتقلت الشراكة تدريجيًا من توفير منتجات مرتبطة بسوق استهلاكية ثقيلة إلى محاولة إدخال جزء أكبر من سلسلة تصنيعها إلى الجزائر، وهي خطوة ترتبط مباشرة بتقليص التعرض للواردات في واحد من أكثر أصناف الدواء انتظامًا في الطلب.

أما الملف الثاني فهو أدوية السرطان، حيث أصبحت «صيدال» جزءًا من قاعدة صناعية وطنية تضم، وفق معطيات وزارة الصناعة الصيدلانية في ماي 2026، 15 مؤسسة مرخصة لتصنيع الأدوية المضادة للأورام، منها 11 مصنعًا دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي.

وكانت المنظومة المحلية تنتج عندها 172 دواء مستخدمًا في علاج أنواع مختلفة من السرطان من أصل 439 دواء متداولًا لدى الصيدلية المركزية للمستشفيات. ولهذا يكتسب تسريع مشروع «صيدال» الخاص بأدوية السرطان أهمية تتجاوز توسيع قائمة المنتجات؛ إذ يتعلق بأحد أكثر فروع الصناعة الصيدلانية تعقيدًا وكلفة وحساسية للإمدادات الخارجية.

وفي الاتجاه نفسه، بدأت الصناعة الجزائرية تتحرك نحو البيولوجيا الدوائية. ففي جوان 2026 افتتحت بوهران أول وحدة جزائرية لإنتاج الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، وهي علاجات متقدمة تدخل في بروتوكولات السرطان وأمراض أخرى، ووصفت بأنها ثاني منشأة من نوعها في إفريقيا.

ورغم أن الوحدة ليست تابعة لـ«صيدال»، فإن دخول هذه التكنولوجيا إلى النسيج الصناعي الوطني يضع توسع المجمع العمومي في الأدوية البيولوجية ضمن بيئة محلية تتجه بدورها نحو منتجات أعلى تعقيدًا وقيمة.

المادة الأولية.. معركة القيمة المضافة

غير أن الحلقة التي يمكن أن تحدد فعليًا مقدار ما تحتفظ به الجزائر من القيمة المضافة ليست الدواء النهائي وحده، بل المادة الأولية. فمصنع يصنع دواءً اعتمادًا على مادة فعالة مستوردة يحقق إحلالًا جزئيًا للواردات، بينما يؤدي إنتاج المادة نفسها محليًا إلى تقليص انكشاف الصناعة أمام تقلب أسعار الشحن والصرف واضطراب سلاسل التوريد، ويرفع مستوى الإدماج الصناعي.

ولهذا اتجهت سياسة 2025 و2026 بقوة أكبر نحو المدخلات الصيدلانية. ففي جانفي 2026 أعلن وزير الصناعة الصيدلانية أن مشاريع لإنتاج المواد الأولية، تقود «صيدال» جانبًا منها، تستهدف على المدى القصير خفض فاتورة استيراد المدخلات الصيدلانية بما يصل إلى 60 بالمائة، مقدرًا هذه الفاتورة بنحو ثلاثة مليارات دولار.

ويتعلق هذا الرقم بالمواد والمدخلات المستخدمة في الصناعة، وليس بفاتورة استيراد الأدوية النهائية، وهو فارق أساسي في قراءة الأثر الاقتصادي؛ إذ إن تعميق الإنتاج المحلي للمادة الأولية يعني الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد، وليس فقط إحلال المنتج النهائي.

وبعد أسابيع، أعلنت الجزائر استعدادها للانتقال إلى الخطوة المعاكسة عبر تصدير بعض المواد الأولية، ولا سيما المستخدمة في صناعة الباراسيتامول والمضادات الحيوية، إلى تونس.

وإذا تحولت هذه المشاريع إلى إنتاج منتظم وبمواصفات قابلة للتصدير، فإن المعادلة الصناعية ستنتقل من تعويض المنتج النهائي المستورد إلى توطين حلقات أسبق من سلسلة القيمة، وهي المرحلة التي تحدد بدرجة أكبر مقدار القيمة الصناعية التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

من Sanofi إلى Boehringer.. الشراكة تدخل المصنع

وفي موازاة تعميق الإدماج، تغيرت طبيعة الشراكات الأجنبية التي تعقدها «صيدال». ففي فيفري 2026 وقعت المجموعة مذكرة تفاهم مع Sanofi Vaccins تستهدف تطوير وإنتاج لقاحات بشرية داخل الجزائر، مع وضع نقل التكنولوجيا ضمن أهداف التعاون.

كما توسعت شبكة الشراكات في مجال اللقاحات مع شركاء آخرين، بالتزامن مع استمرار التعاون في لقاح الإنفلونزا، بما يحول ملف اللقاحات تدريجيًا من تجربة ارتبطت بجائحة كورونا إلى برنامج صناعي متعدد المنتجات والشركاء.

ولم يتوقف توسيع المحفظة عند اللقاحات والسكري. ففي جوان دخلت «صيدال» في تعاون مع Boehringer Ingelheim لتصنيع علاج مبتكر للتليف الرئوي محليًا، ثم اتسع التعاون في جويلية، خلال المنتدى الاقتصادي الجزائري-الألماني في برلين، ليشمل تصنيع أربع جزيئات دوائية استراتيجية موجهة لعلاج السكري وقصور القلب وأمراض الكلى، إلى جانب البحث والتطوير.

وتكشف هذه الاتفاقات تغيرًا تدريجيًا في طبيعة العلاقة مع الشركات الدولية: من سوق تستقبل الدواء المنتج في الخارج إلى قاعدة صناعية تسعى إلى استقبال جزء من التصنيع والمعرفة والتكنولوجيا.

وهنا يصبح معيار نجاح الشراكة أكثر دقة؛ فالقيمة الاقتصادية لا تقاس بعدد الاتفاقات الموقعة، وإنما بحجم الإنتاج الذي يتحول فعليًا إلى الجزائر، ونسبة الإدماج، ونوعية التكنولوجيا المنقولة، وقدرة الكفاءات المحلية على التحكم في المنتجات الجديدة.

ما بعد الدواء الجنيس.. صيدال تدخل العلاجات المتقدمة

أما الرهان الأبعد فيظهر في العلاج الخلوي والجيني. ففي 5 جويلية 2026 وضع الرئيس تبون حجر الأساس للمعهد الجزائري للعلاج الخلوي والجيني، بما يفتح مسارًا مختلفًا عن الصناعات الدوائية التقليدية، قائمًا على البحث والطب التجديدي والعلاجات المتقدمة.

ويضع هذا المشروع «صيدال» أمام انتقال نوعي؛ فالمجمع الذي كان مطلوبًا منه قبل ست سنوات استعادة موقعه في الأدوية التقليدية أصبح يتحرك باتجاه مجالات ستشكل جزءًا متزايدًا من اقتصاد الدواء خلال العقد المقبل.

كما دخلت مشاريع أخرى مرتبطة بإنتاج الببتيدات والبيوتكنولوجيا ضمن الخريطة الجديدة، بما يعني أن الهدف لم يعد تعويض دواء مستورد قائم فقط، وإنما تطوير قدرة تسمح للجزائر بتقليص احتمال ظهور تبعية جديدة مع انتقال الأسواق العالمية نحو العلاجات البيولوجية والشخصية والجينية.

غير أن هذه المشاريع، بحكم طبيعتها، لا تزال رهانات صناعية وعلمية طويلة النفس، ويجب قياس نتائجها لاحقًا بما يصل فعليًا إلى خطوط الإنتاج والممارسة الطبية، لا بمجرد الإعلان عنها.

ويترافق ذلك مع محاولة وصل البحث الأكاديمي بالمصنع. ففي جويلية وقعت «صيدال» اتفاقية إطار مع جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا ضمن سلسلة شراكات مع الجامعات والمخابر الوطنية، في خطوة تستهدف ربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة والتطوير الدوائي.

وهذه الحلقة تصبح أكثر أهمية كلما صعد المجمع إلى منتجات ذات كثافة معرفية أعلى، لأن البيوتكنولوجيا والعلاج الجيني والدواء المبتكر لا يمكن أن تتطور على المدى الطويل إذا بقي البحث الأكاديمي منفصلًا عن المصنع والدراسات السريرية والسوق.

829 صيدلية ومصنع مستعاد.. التوسع يصل إلى السوق

لكن إعادة بناء «صيدال» لم تجر داخل المصانع فقط. فقد ألحقت بالمجمع شبكة 829 صيدلية عمومية كانت تابعة لمؤسسة Endimed، يعمل بها نحو 900 صيدلي، ليصبح للمجموعة موطئ قدم مباشر في الحلقة الأخيرة بين المنتج والمستهلك.

وفي أفريل 2026 دخلت أول صيدلية تابعة للمجمع الخدمة في أولاد جلال، في بداية إعادة تشغيل هذه الشبكة تحت الصيغة الجديدة.

اقتصاديًا، يغير ذلك نموذج عمل «صيدال» نفسه. فالمؤسسة التي كان نشاطها يتركز أساسًا على التصنيع والتوزيع بالجملة باتت تملك قناة واسعة للوصول إلى السوق النهائية، بما يسمح، إذا جرى استغلال الشبكة ضمن نظام معلومات موحد، بربط حركة الطلب والمخزون والتوزيع بصورة أقرب إلى قرارات الإنتاج.

وفي قطاع تتكرر فيه أحيانًا اختلالات التوافر رغم وجود إنتاج محلي، تصبح كفاءة التوزيع والتخزين والتخطيط جزءًا من الأمن الدوائي بقدر أهمية المصنع نفسه.

ثم جاءت خطوة 20 أوت 2026 لتضيف إلى الخريطة طاقة صناعية كانت خارج دورة الإنتاج. فقد بدأ المجمع إعادة تشغيل خطوط موقع HUP Pharma السابق بقسنطينة تدريجيًا، بعد توقف دام ثلاث سنوات، مع إعطاء الأولوية للأدوية الأساسية وإعادة إدماج العمال والأطر تبعًا لتقدم النشاط واحتياجات الإنتاج.

الميزة الاقتصادية في هذه العملية واضحة: بدل إنشاء قدرة صناعية كاملة من الصفر، يعاد توظيف مصنع قائم ومعدات وخبرات بشرية سبق أن خرجت من دورة النشاط، بما يمكن أن يقلص كلفة وزمن استحداث قدرة جديدة.

لكن نجاح العملية لن يقاس بإعادة فتح الأبواب، بل بما تضيفه المنشأة فعليًا إلى الإنتاج، والأدوية التي ستخرج من خطوطها، وقدرتها على العمل بصورة مستقرة ضمن احتياجات السوق.

83 بالمائة إنتاج محلي.. صيدال داخل تحول أكبر

والأهم أن طفرة «صيدال» لا تحدث بمعزل عن تحول أوسع في الصناعة الصيدلانية الجزائرية. فحتى نهاية 2025، بلغت نسبة تغطية احتياجات السوق الوطنية بالإنتاج المحلي نحو 83 بالمائة، مقابل قاعدة تضم 233 مؤسسة صيدلانية معتمدة للتصنيع، منها 138 متخصصة في الأدوية، فيما تجاوز عدد المنتجات المصنعة محليًا 4180 منتجًا من أصل 5557 دواء مسجلًا في المدونة الوطنية.

وفي الوقت نفسه، تراجعت فاتورة استيراد الأدوية من 1.25 مليار دولار في 2022 إلى 718 مليون دولار في 2023 ثم 515 مليون دولار في 2024، وهو مسار يمنح سياسة الإنتاج المحلي أثرًا مباشرًا على ميزان المدفوعات وتقليص الطلب على العملة الصعبة.

وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت صادرات المنتجات الصيدلانية من 6.12 ملايين دولار في 2023 إلى 23.15 مليون دولار في 2024، أي بأكثر من ثلاثة أضعاف. ورغم أن القيمة التصديرية ما تزال محدودة مقارنة بحجم السوق المحلية، فإن اتجاهها الصاعد يكشف بداية انتقال الصناعة من منطق إحلال الواردات وحده إلى البحث عن أسواق خارجية.

وحصل هذا التحول في جويلية 2026 على اعتراف قاري لافت عندما اعتبر المدير العام للمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، جان كاسيا، الجزائر من البلدان القليلة التي تنتج أكثر من 80 بالمائة من احتياجاتها من المنتجات الصحية، مشيدًا بموقعها في الأمن الصحي الإفريقي.

وتضع هذه المؤشرات قفزة «صيدال» في سياقها الحقيقي؛ فهي ليست نجاح مؤسسة منفردة بمعزل عن محيطها، وإنما أحد أبرز تجليات توسع قاعدة الصناعة الدوائية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة.

إفريقيا.. الاختبار التالي لصيدال

ومع اقتراب الإنتاج المحلي من تغطية الجزء الأكبر من الطلب الداخلي، يصبح التصدير الاختبار الاقتصادي التالي. فالمصانع التي تتوسع قدرتها الإنتاجية تحتاج، للحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة وتحسين اقتصاديات الحجم، إلى أسواق تتجاوز الاستهلاك الوطني.

ولهذا تحولت إفريقيا تدريجيًا إلى أحد محاور استراتيجية «صيدال». وخلال 2025 و2026 استقبلت مصانع المجمع وفودًا صحية واقتصادية من عدة دول إفريقية، وعقدت اتفاقات تعاون، بالتوازي مع سعي الجزائر إلى تحويل توسع صناعتها الصيدلانية إلى حضور تجاري أكبر في القارة.

ويكتسب هذا الاتجاه وزنًا إضافيًا لأن السوق الإفريقية ما تزال تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد لتغطية احتياجاتها الدوائية واللقاحية، في وقت تدفع فيه المؤسسات القارية نحو رفع نسبة الإنتاج المحلي.

وبالنسبة إلى «صيدال»، يعني ذلك أن المرحلة الثالثة بعد استعادة السوق الداخلية وتعميق التصنيع تتمثل في تحويل الفائض والخبرة المتراكمة إلى صادرات، لأن بقاء المؤسسة داخل السوق الوطنية وحدها سيضع سقفًا طبيعيًا لنموها كلما ارتفعت نسبة تغطية الطلب المحلي.

غير أن المنافسة الإفريقية لن تحسم بمجرد وجود قدرة إنتاجية؛ فالأسواق الخارجية تفرض معايير صارمة في التسجيل والجودة والتسعير واللوجستيك والاعتماد الدولي، ما يجعل التصدير اختبارًا لمدى تحول القدرة الصناعية الجزائرية إلى قدرة تنافسية قابلة للاستمرار.

وتكشف حصيلة السنوات الست أن «صيدال» لم تتحرك في خط مستقيم، وإنما عبر طبقات متتابعة. ففي 2020 كان المطلوب وقف التراجع واستعادة الإنتاج. وفي 2021 جاءت تجربة اللقاحات. وفي 2022 ارتفع السقف إلى الأنسولين والأمن الصحي والأسواق الإفريقية. وبين 2023 و2025 انتقلت المؤسسة إلى الربحية ثم ضاعفت رقم أعمالها تقريبًا خلال عام واحد. أما في 2026، فاتسعت الخريطة إلى أدوية السرطان والجزيئات المبتكرة واللقاحات والمواد الأولية والاختبارات السريعة والعلاج الخلوي والجيني، بالتزامن مع استعادة شبكة الصيدليات وإعادة طاقة صناعية متوقفة إلى العمل.

ولا تعني هذه المؤشرات أن كل الأهداف التي وضعت منذ 2020 قد تحققت. فما تزال نسبة حديثة وموحدة لحصة «صيدال» من كامل السوق ضرورية للحكم على مدى اقترابها فعليًا من حصتها التاريخية، كما أن جزءًا مهمًا من المواد الأولية والتكنولوجيات الدوائية المتقدمة لا يزال يمثل مجالًا مطلوبًا لتعميق الإدماج.

وإلى جانب ذلك، فإن انتقال الصادرات من عشرات الملايين إلى مستوى قادر على صنع قطب دوائي إفريقي سيحتاج نموًا أكبر واستمرارية في النفاذ إلى الأسواق الخارجية، فيما سيظل تأمين توفر الدواء داخل السوق اختبارًا موازيًا لجودة التخطيط والتوزيع والمخزون.

لكن ما تغير بصورة قابلة للقياس هو نقطة الانطلاق نفسها. فالمؤسسة التي كانت الدولة تناقش في 2020 كيفية إخراجها من مسار التراجع وصلت في 2025 إلى 44.04 مليار دينار من رقم الأعمال، وأصبحت في 2026 تعيد تشغيل مصانع متوقفة بينما توسع استثماراتها نحو مجالات كان جزء كبير منها مرتبطًا سابقًا بالاستيراد ونقل المنتج النهائي إلى السوق الجزائرية.

وبذلك لم يعد اختبار «صيدال» هو إثبات قدرتها على البقاء، بل قدرتها على تحويل قفزة 2025 إلى مسار صناعي مستدام: إنتاج أكبر للمادة الأولية، توطين فعلي للعلاجات الأعلى تعقيدًا، توفير منتظم للدواء داخل السوق، وتحويل التوسع الصناعي إلى صادرات.

فإذا نجحت في تثبيت هذه الحلقات، ستكون العملية التي بدأت قبل ست سنوات باستعادة مؤسسة عمومية تراجعت حصتها في السوق قد انتهت إلى بناء ذراع صناعية أوسع: ذراع تربط الأمن الدوائي بالسيادة الصناعية، وتحوّل تقليص الواردات إلى قيمة مضافة محلية، وتنقل «صيدال» من الدفاع عن حصتها داخل الجزائر إلى المنافسة على موقع في سوق الدواء الإفريقية.

#الجزائر#صيدال#عبد المجيد تبون
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

الأمونيا الجزائرية تعزز حضورها في أوروبا وتتصدر السوق النرويجية

الأمونيا الجزائرية تعزز حضورها في أوروبا وتتصدر السوق النرويجية

بوابة الجزائر الإخبارية: سجلت صادرات الجزائر من الأمونيا إلى النرويج ارتفاعًا ملحوظًا خلال شهر جويلية الماضي، وفق بيانات حديثة صادرة عن دائرة الجمارك النرويجية، في تطور يعكس تعزيز حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الأوروبية ودعم مساعي تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات.

وأظهرت البيانات أن النرويج استوردت خلال الفترة ذاتها نحو 53 ألف طن من الأمونيا، تصدرت الجزائر قائمة مورديها بحوالي 25 ألف طن، متقدمة على الولايات المتحدة التي صدرت نحو 23 ألف طن.

ومثلت الكميات الجزائرية قرابة نصف إجمالي واردات النرويج من الأمونيا خلال شهر جويلية، ما يؤكد تنامي مكانة الجزائر كمورد رئيسي لهذه المادة في السوق النرويجية.

ويأتي هذا الأداء في ظل مواصلة صادرات الأمونيا الجزائرية تسجيل أرقام متقدمة في الأسواق الأوروبية، حيث بلغت الشحنات نحو 800 ألف طن خلال النصف الأول من السنة الجارية، بما يعزز موقع الجزائر ضمن أبرز موردي الأمونيا للقارة الأوروبية.

وفي المقابل، يبرز تحدي التكيف مع المتطلبات البيئية الجديدة التي تفرضها الأسواق الأوروبية، خاصة مع تشديد القواعد المرتبطة بانبعاثات الكربون وآليات تسعيرها، الأمر الذي يجعل خفض البصمة الكربونية ضرورة للحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات الجزائرية.

وفي هذا السياق، تعمل سوناطراك على تعزيز جهودها الرامية إلى خفض الانبعاثات وتسريع تنفيذ استراتيجيتها لإزالة الكربون، بهدف دعم تنافسية منتجاتها والحفاظ على حضورها في السوق الأوروبية، في ظل التوجه المتسارع نحو منتجات وموارد أقل كثافة كربونية.

#الجزائر#النرويج
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر وعُمان تنتقلان إلى التنفيذ الفعلي لتوسعة مصنع الأسمدة بأرزيو

الجزائر وعُمان تنتقلان إلى التنفيذ الفعلي لتوسعة مصنع الأسمدة بأرزيو

بوابة الجزائر الإخبارية: إستقبل وزير الدولة، وزير المحروقات الجزائري محمد عرقاب اليوم الأحد، بمقر الوزارة، رئيس مجلس إدارة مجموعة “سهيل بهوان القابضة“، سعد بن سهيل بهوان، سفير سلطنة عمان لدى الجزائر، سيف بن ناصر بن راشد البداعي، حيث جرى اللقاء بحضور الرئيس المدير العام لمجمع سوناطراك، نور الدين داودي، وإطارات من الوزارة.

وأشاد الجانبان خلال هذا اللقاء بعمق ومتانة العلاقات الأخوية والتاريخية المتميزة التي تجمع بين الجزائر وسلطنة عمان، كما نوها بالديناميكية الإيجابية التي تطبع هذا التعاون الثنائي، والتي تعكس الإرادة السياسية الصادقة لقيادتي البلدين نحو بناء شراكة استراتيجية نموذجية، ترتكز على التكامل الاقتصادي والمنفعة المتبادلة.

وتُوّج هذا اللقاء، الذي يأتي كثمرة لمسار متواصل من اللقاءات والمشاورات التقنية والتجارية المعمقة التي جرت طيلة السنة الماضية، بالاتفاق الرسمي على الإنتقال من مرحلة المحادثات والدراسات، إلى مرحلة التجسيد الفعلي والميداني لمشروع توسعة مصنع الشركة الجزائرية العمانية للأسمدة (AOA) بالمنطقة الصناعية لأرزيو، إيذاناً ببدء الخطوات التنفيذية وتعبئة الموارد لإنجاز المشروع على أرض الواقع.

ويتمثل مشروع التوسعة في إضافة خط إنتاجي جديد يسمح بزيادة الطاقة الإنتاجية بـ 50% مقارنة بالطاقة الإنتاجية الحالية.

وأقر الطرفان خطة العمل الخاصة بالإطلاق العملي لرفع القدرات الصناعية والإنتاجية للمصنع، وتحديداً في مادتي الأمونيا واليوريا، بهدف مضاعفة القيمة المضافة للموارد الوطنية وترقية الصناعات التحويلية.

وأكد وزير الدولة الجزائري التزام القطاع بتوفير المرافقة الكاملة وتذليل كافة العقبات لتسريع وتيرة إنجاز هذا المشروع الاستراتيجي المشترك بين مجمع سوناطراك والمجموعة العمانية، والشروع في تنفيذ التوسعة وفق الجداول الزمنية المحددة.

https://twitter.com/algatedz/status/2091598074426671319

#الجزائر#سلطنة عمان
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

المنتجات الجزائرية تلفت الأنظار في أوروبا.. حضور قوي للجزائر في معرض “أغرا-2026”

المنتجات الجزائرية تلفت الأنظار في أوروبا.. حضور قوي للجزائر في معرض “أغرا-2026”

بوابة الجزائر الإخبارية: تتواصل لليوم الثاني مشاركة الجزائر في فعاليات المعرض الدولي للفلاحة والغذائيات “أغرا-2026“، المقام بجمهورية سلوفينيا، حيث تحل الجزائر ضيف شرف الطبعة الحالية، في خطوة تعكس المكانة المتنامية للمنتج الجزائري في الأسواق الدولية.

https://twitter.com/AlgeriaGatePlus/status/2091519435441844368

وتُنظم المشاركة الجزائرية من طرف وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، بمشاركة 19 متعاملاً اقتصادياً يمثلون عدداً من القطاعات والمنتجات ذات الإمكانات التصديرية، بهدف التعريف بالمنتجات الوطنية وإبراز جودتها وتنوعها وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.

المنتجات الجزائرية تلفت الأنظار في أوروبا.. حضور قوي للجزائر في معرض “أغرا-2026”

وشهد الجناح الجزائري منذ افتتاح المعرض إقبالاً كبيراً من الزوار والمهنيين والمتعاملين الاقتصاديين، الذين أبدوا اهتماماً ملحوظاً بالمنتجات الجزائرية المعروضة، ما يعكس فرصاً واعدة لتعزيز حضور المنتج الوطني في الأسواق الأوروبية والدولية.

المنتجات الجزائرية تلفت الأنظار في أوروبا.. حضور قوي للجزائر في معرض “أغرا-2026”

وتشكل هذه المشاركة فرصة مهمة لتعزيز التواصل بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين ونظرائهم الأجانب، واستكشاف فرص جديدة للشراكة والتعاون التجاري، بما يساهم في توسيع الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات الجزائرية.

المنتجات الجزائرية تلفت الأنظار في أوروبا.. حضور قوي للجزائر في معرض “أغرا-2026”

وتندرج مشاركة الجزائر في معرض “أغرا-2026” ضمن جهود وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات الرامية إلى ترقية المنتج الجزائري، ومرافقة المتعاملين الاقتصاديين في مساعيهم للولوج إلى الأسواق الدولية، وتعزيز مكانة الجزائر كشريك اقتصادي وتجاري في مختلف الأسواق العالمية.

المنتجات الجزائرية تلفت الأنظار في أوروبا.. حضور قوي للجزائر في معرض “أغرا-2026”

#الجزائر#سلوفينيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

عجال يشدد على تسريع ملفات الشراكة والتعاون مع 3 دول إفريقية

عجال يشدد على تسريع ملفات الشراكة والتعاون مع 3 دول إفريقية

بوابة الجزائر الإخبارية : ترأس وزير الطاقة والطاقات المتجددة، الدكتور مراد عجال، اليوم الأحد ، اجتماعا للجنة التنسيق القطاعية، خُصص لدراسة ومتابعة عدد من ملفات الشراكة والتعاون مع كل من جمهورية تشاد، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية بنين.

عجال يشدد على تسريع ملفات الشراكة والتعاون مع 3 دول إفريقية

وخلال هذا الاجتماع، الذي حضره عدد من الإطارات المركزية للوزارة، إلى جانب مسؤولين من مجمع سونلغاز، تمت مناقشة سلسلة من العروض والمواضيع المطروحة على الطاولة، بالإضافة إلى استعراض التبادلات والمشاورات الجارية بين الأطراف المعنية، كما تم تقييم مدى تقدم المشاريع الميدانية التي هي قيد التنفيذ والملفات التي تخضع للدراسة.

عجال يشدد على تسريع ملفات الشراكة والتعاون مع 3 دول إفريقية

وفي هذا السياق، وجه الوزير عدة تعليمات وتوجيهات تهدف إلى تسريع معالجة الملفات المعنية وتعزيز التنسيق والتشاور بين الهياكل المختلفة ذات الصلة.

كما تم التأكيد على ضرورة متابعة دقيقة ومنتظمة لمختلف المشاريع المذكورة، والعمل على تحقيق الالتزامات المتفق عليها لخدمة المصالح المشتركة وتعزيز توسيع آفاق التعاون في قطاع الطاقة والطاقات المتجددة.

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

ديناميكية متسارعة لاستكمال مشروع “الخط المنجمي الشرقي” بالجزائر.. اللمسات الأخيرة لمقطع الدريعة-واد الكبريت

ديناميكية متسارعة لاستكمال مشروع “الخط المنجمي الشرقي” بالجزائر.. اللمسات الأخيرة لمقطع الدريعة-واد الكبريت

بوابة الجزائر الإخبارية : على مستوى ولاية سوق أهراس شرق الجزائر، تتواصل اللمسات الأخيرة لإنجاز المقطع الرابط بين الدريعة_واد_الكبريت على مسافة 30 كلم، وهو أحد المقاطع الهامة من مشروع الخط المنجمي الشرقي الرابط بين ميناء عنابة ومناجم الفوسفات بكل من بلاد الحدبة وجبل العنق وذلك وفقا لما أوردته وزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية.

https://twitter.com/AlgeriaGatePlus/status/2091208347089314106

الأشغال تشهد تقدماً ملحوظا لاسيما في مجال وضع وتثبيت وتسوية السكة الحديدية، وذلك بعد استكمال أشغال إنجاز المنشآت الفنية المرتبطة بالمسار، بما يمهّد لاستكمال هذا المقطع ودخوله مرحلة متقدمة من الجاهزية.

وفي هذا السياق، تتواصل مختلف العمليات التقنية بوتيرة متقدمة، بما يسمح باستكمال ما تبقى من أشغال السكة والتهيئة النهائية للمسار، تمهيداً للربط التدريجي لهذا المقطع بباقي أجزاء الخط المنجمي الشرقي.

ويكتسي هذا المقطع أهمية خاصة ضمن المنظومة الإجمالية للمشروع، باعتباره جزءاً من محور استراتيجي يربط مناطق إنتاج الفوسفات بميناء عنابة، بما يعزز قدرات نقل هذه الثروة المنجمية ويدعم جاهزية البنية التحتية المرافقة لمشروع الفوسفات المدمج.

شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

بوابة الجزائر الاخبارية: تصدرت الجزائر الدول العربية في إنتاج البطيخ الأحمر خلال عام 2024، بإنتاج بلغ نحو 2.52 مليون طن، لتحتل بذلك المرتبة الرابعة عالميا بعد الصين والهند وتركيا، وفق أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو».

وتعكس هذه الأرقام المكانة المتقدمة التي باتت تحظى بها الجزائر على خريطة إنتاج البطيخ عالميا، بعدما نجحت في الانضمام إلى قائمة كبار المنتجين، متقدمة على دول ذات حضور زراعي بارز، من بينها البرازيل وروسيا وأوزبكستان والولايات المتحدة.

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

الجزائر رابع أكبر منتج عالميا

بلغ الإنتاج العالمي من البطيخ خلال عام 2024 نحو 104.96 ملايين طن، بزيادة قدرها 0.5% مقارنة بعام 2023.

وحافظت الصين على صدارة الإنتاج العالمي بفارق كبير، إذ بلغ إنتاجها نحو 63.51 مليون طن، أي ما يزيد على 60% من إجمالي الإنتاج العالمي.

و جاءت الهند في المركز الثاني عالميًا بإنتاج بلغ نحو 3.72 ملايين طن، تلتها تركيا بـ3.2 ملايين طن، ثم الجزائر بـ2.52 مليون طن.

وبذلك، جاءت الجزائر في موقع متقدم ضمن كبار المنتجين عالميًا، متفوقة على البرازيل التي سجلت نحو 1.98 مليون طن، وروسيا بـ1.94 مليون طن، وأوزبكستان بـ1.73 مليون طن، والولايات المتحدة بـ1.68 مليون طن.وجاءت السنغال وإيران في المركزين التاسع والعاشر عالميًا، بإنتاج بلغ نحو 1.36 مليون طن و1.28 مليون طن على التوالي.

وبلغ مجموع إنتاج الدول العشر الأولى نحو 82.92 مليون طن، بما يعادل قرابة 79% من الإنتاج العالمي، وهو ما يعكس التركّز الكبير لإنتاج البطيخ في عدد محدود من الدول.

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

صدارة عربية بفارق واسع

وعلى المستوى العربي، تبدو الهيمنة الجزائرية أكثر وضوحًا، إذ تصدرت البلاد قائمة المنتجين بفارق كبير عن أقرب منافسيها.وسجلت الجزائر إنتاجًا قدره 2.52 مليون طن، وهو حجم يتجاوز مجموع إنتاج مصر والسعودية وتونس والمغرب مجتمعة، ما يمنحها موقعًا مهيمنًا في سوق إنتاج البطيخ عربيًا.وجاءت مصر في المرتبة الثانية عربيًا بإنتاج بلغ نحو 712.5 ألف طن، تلتها السعودية بنحو 608.5 آلاف طن، ثم تونس بـ504.1 آلاف طن، والمغرب بـ339.5 ألف طن.كما ضمت قائمة أبرز المنتجين العرب العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان، بإنتاجات تراوحت بين نحو 285.9 ألف طن للعراق و173.5 ألف طن للسودان .

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر ضيف شرف AGRA 2026.. بوابة جديدة للمنتجات الجزائرية نحو الأسواق الأوروبية

الجزائر ضيف شرف AGRA 2026.. بوابة جديدة للمنتجات الجزائرية نحو الأسواق الأوروبية

بقلم: شروق نصايب

بوابة الجزائر الإخبارية: شارك وزير التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية كمال بداري، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في فعاليات معرض AGRA 2026 بمدينة غورنيا رادغونا في سلوفينيا، حيث تحظى الجزائر بصفة ضيف شرف في هذا الحدث الدولي المتخصص في الفلاحة والصناعات الغذائية.

وتندرج المشاركة الجزائرية في إطار التعريف بالقدرات الفلاحية والغذائية الوطنية، وإبراز تنوع وجودة المنتجات الجزائرية، إلى جانب تثمين الإمكانات التي تزخر بها البلاد في هذا المجال.

https://twitter.com/algatedz/status/2091116802403090891

كما تشكل هذه المشاركة فرصة لتعزيز حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الأوروبية والبلقانية، وفتح آفاق جديدة للشراكة والتعاون بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين والسلوفينيين، بما يساهم في تطوير المبادلات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.

وتؤكد المشاركة الجزائرية في معرض AGRA 2026 حرص الجزائر على تعميق علاقات التعاون والشراكة مع جمهورية سلوفينيا، وتوسيع مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية.

#الجزائر#سلوفينيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

بوابة الجزائر الإخبارية: قبل أن تصف Financial Times التمدد الإماراتي في إفريقيا بأنه اندفاعة ذات طابع «إمبراطوري»، وقبل أن تتعقب Human Rights Watch مرتزقة كولومبيين عبر منشآت عسكرية في الإمارات إلى السودان، وقبل أن تكشف رويترز أن فدية بقيمة 50 مليون دولار موّلت هجومًا لتنظيم القاعدة في مالي وأن ثلاثة مصادر إقليمية نسبت دفعها إلى الإمارات، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد اختصر في مارس 2024 خريطة الخطر في ثلاث دول بالاسم: مالي وليبيا والسودان.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

لم تكن عبارته آنذاك عامة. قال إن أموال دولة عربية لم يسمها توجد «في كل الأماكن التي فيها تناحر»، ثم عدد مالي وليبيا والسودان، قبل أن يحذر من محاولة التعامل مع الجزائر بالطريقة نفسها ويعلن أن «للصبر حدودًا». وبعد أكثر من عامين، تبدو أهمية ذلك التصريح أقل في حدته اللفظية وأكثر في دقة الجغرافيا التي اختارها الرئيس؛ فالساحات الثلاث التي حددها تحولت تباعًا إلى موضوع تقارير أممية وتحقيقات دولية في السلاح والذهب والمرتزقة والتمويل وشبكات النفوذ المرتبطة بالإمارات.

هذا لا يعني أن التحقيقات أثبتت أن كل اتهام جزائري كان صحيحًا، ولا أن الرئيس سمّى الإمارات رسميًا في كل تلك المناسبات؛ في الواقع، حافظ تبون طويلًا على عدم ذكرها بالاسم، رغم أن السياق وردود الفعل الإماراتية والقرارات الجزائرية اللاحقة لم تترك مجالًا واسعًا للالتباس. لكن وضع التصريحات على خط زمني واحد، ثم إسقاط ما تكشف لاحقًا من أدلة وتحقيقات فوقه، يُظهر أن الجزائر كانت تقرأ مبكرًا نمطًا وليس حادثة منفردة: رأس مال ضخم يتحرك خارج الحدود، موانئ وأصول استراتيجية، علاقات مع أطراف مسلحة، وأدوات أمنية ومالية تتجاوز بكثير مفهوم الاستثمار التقليدي.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

يناير 2024.. الإنذار خرج أولًا من مجلس الأمن الأعلى

البداية الرسمية لم تكن تصريحًا فرديًا من الرئيس. ففي 10 جانفي 2024، ترأس عبد المجيد تبون اجتماعًا للمجلس الأعلى للأمن خُصص للوضع الداخلي والتطورات الأمنية في الجوار والساحل، وانتهى البيان إلى التعبير عن الأسف إزاء «تصرفات عدائية» صادرة عن «بلد عربي شقيق» تجاه الجزائر، من دون تسمية ذلك البلد. وسائل الإعلام والمراقبون ربطوا الإشارة مباشرة بالإمارات. ولذلك ينبغي تسجيل هذه المحطة بصفتها أول إنذار مؤسساتي لا تصريحًا شخصيًا لتبون ضد أبوظبي.

كانت المنطقة في ذلك الوقت تتغير بسرعة. مالي أنهت عمليًا مسار اتفاق الجزائر، ليبيا بقيت منقسمة بين سلطات ومراكز قوة متنافسة، والسودان دخل منذ أفريل 2023 حربًا مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع. وفي الخلفية، كان الدعم الإماراتي السابق لمعسكر خليفة حفتر في ليبيا موثقًا منذ سنوات؛ فقد نقلت Human Rights Watch عن تقرير خبراء أمميين أن الإمارات كانت من الأطراف التي خرقت حظر السلاح الليبي، فيما وثق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية جسرًا جويًا إماراتيًا كبيرًا خلال حملة غرب ليبيا في 2020.

بذلك لم يكن القلق الجزائري منفصلًا عن وقائع المنطقة. الجزائر، التي تعتبر انهيار الدولة في ليبيا أو الساحل تهديدًا مباشرًا لحدودها، كانت ترى أن دخول قوى مالية وعسكرية خارجية إلى هذه الساحات يغيّر التوازنات المحيطة بها.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

مارس 2024.. تبون يرسم الخريطة: مالي، ليبيا، السودان

جاء التحول الحقيقي مساء 30 مارس 2024، عندما تحدث تبون للمرة الأولى علنًا وبالتفصيل عن الأزمة مع الدولة الخليجية المقصودة، مع الاستمرار في عدم تسميتها.

بدأ بنبرة أبقت الباب الدبلوماسي مفتوحًا، فقال إن الجزائر لا تستخدم العنف اللفظي وإنها ما تزال تعتبر الطرف الآخر «أشقاء»، لكنه انتقل سريعًا إلى الاتهام، فوصف التصرفات بأنها غير منطقية وربطها بـ«الغرور» وعدم تقبل أن ترفض الجزائر بعض الطلبات. ثم وضع خطًا أحمر: الجزائر «لا تنحني»، ومن يعتقد أنه يستطيع التعامل معها كما يتعامل مع دول أخرى «يخطئ».

غير أن العبارة الأكثر أهمية جاءت عندما قال: «في كل مكان يوجد فيه صراع، نجد أموال هذه الدولة: في مالي، في ليبيا، في السودان»، ثم ختم بأن الجزائر تريد التعايش السلمي لكن «للصبر حدودًا».

هذه الجملة هي مفتاح قراءة كل ما حدث بعد ذلك. فالرئيس لم يقل إن هناك خلافًا تجاريًا بين الجزائر والإمارات، ولم يركز على استثمار بعينه. وضع المال في صلب اقتصاد النزاعات: من يمول؟ من يتحالف مع من؟ من يستطيع عبر موارده المالية إعادة تشكيل التوازن داخل دولة ضعيفة؟

وكان الرد الإماراتي غير المباشر سريعًا. ففي 2 أفريل، كتب المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش عن «دولة شقيقة بعيدة» تستخدم التلميح والغمز تجاه الإمارات، وقال إن أبوظبي ستختار عدم الرد والصبر. وعلى الرغم من أن الطرفين حافظا على عدم تسمية بعضهما مباشرة، فقد أكد الرد عمليًا أن الرسالة فُهمت في أبوظبي باعتبارها موجهة إليها.

ثم بدأت الوقائع الدولية تضيف طبقات إلى التحذير الجزائري. بعد شهرين فقط، في ماي 2024، خلص تحقيق واسع لـSWISSAID إلى أن 435 طنًا من الذهب بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار خرجت من إفريقيا بصورة غير معلنة في 2022، وأن الإمارات كانت الوجهة الرئيسية، مستقبلة نحو 405 أطنان. وخلال العقد السابق، تجاوز الذهب الإفريقي غير المسجل في صادرات دول المنشأ الذي ظهر في واردات الإمارات 2500 طن بقيمة تفوق 115 مليار دولار. وردت أبوظبي بأنها شددت التشريعات والرقابة ولا يمكن تحميلها مسؤولية سجلات التصدير لدى الدول الأخرى.

هذه لم تكن بعد إجابة مباشرة عن مالي أو ليبيا أو السودان، لكنها كشفت البنية المالية الأوسع: دبي لم تعد فقط سوقًا للذهب، بل أصبحت ممرًا مركزيًا لثروة إفريقية يتسرب جانب ضخم منها خارج السجلات الرسمية لبلدانها الأصلية.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

2025.. من التحذير من دولة إلى التحذير من نموذج تدخل

بحلول أكتوبر 2025، أصبح خطاب تبون أكثر تحديدًا في الداخل الجزائري. ففي كلمة خلال زيارته إلى وزارة الدفاع، قال إن علاقات الجزائر جيدة مع دول الخليج «باستثناء دولة واحدة» رفض ذكر اسمها، ثم ربط المشكلة بالتدخل في الشؤون الداخلية ومحاولة «الخراب في بيتي» في مسائل قال إن الجزائر لم تسمح حتى لقوى كبرى بالتدخل فيها.

هنا تطورت الرسالة من اتهام تلك الدولة بالتدخل في صراعات الجوار إلى اتهامها بمحاولة نقل منطق التدخل إلى الداخل الجزائري نفسه.

وبعد شهر، في 11 نوفمبر 2025، استخدم تبون أثناء استقباله الرئيس الصومالي لغة أقل تلميحًا في الملف السوداني، فاعتبر أن السودان يعيش مأساة حقيقية بسبب «تدخلات سافرة تؤجج الفتنة»، ودعا إلى وقف تدخلات وصفها بأنها وخيمة العواقب ومتجاوزة لقواعد التعاون العربي والإفريقي. لم يسم الإمارات في ذلك التصريح أيضًا، لكن السياق أصبح أثقل بعدما كانت تقارير دولية قد بدأت تربط أبوظبي بصورة متزايدة بقوات الدعم السريع.

وبالفعل، كانت منظمة العفو الدولية قد وثقت في جويلية 2024 أسلحة ومعدات حديثة من عدة دول، بينها الإمارات، داخل حرب السودان. ثم رفعت المنظمة مستوى اتهامها في 8 ماي 2025 بعدما حللت ذخائر وقنابل موجهة ومدافع صينية، وخلصت إلى أن أسلحة متطورة «من شبه المؤكد» أنها أعيد تصديرها من الإمارات إلى قوات الدعم السريع، معتبرة ذلك خرقًا لحظر السلاح في دارفور. أبوظبي ظلت تنفي دعم أي طرف في الحرب.

أما القضية التي رفعها السودان ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، فتم شطبها في ماي 2025 لأن المحكمة لا تملك الاختصاص بسبب تحفظ إماراتي على بند الاختصاص في اتفاقية الإبادة الجماعية. وهذه نقطة حاسمة مهنيًا: المحكمة لم تبرئ الإمارات من الوقائع ولم تثبتها؛ قالت صراحة إنها غير قادرة على النظر في جوهر الاتهامات.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

ديسمبر 2025.. تونس تدخل دائرة الأمن الوطني الجزائري

في 30 ديسمبر 2025، توسع التصور الرئاسي من حماية الجزائر إلى حماية المجال الأمني المحيط بها. أمام البرلمان، حذر تبون من محاولات إثارة الاضطراب والفصل بين الجزائر وتونس، وأعاد التأكيد أن أمن البلدين مترابط وأن الجزائر نفسها لا تتدخل ولو «مثقال ذرة» في الشأن الداخلي التونسي.

لم يسم الرئيس الإمارات في هذا الموضع، ولذلك لا يصح إدراجه كاتهام مباشر لأبوظبي. لكنه مهم في الكرونولوجيا لأنه يوضح العقيدة التي كان يبني عليها خطابه: عدم التدخل ليس شعارًا تستعمله الجزائر ضد خصم بعينه، وإنما مبدأ تعتبره جزءًا من أمنها الإقليمي.

وبذلك صار الاصطدام مع أبوظبي أكثر وضوحًا. الجزائر ترى استقرار الدولة المجاورة أصلًا استراتيجيًا، بينما كانت تشك في شبكات خارجية تستخدم المال والتحالفات المحلية لتعديل موازين تلك الدول.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

فيفري 2026.. الاتهام ينتقل إلى الانتخابات والمال الاستثماري

في 7 فيفري 2026، انتقل تبون إلى مستوى غير مسبوق. خلال لقائه الدوري مع الصحافة، استعرض علاقات الجزائر الوثيقة مع السعودية والكويت وقطر ومصر، ثم قال إن هناك «دولة، حتى لا أقول دويلة» تختلف عنها الجزائر، واتهمها لأول مرة علنًا بمحاولة التدخل في الانتخابات الجزائرية، قائلاً إنها تدخلت في «الانتخابات الأولى ثم الثانية» وفي ملفات أخرى.

ثم فتح ملفًا اقتصاديًا أكثر حساسية: الاستثمار والتحكيم الدولي. فقد قال إن الطرف المقصود يهدد الجزائر بالتحكيم بسبب استثماراته، ورد بأن عليه الذهاب إلى التحكيم، قبل أن يختم بتحذير شديد: «لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه».

هذه اللحظة مهمة لأنها تكشف أن تصور تبون للخطر لم يعد محصورًا في تمويل النزاعات المسلحة. وفق الخطاب الرئاسي، باتت المسألة تشمل ثلاث أدوات مختلفة: التدخل السياسي، رأس المال، والضغط القانوني الدولي.

وفي اليوم نفسه تقريبًا انتقلت الجزائر من الكلام إلى الإجراء، وشرعت في إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013، مع إخطار الجانب الإماراتي ومنظمة الطيران المدني الدولي وفق الآليات القانونية. وأكدت رويترز القرار، مشيرة إلى أن تبون كان قد اتهم الدولة المقصودة بالتدخل وزعزعة الاستقرار.

هذا التزامن يعطي خطاب فيفري قيمة مختلفة عن تصريحات 2024: الجزائر أصبحت مستعدة لخفض امتيازات اقتصادية ثنائية عندما تعتبر أن كلفة العلاقة السياسية والأمنية تجاوزت فائدتها.

جويلية 2026.. أقسى عبارة: «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»

بلغ التصعيد ذروته في المقابلة الرئاسية التي بثت في 27 جويلية 2026.

هذه المرة وصف تبون الطرف المقصود بأنه «دولة صغيرة» ذات أثر «سلبي جدًا»، ثم أطلق العبارة الأكثر حدة في كل الكرونولوجيا: «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»، مضيفًا أن الجزائر تملك أدلة ولا تتحدث من فراغ.

ثم شرح سبب عدم قطع العلاقات بالكامل، قائلاً إن العالم العربي يعاني أصلًا انقسامات كثيرة وإن الجزائر لا تريد زيادتها، مضيفًا أنه لولا ذلك لقطعت العلاقات منذ زمن مع «هذه الدويلة» التي قال إنه لا يصدر عنها سوى «الإذلال والفتنة». وفي السياق نفسه، ربط أمن تونس مباشرة بأمن الجزائر وحذر من محاولات عزلها أو إدخال الإرهاب إليها.

يمكن قراءة هذه المرحلة بسهولة باعتبارها مجرد انفجار لغوي في أزمة دبلوماسية. لكن التوقيت يجعل القراءة أكثر تعقيدًا، لأن الأشهر والأسابيع السابقة واللاحقة حملت تحقيقات يصعب فصلها عن المفردات التي استخدمها الرئيس.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

ثم جاءت الوثائق: المرتزقة والسلاح ومسارات السودان

في ماي 2026، نشرت Human Rights Watch تحقيقًا موسعًا حول الكولومبيين الذين يقاتلون مع قوات الدعم السريع. وبحسب المنظمة، جرى تدريب مئات المتعاقدين على أيدي إماراتيين في منشآت عسكرية داخل الإمارات قبل إرسالهم إلى السودان، وظهرت شركة Global Security Services Group، ومقرها أبوظبي، في عملية التجنيد. الإمارات نفت ذلك بصورة صريحة وقالت إنها لا تسمح باستخدام أراضيها لتجنيد أو تدريب أو تمويل أو عبور مقاتلين إلى النزاعات الخارجية.

ثم جاءت Financial Times في أوت 2026 لتوسع الصورة بصورة كبيرة، مقدرة عدد الكولومبيين الذين وصلوا إلى السودان بنحو 2000 مقاتل، بعد تحليل شهادات ومسارات سفر وبيانات أجهزة ومواقع لوجستية عبر الإمارات وليبيا وبوصاصو في الصومال وتشاد. بعض هؤلاء تلقى، وفق التحقيق، تدريبًا على الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.

قبلها، كانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت في ديسمبر 2025 عقوبات على شبكة تجنيد كولومبية وفرت لقوات الدعم السريع مقاتلين ومدربين ومشغلي طائرات مسيرة ومدفعية، وحددت ضابطًا كولومبيًا متقاعدًا مقيمًا في الإمارات كعنصر مركزي. لكنها لم تنسب الشبكة رسميًا إلى الحكومة الإماراتية، وهو فارق يجب الحفاظ عليه.

وقبل المرتزقة، كان هناك مسار جوي آخر. فقد تتبعت رويترز في ديسمبر 2024 عشرات الرحلات من الإمارات إلى مطار أم جرس في تشاد، وهو خط قالت مصادر أممية ودبلوماسية إنه يثير شبهات بشأن إمداد قوات الدعم السريع، فيما أكدت الإمارات أن الرحلات إنسانية.

لذلك، عندما قال تبون في جويلية 2026 إن «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»، كانت أمامه بالفعل سنوات من الاتهامات الدولية المتراكمة؛ وما حدث بعد ذلك هو أن التحقيقات أصبحت أكثر تفصيلًا وأقرب إلى شبكات الأفراد والشركات ومسارات الحركة.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

مالي.. أخطر تقاطع مع تصريح مارس 2024

لكن أقوى اختبار لفكرة «الاستشراف» ربما لا يوجد في السودان، بل في مالي. في مارس 2024 وضع تبون مالي في أول قائمة الدول التي قال إن أموال الدولة التي يحذر منها توجد في نزاعاتها.

وفي أوت 2026، كشف تقرير لفريق خبراء يتابع القاعدة وتنظيم الدولة لحساب مجلس الأمن أن فدية بنحو 50 مليون دولار دفعت في أواخر 2025 لتحرير رهينة أسهمت بصورة رئيسية في تمويل هجوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، وذهب جزء منها إلى قيادة القاعدة وفروع أخرى. التقرير الأممي نفسه لم يسم الرهينة ولا الجهة التي دفعت المال. لكن ثلاثة مصادر إقليمية قالت لرويترز إن الدولة التي دفعت الفدية هي الإمارات، وإن مواطنًا إماراتيًا كان بين المفرج عنهم. أبوظبي لم تؤكد أو تنفِ الواقعة المحددة، وقالت إنها ثابتة في مكافحة الإرهاب وقطع تمويله.

وتتضاعف دلالة الرقم لأن الفدية المعتادة للأجانب، وفق المصادر التي تحدثت إليها رويترز، كانت غالبًا في نطاق 4 إلى 6 ملايين دولار؛ أما مبلغ 50 مليون دولار فقد وصفه الخبراء بأنه دفعة مالية غير عادية، وأكد التقرير الأممي أن الأموال لعبت دورًا رئيسيًا في تمويل الهجوم عبر مالي. كما ذكر أن تنظيم JNIM يضم ما بين 7000 و8000 مقاتل، نصفهم تقريبًا داخل مالي.

هنا يصبح التقاطع مع كلام تبون في 2024 شديد الحساسية: الرئيس حذر من «المال» تحديدًا في مالي، ثم تأتي بعد عامين وثيقة أممية تقول إن ضخًا ماليًا واحدًا بـ50 مليون دولار غيّر القدرة العملياتية لشبكة جهادية هناك، فيما تنسب مصادر إقليمية لرويترز الدفع إلى الإمارات.

هذا لا يحول المصادر الإقليمية إلى حكم قضائي ولا يجعل نسبة الدفع للإمارات حقيقة أممية؛ التقرير الأممي لم يسمها. لكنه يجعل التحذير الجزائري القديم أبعد بكثير من مجرد خصومة سياسية.

https://twitter.com/algatedz/status/2089325370273079652?s=46

ليبيا.. الساحة التي سبقت التحذير أصلًا

أما ليبيا، فقد كان المسار أكثر وضوحًا لأنه سابق لتصريحات تبون بسنوات. تقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وثقت الدعم الإماراتي للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر خلال الحرب على طرابلس، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والجسر الجوي والمعدات، بينما أشار تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى ما لا يقل عن 160 رحلة جوية من قواعد إماراتية إلى ليبيا ومصر بين جانفي وماي 2020 خلال التصعيد العسكري.

ولهذا عندما جمع الرئيس مالي وليبيا والسودان في جملة واحدة عام 2024، كانت ليبيا بالنسبة إلى المؤسسة الجزائرية نموذجًا قائمًا فعلًا لما يمكن أن يفعله التمويل الخارجي والسلاح والوكالة العسكرية في دولة مجاورة.

وزادت حساسية الملف في 2024 عندما تحركت قوات حفتر باتجاه غدامس والمناطق القريبة من الحدود الجزائرية والتونسية، ودفع ذلك تبون إلى التحذير من أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي إذا مُست مصالحها أو أمنها القومي.

الموانئ والذهب.. حين يصبح النفوذ اقتصاديًا قبل أن يصبح عسكريًا

غير أن قراءة تبون لا تكتمل إذا اختزلناها في المرتزقة والحروب. التحقيق الكبير الذي نشرته Financial Times في أوت 2026 رسم نموذجًا أوسع بكثير: أكثر من 168 مليار دولار من المشاريع الإماراتية المعلنة في إفريقيا منذ 2017، إلى جانب توسع في الموانئ والمعادن والأراضي الزراعية والطاقة واللوجستيك. الرقم يتعلق بإعلانات استثمارية وليس بالضرورة أموالًا نُفذت بالكامل، لكنه يعكس اتساع مجال الحركة الإماراتية.

القضية ليست أن الاستثمار في الميناء أو المنجم فعل عدائي؛ هذه أنشطة اقتصادية مشروعة تحتاجها إفريقيا. ما يثير التحفظ الجزائري هو تراكم القدرة على نقاط الاختناق نفسها: ميناء، ممر تجاري، مورد معدني، مركز مالي، ثم حضور أمني أو علاقات مع قوى محلية مسلحة.

والذهب يوفر أوضح مثال. فإذا كانت الإمارات أكبر مقصد للذهب الإفريقي غير المسجل في سجلات التصدير، فإن التأثير لا يقاس بما تملكه أبوظبي داخل المنجم فقط، بل بقدرتها على جعل دبي المكان الذي تتحول فيه المادة الإفريقية إلى مال عالمي قابل للتداول. وهذا يمنح المركز المالي نفوذًا على الاقتصاد المحيط بالثروة، لا على الثروة فقط.

وهنا كذلك ينبغي التعامل بحذر مع عبارة «شراء الذمم» المتداولة سياسيًا. لا توجد في المصادر التي راجعتها وثيقة تثبت أن الحكومة الإماراتية تعتمد دفع الرشى لمسؤولين أفارقة كسياسة دولة ممنهجة. الموجود أقوى في اتجاه آخر: تحقيق Dubai Unlocked الذي نسقته OCCRP مع أكثر من 70 مؤسسة إعلامية كشف أن سوق دبي العقارية استقطبت سياسيين وشخصيات متهمة بالفساد ومشتبهًا في غسل الأموال وأفرادًا خاضعين لعقوبات، مستفيدة من السرية المالية والضرائب المنخفضة وسوق العقار. هذا يثبت وجود بيئة شديدة الجاذبية للأموال والنخب، لكنه لا يسمح بتحويل كل علاقة إماراتية مع مسؤول إفريقي إلى «رشوة» بلا دليل.

وهذا التمييز مهم جدًا، لأن قوة الحجة الجزائرية لا تحتاج إلى مبالغة يمكن إسقاطها بسهولة.

حتى لندن.. مرتزق ممول إماراتيًا خارج ساحات إفريقيا

ثم جاء 19 أوت 2026 ليضيف بعدًا آخر لا يتعلق بإفريقيا أصلًا. تحقيق لـITV News كشف أن المتعاقد الأمني أبراهام غولان، الذي سبق أن ارتبط بعمليات استهداف في اليمن لصالح الإمارات، أدار في ديسمبر 2016 عملية مراقبة داخل لندن ضد الناشط البريطاني أنس التكريتي. واستند التحقيق إلى سجلات مالية ورسائل ومحادثات وشهادات، وقال إن غولان كان يتلقى أموالًا إماراتية خلال العملية، وإن الفريق صوّر منزل التكريتي وسيارته وحاول استدراجه عبر وسيط عرض عليه ما يصل إلى 100 ألف جنيه إسترليني. كما أظهرت السجلات، بحسب التحقيق، حصول غولان على مكافأة بمليون دولار قبل أسابيع من لندن عن عملية في اليمن.

التحقيق لم يثبت أن الحكومة الإماراتية أمرت مباشرة بقتل التكريتي، ولا أن أمرًا إماراتيًا صدر بتنفيذ العملية في لندن. وهذه حدود يجب الحفاظ عليها. لكن أهميته بالنسبة إلى الصورة الأكبر أنه يضيف مثالًا جديدًا على استخدام متعاقدين أمنيين ممولين إماراتيًا خارج الحدود التقليدية للدولة.

وحين يوضع إلى جانب ملف الكولومبيين في السودان، يصبح مفهوم «المرتزقة» أو الشركات العسكرية الخاصة جزءًا ثابتًا من النقاش حول أدوات القوة الإماراتية، وليس اتهامًا جزائريًا منفردًا.

من التحذير إلى العقيدة: لماذا تبدو قراءة تبون استشرافية؟

استشرافية خطاب تبون لا تأتي من أنه تنبأ بتقرير بعينه أو عرف مسبقًا ما ستنشره «فايننشال تايمز». القيمة توجد في شيء أدق: أنه حدد مبكرًا بنية الخطر التي ستصبح موضوع التحقيقات لاحقًا.

في مارس 2024 تحدث عن المال لا عن الجيش الإماراتي. ذكر مالي وليبيا والسودان لا خلافًا ثنائيًا اقتصاديًا محدودًا.

في أكتوبر 2025 انتقل إلى التدخل في الداخل. في نوفمبر أعاد التركيز على التدخلات التي تؤجج الحرب السودانية. في فيفري 2026 تحدث عن الانتخابات والاستثمار والتحكيم، أي أدوات النفوذ السياسي والمالي.

وفي جويلية 2026 انتهى إلى وصف أكثر شمولًا: أثر سلبي يرافقه الدم، مع تأكيد امتلاك الجزائر أدلة. وبموازاة تطور هذا الخطاب، كانت الأدلة الخارجية تتحرك في الاتجاه نفسه: ذهب بعشرات المليارات، أسلحة يقال إنها أعيد تصديرها إلى السودان، عشرات الرحلات الجوية المثيرة للشبهات، شبكة تجنيد كولومبية، نحو 2000 مقاتل، فدية هائلة مولت القاعدة في مالي، وموانئ واستثمارات ترسم خريطة نفوذ أوسع من حجم الدولة الخليجية نفسها.

ومع ذلك، تبقى هناك حدود للنتيجة الصحفية: الإمارات تنفي دعم قوات الدعم السريع، وتنفي السماح باستخدام أراضيها لتجنيد مرتزقة، وتدافع عن استثماراتها الإفريقية بوصفها شراكات تنموية واحترامًا لسيادة الدول. وردًا على سلسلة «فايننشال تايمز»، قالت وزارة الخارجية الإماراتية إن أبوظبي التزمت بأكثر من 110 مليارات دولار لمشاريع إفريقية بين 2019 و2023، منها نحو 70 مليارًا للتنمية والطاقة المتجددة.

لكن هذه الردود لم تعد كافية لإغلاق الملف، لأن مصدر الأسئلة لم يعد الجزائر وحدها.

الجزائر لم تكن تحذر من ثراء الإمارات.. بل من وظيفة المال

هنا تحديدًا توجد الخلاصة الأكثر أهمية في كرونولوجيا تبون. لم يعترض الرئيس على أن الإمارات دولة غنية، ولم يجعل حجم استثماراتها في إفريقيا موضوع المشكلة. الجزائر نفسها تبحث عن الاستثمار وتتعاون مع دول الخليج، وقد حرص تبون في كل مرة تقريبًا على الفصل بين خلافه مع الدولة المقصودة وعلاقاته الوثيقة مع السعودية وقطر والكويت وعُمان.

المشكلة في خطابه كانت دائمًا ماذا يفعل المال عندما يغادر الاقتصاد ويدخل السياسة الداخلية والحرب؟

فالمال الذي يبني مصنعًا أو ميناءً تجاريًا يمكن أن يخلق قيمة. لكن المال الذي يصل إلى فصيل مسلح أو يُضخ في فدية تعزز قدرة تنظيم إرهابي أو يمول شبكة مرتزقة أو يستخدم كورقة ضغط على القرار السيادي يدخل في معادلة أخرى تمامًا.

وهذه هي النقطة التي التقطها تبون مبكرًا. كما أنها تفسر لماذا تبدو المقاربة الجزائرية لإفريقيا معاكسة بنيويًا. الجزائر تراهن على مشاريع مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر، وعلى البنك الإفريقي للطاقة، وعلى الاستثمار في دول الساحل؛ وهي مشاريع ترتفع قيمتها عندما تستقر الدولة الجارة وتزداد قدرتها الاقتصادية. أما تحويل الدولة إلى ساحة صراع فهو، بالنسبة إلى الجزائر، خسارة مباشرة للأمن والتجارة والطاقة والحدود.

لذلك لم تكن عبارة «للصبر حدود» في مارس 2024 نهاية خطاب؛ كانت بداية كرونولوجيا تصاعدية. وبعدها بعامين جاءت العبارة الأشد: «أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم».

بين العبارتين تغيرت أشياء كثيرة: ظهرت بيانات الذهب، واتسع ملف السودان، ودخلت الأسلحة الصينية في التحقيقات، وفُرضت العقوبات على شبكات المرتزقة، وانكشف مسار الكولومبيين، وخرج تقرير أممي عن 50 مليون دولار أعادت تشكيل تمويل القاعدة في مالي، ثم جاءت «فايننشال تايمز» لتضع الموانئ والمناجم والذهب والقوة الأمنية داخل قصة واحدة.

لهذا لا تكمن قوة قراءة الرئيس عبد المجيد تبون في حدة كلماته، بل في أن الجغرافيا التي حذر منها في 2024 هي نفسها التي أصبحت في 2026 مسرحًا لأثقل التحقيقات الدولية حول النفوذ الإماراتي.

مالي: المال والقاعدة، ليبيا: السلاح وحفتر.، السودان: الذهب والأسلحة والمرتزقة، ودبي: المركز الذي تلتقي فيه التجارة والمال والثروات الإفريقية والنخب.

أما الجزائر، فكان موقفها منذ البداية واحدًا: لا أحد يشتري حقه في إعادة تشكيل جوارها، ولا يتحول الاستثمار إلى رخصة للتدخل في سيادة الدول.

وهذا ما يجعل كرونولوجيا تصريحات تبون اليوم أكثر من سجل لخلاف جزائري-إماراتي؛ إنها تبدو، بعد ما كشفته التحقيقات، سجلًا مبكرًا لمعركة أوسع حول من يملك القرار في إفريقيا: الدولة الإفريقية نفسها، أم رأس المال الخارجي عندما يتحول من شريك اقتصادي إلى أداة نفوذ؟

#الإمارات#الجزائر#تبون
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

بعد زيارة تبون إلى برلين.. الشركات الألمانية تتحرك لحجز موقع في صناعة الهيدروجين الجزائرية

بعد زيارة تبون إلى برلين.. الشركات الألمانية تتحرك لحجز موقع في صناعة الهيدروجين الجزائرية

بوابة الجزائر الإخبارية: بعد نحو شهرين فقط من الزيارة الرسمية التي قادت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى برلين، تتحرك الشركات الألمانية هذه المرة نحو الجزائر بحثًا عن موقع داخل المشاريع التي ستصنع الجيل المقبل من العلاقات الطاقوية بين البلدين. فمن 21 إلى 23 سبتمبر 2026، تستقبل الجزائر بعثة أعمال ألمانية موجهة مباشرة إلى الهيدروجين الأخضر وPower-to-X والتخزين والبنية التحتية، قبل انتقالها إلى تونس، في مهمة لا تكتفي بعرض التكنولوجيا الألمانية، بل تستهدف لقاء سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات، واستكشاف تشكيل تجمعات شركات للدخول مبكرًا في مشاريع ترتبط بممر «SoutH2» الممتد من شمال إفريقيا إلى قلب الصناعة الألمانية.

تبون في ألمانيا

الدلالة الاقتصادية للبعثة تتجاوز عدد الشركات المشاركة. فبرلين انتقلت في علاقتها الطاقوية مع الجزائر خلال فترة قصيرة من شراء الغاز إلى التفكير في تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي داخل الجزائر، وإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وتكييف خطوط الغاز، وتطوير قدرات الضغط والتخزين ونقل المنتج الجديد إلى أوروبا. وهذا التحول يعكس إلى حد بعيد الرهان الاستشرافي الذي تبناه الرئيس تبون على عدم التعامل مع الانتقال الطاقوي الأوروبي باعتباره تهديدًا مستقبلًا لعائدات الغاز الجزائرية، وإنما فرصة لكي تحتفظ الجزائر بمكانتها كمورد للطاقة حتى عندما تتغير طبيعة الطاقة التي تطلبها أوروبا.

والأهم أن الحركة الألمانية المقبلة ليست مجرد اهتمام نظري بالسوق. فالموقع الرسمي لمبادرة التصدير الألمانية للطاقة يصف الجزائر وتونس بأنهما توفران للشركات الألمانية فرص دخول وتعاون على امتداد سلسلة القيمة، فيما يتضمن برنامج الجزائر اجتماعات محددة مع سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات، ونقاشات حول مشروع تحليل كهربائي بقدرة 50 ميغاواط لإنتاج الأمونيا الخضراء في أرزيو، إلى جانب «SoutH2» وتكوين تحالفات لتطوير المشاريع.

وهذا يعني أن السوق الجزائرية تجاوزت بالنسبة إلى جزء من الشركات الألمانية مرحلة السؤال: «هل توجد فرصة للهيدروجين؟»، إلى سؤال أكثر تقدمًا: من سيحصل على العقود عندما تبدأ المشاريع في شراء أجهزة التحليل والضواغط والمضخات وأنظمة التخزين والتحلية والهندسة وخدمات التصديق؟

تبون نقل العلاقة مع ألمانيا من الغاز إلى صناعة طاقة جديدة

لفهم توقيت بعثة سبتمبر، ينبغي العودة إلى جويلية 2026 وليس إلى سبتمبر. ففي الثاني من الشهر، سلمت سوناطراك أول شحنة غاز طبيعي مسال جزائرية إلى ألمانيا عبر محطة «فيلهلمسهافن 1»، بعدما انطلقت الشحنة من مركب تمييع الغاز ببطيوة على متن الناقلة الجزائرية «تسالة». كانت العملية أول دخول مباشر للغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى السوق الألمانية، ورسالة عملية بأن سوناطراك قادرة على الوصول إلى أكبر اقتصاد أوروبي من خلال أكثر من قناة.

بعدها بأقل من أسبوعين، انتقل الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين في زيارة رسمية يومي 15 و17 جويلية، وتحولت الطاقة خلالها إلى أحد المحاور الثقيلة للشراكة الجديدة. وفي 16 جويلية، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بنفسه أن الجزائر أسهمت بصورة مهمة في أمن الطاقة الأوروبي، وذكّر بأنها ثاني أكبر مورد للغاز عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي، قبل أن يعلن رغبة برلين في دفع تصدير الهيدروجين من الجزائر إلى ألمانيا عبر الممر الجنوبي.

والأهم أن الزيارة لم تنته عند هذا الاعتراف السياسي بالمكانة الجزائرية. فقد خرجت بإعلان مشترك حول أجندة استراتيجية للشراكة الجزائرية-الألمانية وضع «SoutH2» في قلب التعاون الطاقوي طويل الأجل، إلى جانب Power-to-X والطاقات المتجددة وتوسيع الاستثمارات والتعاون التكنولوجي. وصنف الطرفان الممر باعتباره رابطًا مستدامًا بين الجزائر وألمانيا ضمن مشروع «Global Gateway» وطريق طاقوي أوروبي.

ثم جاءت العقود لتمنح هذا الاتجاه مادة صناعية واضحة. فخلال الزيارة نفسها، وقعت سوناطراك مع Bosch الألمانية بروتوكولًا يتجاوز شراء المعدات الجاهزة إلى دراسة فرص تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي وإنتاج الهيدروجين في الجزائر، مع نقل الخبرة والمعرفة التقنية. وهذا التفصيل شديد الأهمية؛ لأن القيمة الحقيقية للاقتصاد الجزائري لا تكمن في إنتاج الهيدروجين وحده، وإنما في توطين جزء من الصناعة التي تنتجه.

وفي المسار نفسه، وقعت سوناطراك مع Siemens Energy بروتوكولًا يغطي الهيدروجين الأخضر وحلول الضغط، إلى جانب صيانة وإصلاح المعدات والتكوين، ما يفتح مجالًا آخر لإدخال التكنولوجيا الألمانية في الصناعة الجزائرية ضمن علاقة تتضمن المعرفة والخدمات لا مجرد استيراد تجهيز نهائي.

أما VNG، التي أصبحت بالفعل أول شركة ألمانية تشتري الغاز الجزائري مباشرة بموجب عقد أبرم في 2024، فقد انتقلت العلاقة معها إلى مستوى أعلى. ففي جوان 2026 جدد الطرفان شراكتهما حول الهيدروجين الأخضر والأمونيا وخفض انبعاثات الميثان، ثم وقعا خلال زيارة الرئيس تبون عقدًا لزيادة إمدادات الغاز الجزائري إلى ألمانيا ابتداء من 1 جانفي 2027.

وبذلك تتضح الرؤية التي تتشكل بين الجزائر وبرلين: الغاز يؤمّن احتياجات ألمانيا الآن، والهيدروجين يُبنى ليحافظ على العلاقة الطاقوية نفسها بعد التحول الأوروبي نحو اقتصاد أقل كربونًا.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تظهر استشرافية خيارات الرئيس تبون. فالجزائر لم تنتظر تراجع الطلب الأوروبي على المحروقات التقليدية حتى تبدأ البحث عن البديل، وإنما تستخدم بنيتها الغازية ومكانتها الحالية لدى أوروبا لبناء السوق التي قد تحل تدريجيًا إلى جانب الغاز في العقود المقبلة.

ألمانيا تأتي إلى الجزائر قبل فتح سوق العقود

لهذا تحمل زيارة الشركات الألمانية المرتقبة في سبتمبر معنى مختلفًا. فالوفد لا يأتي بعد اكتمال المشاريع ليبحث عن مناقصة منشورة، بل يحاول الوصول إليها قبل مرحلة العقود.

وتؤكد مبادرة التصدير الألمانية للطاقة أن البرنامج سينطلق يوم 21 سبتمبر في الجزائر العاصمة بلقاء أعمال يجمع الشركات بفاعلين حكوميين وطاقويين وماليين وبحثيين، ثم ينتقل إلى اجتماعات أكثر تخصصًا مع المؤسسات الجزائرية. كما ينص البرنامج على مناقشة فرص تشكيل «Consortia»، أي تجمعات شركات يمكنها التقدم لاحقًا بحلول متكاملة بدل أن يعمل كل مورد بصورة منفصلة.

والسبب اقتصادي بحت. فمشروع الهيدروجين لا يحتاج إلى جهاز تحليل كهربائي فقط. قبل الوصول إلى كيلوغرام واحد من الهيدروجين التجاري، توجد كهرباء متجددة، ومياه، ومعالجة وتحلية، وربط كهربائي، ومحللات، وضواغط، وخزانات، وأنظمة مراقبة وأمان، وأنابيب، ومحطات قياس، ثم شهادات تثبت للمشتري الأوروبي منشأ الكهرباء وكثافة الانبعاثات.

لهذا تُجمع سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات داخل البرنامج نفسه. سونلغاز تمثل القاعدة الكهربائية والمتجددة. وسوناطراك تملك الخبرة الطاقوية والغازية وشبكات النقل والعلاقات التجارية مع أوروبا. وكوسيدار قنوات تمتلك قدرة تنفيذية في الأنابيب والمنشآت. أما منظومة التحلية الجزائرية فتمنح المشروع عنصرًا آخر شديد الحساسية، هو المياه.

وهذه الأخيرة أصبحت بحد ذاتها ورقة قوة جزائرية. فبرنامج الأمن المائي الذي أقره الرئيس تبون أنجز خمس محطات كبرى بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميًا لكل محطة ضمن البرنامج التكميلي الأول، بما مجموعه 1.5 مليون متر مكعب يوميًا، اعتمادًا بدرجة كبيرة على مؤسسات وخبرات وطنية. وقد دخلت محطة فوكة 2 مثلًا طاقتها الكاملة في جويلية 2025 بعد تدشينها من الرئيس تبون، بينما أطلقت الدولة لاحقًا برنامجًا تكميليًا ثانيًا لمحطات أخرى بالقدرة نفسها.

وتحمل هذه الخبرة قيمة مباشرة عند تطوير الهيدروجين، لأن توفير المياه ومعالجتها يصبح جزءًا من التصميم الصناعي للمشروع بدل أن يكون مشكلة منفصلة عنه.

بعد زيارة تبون إلى برلين.. الشركات الألمانية تتحرك لحجز موقع في صناعة الهيدروجين الجزائرية

15 ألف ميغاواط تضع قاعدة الكهرباء قبل الهيدروجين

تكتمل الحلقة بالطاقة الشمسية. فالجزائر تستهدف 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035، وشرعت سونلغاز بالفعل في إنجاز المرحلة الأولى بنحو 3200 ميغاواط موزعة على 14 ولاية. وتؤكد وزارة الطاقة أن هذا البرنامج يأتي في إطار التوجه الذي أعطاه الرئيس تبون لتسريع الانتقال الطاقوي ووضع الجزائر في موقع أقوى داخل أسواق الطاقة المستقبلية.

وهذه القدرة ليست منفصلة عن «SoutH2». فكلما انخفضت كلفة الكهرباء الشمسية الجزائرية، تحسنت اقتصاديات إنتاج الهيدروجين، لأن الكهرباء تمثل أحد أهم عناصر كلفة التحليل الكهربائي.

لذلك فإن الشركات الألمانية التي ستزور الجزائر لا تنظر إلى مشروع أنبوب وحده، وإنما إلى سوق محتملة تتكون أمامها تدريجيًا من محطات شمسية + تحليل كهربائي + مياه + هيدروجين + تخزين + أنابيب + تصدير.

وتؤكد تفاصيل البرنامج الألماني هذه النظرة؛ إذ يركز أحد الاجتماعات المقررة مع سوناطراك وسونلغاز على مشروع 50 ميغاواط في أرزيو لإنتاج الأمونيا الخضراء، وهو مشروع أشارت إليه كذلك تقارير قطاعية رسمية على أنه محطة شبه صناعية يجري الإعداد لها بدعم ألماني وأوروبي.

وللجزائر أيضًا مسار تعاون أقدم مع ألمانيا عبر برنامج TaqatHy، الذي يستهدف توسيع التعاون في الطاقات المتجددة والهيدروجين، إلى جانب مشروع تجريبي بقدرة 50 ميغاواط ودراسات مرتبطة بإنتاج الهيدروجين وتخزينه ونقله. وكانت سوناطراك قد أدرجت هذه المشاريع ضمن بناء تدريجي لشعبة الهيدروجين قبل أن يصل «SoutH2» إلى الزخم السياسي الحالي.

أي أن بعثة سبتمبر لا تبدأ قصة جديدة؛ إنها تأتي إلى سوق جرى إعداد عناصرها على مراحل.

3300 كيلومتر تجعل الجزائر بوابة الهيدروجين إلى ألمانيا

وتصل هذه السلسلة إلى مشروع «SoutH2»، الذي يمنح كل الاستثمارات السابقة سوقًا محتملة بهذا الحجم. الممر المخطط يمتد نحو 3300 كيلومتر من شمال إفريقيا عبر إيطاليا والنمسا إلى ألمانيا، ويستهدف نقل أكثر من أربعة ملايين طن من الهيدروجين المتجدد سنويًا. والأهم اقتصاديًا أن نحو 65 بالمائة من بنيته يفترض أن تعتمد على خطوط غاز قائمة يعاد تكييفها للهيدروجين بدل بناء الشبكة بالكامل من الصفر.

وهنا تمتلك الجزائر أفضلية يصعب تصنيعها سريعًا لدى منافس جديد: بنية غازية موجودة أصلًا وعقود من الخبرة في نقل الطاقة إلى أوروبا.

فالتحول من الغاز إلى الهيدروجين لا يبدأ من أرض فارغة. الجزائر تملك شبكات وخبرات تشغيل ومرافق تصدير، وتعرف شركاتها كيف تبيع الطاقة في أوروبا، فيما تملك الدول الواقعة على الممر الأوروبي شبكات تستطيع بدورها تحويل جزء منها إلى الهيدروجين.

لهذا أنشئ في أكتوبر 2024 تحالف ALTEH2A – Algeria to Europe Hydrogen Alliance بين سوناطراك وسونلغاز وVNG الألمانية وSnam وSeaCorridor الإيطاليتين وVerbund Green Hydrogen النمساوية، لإجراء الدراسات عبر سلسلة القيمة وتحديد جدوى إنتاج الهيدروجين الأخضر في الجزائر ونقله إلى أوروبا.

وفي نوفمبر 2025، انتقلت المجموعة إلى دراسة أكثر تفصيلًا للمواقع المحتملة للإنتاج في الجزائر ومسارات النقل والأسواق الأوروبية، فيما أعلن VNG أن الهدف هو اختبار إمكانية إنتاج الهيدروجين الجزائري بكميات كبيرة وبأسعار تنافسية وربطه بالصناعة الأوروبية عبر «SoutH2».

ثم جاء الدعم السياسي من الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، إضافة إلى إدراج أجزاء من الممر ضمن قائمة مشروعات المصلحة الأوروبية المشتركة. وفي نهاية 2025، وضعت المفوضية الأوروبية «SoutH2» ضمن الممرات التي تريد دفعها باعتبارها حلقة أساسية لربط الإنتاج في شمال إفريقيا بمراكز الاستهلاك الصناعي الأوروبي، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن السوق ما تزال تحتاج إلى خفض المخاطر الاستثمارية وتأمين الطلب والعقود.

وهذا التفصيل الأخير مهم: المشروع استراتيجي، لكنه لم يصل بعد إلى قرار استثمار نهائي شامل. ولذلك فإن المنافسة الحالية بين الشركات تدور على مواقعها داخل السلسلة قبل أن تبدأ المليارات في التحرك.

الجزائر تريد المصانع لا كتالوجات المعدات

هنا يصبح الاختبار الحقيقي بالنسبة إلى الجزائر واضحًا. القيمة ليست في عدد الوفود الألمانية التي تزور الجزائر، ولا في عدد مذكرات التفاهم التي يمكن توقيعها، وإنما في ما سيبقى داخل الاقتصاد الجزائري عندما تبدأ المشاريع.

وتمنح اتفاقية Bosch الأخيرة نموذجًا لما تستطيع الجزائر المطالبة به؛ فهي لا تتحدث فقط عن توريد أجهزة التحليل الكهربائي، بل تفتح الباب لدراسة تصنيعها داخل الجزائر. وهذا تحديدًا هو المسار القادر على تحويل الهيدروجين من مشروع تصدير إلى مشروع تصنيع.

فالفرق كبير بين أن تستورد الجزائر محللات وضواغط وخزانات بمليارات الدولارات لتصدر الهيدروجين، وبين أن تصبح جزءًا من سلسلة إنتاج هذه المعدات وأن توفر للشركات الوطنية عقود الهندسة والصيانة والتصنيع والخدمات.

كما أن بروتوكول Siemens Energy الذي يجمع التكوين والصيانة والضغط والهيدروجين يمنح إمكانية أخرى لتوطين المعرفة التقنية، بدل بناء منشآت تعتمد طوال عمرها التشغيلي على خبرات أجنبية مستوردة.

وهنا تظهر مرة أخرى مركزية النظرة الاقتصادية التي يدفع بها الرئيس تبون في الشراكات الجديدة: الجزائر لا تريد أن تكون مجرد مكان توجد فيه الشمس ثم يغادر منه الهيدروجين؛ المطلوب أن تتحول الطاقة إلى صناعة واستثمار وتكنولوجيا ووظائف وقيمة مضافة قبل وصولها إلى أوروبا.

وهذا الاتجاه ينسجم أيضًا مع التحول الأكبر في السياسة الاقتصادية الجزائرية، التي أصبحت ترفع سقف التفاوض مع الشركاء الأجانب نحو الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا والإدماج، بدل الاكتفاء بعلاقة المورد والمشتري.

ألمانيا تحتاج الجزائر اليوم وغدًا

وتمنح علاقة برلين بالجزائر لهذه المعادلة وزنًا إضافيًا. ألمانيا تحتاج اليوم إلى الغاز لتنويع إمداداتها. ولهذا بدأ VNG استيراده من سوناطراك، ووصلت أول شحنة LNG إلى الأراضي الألمانية في جويلية، ثم اتفق البلدان على زيادة الإمدادات في 2027.

لكن الاقتصاد الألماني يحتاج في الوقت نفسه إلى خفض انبعاثات صناعات ثقيلة يصعب تشغيلها بالكهرباء وحدها. وهنا يدخل الهيدروجين.

ولهذا لم يكن تصريح المستشار ميرتس خلال زيارة تبون عرضيًا عندما جمع في الخطاب نفسه بين الدور الجزائري في أمن الغاز الأوروبي وبين الرغبة في تطوير تصدير الهيدروجين من الجزائر. برلين تنظر إلى الجزائر باعتبارها شريكًا يمكنه أن يخدم مرحلتين من تحولها الطاقوي: الغاز خلال الانتقال والهيدروجين في الاقتصاد منخفض الكربون.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فالمعادلة أكثر طموحًا: الاحتفاظ بقيمة موقعها لدى أوروبا حتى عندما ينخفض الطلب على الوقود الأحفوري، مع استخدام السنوات التي ما يزال فيها الغاز مطلوبًا لبناء بنية تصدير جديدة.

وهذا ما يجعل رؤية الرئيس تبون استشرافية من المنظور الاقتصادي. فبدل المفاضلة بين المحروقات والطاقات الجديدة، يجري استخدام الأولى لتمويل وتأمين الانتقال نحو الثانية، مع المحافظة على سوناطراك في مركز العملية بدل بناء اقتصاد هيدروجين منفصل عن القوة الطاقوية الوطنية القائمة.

لذلك ستكون بعثة الشركات الألمانية في سبتمبر جزءًا من اختبار أكبر بكثير من لقاءات تجارية تستمر ثلاثة أيام.

فأمام الشركات الألمانية سوق تبدأ في التحول من الدراسات إلى التجهيزات، وأمام الجزائر فرصة لتحويل المنافسة بين موردي التكنولوجيا إلى تصنيع محلي ونقل معرفة وشراكات مع المؤسسات الجزائرية.

وبين أرزيو وبرلين يمتد رهان اقتصادي طويل: محطة 50 ميغاواط يمكن أن تكون بداية، و15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة توفر قاعدة أوسع، و«SoutH2» يمنح الإنتاج منفذًا يصل إلى الصناعة الأوروبية، فيما تمنح سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار والخبرة الجزائرية في التحلية والأنابيب الدولة أدوات تسمح لها بألا تبدأ من الصفر.

لهذا تبدو الحركة الألمانية المقبلة انعكاسًا لتغير موقع الجزائر في معادلة الطاقة الأوروبية أكثر من كونها مجرد بعثة تصدير. ألمانيا التي بدأت قبل عامين بشراء الغاز الجزائري مباشرة، ثم استقبلت أول شحنة LNG في 2026، تبحث اليوم مع الجزائر في تصنيع أجهزة الهيدروجين وبناء الممر الذي قد يحمل طاقة المستقبل إلى مصانعها.

وبقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، تبدو الجزائر أمام فرصة لتحويل هذا الاحتياج الأوروبي إلى ما هو أبعد من عقد تصدير جديد: بناء صناعة هيدروجين وطنية تجعل أوروبا تشتري الطاقة من الجزائر غدًا كما تشتري غازها اليوم، لكن بقيمة صناعية وتكنولوجية جزائرية أكبر مما كان عليه النموذج التقليدي لتصدير المحروقات.

#ألمانيا#الجزائر#الهيدروجين
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي