بوابة الجزائر الإخبارية: بعد نحو شهرين فقط من الزيارة الرسمية التي قادت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى برلين، تتحرك الشركات الألمانية هذه المرة نحو الجزائر بحثًا عن موقع داخل المشاريع التي ستصنع الجيل المقبل من العلاقات الطاقوية بين البلدين. فمن 21 إلى 23 سبتمبر 2026، تستقبل الجزائر بعثة أعمال ألمانية موجهة مباشرة إلى الهيدروجين الأخضر وPower-to-X والتخزين والبنية التحتية، قبل انتقالها إلى تونس، في مهمة لا تكتفي بعرض التكنولوجيا الألمانية، بل تستهدف لقاء سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات، واستكشاف تشكيل تجمعات شركات للدخول مبكرًا في مشاريع ترتبط بممر «SoutH2» الممتد من شمال إفريقيا إلى قلب الصناعة الألمانية.

الدلالة الاقتصادية للبعثة تتجاوز عدد الشركات المشاركة. فبرلين انتقلت في علاقتها الطاقوية مع الجزائر خلال فترة قصيرة من شراء الغاز إلى التفكير في تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي داخل الجزائر، وإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وتكييف خطوط الغاز، وتطوير قدرات الضغط والتخزين ونقل المنتج الجديد إلى أوروبا. وهذا التحول يعكس إلى حد بعيد الرهان الاستشرافي الذي تبناه الرئيس تبون على عدم التعامل مع الانتقال الطاقوي الأوروبي باعتباره تهديدًا مستقبلًا لعائدات الغاز الجزائرية، وإنما فرصة لكي تحتفظ الجزائر بمكانتها كمورد للطاقة حتى عندما تتغير طبيعة الطاقة التي تطلبها أوروبا.
والأهم أن الحركة الألمانية المقبلة ليست مجرد اهتمام نظري بالسوق. فالموقع الرسمي لمبادرة التصدير الألمانية للطاقة يصف الجزائر وتونس بأنهما توفران للشركات الألمانية فرص دخول وتعاون على امتداد سلسلة القيمة، فيما يتضمن برنامج الجزائر اجتماعات محددة مع سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات، ونقاشات حول مشروع تحليل كهربائي بقدرة 50 ميغاواط لإنتاج الأمونيا الخضراء في أرزيو، إلى جانب «SoutH2» وتكوين تحالفات لتطوير المشاريع.
وهذا يعني أن السوق الجزائرية تجاوزت بالنسبة إلى جزء من الشركات الألمانية مرحلة السؤال: «هل توجد فرصة للهيدروجين؟»، إلى سؤال أكثر تقدمًا: من سيحصل على العقود عندما تبدأ المشاريع في شراء أجهزة التحليل والضواغط والمضخات وأنظمة التخزين والتحلية والهندسة وخدمات التصديق؟
تبون نقل العلاقة مع ألمانيا من الغاز إلى صناعة طاقة جديدة
لفهم توقيت بعثة سبتمبر، ينبغي العودة إلى جويلية 2026 وليس إلى سبتمبر. ففي الثاني من الشهر، سلمت سوناطراك أول شحنة غاز طبيعي مسال جزائرية إلى ألمانيا عبر محطة «فيلهلمسهافن 1»، بعدما انطلقت الشحنة من مركب تمييع الغاز ببطيوة على متن الناقلة الجزائرية «تسالة». كانت العملية أول دخول مباشر للغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى السوق الألمانية، ورسالة عملية بأن سوناطراك قادرة على الوصول إلى أكبر اقتصاد أوروبي من خلال أكثر من قناة.
بعدها بأقل من أسبوعين، انتقل الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين في زيارة رسمية يومي 15 و17 جويلية، وتحولت الطاقة خلالها إلى أحد المحاور الثقيلة للشراكة الجديدة. وفي 16 جويلية، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بنفسه أن الجزائر أسهمت بصورة مهمة في أمن الطاقة الأوروبي، وذكّر بأنها ثاني أكبر مورد للغاز عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي، قبل أن يعلن رغبة برلين في دفع تصدير الهيدروجين من الجزائر إلى ألمانيا عبر الممر الجنوبي.
والأهم أن الزيارة لم تنته عند هذا الاعتراف السياسي بالمكانة الجزائرية. فقد خرجت بإعلان مشترك حول أجندة استراتيجية للشراكة الجزائرية-الألمانية وضع «SoutH2» في قلب التعاون الطاقوي طويل الأجل، إلى جانب Power-to-X والطاقات المتجددة وتوسيع الاستثمارات والتعاون التكنولوجي. وصنف الطرفان الممر باعتباره رابطًا مستدامًا بين الجزائر وألمانيا ضمن مشروع «Global Gateway» وطريق طاقوي أوروبي.
ثم جاءت العقود لتمنح هذا الاتجاه مادة صناعية واضحة. فخلال الزيارة نفسها، وقعت سوناطراك مع Bosch الألمانية بروتوكولًا يتجاوز شراء المعدات الجاهزة إلى دراسة فرص تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي وإنتاج الهيدروجين في الجزائر، مع نقل الخبرة والمعرفة التقنية. وهذا التفصيل شديد الأهمية؛ لأن القيمة الحقيقية للاقتصاد الجزائري لا تكمن في إنتاج الهيدروجين وحده، وإنما في توطين جزء من الصناعة التي تنتجه.
وفي المسار نفسه، وقعت سوناطراك مع Siemens Energy بروتوكولًا يغطي الهيدروجين الأخضر وحلول الضغط، إلى جانب صيانة وإصلاح المعدات والتكوين، ما يفتح مجالًا آخر لإدخال التكنولوجيا الألمانية في الصناعة الجزائرية ضمن علاقة تتضمن المعرفة والخدمات لا مجرد استيراد تجهيز نهائي.
أما VNG، التي أصبحت بالفعل أول شركة ألمانية تشتري الغاز الجزائري مباشرة بموجب عقد أبرم في 2024، فقد انتقلت العلاقة معها إلى مستوى أعلى. ففي جوان 2026 جدد الطرفان شراكتهما حول الهيدروجين الأخضر والأمونيا وخفض انبعاثات الميثان، ثم وقعا خلال زيارة الرئيس تبون عقدًا لزيادة إمدادات الغاز الجزائري إلى ألمانيا ابتداء من 1 جانفي 2027.
وبذلك تتضح الرؤية التي تتشكل بين الجزائر وبرلين: الغاز يؤمّن احتياجات ألمانيا الآن، والهيدروجين يُبنى ليحافظ على العلاقة الطاقوية نفسها بعد التحول الأوروبي نحو اقتصاد أقل كربونًا.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تظهر استشرافية خيارات الرئيس تبون. فالجزائر لم تنتظر تراجع الطلب الأوروبي على المحروقات التقليدية حتى تبدأ البحث عن البديل، وإنما تستخدم بنيتها الغازية ومكانتها الحالية لدى أوروبا لبناء السوق التي قد تحل تدريجيًا إلى جانب الغاز في العقود المقبلة.
ألمانيا تأتي إلى الجزائر قبل فتح سوق العقود
لهذا تحمل زيارة الشركات الألمانية المرتقبة في سبتمبر معنى مختلفًا. فالوفد لا يأتي بعد اكتمال المشاريع ليبحث عن مناقصة منشورة، بل يحاول الوصول إليها قبل مرحلة العقود.
وتؤكد مبادرة التصدير الألمانية للطاقة أن البرنامج سينطلق يوم 21 سبتمبر في الجزائر العاصمة بلقاء أعمال يجمع الشركات بفاعلين حكوميين وطاقويين وماليين وبحثيين، ثم ينتقل إلى اجتماعات أكثر تخصصًا مع المؤسسات الجزائرية. كما ينص البرنامج على مناقشة فرص تشكيل «Consortia»، أي تجمعات شركات يمكنها التقدم لاحقًا بحلول متكاملة بدل أن يعمل كل مورد بصورة منفصلة.
والسبب اقتصادي بحت. فمشروع الهيدروجين لا يحتاج إلى جهاز تحليل كهربائي فقط. قبل الوصول إلى كيلوغرام واحد من الهيدروجين التجاري، توجد كهرباء متجددة، ومياه، ومعالجة وتحلية، وربط كهربائي، ومحللات، وضواغط، وخزانات، وأنظمة مراقبة وأمان، وأنابيب، ومحطات قياس، ثم شهادات تثبت للمشتري الأوروبي منشأ الكهرباء وكثافة الانبعاثات.
لهذا تُجمع سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات داخل البرنامج نفسه. سونلغاز تمثل القاعدة الكهربائية والمتجددة. وسوناطراك تملك الخبرة الطاقوية والغازية وشبكات النقل والعلاقات التجارية مع أوروبا. وكوسيدار قنوات تمتلك قدرة تنفيذية في الأنابيب والمنشآت. أما منظومة التحلية الجزائرية فتمنح المشروع عنصرًا آخر شديد الحساسية، هو المياه.
وهذه الأخيرة أصبحت بحد ذاتها ورقة قوة جزائرية. فبرنامج الأمن المائي الذي أقره الرئيس تبون أنجز خمس محطات كبرى بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميًا لكل محطة ضمن البرنامج التكميلي الأول، بما مجموعه 1.5 مليون متر مكعب يوميًا، اعتمادًا بدرجة كبيرة على مؤسسات وخبرات وطنية. وقد دخلت محطة فوكة 2 مثلًا طاقتها الكاملة في جويلية 2025 بعد تدشينها من الرئيس تبون، بينما أطلقت الدولة لاحقًا برنامجًا تكميليًا ثانيًا لمحطات أخرى بالقدرة نفسها.
وتحمل هذه الخبرة قيمة مباشرة عند تطوير الهيدروجين، لأن توفير المياه ومعالجتها يصبح جزءًا من التصميم الصناعي للمشروع بدل أن يكون مشكلة منفصلة عنه.

15 ألف ميغاواط تضع قاعدة الكهرباء قبل الهيدروجين
تكتمل الحلقة بالطاقة الشمسية. فالجزائر تستهدف 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035، وشرعت سونلغاز بالفعل في إنجاز المرحلة الأولى بنحو 3200 ميغاواط موزعة على 14 ولاية. وتؤكد وزارة الطاقة أن هذا البرنامج يأتي في إطار التوجه الذي أعطاه الرئيس تبون لتسريع الانتقال الطاقوي ووضع الجزائر في موقع أقوى داخل أسواق الطاقة المستقبلية.
وهذه القدرة ليست منفصلة عن «SoutH2». فكلما انخفضت كلفة الكهرباء الشمسية الجزائرية، تحسنت اقتصاديات إنتاج الهيدروجين، لأن الكهرباء تمثل أحد أهم عناصر كلفة التحليل الكهربائي.
لذلك فإن الشركات الألمانية التي ستزور الجزائر لا تنظر إلى مشروع أنبوب وحده، وإنما إلى سوق محتملة تتكون أمامها تدريجيًا من محطات شمسية + تحليل كهربائي + مياه + هيدروجين + تخزين + أنابيب + تصدير.
وتؤكد تفاصيل البرنامج الألماني هذه النظرة؛ إذ يركز أحد الاجتماعات المقررة مع سوناطراك وسونلغاز على مشروع 50 ميغاواط في أرزيو لإنتاج الأمونيا الخضراء، وهو مشروع أشارت إليه كذلك تقارير قطاعية رسمية على أنه محطة شبه صناعية يجري الإعداد لها بدعم ألماني وأوروبي.
وللجزائر أيضًا مسار تعاون أقدم مع ألمانيا عبر برنامج TaqatHy، الذي يستهدف توسيع التعاون في الطاقات المتجددة والهيدروجين، إلى جانب مشروع تجريبي بقدرة 50 ميغاواط ودراسات مرتبطة بإنتاج الهيدروجين وتخزينه ونقله. وكانت سوناطراك قد أدرجت هذه المشاريع ضمن بناء تدريجي لشعبة الهيدروجين قبل أن يصل «SoutH2» إلى الزخم السياسي الحالي.
أي أن بعثة سبتمبر لا تبدأ قصة جديدة؛ إنها تأتي إلى سوق جرى إعداد عناصرها على مراحل.
3300 كيلومتر تجعل الجزائر بوابة الهيدروجين إلى ألمانيا
وتصل هذه السلسلة إلى مشروع «SoutH2»، الذي يمنح كل الاستثمارات السابقة سوقًا محتملة بهذا الحجم. الممر المخطط يمتد نحو 3300 كيلومتر من شمال إفريقيا عبر إيطاليا والنمسا إلى ألمانيا، ويستهدف نقل أكثر من أربعة ملايين طن من الهيدروجين المتجدد سنويًا. والأهم اقتصاديًا أن نحو 65 بالمائة من بنيته يفترض أن تعتمد على خطوط غاز قائمة يعاد تكييفها للهيدروجين بدل بناء الشبكة بالكامل من الصفر.
وهنا تمتلك الجزائر أفضلية يصعب تصنيعها سريعًا لدى منافس جديد: بنية غازية موجودة أصلًا وعقود من الخبرة في نقل الطاقة إلى أوروبا.
فالتحول من الغاز إلى الهيدروجين لا يبدأ من أرض فارغة. الجزائر تملك شبكات وخبرات تشغيل ومرافق تصدير، وتعرف شركاتها كيف تبيع الطاقة في أوروبا، فيما تملك الدول الواقعة على الممر الأوروبي شبكات تستطيع بدورها تحويل جزء منها إلى الهيدروجين.
لهذا أنشئ في أكتوبر 2024 تحالف ALTEH2A – Algeria to Europe Hydrogen Alliance بين سوناطراك وسونلغاز وVNG الألمانية وSnam وSeaCorridor الإيطاليتين وVerbund Green Hydrogen النمساوية، لإجراء الدراسات عبر سلسلة القيمة وتحديد جدوى إنتاج الهيدروجين الأخضر في الجزائر ونقله إلى أوروبا.
وفي نوفمبر 2025، انتقلت المجموعة إلى دراسة أكثر تفصيلًا للمواقع المحتملة للإنتاج في الجزائر ومسارات النقل والأسواق الأوروبية، فيما أعلن VNG أن الهدف هو اختبار إمكانية إنتاج الهيدروجين الجزائري بكميات كبيرة وبأسعار تنافسية وربطه بالصناعة الأوروبية عبر «SoutH2».
ثم جاء الدعم السياسي من الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، إضافة إلى إدراج أجزاء من الممر ضمن قائمة مشروعات المصلحة الأوروبية المشتركة. وفي نهاية 2025، وضعت المفوضية الأوروبية «SoutH2» ضمن الممرات التي تريد دفعها باعتبارها حلقة أساسية لربط الإنتاج في شمال إفريقيا بمراكز الاستهلاك الصناعي الأوروبي، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن السوق ما تزال تحتاج إلى خفض المخاطر الاستثمارية وتأمين الطلب والعقود.
وهذا التفصيل الأخير مهم: المشروع استراتيجي، لكنه لم يصل بعد إلى قرار استثمار نهائي شامل. ولذلك فإن المنافسة الحالية بين الشركات تدور على مواقعها داخل السلسلة قبل أن تبدأ المليارات في التحرك.
الجزائر تريد المصانع لا كتالوجات المعدات
هنا يصبح الاختبار الحقيقي بالنسبة إلى الجزائر واضحًا. القيمة ليست في عدد الوفود الألمانية التي تزور الجزائر، ولا في عدد مذكرات التفاهم التي يمكن توقيعها، وإنما في ما سيبقى داخل الاقتصاد الجزائري عندما تبدأ المشاريع.
وتمنح اتفاقية Bosch الأخيرة نموذجًا لما تستطيع الجزائر المطالبة به؛ فهي لا تتحدث فقط عن توريد أجهزة التحليل الكهربائي، بل تفتح الباب لدراسة تصنيعها داخل الجزائر. وهذا تحديدًا هو المسار القادر على تحويل الهيدروجين من مشروع تصدير إلى مشروع تصنيع.
فالفرق كبير بين أن تستورد الجزائر محللات وضواغط وخزانات بمليارات الدولارات لتصدر الهيدروجين، وبين أن تصبح جزءًا من سلسلة إنتاج هذه المعدات وأن توفر للشركات الوطنية عقود الهندسة والصيانة والتصنيع والخدمات.
كما أن بروتوكول Siemens Energy الذي يجمع التكوين والصيانة والضغط والهيدروجين يمنح إمكانية أخرى لتوطين المعرفة التقنية، بدل بناء منشآت تعتمد طوال عمرها التشغيلي على خبرات أجنبية مستوردة.
وهنا تظهر مرة أخرى مركزية النظرة الاقتصادية التي يدفع بها الرئيس تبون في الشراكات الجديدة: الجزائر لا تريد أن تكون مجرد مكان توجد فيه الشمس ثم يغادر منه الهيدروجين؛ المطلوب أن تتحول الطاقة إلى صناعة واستثمار وتكنولوجيا ووظائف وقيمة مضافة قبل وصولها إلى أوروبا.
وهذا الاتجاه ينسجم أيضًا مع التحول الأكبر في السياسة الاقتصادية الجزائرية، التي أصبحت ترفع سقف التفاوض مع الشركاء الأجانب نحو الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا والإدماج، بدل الاكتفاء بعلاقة المورد والمشتري.
ألمانيا تحتاج الجزائر اليوم وغدًا
وتمنح علاقة برلين بالجزائر لهذه المعادلة وزنًا إضافيًا. ألمانيا تحتاج اليوم إلى الغاز لتنويع إمداداتها. ولهذا بدأ VNG استيراده من سوناطراك، ووصلت أول شحنة LNG إلى الأراضي الألمانية في جويلية، ثم اتفق البلدان على زيادة الإمدادات في 2027.
لكن الاقتصاد الألماني يحتاج في الوقت نفسه إلى خفض انبعاثات صناعات ثقيلة يصعب تشغيلها بالكهرباء وحدها. وهنا يدخل الهيدروجين.
ولهذا لم يكن تصريح المستشار ميرتس خلال زيارة تبون عرضيًا عندما جمع في الخطاب نفسه بين الدور الجزائري في أمن الغاز الأوروبي وبين الرغبة في تطوير تصدير الهيدروجين من الجزائر. برلين تنظر إلى الجزائر باعتبارها شريكًا يمكنه أن يخدم مرحلتين من تحولها الطاقوي: الغاز خلال الانتقال والهيدروجين في الاقتصاد منخفض الكربون.
أما بالنسبة إلى الجزائر، فالمعادلة أكثر طموحًا: الاحتفاظ بقيمة موقعها لدى أوروبا حتى عندما ينخفض الطلب على الوقود الأحفوري، مع استخدام السنوات التي ما يزال فيها الغاز مطلوبًا لبناء بنية تصدير جديدة.
وهذا ما يجعل رؤية الرئيس تبون استشرافية من المنظور الاقتصادي. فبدل المفاضلة بين المحروقات والطاقات الجديدة، يجري استخدام الأولى لتمويل وتأمين الانتقال نحو الثانية، مع المحافظة على سوناطراك في مركز العملية بدل بناء اقتصاد هيدروجين منفصل عن القوة الطاقوية الوطنية القائمة.
لذلك ستكون بعثة الشركات الألمانية في سبتمبر جزءًا من اختبار أكبر بكثير من لقاءات تجارية تستمر ثلاثة أيام.
فأمام الشركات الألمانية سوق تبدأ في التحول من الدراسات إلى التجهيزات، وأمام الجزائر فرصة لتحويل المنافسة بين موردي التكنولوجيا إلى تصنيع محلي ونقل معرفة وشراكات مع المؤسسات الجزائرية.
وبين أرزيو وبرلين يمتد رهان اقتصادي طويل: محطة 50 ميغاواط يمكن أن تكون بداية، و15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة توفر قاعدة أوسع، و«SoutH2» يمنح الإنتاج منفذًا يصل إلى الصناعة الأوروبية، فيما تمنح سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار والخبرة الجزائرية في التحلية والأنابيب الدولة أدوات تسمح لها بألا تبدأ من الصفر.
لهذا تبدو الحركة الألمانية المقبلة انعكاسًا لتغير موقع الجزائر في معادلة الطاقة الأوروبية أكثر من كونها مجرد بعثة تصدير. ألمانيا التي بدأت قبل عامين بشراء الغاز الجزائري مباشرة، ثم استقبلت أول شحنة LNG في 2026، تبحث اليوم مع الجزائر في تصنيع أجهزة الهيدروجين وبناء الممر الذي قد يحمل طاقة المستقبل إلى مصانعها.
وبقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، تبدو الجزائر أمام فرصة لتحويل هذا الاحتياج الأوروبي إلى ما هو أبعد من عقد تصدير جديد: بناء صناعة هيدروجين وطنية تجعل أوروبا تشتري الطاقة من الجزائر غدًا كما تشتري غازها اليوم، لكن بقيمة صناعية وتكنولوجية جزائرية أكبر مما كان عليه النموذج التقليدي لتصدير المحروقات.

























