الأحد, 8 نوفمبر 2026 • 22:22 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يهنئ عبر حسابه الشخصي اتحاد الجزائر بتتويجه بكأس السوبر الإفريقي للمرة الثانية أزيد من نصف مليون طالب خارج مقاعد الدراسة في المغرب! شركة في قلب شبكة تتلاعب بقوت الجزائريين .. القضاء الجزائري يكشف تفاصيل مثيرة! مناورات باريس تنهار.. أمن الساحل لا يُدار من مكاتب الإليزيه وبروكسل! صادرات الحديد الجزائرية تتجاوز 39 مليون دولار.. مركب بلارة يعزز حضور الصناعة الوطنية في الأسواق العالمية الدرس الأمريكي والرهان الجزائري ..كيف تصنع الجاليات وزنها السياسي؟ الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من زعيم البوليساريو! مناورة عسكرية جزائرية إيطالية.. “ميداكس -إ-26” مجلس الوزراء الجزائري .. قرارات حاسمة لإعادة هيكلة قطاع الفلاحة وتعزيز الأمن الغذائي والصحي الموقف الإسباني وتوازنات القرار الدولي.. حدود الأحادية الأمريكية وأولوية الشرعية في الصحراء الغربية
شارك المقال

صادرات الجزائر تقتحم الأسواق الموريتانية.. اتفاقية جزائرية–موريتانية لنقل 100 ألف طن من مواد البناء بحرا

• الكاتب(ة): ب.خ • 0 تعليق • 191 مشاهدة
صادرات الجزائر تقتحم الأسواق الموريتانية.. اتفاقية جزائرية–موريتانية لنقل 100 ألف طن من مواد البناء بحرا

بوابة الجزائر الإخبارية: وقعت الشركة الجزائرية للنقل البحري «كنان الجزائر» اتفاقية نقل مع الشركة العربية للخدمات العامة «SAPS»، وذلك بمقر الشركة الجزائرية، حيث وقع الاتفاقية الرئيس المدير العام لـ«كنان الجزائر» محمد ميراوي، والمدير العام للشركة العربية للخدمات العامة سيدعثمان الشيخ ماء العينين.

صادرات الجزائر تقتحم الأسواق الموريتانية.. اتفاقية جزائرية–موريتانية لنقل 100 ألف طن من مواد البناء بحرا

وتنص الاتفاقية على نقل 100 ألف طن من مواد البناء الجزائرية إلى موريتانيا عبر الخط البحري الرابط بين موانئ البلدين، مع العمل على تطوير هذا الخط والانتقال به إلى رحلات شهرية منتظمة ودائمة، بما يمنح المتعاملين الاقتصاديين رؤية أوضح بشأن مواعيد الشحن ويضمن استقرارا أكبر في عمليات النقل.

ومن شأن انتظام الرحلات البحرية أن يدعم الصادرات الجزائرية من مواد البناء، ويسهّل وصولها إلى السوق الموريتانية، مع تقليص آجال النقل وتوفير خيارات أكثر تنافسية للمصدرين والمتعاملين الاقتصاديين.

حاويات مبردة لفتح مسار تجاري عكسي

ولا تقتصر الاتفاقية على نقل مواد البناء، إذ تتضمن أيضًا تعزيز الخط البحري بحاويات مبردة، استجابة لاحتياجات المتعاملين الناشطين في تجارة المنتجات التي تتطلب الحفاظ على سلسلة التبريد.ويتيح هذا المسار للمتعاملين الموريتانيين إمكانية تصدير المنتجات السمكية نحو السوق الجزائرية مباشرة عبر البحر، بما يساهم في تقليص تكاليف النقل واختصار مدة الرحلات، ويفتح في المقابل مجالا أمام زيادة حجم المبادلات التجارية بين البلدين.

وبذلك يكتسب الخط البحري الجزائري–الموريتاني بعدا تجاريا مزدوجا، من خلال نقل مواد البناء من الجزائر نحو موريتانيا، مقابل نقل المنتجات السمكية والسلع المبردة من موريتانيا نحو الجزائر، وهو ما يسمح بتحقيق تدفقات تجارية في الاتجاهين.

ويُنتظر أن يساهم هذا التوازن في رفع مردودية الخط البحري وتعزيز استدامته الاقتصادية، فضلا عن الحد من الرحلات ذات الحمولة غير المتوازنة، بما يجعل النقل البحري خيارا أكثر فعالية بالنسبة للمتعاملين في البلدين.

وتأتي هذه الاتفاقية كخطوة إضافية نحو تحويل الربط البحري بين الجزائر وموريتانيا إلى ممر تجاري منتظم ومستدام يخدم المصدرين والمستوردين، ويدعم توجه البلدين نحو رفع حجم المبادلات الثنائية وتوسيع حركة السلع، بما يعزز حضور الجزائر في السوق الموريتانية ويفتح أمامها آفاقا أوسع نحو أسواق غرب إفريقيا.

#الجزائر#موريتانيا
شارك المقال
الكاتب(ة)

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

بوابة الجزائر الإخبارية: 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا يمكن أن تعبر الصحراء من نيجيريا إلى الجزائر، وبنك إفريقي للطاقة برأسمال أولي قدره 5 مليارات دولار يقترب من دخول مرحلة التشغيل، و18 دولة منتجة تبحث عن رفع حصة شركاتها وكفاءاتها من الثروة الموجودة تحت أراضيها. هذه ليست مشاريع منفصلة، بل ملامح هندسة طاقوية إفريقية جديدة تتقدم فيها الجزائر من موقع يتجاوز دور المنتج والمصدر إلى موقع الدولة التي تملك البنية والخبرة والمبادرة والقدرة على ربط جنوب القارة بشمالها وأسواقها الخارجية .

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

ويحمل هذا التحول بصمة جزائرية واضحة. فالجزائر كانت واحدة من ثماني دول أسست سنة 1987 المنظمة التي أصبحت اليوم «منظمة منتجي النفط الأفارقة» APPO، ثم انتقلت المنظمة مطلع 2026 إلى قيادة الجزائري فريد غزالي، بينما دخل في جوان الماضي مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مرحلة تنفيذية جديدة بإطلاق أشغال جزئه الجزائري، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. وبعد عقود كان يُقاس فيها اندماج إفريقيا الطاقوي بحجم النفط الخام المغادر موانئها، أصبح الطموح يتجه إلى امتلاك التمويل، والأنابيب، والتكرير، والشركات، والتكنولوجيا، والمهارات التي تحتفظ بجزء أكبر من قيمة تلك الثروة داخل القارة.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

وتكشف الأرقام سبب استعجال هذا التحول. فبحسب APPO، تنتج إفريقيا نحو 12 بالمائة من النفط العالمي، لكنها تستورد أكثر من 60 بالمائة من المنتجات النفطية المكررة التي تستهلكها. أي أن جزءًا من القارة ما يزال يبيع الخام ثم يعيد شراء الوقود بعد إضافة قيمة التصنيع إليه خارج حدوده. كما سبق للمنظمة أن قدرت احتياطيات دولها بأكثر من 125 مليار برميل من النفط و650 تريليون قدم مكعب من الغاز، وهي مفارقة تجعل السيادة الطاقوية قضية إنتاج وتصنيع وتمويل قبل أن تكون مجرد امتلاك للموارد.

ومن هنا تكتسب خارطة الطريق التي يدفع بها غزالي أهميتها: تحويل APPO من إطار للتنسيق بين المنتجين إلى أداة لبناء اقتصاد طاقوي إفريقي متكامل، في وقت تتراجع فيه شهية مؤسسات مالية دولية لتمويل بعض مشاريع المحروقات، وتواجه دول القارة في الوقت نفسه حاجة ضخمة إلى الكهرباء والغاز والوقود والبنية التحتية.

الجزائر تقود المعادلة من نقطة قوة

بالنسبة إلى الجزائر، لا يبدأ الحديث عن «السيادة الطاقوية الإفريقية» من خطاب سياسي مجرد. فالبلاد تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الغازية تكاملًا في القارة، من الحقول والمعالجة إلى النقل والتسييل والتصدير، كما تملك خطين دوليين عاملين يربطانها مباشرة بالسوق الأوروبية، هما إنريكو ماتي نحو إيطاليا عبر تونس، وميدغاز نحو إسبانيا، بطاقة نقل إجمالية تبلغ نحو 43 مليار متر مكعب سنويًا وفق بيانات سوناطراك.

وهذه البنية هي تحديدًا ما يجعل الجزائر الحلقة التي يستطيع عندها الغاز القادم من جنوب الصحراء أن يتحول من مورد إفريقي داخلي إلى سلعة متصلة بشبكات السوق المتوسطية والدولية.

وقد انتقل هذا الدور من التخطيط إلى التنفيذ في 4 جوان 2026، عندما أطلقت الجزائر رسميًا أشغال الجزء الجزائري من أنبوب الغاز العابر للصحراء في أولف بولاية أدرار، بحضور وزراء الطاقة في الجزائر ونيجيريا والنيجر. وأكدت سوناطراك أن الخط داخل الجزائر سيتبع ممر الطريق العابر للصحراء من الحدود الجزائرية-النيجرية إلى المركز الوطني لتوزيع الغاز بحاسي الرمل. والأهم أن الشركة نسبت إطلاق الأشغال صراحة إلى تنفيذ توجيهات الرئيس عبد المجيد تبون المتعلقة بهذا المشروع الاستراتيجي.

قبل ذلك بيوم، كانت اللجنة الوزارية الثلاثية قد اعتمدت في الجزائر النسخة النهائية المحينة لدراسة الجدوى، ما نقل المشروع إلى وضع أكثر تقدمًا بعد سنوات طويلة ظل خلالها واحدًا من أكبر مشاريع الطاقة المنتظرة في إفريقيا.

ويبلغ طول الأنبوب المخطط نحو 4,128 كيلومترًا، بطاقة تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، ليربط نيجيريا بالنيجر ثم بحاسي الرمل الجزائرية. وتؤكد سوناطراك أن المشروع تديره إلى جانب NNPC النيجيرية وSONIDEP النيجرية، وأن الغاية الأساسية تتمثل في نقل الغاز النيجيري إلى المركز الجزائري ثم الاستفادة من شبكات التصدير القائمة نحو الأسواق.

وهنا يتضح أحد أهم المكاسب الاستراتيجية التي بنتها الجزائر على مدى عقود. فبين اكتشاف الغاز في نيجيريا ووصوله إلى المشتري الدولي توجد حلقات النقل والتشغيل والمعالجة والعبور وربط الشبكات. الجزائر تملك بالفعل الجزء المتقدم من هذه السلسلة، وهو ما يجعل موقعها الجغرافي أصلًا اقتصاديًا وليس مجرد نقطة عبور على الخريطة.

وتعكس إعادة بعث المشروع كذلك رؤية الرئيس تبون في تحويل العمق الإفريقي للجزائر إلى مساحة مشروعات ملموسة بدل إبقاء التعاون جنوب الصحراء محصورًا في التصريحات. فالأنبوب يسير داخل ممر جغرافي يتقاطع مع الطريق العابر للصحراء ومشروعات الاتصالات والتعاون مع النيجر ونيجيريا، بما يسمح ببناء محور اقتصادي يمتد من خليج غينيا إلى المتوسط.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

5 مليارات دولار لكسر عقدة التمويل

لكن الأنبوب وحده يكشف مشكلة أكبر: إفريقيا تمتلك الموارد، بينما تبقى قدرتها على تمويل استخراجها ونقلها وتصنيعها أقل كثيرًا من حجم ما يوجد في باطنها.

ومن هنا يأتي البنك الإفريقي للطاقة، الذي أنشأته APPO بالشراكة مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك». وقد صُممت المؤسسة الجديدة كبنك تنمية طاقوي عابر للحدود برأسمال أولي يبلغ 5 مليارات دولار، على أن يمول مشاريع النفط والغاز والطاقة عبر سلاسل المنبع والنقل والتحويل، مع تعبئة رؤوس أموال إضافية من القطاع الخاص.

ولم يعد المشروع في مرحلة الفكرة. ففي 2 فيفري 2026 سلمت الحكومة النيجيرية رسميًا مفاتيح مقر البنك في مركز التجارة الإفريقي بأبوجا إلى APPO وأفريكسيم بنك، بينما أكدت المنظمة في ماي أن الحد الأدنى المطلوب من مساهمات الدول الأعضاء تحقق، بما يسمح باستكمال إجراءات دخوله النشاط.

وفي جوان، حدد غزالي سبتمبر 2026 موعدًا مستهدفًا للإطلاق التشغيلي للبنك في أبوجا، ودعا الدول الأعضاء إلى استكمال تعبئة 500 مليون دولار من رأس المال التأسيسي، بالتوازي مع إعداد قائمة أولويات تشمل المصافي وأنابيب الغاز ومنشآت التخزين والبنية التحتية الطاقوية.

وبالتالي، فإن القارة تقترب من امتلاك مؤسسة تمويل صُممت أصلًا لمعالجة ما تعتبره APPO أحد أكبر الاختلالات البنيوية في قطاعها: مشروع إفريقي، وموارد إفريقية، وطلب إفريقي، لكن قرار التمويل كثيرًا ما يوجد خارج إفريقيا.

وهنا أيضًا تبرز أهمية المقاربة التي تدافع عنها الجزائر. فالسعي إلى الاستقلال في القرار الطاقوي لا يعني طرد رأس المال الأجنبي، وإنما منع تحوله إلى البوابة الوحيدة التي تحدد ما يمكن للقارة أن تنتجه ومتى وبأي شروط. وجود مؤسسة مالية إفريقية يرفع عدد الخيارات المتاحة للحكومات والشركات الوطنية ويقوي قدرتها التفاوضية أمام المؤسسات والممولين الدوليين.

كما أن تمويل مشروع مثل TSGP، أو شبكات التخزين والمصافي والربط العابرة للحدود، يختلف جذريًا عن تمويل حقل منفرد؛ لأن عائد تلك البنية يمتد إلى أكثر من دولة ويخلق سوقًا إقليمية بدل اقتصاد طاقة محلي معزول.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

من استخراج النفط إلى تصنيع الثروة

وتذهب الخطة التي وضعها الأمين العام الجزائري أبعد من إيجاد الأموال. ففي جانفي وفيفري 2026، جعل غزالي المحتوى المحلي أحد المحاور الرئيسية لولايته، محددًا هدفًا يصل إلى 50 بالمائة من المحتوى المحلي في قطاعات النفط والغاز الإفريقية بحلول 2030، مع إنشاء قاعدة بيانات إفريقية للشركات المؤهلة لربط الموردين المحليين بالمشاريع الكبرى.

وفي رؤيته الممتدة إلى 2035، طرح هدفًا أكثر طموحًا يتمثل في بلوغ حصة كبيرة للشركات الإفريقية في العقود التي تنفذها الشركات الدولية، إلى جانب التفكير في أدوات تمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الإفريقية. وهذه أهداف ورؤية طرحتها قيادة المنظمة وليست جميعها التزامات قانونية نافذة، لكنها تكشف الاتجاه الذي تريد APPO نقله إلى الدول الأعضاء.

اقتصاديًا، الفرق كبير. فإذا أنفقت دولة إفريقية مليار دولار على مشروع نفطي واستحوذت الشركات الأجنبية على معظم الهندسة والمعدات والحفر والصيانة واللوجستيك، يغادر جزء معتبر من القيمة إلى الخارج حتى عندما يبقى النفط نفسه مملوكًا للدولة.

أما رفع حصة الشركات المحلية في الهندسة والحفر والخدمات والتصنيع والنقل، فيحول الاستثمار ذاته إلى أجور داخلية، وعقود للمؤسسات الوطنية، وضرائب، وتكنولوجيا، وخبرة تراكمية يمكن استخدامها في مشروع لاحق.

والجزائر تمتلك هنا قاعدة يمكن للقارة الاستفادة منها؛ فسـوناطراك ليست شركة استخراج فقط، بل حولها منظومة تضم شركات للحفر والخدمات الجيوفيزيائية والهندسة والإنجاز والنقل. وقد بدأت هذه القدرات نفسها تتجه جنوبًا، إذ وقعت شركات تابعة لسوناطراك في 2 جوان 2026 ثلاث مذكرات تفاهم مع شركة SONIDEP النيجرية تشمل مجالات مرتبطة بالحفر والجيوفيزياء والخدمات النفطية.

وهكذا تصبح السياسة التي يقودها الرئيس تبون أكثر وضوحًا في بعدها الإفريقي: الجزائر لا تذهب إلى دول الجوار بالطاقة وحدها، بل تحاول تصدير الخبرة والمؤسسة والهندسة والتكوين، وهي مستويات تحتفظ بقيمة اقتصادية أكبر من بيع المادة الخام وحدها.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

السيادة تبدأ بالمهندس الإفريقي

كما يضع غزالي رأس المال البشري داخل المعادلة نفسها. ففي منتدى معاهد التكوين التابعة لـAPPO في جوان، شدد على ربط مؤسسات التدريب بين الدول الأعضاء، وتبادل المدربين والمتعلمين، وتطوير برامج مشتركة وشهادات متقاربة، مع إدخال الرقمنة ومتطلبات السلامة والانتقال الطاقوي إلى برامج التكوين.

والهدف الاقتصادي واضح: لا يمكن للدول أن تطالب بنسبة أكبر من المحتوى المحلي إذا لم تمتلك عددًا كافيًا من مهندسي المكامن والحفر والأنابيب والتكرير والأمن الصناعي والرقمنة القادرين على تنفيذ العقود.

ولهذا تنتقل السيادة في تصور المنظمة من ملكية البئر إلى ملكية المعرفة التي تشغله.

وتنسجم هذه المقاربة مع ما تملكه الجزائر من عقود طويلة في تكوين الكفاءات الطاقوية، وتمنحها فرصة إضافية لتحويل مدارسها ومعاهدها وشركاتها إلى مراكز إقليمية لاستقبال متدربين وخبراء أفارقة، بما يعزز النفوذ الاقتصادي الجزائري عن طريق المعرفة بدل الاقتصار على التجارة والاستثمار.

قواعد واحدة لسوق أكبر

وتبقى مشكلة أخرى أمام إفريقيا: حتى لو توفر المال والخبرة، فإن اختلاف القوانين والضرائب وإجراءات التراخيص من بلد إلى آخر يرفع كلفة أي مشروع عابر للحدود.

ولهذا جعلت APPO في 2026 تقريب القواعد والأكواد النفطية محورًا مستقلًا، مع مشروع لتطوير منتدى للهيئات التنظيمية الإفريقية ودفع الدول نحو أطر قانونية أكثر تقاربًا. وذهب غزالي إلى الدعوة لاعتماد أكواد أكثر انسجامًا خلال 12 شهرًا ضمن خارطة العمل التي عرضها في جوان.

وتمثل هذه النقطة أساسًا لأي سوق إفريقية حقيقية للطاقة. فأنبوب يمر بثلاث دول لا يمكن تشغيله بكفاءة إذا احتاج كل انتقال عبر الحدود إلى قواعد متناقضة للمواصفات والعقود والجمارك والتعرفة والعبور.

وإذا استطاعت الدول الـ18 الأعضاء في APPO تقريب جزء من تشريعاتها، فإن حجم السوق نفسه يصبح عنصر جذب للمستثمر بدل أن تكون كل دولة سوقًا منفصلة.

والمنظمة التي بدأت في 1987 بثمانية أعضاء، بينهم الجزائر، تضم اليوم 18 دولة كاملة العضوية: الجزائر وأنغولا وبنين والكاميرون والكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكوت ديفوار ومصر وغينيا الاستوائية والغابون وغانا وليبيا وناميبيا والنيجر ونيجيريا والسنغال وجنوب إفريقيا وتشاد، إلى جانب فنزويلا كعضو شرفي.

وهذا الانتشار يمنح APPO ثقلاً يمتد من شمال القارة إلى خليج غينيا والجنوب الإفريقي، ويجعل قدرتها على توحيد المعايير والتمويل والتكوين ذات أثر يتجاوز بكثير تنسيق مستويات إنتاج النفط.

#الأنبوب العابر للصحراء#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

بوابة الجزائر الإخبارية: ناقلة كبيرة كل شهر، وما يصل إلى 660 ألف طن من غاز البترول المسال سنويًا؛ بهذه الوتيرة تستعد الجزائر لنقل حضورها في السوق الهندية من شحنات متفرقة لا تتجاوز عشرات آلاف الأطنان إلى إمدادات منتظمة تضع سوناطراك أمام واحدة من أكبر فرص توسعها الآسيوي خلال السنوات الأخيرة. فالاتفاق الذي يجري استكمال ترتيباته مع «إنديان أويل»، أكبر شركة تكرير هندية، يقوم على شحن ما بين 45 ألفًا و55 ألف طن من البروبان والبيوتان شهريًا اعتبارًا من 2027، في سوق تضم قرابة 330 مليون اشتراك منزلي في غاز الطهي وتعتمد على الخارج لتغطية نحو ثلثي احتياجاتها.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

وبالنسبة إلى الجزائر، لا تكمن أهمية العملية في إضافة زبون جديد إلى قائمة سوناطراك، وإنما في الانتقال إلى مستوى آخر من إدارة الصادرات الطاقوية: تثبيت موطئ قدم منتظم في آسيا إلى جانب الثقل التاريخي في أوروبا والمتوسط، ورفع القدرة على توجيه الشحنات بين أكثر من سوق وفق الأسعار والطلب والمخاطر الجيوسياسية. وهي مقاربة تنسجم مع التوجه الأوسع الذي تقوده الجزائر بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لتعزيز حضور المؤسسات الوطنية في الأسواق الخارجية وترسيخ اقتصاد أكثر اندماجًا في محيطه الإقليمي والدولي. وقد ربطت السلطات الجزائرية رسميًا خلال 2026 بين هذا التوجه وبين التعليمات الرئاسية الخاصة بتوسيع النشاط الخارجي للمؤسسات الوطنية.

واللافت أن الجزائر لا تدخل هذه السوق من نقطة الصفر. فحسب ما رصدته «تادامسا نيوز»، عادت الشحنات الجزائرية إلى الهند منذ جوان 2026، بينما تشير تقديرات حركة أوت إلى إمكانية وصول قرابة 110 آلاف طن من غاز البترول المسال الجزائري خلال شهر واحد، وهو حجم يفوق بأكثر من الضعف مجموع ما سجلته الهند من واردات البروبان والبيوتان الجزائريين خلال سنة 2024 كاملة.

وهنا يظهر حجم التحول الحقيقي. فالجزائر التي كانت ترسل إلى الهند عشرات آلاف الأطنان سنويًا تستعد، إذا استكملت الصفقة وفق الكميات المتداولة، لإرسال حجم مماثل تقريبًا كل شهر. وبذلك لا تعود المسألة مجرد استئناف للتجارة، وإنما إعادة تموضع لمنتج جزائري داخل واحدة من أكبر أسواق الطاقة الاستهلاكية في العالم.

م ن 46 ألف طن في سنة إلى 55 ألفًا في شحنة واحدة

تكشف السلسلة التاريخية للمبادلات مقدار القفزة المنتظرة. ففي 2020 بلغت واردات الهند من البروبان الجزائري نحو 7,647 طنًا، إضافة إلى 13,927 طنًا من البيوتان، أي ما مجموعه 21,574 طنًا بقيمة تقارب 8.716 ملايين دولار. ثم ارتفعت الكمية في 2022 إلى 54,108.5 أطنان من المنتجين بقيمة تتجاوز 35.3 مليون دولار، قبل أن تتراجع الحركة في 2023 إلى شحنة مسجلة من البيوتان بنحو 5,014 طنًا.

وفي 2024 عاد النشاط إلى الارتفاع، فاستوردت الهند 23,617.9 طنًا من البروبان الجزائري و22,983.4 طنًا من البيوتان، ليصل الإجمالي إلى 46,601.3 طن بقيمة 32.816 مليون دولار. غير أن المقارنة مع الاتفاق الجاري إعدادُه تكشف أن تلك الأرقام أصبحت صغيرة نسبيًا: ناقلة واحدة عند سقف 55 ألف طن يمكن أن تحمل وحدها كمية أكبر من إجمالي واردات الهند الجزائرية المسجلة خلال 2024.

وإذا وصلت شحنات أوت الجاري بالفعل إلى نحو 110 آلاف طن، فإن الهند تكون قد استقبلت في شهر واحد ما يعادل 2.36 مرة وارداتها الجزائرية المسجلة في 2024، وأكثر من ضعفي الكمية المسجلة في 2022. وهذا التسارع يسبق أصلًا بدء العقد السنوي المحتمل في 2027.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

أما عند تحويل الترتيبات المتداولة إلى سنة كاملة، فتتضح القفزة بصورة أكبر. فاثنتا عشرة ناقلة بحمولة دنيا عند 45 ألف طن تعني 540 ألف طن سنويًا، بينما يرفع الحد الأعلى البالغ 55 ألف طن للشحنة إجمالي الكمية إلى 660 ألف طن، ويعطي المتوسط البالغ 50 ألف طن نحو 600 ألف طن في السنة.

وبذلك يمكن أن ترتفع الكمية التي تشتريها الهند من الجزائر إلى مستوى يعادل ما بين 11.6 و14.2 ضعفًا لما سجلته خلال 2024، وهي قفزة لا تحدث عادة من خلال عمليات السوق الفورية وحدها، بل تحتاج إلى انتظام لوجستي وقدرة إنتاجية ومصداقية كمورد قادر على احترام برنامج شهري.

وهذه النقطة تصب مباشرة في صالح سوناطراك، لأن العقد المنتظم يمنحها رؤية أوضح للمبيعات السنوية ويقلل اعتماد جزء من إنتاجها على اقتناص الشحنات الظرفية، فيما تحصل «إنديان أويل» في المقابل على مصدر إضافي خارج دائرة مورديها التقليديين.

الجزائر تفاوض بفائض تصديري لا بحاجة إلى سوق

وتزداد قوة الموقع الجزائري عند النظر إلى قاعدة الإنتاج نفسها. فالجزائر تنتج نحو 9 ملايين طن من غاز البترول المسال سنويًا، وتصدر قرابة 6 ملايين طن، ما يعني أنها تدخل السوق الهندية وهي تملك فائضًا تصديريًا قائمًا وقدرة على توزيع الكميات بين وجهات مختلفة.

وعند سقف 660 ألف طن، قد تستوعب الهند وحدها نحو 7.3% من الإنتاج الجزائري السنوي وما يقارب 11% من إجمالي صادرات غاز البترول المسال. وحتى عند الحد الأدنى للاتفاق، تبقى النسب في حدود 6% من الإنتاج ونحو 9% من الصادرات.

هذه الأرقام تمنح الصفقة وزنًا استراتيجيًا لأنها لا تضيف سوقًا هامشية إلى الخريطة الجزائرية، بل تستطيع أن تجعل الهند واحدة من الوجهات الرئيسية لهذا المنتج.

وتدخل الجزائر هذه المفاوضات أيضًا من قاعدة تجارية عالمية معتبرة. فقد بلغت صادراتها من البروبان في 2024 نحو 2.113 مليار دولار، فيما استورد الاتحاد الأوروبي وحده قرابة 1.937 مليون طن من البروبان الجزائري بقيمة تجاوزت 1.08 مليار دولار. وفي المقابل، لم تستورد الهند في العام نفسه سوى 23.6 ألف طن تقريبًا من البروبان الجزائري.

ومن ثم، فإن الاتجاه نحو نيودلهي لا يعني التخلي عن السوق الأوروبية التي بنت فيها الجزائر موقعًا قويًا، وإنما إضافة ذراع آسيوية إلى شبكة التصدير. وهذا يمنح سوناطراك مرونة أكبر عندما تتغير الأسعار أو هوامش التكرير أو تكاليف الشحن بين منطقة وأخرى.

وللغاز الجزائري سوابق آسيوية تؤكد إمكانية هذا المسار؛ فقد استوردت إندونيسيا خلال 2023 نحو 212,574 طنًا من البروبان الجزائري بقيمة تجاوزت 104 ملايين دولار. وبالتالي، فإن آسيا ليست سوقًا مجهولة بالنسبة إلى المنتج الجزائري، لكن الهند ترفع الرهان إلى مستوى مختلف بحكم حجمها واستمرارية استهلاكها.

وتكشف هذه القدرة على التنويع جانبًا من قوة السياسة الطاقوية الجزائرية في المرحلة الحالية. فسـوناطراك توسع بالتوازي حضورها الإفريقي والدولي، وهو توجه أكدته الشركة رسميًا في أوت ضمن استراتيجيتها للاستثمار والتوسع خارج الحدود. كما وقعت في جويلية عقدًا جديدًا لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي إلى السوق الألمانية ابتداء من 2027، في مؤشر على أن توسيع الموقع الآسيوي لا يأتي على حساب تثبيت الأسواق الأوروبية، وإنما ضمن انتشار جغرافي أوسع للصادرات الجزائرية.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

هرمز يعيد رسم الحسابات.. والجزائر تدخل في اللحظة المناسبة

وتأتي القفزة الجزائرية في توقيت أصبحت فيه الهند أكثر حساسية من أي وقت مضى تجاه تركز مصادر الإمداد. ففي 2025 بلغت مشترياتها من غاز البترول المسال القادم من الشرق الأوسط نحو 21.53 مليون طن، أي قرابة 90% من إجمالي الواردات، ما جعل سوقًا يزيد عدد مشتركيها على 300 مليون أسرة شديدة التعرض لأي اضطراب يصيب حركة الملاحة والطاقة في الخليج.

وتوضح أرقام الموردين حجم هذا التركيز. ففي 2024 اشترت الهند نحو 4.439 ملايين طن من البروبان من الإمارات، و2.601 مليون طن من قطر، و1.749 مليونًا من الكويت، و1.610 مليون طن من السعودية. وفي البيوتان بلغت مشترياتها من السعودية نحو 2.086 مليون طن ومن الكويت 1.846 مليون طن، بينما بقيت الكميات الجزائرية آنذاك في نطاق محدود جدًا.

ولهذا لا تتجه نيودلهي إلى الجزائر بهدف استبدال دول الخليج، وهو أمر لا توحي به الأحجام المقترحة أصلًا، وإنما لإدخال مصدر متوسطي كبير ومستقل جغرافيًا عن منطقة الخليج إلى مزيج الموردين.

وهذه النقطة تمنح الجزائر قيمة تتجاوز السعر. فسوناطراك تستطيع تحميل الشحنات من موانئ لا تعتمد على المرور عبر مضيق هرمز، وهو ما يوفر للمشتري الهندي خط إمداد جغرافيًا مختلفًا في لحظة أصبح فيها تنويع الطريق نفسه جزءًا من أمن الطاقة.

وفي الوقت نفسه، تظل المنافسة تجارية في النهاية. فالمسافة البحرية بين الجزائر والهند أطول من المسافة من عدد من موانئ الخليج، وبالتالي ينبغي للسعر عند ميناء الشحن أن يعوض جانبًا من فارق النقل والتأمين. وهنا تشير المعطيات المتداولة إلى أن الغاز الجزائري يُعرض بسعر تنافسي مقارنة بالمؤشر التعاقدي السعودي، وإن لم تُعلن نسبة الخصم الدقيقة.

وتنص الترتيبات المتداولة كذلك على صيغة FOB، أي أن سوناطراك تسلم الشحنة على متن الناقلة في ميناء التصدير، بينما يتولى المشتري الهندي عادة تكاليف النقل والتأمين بعد ذلك. وهذا يقلل تعرض الجانب الجزائري المباشر لتقلب تكلفة الرحلة البحرية، ويجعل السعر عند نقطة التحميل عنصر المنافسة الأساسي بالنسبة إلى سوناطراك.

وتظهر الأسعار المرجعية لأوت 2026 مستوى يناهز 540 دولارًا للطن من البروبان و570 دولارًا للطن من البيوتان. وإذا استخدمت هذه الأسعار لأغراض حسابية فقط، فإن قيمة 540 ألف طن قد تقترب من 291.6 مليون دولار عند السعر الأدنى، بينما قد تصل 660 ألف طن إلى نحو 376.2 مليون دولار عند السعر الأعلى، مع سيناريو وسطي يضع 600 ألف طن عند قرابة 333 مليون دولار.

غير أن هذه ليست قيمة العقد، لأن أسعار 2027 ومزيج البروبان والبيوتان والخصومات والشروط التجارية النهائية لم تعلن. لكنها تعطي مقياسًا تقريبيًا لحجم الصفقة: التعامل السنوي المحتمل قد يصبح أكبر بنحو 9 إلى 11 مرة من القيمة المسجلة في 2024.

330 مليون اشتراك.. الجزائر تدخل سوقًا لا يتوقف طلبها

أما الجانب الآخر من المعادلة فيوجد داخل الهند نفسها. فعدد الاشتراكات المنزلية النشطة في غاز البترول المسال بلغ نحو 329.995 مليون اشتراك في بداية أوت 2026، بينها حوالي 105.728 ملايين اشتراك مرتبطة ببرنامج حكومي لتوسيع وصول الأسر إلى غاز الطهي.

ويبلغ استهلاك البلاد نحو 33.15 مليون طن سنويًا في آخر سنة مرجعية متاحة، مع اعتمادها على الواردات لتغطية قرابة ثلثي الطلب. ولذلك تمثل الكمية الجزائرية المقترحة، بين 540 ألفًا و660 ألف طن، ما يقارب 1.6 إلى 2% من إجمالي الاستهلاك الهندي.

وقد تبدو النسبة صغيرة، لكنها ليست كذلك عند النظر إليها كمصدر جديد داخل مزيج توريد ضخم. فاستحواذ مورد واحد جديد نسبيًا على ما يصل إلى 2% من سوق تستهلك أكثر من 33 مليون طن يعني أن الجزائر تنتقل مباشرة إلى أحجام بمئات آلاف الأطنان، بدل قضاء سنوات في بناء حصة صغيرة بواسطة الشحنات المتقطعة.

كما أن الهند نفسها لا تراهن على الجزائر وحدها. فهي تتجه إلى شراء ما يصل إلى 25% من وارداتها من الولايات المتحدة خلال 2027، بالتزامن مع رفع إنتاج المصافي المحلية وتشجيع الغاز الموزع عبر الأنابيب، مع هدف معلن لإنتاج 63,810 أطنان يوميًا من غاز الطهي.

وهذا يجعل نجاح سوناطراك في دخول هذا المزيج أكثر دلالة. فالجزائر لا تستفيد من غياب المنافسة، بل تدخل سوقًا تملك خيارات خليجية وأمريكية ومحلية متعددة، ومع ذلك ترى أكبر شركة تكرير هندية قيمة في تثبيت إمداد جزائري شهري.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

من المتوسط إلى آسيا.. رؤية تبون توسع مجال سوناطراك

عند وضع المسار كاملًا في جدول زمني واحد، يظهر التحول بوضوح: 21.5 ألف طن في 2020، 54.1 ألف طن في 2022، 46.6 ألف طن في 2024، ثم احتمال 110 آلاف طن في أوت 2026 وحده، وصولًا إلى 540–660 ألف طن خلال 2027 إذا استكملت الصفقة وفق الصيغة المتداولة.

لكن أهمية القصة بالنسبة إلى الجزائر لا تُختزل في تصاعد الأعمدة داخل جدول الصادرات. إنها تكمن في الطريقة التي تستثمر بها الدولة قدرتها الإنتاجية وموقعها الجغرافي لتحويل الاضطرابات التي تواجه سوق الطاقة العالمية إلى فرص إضافية للمنتج الوطني.

وفي ظل قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، أصبحت مسألة ولوج المؤسسات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية جزءًا معلنًا من توجه اقتصادي أوسع يهدف إلى بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعًا واندماجًا دوليًا. وقد أكدت الحكومة هذا التوجه صراحة عند تنفيذ توجيهات الرئيس المتعلقة بتعزيز الانتشار الخارجي للمؤسسات الوطنية وتصدير الخبرة الجزائرية.

وفي قطاع الطاقة تحديدًا، تظهر سوناطراك اليوم قدرة متزايدة على التحرك في أكثر من اتجاه في اللحظة نفسها: تثبيت عقود في أوروبا، توسيع حضورها في إفريقيا، وفتح ممرات بيع منتظمة في آسيا. وهذا يعكس تحول المجمع من شركة ترتكز قوتها الخارجية أساسًا على قربها من أوروبا إلى مؤسسة طاقوية تبحث عن أفضل توزيع ممكن لإنتاجها بين القارات.

وهنا تكمن القيمة الاستشرافية للسياسة التي تدفع بها الجزائر: عدم رهن الطاقة الجزائرية بسوق واحدة، وعدم انتظار الزبون عند الميناء، وإنما الذهاب إلى الأسواق التي يتوسع فيها الطلب وبناء عقود طويلة الأجل معها من موقع المورد القادر على الاختيار.

فالهند، بما يقارب 330 مليون اشتراك منزلي، ليست مجرد مشترٍ آخر. إنها سوق يمكن أن تمنح سوناطراك حضورًا آسيويًا مستدامًا، فيما تمنحها الجزائر في المقابل موردًا كبيرًا خارج التركيز الجغرافي الخليجي.

وإذا تحولت المفاوضات الحالية إلى عقد نافذ في 2027، فإن أهم رقم لن يكون 660 ألف طن وحده، بل المسافة التي قطعتها الجزائر داخل السوق الهندية: من 46.6 ألف طن في عام كامل إلى ناقلة قد تحمل أكثر من ذلك في رحلة واحدة.

عندها تكون سوناطراك قد حققت ما هو أبعد من بيع كمية إضافية من البروبان والبيوتان؛ ستكون قد ثبتت للغاز الجزائري مكانًا شهريًا في واحدة من أكبر أسواق الطاقة في العالم، ورسخت قدرة الجزائر، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، على تحويل ثروتها الطاقوية من مصدر للإيرادات فقط إلى أداة حضور اقتصادي دولي تتوسع من المتوسط إلى إفريقيا وآسيا، بشروط تخدم المصلحة الوطنية وتزيد من وزن الجزائر في أسواق الطاقة العالمية.

#الجزائر#الهند
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

بوابة الجزائر الاخبارية: تقترب الجزائر من تعزيز حضورها في سوق الطاقة الآسيوية، مع استعداد شركة النفط الهندية “إنديان أويل” لإبرام اتفاقية جديدة مع شركة سوناطراك لاستيراد شحنات من غاز النفط المسال الجزائري خلال عام 2027، في خطوة من شأنها إعادة تنشيط التعاون التجاري بين الجانبين وفتح المجال أمام حضور أكبر للغاز الجزائري في السوق الهندية.

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

وتعتزم شركة “إنديان أويل”، أكبر شركات تكرير النفط في الهند، توقيع الاتفاق مع سوناطراك لاستيراد غاز النفط المسال، وفق بيانات اطّلعت عليها منصة “الطاقة”، وذلك في وقت تبحث فيه نيودلهي عن مصادر جديدة وموثوقة لتأمين احتياجاتها من هذا الوقود، في ظل اضطرابات متزايدة أثّرت في حركة التجارة عبر مضيق هرمز وانعكست على تدفقات الطاقة القادمة من منطقة الشرق الأوسط.

وبموجب الاتفاق المرتقب، من المنتظر أن تستورد “إنديان أويل” شحنة كبيرة من غاز النفط المسال شهريا، تتراوح حمولتها بين 45 ألفًا و55 ألف طن متري، أي ما يعادل نحو 330 ألفًا إلى 400 ألف برميل، من وقود يتكوّن بصورة رئيسة من البروبان والبيوتان.

وتكتسب الصفقة المرتقبة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، باعتبارها خطوة لتعزيز صادرات غاز النفط المسال نحو الهند، إحدى أكبر أسواق وقود الطهي في العالم، في ظل ارتفاع الطلب المحلي، ولا سيما في المناطق الريفية وبين الشرائح ذات الدخل المنخفض.

وكانت “إنديان أويل” ترتبط في وقت سابق باتفاقية طويلة الأجل مع سوناطراك، قبل أن تتجه لاحقًا إلى شراء احتياجاتها من منتجي الشرق الأوسط، بحسب ما أوردته وكالة “رويترز”.

وتبرز الأسعار كأحد عوامل الجذب أمام الغاز الجزائري، إذ تقل أسعار غاز النفط المسال الجزائري عن أسعار العقود المبرمة مع شركة أرامكو السعودية، في وقت يرتقب أن تُبرم الصفقة الجديدة بين “إنديان أويل” وسوناطراك على أساس التسليم على ظهر السفينة (FOB).

ولم تكن العودة الجزائرية إلى السوق الهندية مجرد احتمال مستقبلي، إذ بدأت الهند بالفعل استيراد غاز النفط المسال من الجزائر في يونيو 2026، بينما يُتوقع أن تستقبل نحو 110 آلاف طن من هذا الوقود خلال أغسطس، وفق بيانات تدفقات التجارة الأولية لمجموعة بورصة لندن.

وتأتي التحركات الهندية في ظل أزمة حادة في إمدادات غاز النفط المسال، تفاقمت عقب اندلاع الحرب ضد إيران في 28 فبراير الماضي، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وتعتمد الهند بدرجة كبيرة على واردات غاز النفط المسال القادمة من منطقة الخليج العربي، التي توفر نحو 60% من استهلاك البلاد من هذا الوقود.

كما يمر نحو 90% من واردات نيودلهي من غاز النفط المسال القادمة من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، وفق قاعدة بيانات منصة “الطاقة”.

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

ومع تنامي الطلب على وقود الطهي، بات تأمين إمدادات بديلة أولوية بالنسبة إلى الهند، إذ تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى اعتماد نحو 1.14 مليار شخص في البلاد على غاز النفط المسال في الطهي، أي ما يقارب ثلث إجمالي مستخدمي هذا الوقود حول العالم.

وتأتي الصين في المرتبة الثانية بنحو 700 مليون مستخدم، تليها إندونيسيا بنحو 251 مليون شخص، وفق بيانات عام 2025.

ودفعت أزمة الإمدادات الهند إلى زيادة مشترياتها من غاز النفط المسال الأميركي لتعويض النقص في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، بالتوازي مع تشجيع المستهلكين على التحول إلى استخدام الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب.

وتتجه نيودلهي كذلك إلى زيادة اعتمادها على الولايات المتحدة خلال عام 2027، مستهدفة شراء ما يصل إلى ربع وارداتها من غاز النفط المسال من السوق الأميركية.وفي السياق ذاته، يُتوقع أن تطرح شركات توزيع الوقود الهندية الثلاث المملوكة للدولة، وهي “إنديان أويل” و”هندوستان بتروليوم” و”بهارات بتروليوم”، مناقصة مشتركة لاستيراد غاز النفط المسال من الولايات المتحدة.

غير أن تحركات الهند لا تقتصر على السوق الأميركية، إذ تبرز الجزائر كأحد الموردين الرئيسيين لغاز النفط المسال المنقول بحرًا، بعدما جاءت في المرتبة الثانية عالميًا بين أكبر الداعمين لصادرات هذا الوقود خلال الأشهر الأخيرة، بعد الولايات المتحدة، إلى جانب كندا وماليزيا والسويد والأرجنتين.

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

وتستند الجزائر في تعزيز حضورها في السوق العالمية إلى مستويات إنتاج قوية من غاز النفط المسال، إذ واصلت تصدّر قائمة الدول الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول “أوابك” من حيث إنتاج هذا الوقود.

وبلغ إنتاج الجزائر من غاز النفط المسال نحو 293.8 ألف برميل يوميًا خلال عام 2024، وفق بيانات التقرير السنوي للمنظمة، بما يعزز قدرة البلاد على توسيع صادراتها والاستفادة من التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

حين تسأل الخوارزمية عن الجزائر.. من يملك الإجابة؟

بوابة الجزائر الإخبارية: تمتلك الجزائر 173,933 أطروحة نوقشت ومسجلة في البوابة الوطنية للأطروحات، إلى جانب أرشيف علمي وإداري وصوتي تراكم على مدى عقود، وقواعد بحثية محلية بدأت بالفعل في تعليم الآلة فهم الدارجة الجزائرية. لكن امتلاك هذه الذاكرة لا يعني أنها أصبحت مادة قابلة للاستخدام في بناء الذكاء الاصطناعي؛ فالوثيقة غير المفهرسة، والبيانات غير المحدثة، والمصدر الذي يتعذر التحقق منه، تظل خارج المجال الفعلي للخوارزمية مهما بلغت قيمتها.

وبين طموح بناء نموذج يستند إلى “بياناتنا الخاصة”، وتحذيرات الخبراء من ضعف الجودة وتشتت القواعد والتبعية الخوارزمية، يفرض التحقيق سؤالًا يتجاوز الإعلان عن نموذج وطني: هل تستطيع الجزائر أن تجعل المعرفة الأكثر دقة عنها هي أيضًا الأسرع وصولًا إلى الآلة، والأقدر على إثبات مصدرها وتاريخها؟

بدأت الإجابة تتخذ شكلًا مؤسساتيًا في 25 ماي 2026، عندما حدد مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي ثلاثة مرتكزات لبناء قدرة وطنية مستدامة: البيانات، والمنشآت الرقمية، والكفاءات البشرية. وبهذا انتقلت البيانات من كونها منتجًا جانبيًا للرقمنة أو ملفًا تقنيًا داخل الإدارة إلى أصل استراتيجي يقوم عليه مشروع الذكاء الاصطناعي الجزائري.

وفي الثامن من سبتمبر 2026، ترجمت الجزائر هذا التوجه إلى آليات تنفيذ، ففصلت بين حلقتين متكاملتين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: لجنة لـ”البيانات والهياكل القاعدية”، وأخرى مستقلة لـ”النماذج اللغوية الكبرى”. كما أنشأت لجانًا للتمويل والدكتوراه المتخصصة والتكوين المستمر، وأعلنت التوجه إلى إنشاء مركز وطني للبحث في الذكاء الاصطناعي والبيانات، وتطوير نظام جزائري متعدد القطاعات لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتكوين 50 ألف متخصص بحلول 2030. ويكشف هذا الفصل أن النموذج ليس نقطة البداية؛ فما لم تُبنَ قبله قاعدة بيانات موثوقة وبنية حسابية وكفاءات قادرة على تشغيلهما، سيظل الاسم وطنيًا فيما تعتمد المعرفة التي ينتجها على مصادر وأدوات خارجية.

غير أن إدراج البيانات في صلب الاستراتيجية لا يحسم المسألة الأصعب: ما حجم المادة الجزائرية الجاهزة فعلًا للاستخدام الآلي؟ فالفارق كبير بين امتلاك ملايين الوثائق والسجلات، وامتلاك رصيد معرفي منظم وموثق ومحدث، متوازن لغويًا، واضح الحقوق، وقابل للمعالجة والتدريب والاسترجاع. وبين الوثيقة المحفوظة والمعلومة التي تستطيع الخوارزمية العثور عليها وفهمها وإسنادها، تقع سلسلة كاملة من الرقمنة والتنظيف والفهرسة والربط والحوكمة والحماية.

لذلك لا يختبر هذا التحقيق قدرة الجزائر على جمع البيانات فحسب، بل يتتبع السلسلة التي تحول ذاكرتها إلى قوة معرفية: هل المادة موجودة؟ هل تبلغ الجودة التي تجعلها جديرة بالثقة؟ هل تستطيع القطاعات تبادلها واستغلالها؟ هل تظل بنيتها وخوارزمياتها تحت سيطرة وطنية؟ وهل يمكن تدقيق النتائج وإعادتها إلى مصادرها؟ عند اجتماع هذه الشروط فقط يصبح بناء ذكاء اصطناعي يعرف الجزائر من الجزائر نفسها مشروعًا قابلًا للتحقق، لا مجرد طموح تقني.

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

من المجلد إلى النموذج.. عبد المالك بشير يضع البيانات قبل الخوارزمية

قبل نحو نصف قرن، كان الوصول إلى المعرفة يمر عبر مسار ظاهر يستطيع القارئ تتبعه. ويروي الدكتور علي كحلان، في النص الذي انطلقت منه هذه المعالجة، أنه اشترى موسوعة “بريتانيكا” خلال دراسته في إنجلترا عام 1977، ثم اقتنى بعد عودته إلى الجزائر موسوعة “المعرفة” بالعربية. وبعد المجلدات، جاءت الأقراص المدمجة، ثم Google وWikipedia والهواتف الذكية، وصولًا منذ 2022 إلى تحول جوهري: لم يعد المستخدم مضطرًا إلى فتح المرجع والبحث داخله، بل أصبح يسأل نموذجًا لغويًا فيتلقى جوابًا مكتمل الصياغة.

لم يختصر هذا التحول زمن البحث فحسب، بل نقل إلى الآلة جانبًا من سلطة الاختيار والترتيب والتفسير. ففي الموسوعة، كان اسم المؤلف والطبعة والمراجع ظاهرًا أمام القارئ، أما النموذج اللغوي فيبني إجابته انطلاقًا من كميات هائلة من بيانات التدريب، وقد يدعمها بمصادر يسترجعها أثناء الاستخدام، من دون أن يكشف دائمًا المسار الذي قاده إليها. لذلك لم يعد السؤال مقتصرًا على صحة الإجابة، بل امتد إلى المادة التي صاغتها، والمصدر الذي جاءت منه، والمعايير التي قدمت معلومة على أخرى.

ويضع البروفيسور عبد المالك بشير، مدير المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي ENSIA، هذه المسألة في صميم الطموح الجزائري. ففي 12 فيفري 2026، أعلن أن الجزائر تطمح إلى تطوير نموذج “يحترم قيمنا”، ويُصمم محليًا “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة”. ولم يطرح بشير مصدر البيانات باعتباره تفصيلًا هندسيًا، بل أوضح أن مخرجات النماذج، ولا سيما في القضايا التي تتجاوز الحقائق المباشرة، تتشكل وفق المادة التي دُربت عليها.

وبهذا المعنى، لا تُقاس “جزائرية” النموذج بموقع الخادم أو جنسية فريق التطوير وحدهما. فإذا تعلم النظام تاريخ الجزائر واقتصادها وثقافتها ومجتمعها من مصادر خارجية، أو من قواعد قديمة وناقصة لا تمثل واقعها، فقد يكون النموذج محلي الاستضافة والتطوير، لكنه يواصل إنتاج معرفة بالجزائر صيغت خارجها. فتوطين التقنية لا يصحح تلقائيًا الاختلالات الموروثة من بياناتها.

ومن هنا تكتسب عبارة “بياناتنا الخاصة” مضمونها الحقيقي؛ فهي لا تعني مجرد تجميع الملفات، بل بناء رصيد وطني يشمل أحدث الإحصاءات والسجلات الإدارية، ويمتد إلى الأطروحات والكتب والأرشيف الصحفي والخرائط والوثائق التاريخية. كما تفرض تمثيل العربية والأمازيغية والدارجة والفرنسية، وتمكين الآلة من التمييز بين الرقم الساري والرقم المتجاوز، وبين الوثيقة الأصلية والنقل الثانوي، وبين النص النافذ وما لحقه من تعديل.

وعند هذه النقطة يلتقي طموح بشير مع تحذير علي كحلان؛ فالخلل قد يبدأ قبل تدريب النموذج. إذ لا يكفي أن تكون المعرفة الجزائرية موجودة ماديًا إذا ظلت حبيسة أرشيف غير مفهرس، أو وثيقة يتعذر البحث داخلها، أو رابط غير مستقر، أو قاعدة لا تسمح بالاكتشاف الآلي. ففي البيئة الرقمية، لا يضمن وجود المصدر حضوره؛ وما لا تستطيع محركات البحث وأنظمة الاسترجاع العثور عليه يكاد يصبح، بالنسبة إلى الخوارزمية، معرفة غير موجودة.

لكن قابلية الاكتشاف ليست سوى الشرط الأول. فقد تصل الآلة إلى المادة، من دون أن تكون هذه المادة دقيقة أو محدثة أو متجانسة أو قابلة للتحقق. وهنا تبدأ الحلقة الثانية في سلسلة بناء الذكاء الاصطناعي الجزائري: جودة البيانات..

173,933 أطروحة.. حسين درار ينقل النقاش من «كم نملك؟» إلى «ما جودة ما نملك؟»

من حيث الحجم، لا تبدأ الجزائر من فراغ. فبوابة PNST الوطنية التابعة لمركز البحث في الإعلام العلمي والتقني CERIST تعرض، في إحصاءاتها الحالية، 173,933 أطروحة مناقشة، فيما سجلت بين 2016 و2026 ما مجموعه 47,754 موضوع أطروحة. والبوابة لا تؤدي وظيفة الفهرسة فقط؛ فهي تنص على أن أحد أهدافها ضمان الأرشفة الدائمة للأطروحات وإبراز البحث العلمي الجزائري، كما تسمح آليتها بإيداع النسخة الإلكترونية وربطها بالفهرس المشترك الجزائري.

إلى جانب ذلك، تدير الجزائر بنى علمية أخرى مثل ASJP، فضلًا عن مخزون ضخم موزع بين الجامعات والمخابر والإدارات والمكتبة الوطنية والأرشيف ووسائل الإعلام. وتُظهر النسخة الأساسية من التحقيق أيضًا تفاوتًا في نضج الرقمنة بين القطاعات؛ ففي 2026 أُعلن استكمال رقمنة الأرشيف الإذاعي، فيما كانت مؤسسات أخرى لا تزال توسع عمليات الفهرسة والوصف والمعالجة الرقمية.

إذن، السؤال الأول يمكن الإجابة عنه بدرجة معتبرة من اليقين: المادة موجودة. لكن ذلك لا يعني أنها جاهزة للتعلم الآلي.

وهنا يضع حسين درار، الأستاذ الباحث والخبير في الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات، خطًا فاصلًا بين وجود البيانات وصلاحيتها. ففي مداخلته خلال المنتدى الجزائري للإدماج المالي في 18 ماي 2025، حدد ثلاثة أعمدة لإنشاء بيئة تسمح بتطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية: الكفاءات البشرية، توافر البيانات ذات الجودة، والسيادة الرقمية. ولم يضع «الجودة» في مستوى ثانوي بعد التكنولوجيا؛ بل جعلها أحد الشروط الثلاثة التي لا تقوم المنظومة من دونها.

أهمية هذا الموقف أنه يمنع تحويل الأرقام الكبيرة إلى مؤشر مضلل على الجاهزية. فوجود 173 ألف أطروحة، مثلًا، يثبت أن الجزائر تملك رصيدًا علميًا مهمًا، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة التي يحتاج إليها مهندس بيانات: كم من النص الكامل قابل للاستخراج آليًا؟ ما اللغات المستخدمة؟ كم من الوثائق يحمل ترميزًا ووصفًا موحدًا؟ وما حقوق إعادة الاستخدام في التدريب؟ وهل توجد نسخ متعددة من المادة نفسها؟ وهل البيانات حديثة ومتكاملة؟

الجودة هنا لا تعني «الصحة» فقط. فقد يكون الرقمان صحيحين، لكن أحدهما يعود إلى 2020 والآخر إلى 2026. وإذا لم يعرف النظام زمن كل واحد منهما، يستطيع أن يقدم حقيقة تاريخية باعتبارها وصفًا للحاضر. وقد تكون قاعدتان صحيحتين في مؤسستين مختلفتين، لكن كل واحدة تستخدم تعريفًا آخر للمؤشر نفسه؛ وعند دمجهما آليًا يظهر تناقض لم يكن موجودًا في الأصل.

وهذا ما يجعل عبارة درار عن «البيانات ذات الجودة» متقاطعة مع تعريف الدولة نفسها للجودة في المرسوم الرئاسي الخاص بحوكمة البيانات. فالمرسوم رقم 25-320 الصادر في 30 ديسمبر 2025 يعرّف جودة البيانات من خلال مطابقتها للواقع، واكتمالها، وتناسقها داخل النظام وبين الأنظمة المختلفة، وتوفرها في الوقت المناسب وفي صيغة محدثة. أي إن الإطار القانوني الجزائري بات يضع الحداثة والتناسق والاكتمال داخل تعريف الجودة نفسه.

لكن حتى البيانات النظيفة والمحدثة لا تصبح ذات قيمة قصوى إذا بقيت موزعة داخل قواعد معزولة. ومن هنا ينتقل التحقيق من الجودة إلى التشغيل البيني.

يونس غرار.. من «الجزر الرقمية» إلى بيانات تستطيع القطاعات استخدامها

في 10 فيفري 2026، قدم يونس غرار، الخبير والمستشار في تكنولوجيات الإعلام والمعرفة، تشخيصًا يكشف بدقة المسافة بين رقمنة القطاعات وبناء دولة قائمة على البيانات. فقد أشار إلى أن قطاعات متعددة قطعت أشواطًا في رقمنة نشاطها، لكنها ظلت في كثير من الأحيان تحتفظ بقواعدها الخاصة، فيما لا يعني ذلك أن البيانات تنتقل بسهولة بين القطاعات أو يمكن دمجها في منظومة واحدة. ولذلك ربط نجاح التحول الرقمي بجمع البيانات وتنظيمها وتأمينها وجعلها سهلة الاستغلال.

أهمية طرح غرار أنه ينقل المشكلة من «هل المعلومات موجودة؟» إلى «هل يمكن جعلها تعمل معًا؟». ففي مشروع ذكاء اصطناعي يريد تحليل سوق العمل، مثلًا، لا تكفي قاعدة دقيقة في قطاع التشغيل إذا لم يكن من الممكن ربطها ببيانات التكوين والتعليم والتوزيع الجغرافي والقطاع الاقتصادي. وكلما زاد عدد القواعد غير المتوافقة، تحول التراكم الرقمي من مورد إلى تكلفة دمج وتنظيف إضافية.

لهذا يصبح التشغيل البيني أكثر من مصطلح تقني. وهو تحديدًا ما تحاول المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات معالجته. فالمرسوم 25-320 أنشأ آليات موحدة لتنظيم البيانات وإدارتها وتبادلها، فيما توضح المحافظة السامية للرقمنة أن المنظومة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: مرجع لتصنيف البيانات بحسب حساسيتها، ومرجع لفهرسة مصادرها وتوحيد وصفها وتحسين جودتها والحد من تعدد النسخ، ثم نظام وطني للتشغيل البيني يسمح بتبادلها في بيئة مؤمنة.

وتضيف البنية التقنية عنصرًا آخر هو شبكة IRIES السيادية المؤمنة، التي تقدمها المحافظة السامية للرقمنة بوصفها قناة الربط بين الإدارات والهيئات ومراكز البيانات الوطنية، بعيدًا عن الإنترنت العمومي، وبهدف ضمان تبادل موثوق ومنظم للبيانات.

لكن هذا التقدم لا ينبغي الخلط بينه وبين اكتمال المادة اللازمة للذكاء الاصطناعي. فأن تتمكن إدارتان من تبادل سجلاتهما آليًا شيء، وأن تصبح هذه السجلات corpus يمكن تدريب نموذج لغوي عليه شيء آخر. إذ تظل هناك أسئلة الخصوصية، والترخيص، وإخفاء الهوية، والتمثيل اللغوي، وتحديد ما يمكن استخدامه في التدريب وما ينبغي أن يبقى في بيئة مغلقة.

وهنا يتغير السؤال مرة أخرى. فإذا نجحت الجزائر في جعل البيانات قابلة للتبادل والاستغلال، فكيف تمنع أن تتحول سهولة الاستخدام إلى فقدان للسيطرة أو إلى احتكار للقيمة؟

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

سهيل قسوم.. البيانات ليست للحبس ولا للتسليم

هذه المعضلة هي التي يضعها سهيل قسوم، خبير الرقمنة ورئيس الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل المواطنين، في صياغة اقتصادية واضحة. ففي حديثه في فيفري 2026 عن منظومة حوكمة البيانات، ربط الوصول إلى معلومات موثوقة بتحسين اتخاذ القرار، وتوقع الطلب، ورفع الإنتاجية، وتمكين المؤسسات الصغيرة والناشئة من تطوير حلول محلية قد تتحول إلى منتجات قابلة للتصدير.

غير أن قسوم لا يرى الحل في فتح القواعد على مصراعيها. فقد لخّص المعادلة بأن البيانات لا ينبغي حبسها ولا تسليمها، وإنما يجب حوكمتها وحمايتها وتثمينها بذكاء. وهذه الرؤية تضعه في نقطة وسط بين من يفهم السيادة باعتبارها إغلاقًا، ومن يتعامل مع الانفتاح باعتباره تسليمًا غير مشروط للمورد الرقمي.

القيمة الاقتصادية لهذا الطرح تظهر بوضوح في الذكاء الاصطناعي. فالشركة الناشئة التي تريد تطوير نموذج للتنبؤ بالاستهلاك، أو أداة للزراعة الدقيقة، أو نظامًا للتحليل الطبي، تحتاج إلى بيانات محلية ذات جودة. لكن الدولة في الوقت نفسه لا تستطيع أن تجعل البيانات الصحية أو الشخصية أو الأمنية مادة مفتوحة للتدريب. ومن ثم يصبح التحدي الحقيقي في تصنيف مستويات الوصول: ما الذي يمكن نشره؟ وما الذي يحتاج إلى إزالة الهوية؟ وما الذي يستخدم في بيئة بحثية مقيدة؟ وما الذي لا ينبغي أن يغادر أصلًا البنية السيادية؟

هذا ما يجعل البيانات «مادة خام» بالمعنى الاقتصادي لا المجازي فقط. فكما لا يتحول خام المعدن إلى صناعة بمجرد استخراجه، لا يتحول السجل أو الوثيقة أو التسجيل إلى قيمة ذكاء اصطناعي بمجرد رقمنته. يحتاج إلى تنظيف ووصف وتصنيف وربط وترخيص، ثم إلى مؤسسة قادرة على تحويله إلى منتج.

وهنا يكمل قسوم حسين درار ويونس غرار في سلسلة واحدة: فدرار يشترط الجودة، وغرار يشترط القابلية للاستغلال، بينما يسأل قسوم عما إذا كانت هذه القابلية ستتحول إلى إنتاجية وابتكار وقيمة اقتصادية.

لكن إذا أصبحت البيانات أصلًا بهذه القيمة، فإن السؤال التالي يصبح حتميًا: أين تُخزن؟ ومن يملك البنية التي تعالجها؟

جواد سليم علال.. السيادة بدأت من سؤال مكان البيانات

هذا السؤال سبق ظهور ChatGPT بسنوات. ففي أكتوبر 2020، دعا خبير الرقمنة جواد سليم علال الجزائر إلى التفكير «بجدية وبسرعة» في سيادتها الرقمية، وربط ذلك بضرورة تطوير مراكز البيانات والاستضافة الوطنية وزيادة التحكم في البيانات، حتى لا يؤدي الاعتماد الكامل على البنى الموجودة في الخارج إلى تعطيل الاقتصاد والخدمات أو إلى مخاطر تتعلق بالأمن والتجسس.

تكمن أهمية تصريح علال في زمنه بقدر ما تكمن في مضمونه. فحينها كان السؤال الأساسي يتعلق بموقع الخادم وباستمرارية الاتصال والخدمة. أما بعد صعود الذكاء الاصطناعي، فقد اتسع السؤال: يمكن للدولة أن تستضيف بياناتها محليًا، لكن ماذا لو كان النظام الذي يحللها ويبني الإجابات منها خوارزمية مغلقة لا تعرف كامل منطقها ولا البيانات التي تشكلت منها؟

الجزائر تحرز في الجانب المادي تقدمًا ملموسًا. فالمحافظة السامية للرقمنة تشير إلى مركزين وطنيين للبيانات في الجزائر العاصمة والبليدة، وتقول إن المركز الأول حصل في 22 فيفري 2026 على اعتماد Design Tier III من Uptime Institute، مع مساحة تفوق 11 ألف متر مربع لكل منشأة، وربط المنظومة بمركز عمليات أمن سيبراني وشبكة IRIES السيادية.

هذه البنية تجيب عن جزء من السؤال الذي طرحه علال قبل سنوات: أين توجد البيانات وكيف نحافظ عليها داخل بيئة وطنية؟ لكنها لا تجيب وحدها عن الجزء الذي أضافه الذكاء الاصطناعي: من يتحكم في الطريقة التي تُحوَّل بها البيانات إلى معرفة؟

ولهذا عاد يونس غرار نفسه، في ديسمبر 2025، إلى المسألة من زاوية أكثر تقدمًا؛ إذ طالب في العلاقات مع مزودي الذكاء الاصطناعي بإبقاء البيانات محليًا وعدم إخراجها، لكنه أضاف ضرورة فهم طريقة عمل الخوارزميات حتى لا تتحول التبعية من الخادم إلى النظام الذي ينتج الإجابة. وهنا لم يعد مفهوم السيادة يقتصر على الأرض التي يقف عليها مركز البيانات؛ بل امتد إلى طبقة الخوارزمية.

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

وردة بايليش.. من السيادة الرقمية إلى السيادة المعرفية

هذه النقلة هي ما تصفه وردة بايليش بـ”السيادة المعرفية” أو “الإدراكية”. ففي تحليلها للجغرافيا السياسية لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، تربط التكنولوجيا ببنيتها المادية؛ فمركز البيانات لا يحفظ الملفات فحسب، بل يضمن تدفقها ويوفر القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل الأنظمة الذكية. ومن ثم، لا تُقاس حماية الدولة بمكان تخزين البيانات وحده، بل بمدى سيطرتها على الخوادم والخوارزميات والمسارات التي تُنتج بها المعرفة وتصل إلى المواطن.

وبذلك لا تنقض بايليش شرط الاستضافة الوطنية الذي يطرحه جواد سليم علال، وإنما تستكمله. فقد تكون قاعدة البيانات وطنية ومركز استضافتها وطنيًا، بينما تظل الخوارزمية التي ترتب المصادر وتسترجع المعلومات وتصوغ الإجابة تابعة لجهة خارجية. عندئذ تتحقق السيادة على التخزين، من دون أن تمتد كاملة إلى التفسير.

وتظهر خطورة هذا الفارق في الاستخدام اليومي. فعندما تستطلع شركة سوقًا جزائرية، أو يطلب طالب تفسير حدث تاريخي، أو يعتمد موظف على مساعد ذكي لتلخيص نص قانوني، لا ينقل النظام المعلومات من الخادم إلى الشاشة بحياد؛ بل يختار المصادر ويرتبها ويستبعد بعضها، ثم يصوغ منها إجابة قد تعيد إنتاج نقص البيانات أو انحيازها. لذلك يرتبط استقلال القرار المعرفي بالتحكم في معايير الاختيار والترتيب والإسناد، لا بمجرد امتلاك مساحة التخزين.

وعليه، تتسع السيادة من حماية البيانات إلى امتلاك القدرة على فحص الخوارزمية التي تفسرها وتحديد المسؤولية عن نتائجها. غير أن السيطرة التقنية تظل ناقصة ما لم يكن بالإمكان إثبات أن النظام يعمل وفق الضوابط المحددة له؛ وهنا تبدأ الحلقة التي يضيفها فؤاد بوسطوان: التقييم والمراقبة والتدقيق والمساءلة.

السيادة تبدأ من القدرة على مساءلة الآلة

يضيف الدكتور فؤاد بوسطوان، الخبير الدولي في الذكاء الاصطناعي وعضو المجلس العلمي للذكاء الاصطناعي، شرطًا حاسمًا إلى معادلة السيادة: لا يكفي امتلاك النظام أو استضافة بياناته داخل البلاد؛ بل يجب أن تكون المؤسسة قادرة على تقييمه ومراقبته وتدقيقه والتحكم في سلوكه.

وكان بوسطوان قد شدد، خلال مداخلة بجامعة باجي مختار بعنابة سنة 2024، على أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي يفرض بناء بيئة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، بالتوازي مع حماية البيانات من الاختراق والجريمة السيبرانية. غير أن أبحاثه في 2026 نقلت النقاش من أمن البيانات إلى جاهزية النظام نفسه للعمل داخل المؤسسة.

ففي بحثه حول جاهزية وكلاء الذكاء الاصطناعي، يميز بوسطوان بين نظام يستطيع إنجاز مهمة في الاختبار، ونظام مؤهل للعمل في بيئة إنتاج حقيقية. ويقترح لتحديد هذا الفارق نموذجًا يقوم على أربعة أبعاد: التقييم، والسياق، والامتثال، والحوكمة. ولا تعني الحوكمة هنا وضع قواعد عامة فقط، بل قدرة الجهة المشغلة على التصريح للنظام بالعمل، ومراقبته أثناء التنفيذ، وتدقيق قراراته، والتدخل للتحكم فيه عند الحاجة.

وفي بحث آخر، يبين أن أداء النظام لا تحدده قوة النموذج الأساسي وحدها؛ إذ تشارك في صنع النتيجة التعليمات والأدوات والذاكرة والمعرفة المسترجعة والحواجز الأمنية والمدخلات غير الموثوقة. وإذا كان هذا السياق ضعيفًا، ارتفعت احتمالات الهلوسة والانحراف وسوء استخدام الأدوات، فيما ترتبط كفاية الإسناد إلى المعرفة مباشرة بقدرة النظام على مقاومة الهلوسة.

وتضع هذه النتيجة مشروع الذكاء الاصطناعي الجزائري أمام معيار تقني واضح. فإذا طُور نظام للإجابة عن الاقتصاد الوطني، فلا يكفي أن يكون نموذجه قويًا؛ بل يجب معرفة قاعدة المعلومات التي بحث فيها، والمصدر الذي استرجعه، وتاريخ الرقم الذي استخدمه، وقدرته على عرض ذلك للمستخدم أو المدقق. وإذا استند إلى نص قانوني، فعليه التمييز بين النص الأصلي وتعديلاته اللاحقة. أما إذا أخطأ، فيجب أن تستطيع المؤسسة إعادة بناء المسار الذي أنتج الخطأ وتحديد موضعه.

وبذلك يصبح مفهوم السيادة أوسع من الملكية والاستضافة: أن تملك الدولة القدرة على مساءلة النظام الذي يعمل باسم مؤسساتها، وأن تعرف كيف وصل إلى قراره، وبأي بيانات، وتحت أي ضوابط.

لكن النظام القابل للتدقيق يظل ناقصًا إذا لم تمثل بياناته المجتمع الذي سيستخدمه. وهنا تنتقل المعركة من حوكمة الآلة إلى المادة اللغوية التي تشكل معرفتها بالجزائر.

اختبار الدارجة.. هل تمثل البيانات المجتمع فعلًا؟

الجزائر ليست مجموعة وثائق حكومية مكتوبة بلغة واحدة؛ فواقعها اللغوي يتحرك بين العربية الفصحى والدارجة والأمازيغية والفرنسية، مع انتقال مستمر بين اللغات وكتابة للدارجة بالحرفين العربي واللاتيني. وإذا غابت هذه الطبقات عن بيانات النظام، فقد يعرف المؤسسات من نصوصها الرسمية من دون أن يفهم المجتمع بالطريقة التي يتحدث بها ويسأل ويبحث.

وتؤكد الأبحاث الجزائرية أن المسألة ليست افتراضية. فقد قدمت قاعدة “CAFE” في 2025 نحو 37 ساعة من المحادثات الجزائرية العفوية لأكثر من 100 متحدث من مناطق مختلفة، تشمل الدارجة والفرنسية والإنجليزية والتحول الطبيعي بينها. غير أن الجزء المفرغ والموسوم يدويًا بالكامل لم يتجاوز ساعتين و36 دقيقة، ما يكشف حجم الجهد اللازم لإنتاج بيانات موثوقة للهجات واللغات محدودة الموارد.

وفي النصوص المكتوبة، تضم قاعدة “DzNER” أكثر من 21 ألف جملة مشروحة يدويًا وما يزيد على 220 ألف وحدة لغوية، جُمعت من محتوى جزائري لتدريب الأنظمة على التعرف إلى الأشخاص والأماكن والمؤسسات. وتوفر هذه القاعدة مادة محلية لاختبار قدرة النموذج على فهم الكيانات الجزائرية بدل إسقاط أنماط مستخرجة من سياقات أجنبية عليها.

أما “DziriBERT”، فبُني على أكثر من مليون تغريدة جزائرية ضمن قاعدة لا يتجاوز حجمها نحو 150 ميغابايت. ورغم صغر بياناته مقارنة بنماذج متعددة اللغات دُربت على مئات الغيغابايت، تفوق النموذج المتخصص عليها في مهام مرتبطة بالدارجة الجزائرية، ولا سيما عند كتابتها بالحرف اللاتيني.

وتمنح هذه النتيجة تحذير حسين درار بشأن جودة البيانات معنى عمليًا، كما تفسر دعوة عبد المالك بشير إلى البناء من “بياناتنا الخاصة”. فالقدرة الوطنية لا تُبنى بجمع أكبر عدد ممكن من الكلمات، بل بإنتاج بيانات دقيقة تمثل الجزائر كما تستخدم لغاتها فعلًا.

فالنموذج الذي يقرأ التشريع بالعربية، لكنه يعجز عن فهم سؤال المواطن بالدارجة، لا يعرف سوى جزء من البلد. والنظام الذي يعمل بكفاءة بالفرنسية، لكنه يظل ضعيفًا أمام الأمازيغية، يعيد داخل بنيته التفاوت القائم في الموارد الرقمية. لذلك، لا تتحقق السيادة اللغوية بترجمة واجهة الاستخدام، بل بإدخال اللغات الوطنية، بتنوعها الواقعي، في بيانات التدريب والتقييم والاسترجاع.

وعند هذه النقطة تظهر “ويكيبيديا”، لا بوصفها حلًا للمشكلة، بل باعتبارها اختبارًا مكثفًا لها: ماذا يحدث عندما يصبح المصدر الأكثر حضورًا وسهولة في الوصول هو المرجع الأول للآلة، حتى عندما لا يكون المصدر الجزائري الأصلي؟

ويكيبيديا.. حين تصبح قابلية الاكتشاف جزءًا من قوة المصدر

يضع علي كحلان “ويكيبيديا” ضمن أكثر حلقات التوثيق حساسية، من دون أن يدعو إلى تحويلها إلى منصة لإنتاج “رواية رسمية”. فعلى العكس، يؤكد أن قوة الموسوعة تستند إلى قواعد الحياد والتحقق، وأن المطلوب هو إتاحة المصادر الجزائرية الأصلية، بعد رقمنتها وتوثيقها، حتى يتمكن المحررون من الاستشهاد بها.

وتوضح البيانات التاريخية خلفية هذا الانشغال. ففي الربع الأول من 2012، استحوذت الفرنسية على 52.2% من تصفح مشاريع “ويكيميديا” من الجزائر، مقابل 30.7% للعربية، بينما لم تتجاوز مساهمات الجزائر 0.08% من إجمالي التعديلات عالميًا. ولا تصلح هذه المؤشرات القديمة لوصف الواقع الحالي، لكنها تكشف أن دخول الجزائر إلى فضاء المعرفة الرقمية انطلق من قاعدة لغوية وإنتاجية غير متوازنة.

غير أن القضية تتجاوز “ويكيبيديا”. فإذا بقيت وثيقة جزائرية أصلية داخل أرشيف غير مفهرس، بينما أُدرجت دراسة أجنبية ثانوية عنها في قاعدة منظمة وقابلة للبحث، فقد تصل محركات البحث وأنظمة الاسترجاع إلى الدراسة الأجنبية أولًا؛ لا لأنها أدق بالضرورة، بل لأن بنيتها الرقمية تجعلها أكثر قابلية للاكتشاف والمعالجة والاستشهاد.

ومن هنا تكتسب ملاحظة كحلان حول الرقمنة أهميتها. فمسح الوثيقة ضوئيًا لا يحولها تلقائيًا إلى مصدر قابل للاستخدام؛ إذ تحتاج إلى وصف دقيق، وتأريخ، وتحديد للمؤلف، وفهرسة، وروابط دائمة، وإمكان البحث في محتواها بالعربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية. ومن دون ذلك، قد تنتقل الوثيقة من ورقة منسية في خزانة إلى ملف غير مرئي داخل خادم.

وبهذا يصبح ما يبدو انحيازًا في اختيار المصادر أكثر قابلية للتفسير. فالآلة لا تستبعد المصدر الجزائري بالضرورة، لكنها قد لا تعثر عليه أو تتمكن من معالجته بالسهولة نفسها. لذلك، تبدأ معركة حضور الجزائر في البيئة الخوارزمية من هندسة المصدر الوطني، وجعله موثوقًا ومفهرسًا ومستقرًا وقابلًا للوصول والاستشهاد.

ومن هذه النقطة تتصل تصريحات الخبراء الثمانية ضمن مسار واحد يبدأ بالمصدر، ثم ينتقل إلى جودة البيانات وربطها وحوكمتها وتثمينها وحمايتها، وصولًا إلى النموذج القادر على معرفة الجزائر من مصادرها الوطنية.

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

ثمانية خبراء.. وسلسلة واحدة من الوثيقة إلى القرار

يبدأ عبد المالك بشير من نهاية المسار محددًا الهدف: نموذج جزائري يُبنى “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة”. غير أن بلوغ هذا الهدف يمر بسلسلة من الشروط المترابطة؛ إذ يعيد حسين درار النقاش إلى جودة البيانات، لأن وفرتها لا تعوض ضعف دقتها، فيما يضيف يونس غرار أن الجودة تفقد أثرها إذا ظلت القواعد منفصلة وغير قابلة للتبادل والاستغلال. وعندما تصبح المادة جاهزة للاستخدام، ينقل سهيل قسوم النقاش إلى الاقتصاد: حماية البيانات ضرورية، لكن قيمتها الفعلية تظهر عندما تتحول إلى إنتاجية وابتكار ومنتجات جديدة بدل بقائها “محبوسة”.

ويضع جواد سليم علال شرط البنية السيادية، فلا يمكن التحكم في مادة وطنية حيوية إذا ظلت استضافتها خاضعة بالكامل لبنى خارج السيطرة الوطنية. لكن وردة بايليش توسع المفهوم من امتلاك الخادم إلى امتلاك المعرفة التي تنتجها الخوارزمية، لأن السيطرة على مكان التخزين لا تعني تلقائيًا السيطرة على آليات معالجة البيانات وتوجيه استخدامها. ويستكمل فؤاد بوسطوان السلسلة بمعيار الإثبات: حتى النظام الوطني المستضاف محليًا ينبغي أن يكون قابلًا للمراقبة والتقييم والتدقيق والمساءلة.

وقبل هذه المراحل جميعًا، يعيد علي كحلان المسألة إلى أصلها: المصدر. فإذا لم تكن الوثائق والأرشيفات والدراسات الجزائرية مستقرة وموثقة ومفهرسة وسهلة الوصول، فلن تجد الأنظمة الذكية مادة وطنية كافية لمعرفة الجزائر من داخلها.

وهكذا لا تقدم تصريحات الخبراء تشخيصات منفصلة، بل ترسم سلسلة سببية متكاملة: المصدر ينتج البيانات، والجودة تمنحها الثقة، والتشغيل البيني يربطها، والحوكمة تضبط استخدامها، والتثمين يحولها إلى أصل اقتصادي، والبنية السيادية تحفظ السيطرة عليها، والتحكم الخوارزمي يحمي المعرفة الناتجة عنها، فيما يجعل التدقيق هذه السيطرة قابلة للإثبات. عند اكتمال هذه السلسلة، يصبح هدف بشير ببناء نموذج يستند إلى “بياناتنا الخاصة” مشروعًا قابلًا للتحقق تقنيًا ومؤسساتيًا.

الجزائر تملك المادة الخام وتستكمل تحويلها إلى أصل صناعي

لا تقود المعطيات إلى إجابة ثنائية عن سؤال امتلاك الجزائر المادة الخام اللازمة للذكاء الاصطناعي. فالبلاد تملك رصيدًا معرفيًا واسعًا يشمل أكثر من 173 ألف أطروحة مناقشة في المنصة الوطنية للإشعار عن الأطروحات “PNST”، ومنصات للمجلات العلمية، وأرشيفات ومكتبات، وقواعد قطاعية وإحصائية، وإنتاجًا إعلاميًا وثقافيًا متراكمًا. كما أثبتت فرق البحث الجزائرية قدرتها على بناء مجموعات بيانات متخصصة للدارجة والكلام العفوي والتعرف على الكيانات، بالتوازي مع بناء الدولة، منذ نهاية 2025، إطارًا أكثر صرامة لحوكمة البيانات وتشغيلها البيني وحمايتها واستضافتها داخل بنى سيادية.

غير أن تحويل هذا الرصيد إلى مادة جاهزة لتدريب نموذج تأسيسي كبير يتطلب جردًا وطنيًا فنيًا موحدًا يحدد الحجم الصافي للنصوص القابلة للاستخدام، وتوزيعها بين العربية والدارجة والأمازيغية والفرنسية، ونسبة الوثائق القابلة للاستخراج الآلي، ومستويات التكرار والأخطاء، وحقوق إعادة الاستخدام والتدريب، وعمر البيانات، ونتائج التدقيق الموحد لجودتها.

لذلك، سيكون من غير الدقيق اختزال الوضع في القول إن الجزائر تملك حاليًا مدونة وطنية عامة مكتملة التنظيف والترخيص والتوازن اللغوي وجاهزة بصورة مثبتة لتدريب نموذج ضخم من الصفر. وسيكون من غير الدقيق أيضًا القول إنها لا تملك المادة الخام. فالقاعدة المعرفية موجودة، بينما تتقدم عملية تنظيمها وربطها وتحويلها إلى مورد صناعي موحد.

ويتيح هذا الوضع خيارًا عمليًا لا يربط التقدم بانتظار اكتمال رقمنة الأرشيف الوطني كله. تستطيع الجزائر، بالتوازي، تطوير أنظمة تستند إلى نماذج قائمة أو مفتوحة، وترتبط بقواعد معرفة وطنية موثوقة ومحدثة تُرجع الإجابة إلى مصدرها وتاريخها. وبذلك تنتقل الأولوية من المنافسة على عدد معاملات النموذج إلى المنافسة على جودة المعرفة الجزائرية ودقة إسنادها.

وعند هذه النقطة تلتقي شروط الخبراء في مسار واحد: جودة درار، وتشغيل غرار البيني، وتثمين قسوم، والبنية السيادية عند علال، وسيادة المعرفة لدى بايليش، وقابلية التدقيق عند بوسطوان، واستدامة المصدر عند كحلان، وصولًا إلى نموذج بشير المبني على بيانات الجزائر.

والخلاصة أن الجزائر لا تبدأ من فراغ، ولا تنتظر مادة خام لم تُنتج بعد؛ فهي تملك الذاكرة والمصادر والكفاءات والرصيد اللغوي والعلمي. أما المعركة الحاسمة، فتتمثل في تحويل هذا الرصيد إلى معرفة منظمة وموثقة وقابلة للمعالجة الآلية، حتى تعرف الخوارزمية الجزائر من مصادر الجزائر نفسها، وتستطيع إثبات ذلك بالدليل.

المعركة تبدأ قبل النموذج

لا تكشف رحلة البيانات الجزائرية عن نقص في الذاكرة، بل عن فجوة بين حجم المعرفة المتراكمة وحجم المادة التي أصبحت جاهزة فعلًا للآلة. فالجامعات والمكتبات والأرشيف والإدارات ووسائل الإعلام تختزن رصيدًا علميًا وثقافيًا ولغويًا تشكل عبر عقود، غير أن وجوده لا يعني أن الخوارزمية تستطيع الوصول إليه أو فهمه أو التحقق منه. لذلك، يبدأ التحدي الحقيقي من بناء مسار ينقل هذه المعرفة من مصدرها إلى النظام الذكي، مع الحفاظ على تاريخها وسياقها ولغتها وإمكانية إسنادها إلى أصلها.

ضمن هذا المسار، لا تتجاور مواقف الخبراء، بل تكمل كل واحدة منها حلقة ضرورية. فجواد سليم علال ينطلق من البنية التي تحتضن البيانات وضرورة إبقائها تحت السيطرة الوطنية، فيما يركز حسين درار على نوعيتها، محذرًا من أن كثرتها لا تمنحها قيمة ما لم تكن دقيقة وعالية الجودة. ويضيف يونس غرار أن البيانات الجيدة لا تتحول إلى قدرة وطنية إذا ظلت موزعة في جزر رقمية، ما يجعل التشغيل البيني وقابلية الاستغلال شرطين للانتقال من الرقمنة إلى اقتصاد البيانات. أما سهيل قسوم، فيضع العائد في قلب المعادلة: حماية البيانات لا تنفصل عن استخدامها لتحسين القرار وإنتاج الابتكار وتطوير منتجات جديدة.

غير أن القيمة تظل محدودة إذا بقيت المصادر الوطنية ضعيفة الظهور. وهنا يحذر علي كحلان من أن الأرشيف غير المفهرس، والدراسة صعبة الوصول، والرابط غير الدائم، تجعل المعرفة الجزائرية أقل حضورًا في البيئة الخوارزمية، مهما بلغت أهميتها. وتوسع وردة بايليش مفهوم السيادة من مكان تخزين البيانات إلى التحكم في الخوادم والخوارزميات ومسارات استهلاك المعرفة، بينما يضع فؤاد بوسطوان شرطًا حاسمًا: لا تكتمل سيادة أي نظام ما لم يكن قابلًا للمراقبة والتقييم والتدقيق والمساءلة.

وعند اكتمال هذه الحلقات، يأخذ هدف عبد المالك بشير موقعه الطبيعي. فبناء نموذج “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة” ليس نقطة البداية، بل حصيلة منظومة تبدأ بالمصدر، وتمر بالتنظيم والجودة والربط والحماية، وتنتهي بنظام يستطيع تفسير ما يعرفه وإثبات مصدر معرفته.

ومن ثم، لا تُقاس المنافسة بالنسبة إلى الجزائر بعدد مليارات معاملات نموذجها المقبل أو بسرعة الإعلان عنه، بل بقدرتها على جعل المعرفة الأدق عنها هي أيضًا الأكثر حضورًا وقابلية للوصول الآلي. عندئذ لا تبقى الأطروحات حبيسة المنصات، ولا الأرشيف مجرد ذاكرة محفوظة، ولا الدارجة والأمازيغية موارد محدودة التمثيل، ولا قواعد الدولة جزرًا منفصلة؛ بل تتحول إلى رصيد وطني تستطيع الأنظمة الذكية البحث فيه وفهمه وتحديثه والاستناد إليه.

وهنا يظهر الفارق بين امتلاك أداة للذكاء الاصطناعي وامتلاك سلسلة المعرفة التي تحدد رؤيتها. فالخوادم يمكن اقتناؤها، والقدرات الحاسوبية يمكن توسيعها، والنماذج المفتوحة يمكن تكييفها، والخبرات يمكن تكوينها أو استقطابها. أما الأصل الذي لا تستطيع شركة أجنبية أو دولة أخرى إنتاجه بدل الجزائر، فهو ذاكرتها الوطنية: أرقامها ووثائقها وأصواتها ولغاتها ولهجاتها وأرشيفها وتجربتها التاريخية.

وبذلك يصبح السؤال الذي افتتح التحقيق أكثر دقة: لم يعد الأمر متعلقًا فقط بقدرة الجزائر على تطوير نموذج يحمل اسمها، بل ببناء بيئة معرفية تجعل أي نموذج تستخدمه يعرف الجزائر من مصادرها الوطنية، ويستطيع إثبات ذلك بالدليل.

فحين تميز الخوارزمية الرقم المحدث من القديم، والوثيقة الأصلية من النقل الثانوي، وتفهم اللغات المحلية، وترد المعلومة إلى صاحبها وتاريخها، مع بقاء طريقة إنتاج الإجابة قابلة للتدقيق والمساءلة، تنتقل الجزائر من رقمنة ذاكرتها إلى امتلاك المعرفة التي تحدد صورتها في عصر الذكاء الاصطناعي.

#الجزائر#الخوارزميات#الذكاء الإصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

30 ألف مهندس وبيانات داخل الحدود.. الجزائر تحول رؤية تبون إلى مشروع للسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي

30 ألف مهندس وبيانات داخل الحدود.. الجزائر تحول رؤية تبون إلى مشروع للسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي

بوابة الجزائر الإخبارية: 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، ونماذج وطنية مفتوحة المصدر، وقدرات للحوسبة عالية الأداء، وبيانات عمومية تبقى داخل الحدود الجزائرية؛ أربع حلقات بدأت تتجمع داخل مشروع واحد يعكس انتقال الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، من رقمنة الخدمات إلى بناء قدرة تكنولوجية سيادية تتحكم في البيانات والحوسبة والكفاءات التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل. وأعاد تقرير نشرته المنصة الأمريكية Muslim Network TV، الخميس 20 أوت 2026، هذا التحول إلى الواجهة الدولية، بعدما قدم خارطة الطريق الجزائرية باعتبارها مسعى لتقليص الاعتماد على موردي التكنولوجيا الأجانب وبناء البنية الوطنية التي تسمح بتطوير وتشغيل الذكاء الاصطناعي داخل البلاد.

غير أن أهمية ما رصده التقرير الأمريكي لا تكمن في إعلان هدف جديد بقدر ما تكشفه الكرونولوجيا الجزائرية نفسها: مشروع الذكاء الاصطناعي لم يبدأ في أوت، ولم يُبنَ كرد فعل متأخر على التسارع العالمي لهذه التكنولوجيا، وإنما يأتي في نهاية سلسلة قرارات دفعت بها الدولة خلال سنوات، تحت إشراف الرئيس تبون، من إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، إلى وضع حوكمة البيانات في إطار سيادي، ثم بناء مركز وطني للخدمات الرقمية، وربط قواعد البيانات الحكومية، وصولًا إلى تحويل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى برامج تنفيذ مشتركة بين الوزارات. ففي وقت مبكر، كان رئيس الجمهورية قد دفع إلى إنشاء مدرستين وطنيتين عاليتين للذكاء الاصطناعي والرياضيات، باعتبارهما من مؤسسات «اقتصاد الغد»، قبل أن تتخرج في جوان 2026 أول دفعة من المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، في مسار يستهدف اليوم تكوين عشرات الآلاف من الكفاءات وليس مئات الخريجين فقط.

ومن هنا يبدو هدف الـ30 ألف متخصص أكثر من رقم في مخطط للتكوين. فالرهان الذي رسمته القيادة الجزائرية يقوم على بناء عناصر القدرة الوطنية في الوقت نفسه: العقل الذي يصمم النموذج، والبيانات التي تدربه، والحاسوب الذي يشغله، والمنشأة التي تستضيفه، والقواعد التي تحميه. وهذه النقلة تحديدًا هي ما يمنح المشروع بعده السيادي؛ إذ لا يمكن الحديث عن استقلال تكنولوجي إذا بقيت البيانات الجزائرية مخزنة لدى أطراف أجنبية، أو إذا كان تدريب النماذج مرتبطًا حصريًا ببنى حسابية خارج البلاد، أو إذا كانت الإدارة مضطرة في كل تطبيق جديد إلى شراء حل مغلق لا تتحكم في شفرته أو بنيته أو طريقة معالجة معلومات المواطنين.

تبون يضع البيانات في قلب الدولة قبل سباق الذكاء الاصطناعي

وتظهر استشرافية هذا التوجه بوضوح عند العودة إلى 9 فيفري 2026، أي قبل أشهر من خارطة الطريق الحالية، عندما دخلت المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات حيز الخدمة تحت الرعاية السامية للرئيس عبد المجيد تبون. ولم تُقدَّم البيانات يومها باعتبارها أرشيفًا إلكترونيًا، وإنما باعتبارها أصولًا استراتيجية للدولة الجزائرية ينبغي التحكم فيها وتنظيمها وحمايتها وتوجيه استغلالها، في انتقال من رقمنة متفرقة بين الإدارات إلى حوكمة وطنية ترتكز على البيانات. كما ربطت الحكومة صراحة تلك المنظومة بتوفير بيانات ذات جودة وموثوقة وقابلة للتشغيل البيني لتصميم وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكثر دقة، مع إخضاع استخدامها للأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.

وهذه النقطة أساسية لفهم الفارق بين شراء تطبيق للذكاء الاصطناعي وبناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي. فالتطبيق يمكن اقتناؤه في أشهر، أما السيادة الرقمية فتحتاج إلى بيانات منظمة، ومراكز استضافة، وقدرات حسابية، وكفاءات، وتشريعات ومؤسسات تتبادل المعلومات ضمن قواعد موحدة. ولذلك جاءت خطوة أخرى في 13 ماي 2026 عندما درست الحكومة، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس تبون، مشروع نظام وطني للمساعدة على اتخاذ القرار يقوم على ربط القطاعات وربط البيانات بعضها ببعض، ما يعني أن الغاية لم تعد رقمنة الوثيقة في كل وزارة على حدة، وإنما جعل البيانات نفسها أداة لتحسين القرار العمومي.

وبعد أقل من أسبوعين، في 25 ماي، انتقل المسار إلى مستوى أعلى عندما درست الحكومة مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. وجاء البيان الرسمي واضحًا في نسب هذا التوجه إلى الدفع الذي أعطاه رئيس الجمهورية لمسار تحديث العمل العمومي والتحول الرقمي، وحدد ثلاثة أسس لأي قدرة جزائرية مستدامة في الذكاء الاصطناعي: البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والكفاءات البشرية. وبذلك كانت الدولة قد حددت قبل الوصول إلى خارطة أوت البنية نفسها التي أصبحت وسائل الإعلام الأجنبية تتحدث عنها اليوم باعتبارها أساس مشروع «الذكاء الاصطناعي السيادي» الجزائري.

ثم جاءت البنية المادية. ففي 5 جويلية 2026، وبمناسبة الذكرى الـ64 للاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، أشرف الرئيس تبون شخصيًا على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية بالمحمدية. وبعد أسبوع فقط، حدد خلال اجتماع مجلس الوزراء مهلة أقصاها شهر لتحقيق الربط البيني بين القطاعات باستغلال المركز الوطني للبيانات. وهنا تبدو دلالة التوقيت قوية: استرجاع السيادة في بعدها التاريخي اقترن بتدشين منشأة تدخل في صميم السيادة الجديدة على البيانات، ثم أعقبها قرار رئاسي يمنع تحول المركز إلى مجرد مبنى تقني ويُلزم القطاعات باستغلاله فعليًا.

ويكتمل هذا المسار بقرار آخر يحمل بعدًا دوليًا، إذ كلف الرئيس تبون الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود بتمثيل الجزائر في شنغهاي، حيث وقعت في 16 جويلية اتفاق إنشاء المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي باسم الجزائر بصفتها عضوًا مؤسسًا. وبذلك تتحرك الجزائر في الاتجاهين في الوقت نفسه: بناء قدرة سيادية داخلية، مع ضمان موقع لها داخل الأطر الدولية التي بدأت تتشكل حول حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًا.

هذه السلسلة تجعل من الصعب قراءة خارطة أوت كقرار قطاعي لوزارة التعليم العالي. إنها في الواقع حلقة تنفيذية داخل مسار رئاسي أوسع بدأ بتكوين الإنسان، وانتقل إلى حوكمة البيانات والبنية التحتية والربط البيني، ثم وصل إلى مرحلة بناء النماذج الوطنية وتشغيلها داخل المؤسسات.

من شراء الذكاء إلى امتلاك أدوات إنتاجه

وفي 5 أوت 2026، أصبح هذا التصور أكثر عملية عندما ترأس وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري اجتماعًا تنسيقيًا ضم ممثلين عن عدة وزارات وهيئات وطنية لتنفيذ الخطة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي. ثم كشفت TechAfrica News في 11 أوت أن خارطة التنفيذ المشتركة أعطت الأولوية لنماذج حكومية سيادية مفتوحة المصدر، ومراكز للحوسبة عالية الأداء، وتخزين آمن للبيانات العمومية داخل الجزائر، وبرامج تكوين مكثفة، إلى جانب مركز علمي ووحدات بحث متخصصة لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى تطبيقات صناعية. كما تقرر إنشاء لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ وفق رزنامة محددة.

وبعدها بيوم، لخصت ITWeb Africa جوهر التحول في عبارة أكثر دلالة: الجزائر تريد بناء اقتصاد قائم على المعرفة يضمن السيادة والتحكم في التكنولوجيات. كما اعتبرت أن خارطة الطريق تنقل السياسة الوطنية من مرحلة وضع التصور إلى تشغيل البنية والبرامج، بحيث تصبح الحوسبة المحلية والكفاءات والبيانات السيادية أعمدة للاستقلال التكنولوجي.

ثم جاء تقرير Muslim Network TV في 20 أوت ليعيد تقديم المسار نفسه لجمهور أمريكي، مركزًا على أربعة عناصر: النماذج السيادية مفتوحة المصدر، الحوسبة عالية الأداء، التخزين المحلي للبيانات، ورفع مستوى الحماية للتطبيقات الحكومية، مع هدف تكوين 30 ألف مهندس في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030.

والمغزى الاقتصادي لهذه الخيارات أكبر من المسألة التقنية. فعندما تشتري مؤسسة عمومية خدمة مغلقة من الخارج، تخرج قيمة مالية مقابل الترخيص والاستضافة والتحديث والدعم، بينما تبقى معرفة تشغيل النظام لدى المورد. أما عندما تُبنى التطبيقات محليًا، فإن جزءًا أكبر من هذه القيمة يتوزع بين مهندسين ومراكز بيانات وشركات أمن سيبراني ومطوري برمجيات ومؤسسات ناشئة داخل الاقتصاد الجزائري.

والنماذج المفتوحة المصدر تمنح الجزائر تحديدًا مساحة أكبر لتطوير أدوات مصممة لواقعها الإداري واللغوي والاقتصادي، بدل تكييف الإدارة الجزائرية مع برامج بنيت أساسًا لأسواق أخرى. ويمكن لهذه النماذج أن تتعلم من النصوص الإدارية الوطنية والقوانين وقواعد المعرفة المحلية، وأن تتطور لخدمة العربية والأمازيغية والفرنسية والمصطلحات التقنية المستعملة داخل المؤسسات، مع بقاء التحكم في طريقة التدريب والتحديث لدى الجهات الجزائرية.

أما الحوسبة عالية الأداء فهي الحلقة التي تحدد ما إذا كانت هذه السيادة قابلة للتطبيق فعلًا. فالذكاء الاصطناعي الحديث يحتاج إلى قدرة حسابية ضخمة عند التدريب والتشغيل، ومن دونها يبقى المطور المحلي مرتبطًا بمزودي الحوسبة السحابية العالميين. ولذلك فإن وضع مراكز الحوسبة ضمن أولويات الدولة يعني أن الجزائر تريد امتلاك المصنع الذي يُنتج الذكاء الحسابي، لا مجرد التطبيقات التي تظهر في واجهته.

وينطبق الأمر نفسه على تخزين البيانات. فالبيانات الحكومية الخاصة بالصحة والتعليم والجباية والسجل التجاري والخدمات الاجتماعية وغيرها ليست مادة تقنية محايدة؛ إنها أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة في الاقتصاد الرقمي. وإذا استطاعت الجزائر بناء قواعد واضحة لاستخدامها وربطها بصورة آمنة مع الاحتفاظ بها داخل بنية وطنية، فإنها لا تحمي السيادة فحسب، وإنما تخلق مادة أولية يمكن أن تُبنى عليها خدمات اقتصادية أكثر كفاءة.

ومن هنا يظهر العمق الاستشرافي في توجيهات الرئيس تبون نحو الربط البيني للقطاعات. فالذكاء الاصطناعي لا يصنع قيمة من قاعدة بيانات معزولة في وزارة واحدة؛ قيمته ترتفع عندما يستطيع، ضمن الأطر القانونية والأمنية، الربط بين المعلومات وتحويلها إلى قرار: معرفة احتياجات السوق، التنبؤ بالضغط على مرفق، كشف اختلالات، تحسين توزيع الموارد أو تقليص الزمن الذي تستغرقه معاملة إدارية.

30 ألف كفاءة.. الجزائر تبني رأس مالها قبل أن تستورده الأسواق الأخرى

وفي قلب كل هذه البنية يبقى الإنسان. فالجزائر تستهدف الوصول إلى 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، بعدما شهد نهاية جوان 2026 تخرج أول دفعة من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، والتي أوردت التقارير الدولية أن عدد خريجيها بلغ 105.

وإذا كان المركز الوطني للبيانات يمثل البنية المادية للمشروع، فإن هذا الرقم يمثل رأسماله البشري. فالـ30 ألفًا المطلوب تكوينهم لن يكونوا جميعًا مطوري نماذج فقط؛ السوق ستحتاج إلى مهندسي تعلم آلي، ومختصي بيانات، وخبراء في الأمن السيبراني، ومهندسي بنية سحابية، ومطوري تطبيقات، ومختصين في معالجة اللغات، وباحثين في الخوارزميات، ومهندسين للحوسبة عالية الأداء، فضلًا عن خبراء قطاعيين يستطيعون إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والفلاحة والصحة والصناعة والمالية والنقل.

ومن ثم، فإن القرار الذي اتخذه الرئيس تبون قبل سنوات بإنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي يكتسب اليوم دلالة أبعد من إنشاء مؤسسة جامعية جديدة. فالمدرسة التي كانت حينها استثمارًا في «اقتصاد الغد» أصبحت اليوم إحدى اللبنات المبكرة في استراتيجية وطنية أصبحت حاجتها للكفاءات تُقاس بعشرات الآلاف.

غير أن الرهان الجزائري لا يتوقف عند إنتاج الخريج، بل يمتد إلى خلق السوق التي تُبقي خبرته داخل الاقتصاد الوطني. ولهذا تتكامل خطة الـ30 ألف متخصص مع تأسيس أول تجمع للشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بسيدي عبد الله خلال أفريل، وهو ما أشارت إليه ITWeb Africa وMuslim Network TV باعتباره حلقة تربط مؤسسات البحث بالشركات التكنولوجية الصاعدة.

وهذه الحلقة هي التي يمكن أن تحول كلفة التكوين إلى عائد اقتصادي. فإذا تخرج المهندس ثم وجد مؤسسة جزائرية تحتاج إلى مهارته، وحوسبة يستطيع استخدامها، وبيانات منظمة، وعقدًا عموميًا أو صناعيًا يمكن للشركة الناشئة المنافسة عليه، فإن الدولة لا تكون قد كوّنت موظفًا فقط، بل ساهمت في إنشاء سلسلة قيمة رقمية تحتفظ بالمعرفة والأجور والملكية الفكرية والضرائب داخل البلاد.

وبالمقابل، إذا بقيت التطبيقات العمومية حكرًا على الحلول المستوردة، فلن يكفي تكوين آلاف المهندسين لتأسيس صناعة وطنية. لذلك تبدو قوة خارطة الطريق الحالية في أنها لا تفصل التكوين عن الحوسبة ولا الشركات عن البيانات ولا البحث عن التطبيق الصناعي.

وهذا الربط تحديدًا هو ما يرفع المشروع من سياسة جامعية إلى سياسة اقتصادية.

فالجامعة تنتج المعرفة، ومركز البيانات يوفر البنية، والحوسبة تحول المعرفة إلى نموذج، والشركة الناشئة تحول النموذج إلى خدمة، والإدارة والمؤسسة الصناعية توفران السوق. وكل حلقة تُنجز داخل الجزائر تعني قيمة أكبر تبقى في الاقتصاد الوطني بدل انتقالها إلى الخارج.

بهذه القراءة، لا يتعلق مشروع الجزائر باستخدام روبوت محادثة في إدارة أو إضافة خدمة رقمية جديدة إلى بوابة حكومية. الرهان الذي تقوده الدولة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون أعمق: أن تدخل الجزائر عصر الذكاء الاصطناعي وهي مالكة لأكبر قدر ممكن من أدواته الأساسية، لا مجرد مستهلكة لما تنتجه الشركات والدول الأخرى.

ولهذا تلتقي المشاريع التي بدت في البداية منفصلة داخل معمار واحد. حوكمة البيانات التي دخلت الخدمة في فيفري توفر القواعد. نظام المساعدة على اتخاذ القرار الذي درس في ماي يعطي البيانات وظيفة. الاستراتيجية الوطنية التي درست في 25 ماي تحدد الاتجاه. المدرسة العليا تخرج الكفاءات. المركز الوطني للخدمات الرقمية الذي دشنه الرئيس في جويلية يوفر أحد مكونات البنية. قرار الربط البيني يمنع بقاء الإدارات جزرًا رقمية. العضوية المؤسسة في المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي تعطي الجزائر موطئ قدم في النقاش الدولي. ثم تأتي خارطة أوت لتجمع الوزارات حول التنفيذ.

وهذا التسلسل هو ما يمنح الرؤية الرئاسية بعدها الاستشرافي الحقيقي. ففي عالم تتحول فيه القدرة الحسابية والبيانات والخوارزميات إلى عناصر قوة اقتصادية لا تقل أهمية عن الطاقة والبنية التحتية التقليدية، اختارت الجزائر أن تضع مسألة التحكم التكنولوجي داخل مفهوم السيادة الوطنية نفسه.

ولا تعني السيادة هنا الانغلاق عن التكنولوجيا العالمية أو محاولة إنتاج كل مكون محليًا، وهو أمر لا تفعله حتى الاقتصادات الكبرى، وإنما امتلاك القدرة على الاختيار: متى تستخدم الجزائر منصة أجنبية، ومتى تطور نموذجها، وأين تخزن بياناتها، ومن يستطيع الوصول إليها، وما التكنولوجيا التي ينبغي توطينها، وما الجزء من الإنفاق الرقمي الذي يمكن تحويله إلى شركات ووظائف جزائرية.

وفي هذا المعنى، تصبح رؤية الرئيس تبون أكثر واقعية اقتصاديًا من مفهوم الاكتفاء التكنولوجي المطلق؛ فالهدف هو منع التبعية الحرجة في العناصر التي تمس القرار والسيادة والبيانات، مع الانفتاح في الوقت نفسه على الشراكات والمعرفة والتكنولوجيا العالمية.

كما أن أثر المشروع قد يتجاوز الإدارة إلى القطاعات الإنتاجية. فالبنية نفسها التي تخدم الدولة يمكن أن تدعم لاحقًا تطبيقات في الطاقة لتوقع الأعطال وتحسين الإنتاج، وفي الفلاحة لتحليل المحاصيل والمياه، وفي الصناعة للصيانة التنبؤية ومراقبة الجودة، وفي الصحة للمساعدة في التشخيص وإدارة الموارد، وفي النقل لتحسين الحركة واللوجستيك. وهنا يصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي استثمارًا في إنتاجية الاقتصاد، وليس بندًا تقنيًا منفصلًا.

ومع ذلك، ستبقى المرحلة التالية هي الاختبار الحقيقي للأرقام: حجم قدرات الحوسبة التي ستوضع فعليًا في الخدمة، عدد التطبيقات السيادية التي ستنتقل إلى الاستخدام، نسبة البيانات الحكومية التي ستصبح قابلة للتشغيل البيني، عدد الشركات الجزائرية التي ستستفيد من الطلب العمومي، ومدى التقدم السنوي نحو هدف 30 ألف متخصص.

لكن ما تحقق حتى الآن يكشف أن الجزائر وضعت اللبنات الأولى ضمن ترتيب مترابط، وليس ضمن سلسلة مبادرات معزولة. والأهم أن التقارير الأجنبية التي بدأت تتابع هذا المسار في أوت لم تعد تتحدث فقط عن «رقمنة جزائرية»، وإنما تستخدم مفهوم السيادة التكنولوجية لوصف الاتجاه الذي تتخذه البلاد.

وهنا ربما تكمن الدلالة الأقوى للتقرير الأمريكي المنشور في 20 أوت: ما كان يُطرح داخل الجزائر منذ سنوات باعتباره خيارًا لبناء دولة حديثة قائمة على المعرفة، أصبح يُقرأ من الخارج اليوم باعتباره محاولة لتأسيس ذكاء اصطناعي جزائري يتحكم في نموذجه وبياناته وحوسبته وكفاءاته.

وبقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، ينتقل مفهوم السيادة بذلك إلى مستوى جديد. فبعد سيادة القرار والموارد، تدخل سيادة البيانات والقدرة الحسابية والخوارزمية إلى قلب المشروع الوطني. وإذا نجحت الجزائر في تحويل هدف الـ30 ألف مهندس، ومراكز الحوسبة، والبيانات الوطنية، والنماذج المفتوحة المصدر إلى منظومة اقتصادية واحدة، فلن يكون إنجاز 2030 في عدد المتخصصين وحده، وإنما في أن تكون البلاد قد بنت جزءًا معتبرًا من الذكاء الذي تحتاجه بكفاءاتها، وعلى بنيتها، وفوق بياناتها، وتحت قرارها الوطني.

#الجزائر#الذكاء الاصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

أحدث طائرات التزود بالوقود الروسية.. هل اقتربت “Il-78MK-90A”من سلاح الجو الجزائري؟

أحدث طائرات التزود بالوقود الروسية.. هل اقتربت “Il-78MK-90A”من سلاح الجو الجزائري؟

بوابة الجزائر الإخبارية : في خطوة من شأنها تعزيز قدرات القوات الجوية الجزائرية على التزود بالوقود أثناء التحليق، كشفت مصادر إعلامية روسية متخصصة في الشأن العسكري عن معلومات تفيد بأن الجزائر وقّعت عقدًا لاقتناء ثلاث طائرات للتزوّد بالوقود جوًا من طراز Il-78MK-90A،غير أن هذه المعطيات لم تحظَ حتى الآن بتأكيد رسمي من الجزائر أو روسيا، كما لم يُعلن رسميًا عن تفاصيل أي صفقة جزائرية بهذا الخصوص.

https://twitter.com/algatedz/status/2090229342076862550?s=46
https://twitter.com/algeriagateplus/status/2090210525661544619?s=46

ويأتي ذلك بالتزامن مع عرض روسيا، في 19 أغسطس 2026، نسخة تصديرية جديدة من طائرة التزوّد بالوقود Il-78MK-90A، في خطوة أعادت طرح التساؤلات بشأن الدول المحتملة لاقتناء هذا الطراز

تعزيز مدى الطائرات وقدراتها العملياتية

تُعد Il-78MK-90A النسخة المخصصة للتصدير من Il-78M-90A، المشتقة من طائرة النقل الثقيل Il-76MD-90A ووفق المعطيات التي قدمتها الصناعة الروسية، تستطيع الطائرة نقل ما يصل إلى 78 طنًا من الوقود، مع امتلاكها ثلاثة نقاط للتزوّد بالوقود أثناء الطيران، كما يمكن تحويلها إلى طائرة نقل.

وتمنح هذه القدرات الطائرة دورًا مهمًا في تمديد مدى المقاتلات والطائرات العسكرية، خصوصًا خلال المهام بعيدة المدى. وبالنسبة لأسطول يضم مقاتلات روسية ثقيلة، يمكن لمثل هذه المنظومة أن تعزز قدرة القوات الجوية على تنفيذ عمليات لمسافات أطول.

منظومة جوية روسية متكاملة

ويكتسب التطور أهمية أكبر في ضوء دخول Su-57E إلى دائرة التعاون العسكري الجزائري الروسي فقد أظهرت صور ظهرت في فبراير ومارس 2026 مقاتلات من الجيل الخامس تحلق في الجزائر، واعتبرها مراقبون أولى الطائرات المخصصة للجزائر، ما يجعلها أول مستخدم أجنبي مفترض لهذا الطراز.

وفي حال قررت الجزائر اقتناء Il-78MK-90A، فإن الخطوة ستعزز تكامل أسطولها الجوي وتمنح مقاتلاتها الثقيلة قدرة أكبر على تنفيذ المهام بعيدة المدى.

#الجزائر،طائرات Il-78MK-90A
شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !



بوابة الجزائر الإخبارية: وجّه وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية الجزائري، عبد القادر جلاوي، تعليمات باستكمال جميع الترتيبات والإجراءات اللازمة للشروع في إنجاز خط السكة الحديدية الرابط بين الأغواط وغرداية والمنيعة، في خطوة تندرج ضمن مساعي تعزيز شبكة النقل الحديدي وتوسيع الربط بين مناطق الهضاب العليا والجنوب الجزائري.
وجاءت تعليمات الوزير خلال اجتماع عمل عقد مساء الأربعاء 19 أوت 2026، بحضور الإطارات المركزية ومسؤولي القطاع، خُصص لتقييم مدى تقدم عدد من المشاريع الاستراتيجية، ومراجعة برامج الإنجاز والصيانة، إلى جانب الوقوف على وضعية المشاريع المسجلة عبر عدد من الولايات.

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !


استكمال إجراءات خط الأغواط–غرداية–المنيعة
وفي ملف السكك الحديدية، شدد الوزير على ضرورة استكمال الإجراءات الضرورية للانطلاق في إنجاز مقطع الأغواط–غرداية–المنيعة، مع تكثيف المتابعة الميدانية لمختلف المشاريع الجاري إنجازها، وضمان احترام الآجال المحددة والمعايير التقنية المعتمدة.
ويُرتقب أن يشكل هذا المشروع حلقة جديدة في مسار توسيع شبكة السكك الحديدية باتجاه جنوب البلاد، بما يسمح بتحسين حركة تنقل المسافرين وتسهيل نقل البضائع، فضلاً عن تعزيز الربط بين المناطق الداخلية والجنوبية والمحاور اللوجستية ومناطق الإنتاج والتوزيع.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب المتعلق بالنقل فقط، إذ يمكن للربط الحديدي أن يؤدي دوراً مهماً في دعم النشاط الاقتصادي والاستثماري بالمناطق التي يمر بها، من خلال تسهيل حركة السلع وتقليص تكاليف النقل وربط المناطق المنتجة بمختلف الأسواق.

الجزائر توسع خطوطها السككية .. مشروع جديد يربط الأغواط بالمنيعة !

تسريع مشاريع الطرق الوطنية

وبالتوازي مع مشروع السكة الحديدية، أسدى وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية تعليمات بتسريع وتيرة إنجاز وتطوير وتوسيع وصيانة عدد من الطرق الوطنية والطرق السيارة، مع إعطاء الأولوية للمقاطع التي تعرف نقاطاً سوداء أو تشهد ضغطاً كبيراً في حركة المرور.
وشملت التعليمات بالخصوص الطرق الوطنية رقم 1 و3 و6، باعتبارها من المحاور الرئيسية التي تضمن الربط بين شمال البلاد وجنوبها، وتساهم في حركة نقل الأشخاص والبضائع والتموين بين مختلف الولايات.
وأكد الوزير في هذا السياق على ضرورة تكثيف المتابعة الميدانية للورشات، والعمل على رفع العراقيل التي قد تؤثر على سير الأشغال، بما يسمح بتحسين جاهزية شبكة الطرق وتعزيز سلامة مستعمليها.

متابعة مشاريع التنمية في الجلفة وتيسمسيلت

كما تطرق الاجتماع إلى المشاريع المدرجة في إطار البرنامج التكميلي للتنمية بولايتَي الجلفة وتيسمسيلت، حيث دعا الوزير إلى رفع وتيرة الإنجاز وتحسين التنسيق بين مختلف المصالح والهيئات المعنية.
وشدد جلاوي على ضرورة إخضاع هذه المشاريع لمتابعة دورية ودقيقة، بهدف ضمان تنفيذها وفق الرزنامة المحددة واستكمالها في الآجال المقررة، خاصة بالنسبة للمشاريع التي ترتبط مباشرة بتحسين البنية التحتية والخدمات المقدمة للمواطنين.
مشاريع لتخفيف الضغط المروري بالعاصمة
وفيما يتعلق بولاية الجزائر، وجّه الوزير تعليمات بتسريع إنجاز المشاريع الرامية إلى تخفيف الضغط المروري، سواء تعلق الأمر بالورشات الجاري تنفيذها أو بالعمليات المبرمجة للانطلاق خلال الفترة المقبلة.
وأكد على ضرورة التركيز على المشاريع ذات الأولوية والتي من شأنها تحسين انسيابية حركة المرور وتسهيل تنقل المواطنين، خصوصاً في المحاور التي تعرف كثافة مرورية مرتفعة.

رقمنة متابعة المشاريع والاستثمارات


ولم يغفل الاجتماع جانب الرقمنة، حيث تم التأكيد على أهمية تطوير آليات رقمية تسمح بمتابعة المشاريع والاستثمارات التابعة للقطاع بشكل أكثر فعالية، وتحسين التنسيق بين مختلف المصالح والمتدخلين.
وتأتي هذه التوجيهات في إطار توجه نحو تعزيز المتابعة الميدانية والرقمية للمشاريع، بما يسمح برصد مدى تقدم الأشغال بشكل مستمر، والتدخل بشكل أسرع لمعالجة التأخر أو الصعوبات التي قد تواجه بعض العمليات.
ويعكس إطلاق التحضيرات لمشروع خط الأغواط–غرداية–المنيعة، بالتوازي مع تسريع مشاريع الطرق الوطنية، توجه السلطات إلى تعزيز شبكة النقل والبنية التحتية باتجاه الجنوب، بما يدعم حركة المواطنين والبضائع ويفتح المجال أمام ديناميكية اقتصادية واستثمارية أكبر في المناطق الداخلية والجنوبية.

#الجزائر#النقل بالسكك الحديدية
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

“كنان الجزائر” تعزز حضورها في غرب إفريقيا بخط بحري

“كنان الجزائر” تعزز حضورها في غرب إفريقيا بخط بحري

بوابة الجزائر الإخبارية: أعلنت شركة “كنان الجزائر”، التابعة للمجمع العمومي للنقل البحري “غاتما” عن برمجة رحلة بحرية منتظمة كل 30 يوماً، تربط الجزائر بموانئ كل من نواكشوط ونواذيبو في موريتانيا، إضافة إلى العاصمة السنغالية داكار.

ويأتي إطلاق هذا الخط البحري في إطار مساعي الشركة لتعزيز المبادلات التجارية بين الجزائر ودول غرب إفريقيا، ودعم حركة التجارة الخارجية عبر تطوير الربط البحري مع الأسواق الإفريقية.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2090328556773466564?s=46

وأكدت “كنان الجزائر” أن هذا الخط المنتظم يندرج ضمن التزامها بتعزيز دور النقل البحري في خدمة التجارة الخارجية، إلى جانب المساهمة في توسيع شبكة الربط البحري بين الجزائر والأسواق الإفريقية.

وفي السياق ذاته، كشفت الشركة أن أسطولها يضم حالياً تسع سفن ترفع العلم الجزائري، من بينها سفينتان مخصصتان لنقل الحاويات، وسبع سفن مخصصة لنقل البضائع العامة.

ويرتقب أن يساهم هذا الخط البحري المنتظم في تسهيل عمليات نقل البضائع وتعزيز انسيابية المبادلات التجارية بين الجزائر وبلدان غرب إفريقيا.

#افريقيا#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد الجزائر تدخل المفاوضات الاقتصادية الدولية من موقع السوق التي تبحث عن التمويل وحده، بل من موقع دولة تملك في 2026 موازنة تقارب 135 مليار دولار، ومشاريع عمومية قيد الإنجاز بنحو 50 مليار دولار، واحتياطات صرف تناهز 72 مليار دولار، بالتوازي مع توسع مشاريع السكك الحديدية والطاقة وتحلية المياه والمناجم والصناعة.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

هذه الكتلة المالية والاستثمارية أعادت صياغة جاذبية الاقتصاد الجزائري ورفعت في الوقت نفسه قيمة ما تستطيع البلاد طلبه مقابل فتح قطاعاتها أمام الشركاء: تمويل أقل كلفة، نقل للتكنولوجيا، نسب إدماج أكبر، توطين للصناعة، تكوين للكفاءات ووصول أفضل للمنتجات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية.

ويظهر التحول بوضوح عند العودة خمس سنوات فقط إلى الوراء. فالدراسة التي نشرتها مبادرة الإصلاح العربي في جانفي 2026 تضع الموازنة عند نحو 65 مليار دولار في 2021، مقابل 135 مليارًا اليوم، أي زيادة اسمية بنحو 70 مليار دولار أو قرابة 108 بالمائة. لكن الرقم الأهم اقتصاديًا لا يتعلق بحجم الإنفاق وحده، وإنما بطبيعة الأصول التي تُبنى به. فالجزائر تموّل في الوقت نفسه شبكات سكك حديدية جديدة، ومشاريع مائية كبرى، وبنية طاقوية وصناعية ومنجمية، وهي استثمارات تتجه في جانب معتبر منها إلى رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد وليس فقط تغطية النفقات الجارية.
ومن هنا تتغير زاوية قراءة الموازنة الجزائرية. فالسؤال لم يعد كم تنفق الدولة، بل كم من هذا الإنفاق سيتحول إلى أطنان إضافية من الحديد والفوسفات، وكيلومترات من السكك، ومياه محلاة، وقدرات صناعية، وصادرات ووظائف. هذه هي الحلقة التي ستحدد القيمة النهائية للطفرة الاستثمارية الحالية، خصوصًا بعد أن سجل القطاع الصناعي العمومي نموًا يقارب 4 بالمائة خلال 2024، في مؤشر أولي على استعادة الصناعة موقعًا أكبر داخل النشاط الاقتصادي.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

من حماية العملة الصعبة إلى بناء قدرة إنتاجية

التحول الحالي لم يبدأ مع موازنة 2026، بل تشكل تدريجيًا منذ الصدمة النفطية في 2014، عندما وجدت الجزائر نفسها أمام ضرورة إعادة النظر في نموذج كان يسمح بتغطية جزء كبير من الطلب الداخلي بواسطة الاستيراد. ومنذ 2015 اتجهت السياسة التجارية نحو تقليص عدد من الواردات الاستهلاكية والصناعية، ثم توسعت لاحقًا قاعدة إحلال المنتج الوطني محل السلعة الأجنبية كلما توفرت قدرة محلية على الإنتاج.

والنتيجة تظهر اليوم في جزء من المؤشرات الخارجية. فقد تراجعت فاتورة الاستيراد، وفق الأرقام التي اعتمدتها الدراسة، إلى نحو 40 مليار دولار، بينما استعادت احتياطات الصرف مستوى يقارب 72 مليار دولار بحلول 2024. وبذلك ربحت الجزائر هامشًا ماليًا يسمح لها بتمويل مشاريع أكبر والحفاظ في الوقت نفسه على حاجز حماية أمام الصدمات الخارجية.

غير أن السياسة نفسها كشفت عن جوانب تحتاج إلى المعالجة، بينها نقص بعض المنتجات في مراحل معينة، ونمو قنوات استيراد غير رسمية، واتساع جزء من التجارة الموازية. والأهم من ذلك أن الاقتصاد غير الرسمي ما يزال يمثل، وفق تقديرات الدراسة، نحو ربع الناتج الداخلي الإجمالي بمعاملات تقترب من 60 مليار دولار.

وهذا الرقم لا يمثل مشكلة فقط، بل احتياطيًا اقتصاديًا ضخمًا إذا نجحت الدولة في إدخاله تدريجيًا إلى القنوات المصرفية والرسمية. فالجزء الذي ينتقل من السيولة خارج البنوك إلى الحسابات والتمويل المنظم يمكن أن يتحول إلى ودائع وقروض واستثمارات وإيرادات جبائية، بما يسمح بتمويل جزء أكبر من التحول الاقتصادي من الداخل بدل الاعتماد المتزايد على الخزينة وحدها.

وتزداد أهمية ذلك في ظل ارتفاع العجز المالي. فالدراسة تضع عجز موازنة 2025 عند نحو 61 مليار دولار، أي قرابة 21 بالمائة من ناتج داخلي إجمالي قدر بنحو 278 مليار دولار، مع توقع ارتفاع حجم الاقتصاد إلى قرابة 308 مليارات دولار في 2027. وإذا تحقق هذا المسار، سيكون الاقتصاد قد أضاف نحو 30 مليار دولار إلى حجمه الاسمي في عامين، لكن الحفاظ على هذا التوسع يتطلب أن تتحول المشاريع الكبيرة سريعًا إلى أصول منتجة وعائدات إضافية.

ولهذا يصبح إشراك القطاع الخاص والشراكة بين القطاعين العام والخاص أحد المسارات التي يمكن أن تخفف الضغط على التمويل العمومي. فليس من الضروري أن تمول الدولة كل طريق أو مصنع أو منشأة لوجستية من الخزينة مباشرة إذا أمكن توزيع التمويل والمخاطر والعائد على مستثمرين قادرين على تنفيذ المشروع وتشغيله ضمن قواعد تحفظ المصلحة الوطنية.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

الجزائر تكبر.. والشركاء يعيدون حساباتهم

كلما توسعت المشاريع الجزائرية، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بمن سينفذها وبأي شروط. وهنا بدأ التغيير الأوضح في العلاقات الاقتصادية الخارجية.

فالجزائر لم تعد تبني علاقتها الدولية حول شريك وحيد. تركيا وسعت استثماراتها ومصالحها إلى نحو 6 مليارات دولار في النسيج والمناجم والزراعة والكيمياء والصيدلة، فيما تمثل المنتجات التركية نحو 7 بالمائة من الواردات الجزائرية.

وقطر دخلت بدورها إلى مشروع الحليب المتكامل بقيمة 3.5 مليارات دولار، وهو استثمار يستهدف إقامة سلسلة زراعية وصناعية في الجنوب بدل استمرار الاعتماد الكبير على استيراد مسحوق الحليب.
هذه المشاريع توضح التحول الذي تريد الجزائر تعميمه في علاقاتها الخارجية: رأس المال الأجنبي يكون أكثر قيمة عندما يبني إنتاجًا داخل البلاد، ويخفض الواردات، ويشغل اليد العاملة وينقل المعرفة، بدل أن تتحول السوق الجزائرية إلى منفذ للمنتج النهائي فقط.
وهذا المنطق نفسه أصبح حاضرًا بقوة في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
فبعد أكثر من عقدين على توقيع اتفاق الشراكة، دخل الملف مرحلة مراجعة، بعدما بدأت المناقشات غير الرسمية في 2022 ثم وافقت بروكسل في مطلع 2025 على فتح مسار المراجعة. الموقف الجزائري يقوم على إعادة التوازن إلى علاقة ظل فيها الاتحاد الأوروبي يستفيد من سوق جزائرية كبيرة بينما بقيت مكاسب الجزائر في الاستثمار الصناعي ونقل التكنولوجيا والصادرات خارج المحروقات دون المستوى المأمول.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!


وكان وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف قد اعتبر أن صيغة الاتفاق السابقة عرقلت تطور الاقتصاد الجزائري ورجحت المصالح الأوروبية، وهو ما يجعل إعادة التفاوض جزءًا من تحول أوسع في السياسة الاقتصادية الخارجية: السوق الجزائرية لها ثمن اقتصادي، والوصول إليها ينبغي أن يقابله استثمار وإنتاج وتكنولوجيا وقيمة مضافة داخل الجزائر.

وقد عززت أزمة الطاقة الأوروبية بعد 2022 هذا الموقع التفاوضي. فمع بحث أوروبا عن بدائل للإمدادات الروسية، ارتفعت أهمية الجزائر باعتبارها مصدرًا قريبًا للغاز يمتلك أنابيب قائمة وبنية تصدير مرتبطة مباشرة بالضفة الشمالية للمتوسط. وسمح ذلك بإعادة تقديم الجزائر داخل الحسابات الأوروبية كدولة تتجاوز صفتها كمورد تقليدي للطاقة إلى شريك يمكن أن يجمع الغاز والاستثمار في الإنتاج والتحول الطاقوي وتقليص انبعاثات الميثان.

وفي الجهة الأخرى من الأطلسي، يتزايد الاهتمام الأمريكي بدوره. فعلاقة الجزائر بالولايات المتحدة تتوسع في الطاقة والزراعة والدفاع، مع عودة أسماء بحجم إكسون موبيل وشيفرون إلى دراسة فرص الاستثمار في المحروقات الجزائرية. كما سبق للسفير الجزائري في واشنطن صبري بوقدوم أن تحدث عن رغبة الجزائر في توسيع العلاقات التجارية والدفاعية والتعامل مع القطاع الخاص الأمريكي، في إطار سياسة تنويع الشركاء من دون التخلي عن استقلالية القرار.

هذه النقطة تحديدًا تمنح الجزائر هامشًا تفاوضيًا نادرًا. فهي تستطيع التفاوض مع الولايات المتحدة في الطاقة والتكنولوجيا، ومع أوروبا في الغاز والصناعة، ومع الصين في البنية التحتية والتصنيع، ومع تركيا وقطر وشركاء آخرين في مشاريع إنتاجية، من دون أن تضطر إلى بناء تحولها الاقتصادي حول محور واحد.

الصين تتقدم.. لكن الجزائر لا تمنح السوق بلا مقابل

ويصبح هذا التوازن أكثر أهمية عند النظر إلى تقرير «إفريقيا في العالم 2043» الصادر عن معهد الدراسات الأمنية الإفريقي، الذي وضع الجزائر ضمن 11 اقتصادًا إفريقيًا رئيسيًا يرتفع فيها النفوذ الصيني بصورة متواصلة. وتضم المجموعة إلى جانب الجزائر نيجيريا ومصر وجنوب إفريقيا والمغرب وإثيوبيا وكينيا وغانا وكوت ديفوار وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

لكن «النفوذ» في منهجية التقرير لا يعني الاستثمار المباشر وحده. فهو يجمع التجارة والعقود والتمويل والبنية التحتية والعلاقات الدبلوماسية والقدرة على التأثير، ولذلك يمكن أن ترتفع حصة الصين في الاقتصاد الجزائري من خلال تنفيذ مشاريع ضخمة ممولة جزائريًا حتى عندما تبقى قيمة استثماراتها المباشرة أقل من الطموحات المعلنة.
وهذا التمييز مهم جدًا بالنسبة إلى الجزائر.

فأن تمول الصين مشروعًا من رأسمالها وتتحمل مخاطره وتوطن إنتاجًا داخل البلاد يختلف عن حصول شركة صينية على عقد لإنجاز مشروع تدفع الجزائر تكلفته. كلاهما يخلق نشاطًا، لكن الأثر طويل الأجل على الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا والمخاطر المالية ليس واحدًا.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة أقل بعدد العقود وأكثر بنوعية شروطها. فالجزائر التي تملك برنامجًا استثماريًا بهذا الحجم تستطيع استخدام المنافسة بين الشركات والدول لرفع نسب الإدماج المحلي، وإلزام المشاريع بالتكوين، وتوطين بعض الصناعات، وزيادة حصة المؤسسات الجزائرية في المناولة.
ويشير تقرير المعهد إلى أن إعادة توزيع النفوذ لا تقتصر على الصين. فقد تراجع النفوذ البريطاني بدرجة لافتة في الاقتصادات الإفريقية التي درسها، بينما ارتفع الحضور الإماراتي بفعل التجارة والانخراط الدبلوماسي ونقل الأسلحة. أما روسيا، فعلى الرغم من توسع حضورها الأمني في عدد من دول القارة، ما تزال قدرتها الاقتصادية أكثر محدودية من الصين والغرب.

ويذهب التقرير أبعد من ذلك عندما يتوقع أن تتجاوز القدرات الصينية نظيرتها الأمريكية في 26 سيناريو من أصل 29 قبل 2060، مع تمركز عدد كبير من سيناريوهات انتقال القوة في بداية الأربعينيات. وبينما تمثل الصين والولايات المتحدة مجتمعتين نحو 43 بالمائة من الاقتصاد العالمي، تصبح الاقتصادات الإفريقية الكبرى ساحات طبيعية للتنافس على الطاقة والمعادن والبنية التحتية والأسواق.
بالنسبة إلى الجزائر، هذه المنافسة ليست تهديدًا بالضرورة. يمكن أن تتحول إلى أصل اقتصادي إذا أدارتها الدولة بصرامة، لأن تعدد العروض يمنحها القدرة على المفاضلة بين التمويل والتكنولوجيا والكلفة ونسبة الإدماج وشروط التصدير.
والجزائر تملك هنا أوراقًا يصعب تجاهلها: مساحة قارية، احتياطيات طاقوية، موارد حديد وفوسفات ومعادن، سوق داخلية كبيرة، بنية تحتية تتوسع، موقع ملاصق لأوروبا وعمق مباشر نحو الساحل وإفريقيا.
كل ذلك يجعل الشريك الأجنبي بحاجة إلى الجزائر بقدر أكبر مما كان عليه قبل سنوات، ويمنح السلطات إمكانية رفع سقف شروطها.

مليار دولار للشركات الناشئة.. والرهان على ما بعد المشاريع العملاقة

لكن بناء اقتصاد أكبر لا يمكن أن يعتمد على الشركات العمومية والمشاريع السيادية وحدها.
فالمعطيات التي أوردتها مبادرة الإصلاح العربي تشير إلى انتقال عدد المؤسسات الناشئة من نحو 200 مؤسسة في 2019 إلى قرابة 700 في 2024، أي نمو بنحو 250 بالمائة، مع تمويلات تقترب من مليار دولار عبر مراحل مختلفة.
والرقم مهم، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التمويل. فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى شركات تحمل صفة «ناشئة»، وإنما إلى مؤسسات تستطيع بيع منتجاتها، والفوز بعقود، والتصدير، والنمو إلى شركات متوسطة ثم كبيرة.
ولهذا تظل البيروقراطية وسرعة دراسة الملفات وإتاحة التمويل والطلب العمومي من أكثر الملفات حساسية. وقد سبق لرئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى أن أشار إلى استمرار تأثير الإجراءات البيروقراطية على الاستثمار رغم الإصلاحات.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

كما يبقى ملف الكفاءات عنصرًا آخر في معادلة التحول. وتنقل الدراسة تقديرًا يصل إلى نحو 500 ألف طبيب ومهندس وباحث وعالم غادروا الجزائر، وتطرح تقديرًا بحثيًا لكلفة تراكمية لهجرة الأدمغة بنحو 465 مليار دولار. وهذا الرقم الأخير لا يمثل خسارة نقدية مثبتة في الحسابات الوطنية، لكنه يعطي فكرة عن حجم القيمة التي يمكن أن تخسرها أي دولة عندما تمول التعليم والتكوين ثم تنتقل الكفاءات إلى اقتصادات أخرى.
ولهذا فإن أكبر استثمار يمكن أن تحققه الجزائر لا يقتصر على السكك أو المصانع أو الموانئ، بل يشمل خلق اقتصاد يجعل المهندس والطبيب والباحث والمقاول يجد داخل البلاد سوقًا وفرصة ودخلًا ومسارًا مهنيًا قادرًا على المنافسة.

واشنطن تفتح ملف الشفافية.. والجزائر أمام تحدي جودة الإنفاق

وسط هذه الصورة الإيجابية، يبقى أحد الملفات التي يمكن أن ترفع قوة الموقع الجزائري أكثر مرتبطًا بالشفافية المالية وجودة البيانات.
ففي تقرير الشفافية المالية لسنة 2026 الصادر في 11 أوت، راجعت وزارة الخارجية الأمريكية أداء 140 حكومة وجهة خلال 2025، واعتبرت أن 73 منها استوفت الحد الأدنى لمتطلباتها، مقابل 67 لم تستوفه. وصُنفت الجزائر ضمن المجموعة الثانية، ومن دون تسجيل «تقدم ملحوظ» وفق المنهجية الأمريكية خلال فترة التقييم.
لكن من الخطأ تحويل هذه النتيجة إلى «تصنيف فساد».
فالتقرير يقيس نشر الميزانيات والديون والرقابة على الأموال العمومية واستقلال أجهزة التدقيق والمشتريات وعقود استخراج الموارد، ولا يقول إن عدم استيفاء المعايير يثبت وجود فساد. كما أن الصفحة التفصيلية الخاصة بالجزائر كانت تواجه عطلًا تقنيًا عند مراجعتها، ما يمنع تحديد النقائص الجزائرية بندًا بندًا استنادًا إلى التقرير العام وحده.
ومع ذلك، فإن تحسين الإفصاح يمثل مصلحة جزائرية قبل أن يكون مطلبًا أمريكيًا.
فكلما ارتفع حجم الموازنة والاستثمار العمومي، ازدادت أهمية نشر بيانات تسمح بقياس كلفة المشروع ونسبة الإنجاز والعائد والوظائف والقيمة المضافة. وإذا كانت الجزائر تنفق عشرات المليارات على التحول الاقتصادي، فإن قوة إنجازاتها تصبح أكبر عندما تستطيع الدولة إثبات أثر كل دينار منها بأرقام واضحة.
وهذا لا يخدم الخارج فقط، بل يحسن القرار الداخلي نفسه ويزيد ثقة المستثمر الجزائري والأجنبي ويصعب إهدار الموارد أو تأخر المشاريع.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!

الجزائر في موقع الاختيار

عند جمع هذه المؤشرات، تظهر صورة مختلفة تمامًا عن الاقتصاد الجزائري الذي كان قبل عقد منشغلًا أساسًا بالدفاع عن احتياطاته بعد انهيار أسعار النفط.
اليوم هناك 135 مليار دولار موازنة.
هناك نحو 50 مليار دولار من المشاريع العمومية الكبرى.
هناك 72 مليار دولار من احتياطات الصرف وفق الأرقام التي اعتمدتها الدراسة.
وهناك اقتصاد قد يرتفع حجمه من 278 مليار دولار إلى نحو 308 مليارات دولار بحلول 2027.
وفي الخارج، تتنافس الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر وغيرهم على قطاعات مختلفة داخل السوق نفسها.
هذا المزيج يمنح الجزائر فرصة نادرة لإعادة تعريف علاقتها برأس المال الأجنبي.

الجزائر تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى!


فالهدف لم يعد الحصول على الاستثمار في حد ذاته، وإنما الحصول على الاستثمار الذي يخدم الخطة الجزائرية: مشروع ينتج بدل أن يستورد، يصدر بدل أن يستهلك العملة الصعبة، يوطن التكنولوجيا بدل الاكتفاء بشرائها، ويكوّن اليد العاملة الجزائرية بدل إبقاء المعرفة خارج الحدود.
وهذه هي النقلة الحقيقية التي ستحدد قيمة المرحلة الحالية.
فإذا تحولت السكك الجديدة إلى ممرات للمعادن والصادرات، ومشاريع المناجم إلى صناعات تحويلية، واستثمارات الطاقة إلى عقود تصدير وقيمة محلية، والمشاريع الزراعية إلى إحلال للواردات، والمؤسسات الناشئة إلى شركات قابلة للنمو، فإن الإنفاق الكبير الذي تسجله الجزائر اليوم سيكون قد أعاد تشكيل القاعدة الاقتصادية لسنوات مقبلة.
أما إذا بقي جزء كبير منه مجرد تكلفة مالية، فسيصبح اتساع الموازنة عبئًا بدل أن يكون رافعة.
ولهذا تبدو المنافسة الدولية على الجزائر فرصة أكثر مما هي مجرد سباق نفوذ. فوجود عدة قوى تبحث عن موقع داخل اقتصاد واحد يمنح الجزائر القدرة على المقارنة والاختيار والتفاوض، شرط أن تستخدم السوق والموارد والموقع الجغرافي للحصول على أكبر قدر ممكن من القيمة داخل البلاد.
وهنا تكمن ميزة اللحظة الحالية: الجزائر لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين الصين وأمريكا وأوروبا، بل تستطيع أن تجعل كل طرف يقدم ما يخدم أولوياتها، فيما يبقى القرار الاقتصادي جزائريًا والمصلحة الوطنية هي معيار الشراكة.
وبذلك لا تدخل الجزائر التحول العالمي كمتفرج على انتقال القوة بين الشرق والغرب، وإنما كاقتصاد إفريقي كبير تتقاطع عنده الطاقة والمعادن والبنية التحتية والأسواق، وتملك الدولة داخله قدرة مالية واستثمارية متزايدة. والرهان الآن هو تحويل هذه الأوراق من قوة تفاوضية إلى مصانع وصادرات وتكنولوجيا ووظائف، بحيث يصبح اتساع الاهتمام الدولي بالجزائر قيمة تُصنع داخل الاقتصاد الوطني، لا نفوذًا يُمارس عليه من الخارج.

#الاقتصاد#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

بوابة الجزائر الإخبارية: بينما تستعد المغرب لتقديم نفسها للعالم بصورة الدولة الحديثة القادرة على تنظيم أكبر تظاهرة كروية عالمية، تكشف تقارير إعلامية عن وجه آخر للاستعدادات لمونديال 2030، وجه ترتبط فيه مشاريع التحديث العمراني بمعاناة أسر مغربية تجد نفسها أمام خطر فقدان مساكنها ومحيطها الاجتماعي.

https://twitter.com/algatedz/status/2090042830227922998?s=46

ففي تحقيق نشرته صحيفة «دي ستاندارد» البلجيكية يوم 13 أوت 2026، جرى الحديث عن هدم مئات المباني خلال السنة الأخيرة، خصوصا في الرباط، في سياق مشاريع لإعادة تشكيل المجال العمراني واستغلال الأراضي لمشاريع جديدة مرتبطة، بحسب التحقيق، بالتحضيرات والاستثمارات التي ترافق تنظيم كأس العالم.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجا للسلطات المغربية: أي صورة يريد المغرب أن يعرضها على العالم في 2030، إذا كانت بعض الأسر تدفع ثمن هذه الصورة من مساكنها واستقرارها؟

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

فالسلطات التي تنفق وتخطط لإنجاز منشآت ضخمة ومشاريع سياحية وعمرانية يفترض أن تضع المواطن في قلب هذه العملية، لا أن تجعل تحسين الواجهة العمرانية أولوية تتقدم على حماية الأسر المتضررة وضمان حقوقها.

المشكلة الأكبر في هذه القضية هي في الطريقة التي تتم بها هذه التحولات عندما يصبح المواطن الحلقة الأضعف، ويجد نفسه في مواجهة الجرافات والقرارات الإدارية بحثا عن بديل لمسكن عاش فيه سنوات طويلة.

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

وفي بلد يراهن على المونديال لتقديم صورة مزدهرة وحديثة، تبدو المفارقة قاسية: ملاعب تُبنى لاستقبال العالم، بينما أسر تخشى أن تفقد بيوتها؛ وفنادق ومشاريع استثمارية تتوسع، بينما مواطنون يتساءلون عن مصيرهم ومكانهم في هذه التنمية.

وهذا يفتح الباب أمام انتقادات أوسع لطريقة إدارة الأولويات داخل المغرب. فالتنمية لا يمكن اختزالها في الإسمنت والمشاريع الكبرى والصور الرسمية، ولا يمكن اعتبار الدولة ناجحة لمجرد أنها قادرة على بناء منشآت ضخمة، بينما تبقى ملفات اجتماعية واقتصادية ضاغطة تنتظر حلولا حقيقية.

وإذا كانت السلطات المغربية تريد تحويل مونديال 2030 إلى واجهة لإنجازاتها، فإن عليها أولا أن تجيب عن الأسئلة التي تطرحها التقارير الحقوقية والإعلامية بشأن الأسر المتضررة: أين ستعيش؟ وما حجم التعويضات التي حصلت عليها؟ وهل كانت عمليات الإجلاء تتم وفق ضمانات قانونية واجتماعية كافية؟

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المونديال من فرصة لتحسين حياة المغاربة إلى مشروع لتحسين صورة المغرب فقط. فالدولة التي تريد إقناع العالم بأنها حديثة ومتطورة مطالبة بأن تثبت ذلك أولا في تعاملها مع مواطنيها، خصوصا الفئات الأكثر هشاشة.

وفي النهاية، لا يحتاج المغرب إلى واجهات جميلة فقط حتى يبدو ناجحا أمام العالم؛ بل يحتاج إلى معالجة الاختلالات الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية التي يعيشها المواطنون. فإذا كانت صورة المغرب في 2030 ستُبنى على ملاعب فخمة وشوارع حديثة، والسؤال الذي يطرح : أين مكان المواطن في هذه الصورة؟ وهل تُبنى التنمية من أجله، أم يُطلب منه فقط أن يدفع ثمنها

مونديال 2030.. ستار نظام المخزن لهدم البيوت وتشريد المغاربة!
#المغرب#مونديال 2030
شارك المقال
الكاتب(ة)