الأحد, 18 أكتوبر 2026 • 23:16 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
الجزائر في عهد تبون عازمة على استعادة نفوذها الإقليمي والدولي بعد عقود من الغياب! الجزائر تتحرك لضبط الأسواق وتسريع الاستثمار.. قرارات رئاسية تشمل اللحوم والفوسفات والمياه المغرب لا يبلغ 60% من حجم اقتصاد الجزائر.. توقعات 2026 تكشف فارقًا بـ136 مليار دولار بأمر من الرئيس تبون.. التحقيق يطال هؤلاء المستوردين! ‏الرئيس الجزائري يأمر الحكومة بالتنفيذ الفوري لسبعة تدابير لضبط الأسعار ..إليكم الأوامر الرئاسية الجزائر ترفع صوتها من بغداد.. تحرك إسلامي عاجل لدعم فلسطين ومواجهة الأزمات الإقليمية ! الرئيس الجزائري يأمر بفتح تحقيق في الفارق بين أسعار اللحوم المستوردة! انتخابات جنوب السودان 2026: بوابة الاستقرار أم شرارة الانقسام تواصل فعاليات معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في دورته الثالثة في العاصمة الليبية ​بورصة الجزائر والتمويل الأخضر..قراءة في أبعاد النظام رقم 26-01 وآفقه الدولية
شارك المقال

ديناميكية متسارعة لاستكمال مشروع “الخط المنجمي الشرقي” بالجزائر.. اللمسات الأخيرة لمقطع الدريعة-واد الكبريت

• الكاتب(ة): لخلف أمينة • 0 تعليق • 90 مشاهدة
ديناميكية متسارعة لاستكمال مشروع “الخط المنجمي الشرقي” بالجزائر.. اللمسات الأخيرة لمقطع الدريعة-واد الكبريت

بوابة الجزائر الإخبارية : على مستوى ولاية سوق أهراس شرق الجزائر، تتواصل اللمسات الأخيرة لإنجاز المقطع الرابط بين الدريعة_واد_الكبريت على مسافة 30 كلم، وهو أحد المقاطع الهامة من مشروع الخط المنجمي الشرقي الرابط بين ميناء عنابة ومناجم الفوسفات بكل من بلاد الحدبة وجبل العنق وذلك وفقا لما أوردته وزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية.

https://twitter.com/AlgeriaGatePlus/status/2091208347089314106

الأشغال تشهد تقدماً ملحوظا لاسيما في مجال وضع وتثبيت وتسوية السكة الحديدية، وذلك بعد استكمال أشغال إنجاز المنشآت الفنية المرتبطة بالمسار، بما يمهّد لاستكمال هذا المقطع ودخوله مرحلة متقدمة من الجاهزية.

وفي هذا السياق، تتواصل مختلف العمليات التقنية بوتيرة متقدمة، بما يسمح باستكمال ما تبقى من أشغال السكة والتهيئة النهائية للمسار، تمهيداً للربط التدريجي لهذا المقطع بباقي أجزاء الخط المنجمي الشرقي.

ويكتسي هذا المقطع أهمية خاصة ضمن المنظومة الإجمالية للمشروع، باعتباره جزءاً من محور استراتيجي يربط مناطق إنتاج الفوسفات بميناء عنابة، بما يعزز قدرات نقل هذه الثروة المنجمية ويدعم جاهزية البنية التحتية المرافقة لمشروع الفوسفات المدمج.

شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

بوابة الجزائر الاخبارية: تصدرت الجزائر الدول العربية في إنتاج البطيخ الأحمر خلال عام 2024، بإنتاج بلغ نحو 2.52 مليون طن، لتحتل بذلك المرتبة الرابعة عالميا بعد الصين والهند وتركيا، وفق أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو».

وتعكس هذه الأرقام المكانة المتقدمة التي باتت تحظى بها الجزائر على خريطة إنتاج البطيخ عالميا، بعدما نجحت في الانضمام إلى قائمة كبار المنتجين، متقدمة على دول ذات حضور زراعي بارز، من بينها البرازيل وروسيا وأوزبكستان والولايات المتحدة.

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

الجزائر رابع أكبر منتج عالميا

بلغ الإنتاج العالمي من البطيخ خلال عام 2024 نحو 104.96 ملايين طن، بزيادة قدرها 0.5% مقارنة بعام 2023.

وحافظت الصين على صدارة الإنتاج العالمي بفارق كبير، إذ بلغ إنتاجها نحو 63.51 مليون طن، أي ما يزيد على 60% من إجمالي الإنتاج العالمي.

و جاءت الهند في المركز الثاني عالميًا بإنتاج بلغ نحو 3.72 ملايين طن، تلتها تركيا بـ3.2 ملايين طن، ثم الجزائر بـ2.52 مليون طن.

وبذلك، جاءت الجزائر في موقع متقدم ضمن كبار المنتجين عالميًا، متفوقة على البرازيل التي سجلت نحو 1.98 مليون طن، وروسيا بـ1.94 مليون طن، وأوزبكستان بـ1.73 مليون طن، والولايات المتحدة بـ1.68 مليون طن.وجاءت السنغال وإيران في المركزين التاسع والعاشر عالميًا، بإنتاج بلغ نحو 1.36 مليون طن و1.28 مليون طن على التوالي.

وبلغ مجموع إنتاج الدول العشر الأولى نحو 82.92 مليون طن، بما يعادل قرابة 79% من الإنتاج العالمي، وهو ما يعكس التركّز الكبير لإنتاج البطيخ في عدد محدود من الدول.

الجزائر.. رابع أكبر منتج للبطيخ في العالم

صدارة عربية بفارق واسع

وعلى المستوى العربي، تبدو الهيمنة الجزائرية أكثر وضوحًا، إذ تصدرت البلاد قائمة المنتجين بفارق كبير عن أقرب منافسيها.وسجلت الجزائر إنتاجًا قدره 2.52 مليون طن، وهو حجم يتجاوز مجموع إنتاج مصر والسعودية وتونس والمغرب مجتمعة، ما يمنحها موقعًا مهيمنًا في سوق إنتاج البطيخ عربيًا.وجاءت مصر في المرتبة الثانية عربيًا بإنتاج بلغ نحو 712.5 ألف طن، تلتها السعودية بنحو 608.5 آلاف طن، ثم تونس بـ504.1 آلاف طن، والمغرب بـ339.5 ألف طن.كما ضمت قائمة أبرز المنتجين العرب العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان، بإنتاجات تراوحت بين نحو 285.9 ألف طن للعراق و173.5 ألف طن للسودان .

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر ضيف شرف AGRA 2026.. بوابة جديدة للمنتجات الجزائرية نحو الأسواق الأوروبية

الجزائر ضيف شرف AGRA 2026.. بوابة جديدة للمنتجات الجزائرية نحو الأسواق الأوروبية

بقلم: شروق نصايب

بوابة الجزائر الإخبارية: شارك وزير التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية كمال بداري، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في فعاليات معرض AGRA 2026 بمدينة غورنيا رادغونا في سلوفينيا، حيث تحظى الجزائر بصفة ضيف شرف في هذا الحدث الدولي المتخصص في الفلاحة والصناعات الغذائية.

وتندرج المشاركة الجزائرية في إطار التعريف بالقدرات الفلاحية والغذائية الوطنية، وإبراز تنوع وجودة المنتجات الجزائرية، إلى جانب تثمين الإمكانات التي تزخر بها البلاد في هذا المجال.

https://twitter.com/algatedz/status/2091116802403090891

كما تشكل هذه المشاركة فرصة لتعزيز حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الأوروبية والبلقانية، وفتح آفاق جديدة للشراكة والتعاون بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين والسلوفينيين، بما يساهم في تطوير المبادلات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.

وتؤكد المشاركة الجزائرية في معرض AGRA 2026 حرص الجزائر على تعميق علاقات التعاون والشراكة مع جمهورية سلوفينيا، وتوسيع مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية.

#الجزائر#سلوفينيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

بوابة الجزائر الإخبارية: قبل أن تصف Financial Times التمدد الإماراتي في إفريقيا بأنه اندفاعة ذات طابع «إمبراطوري»، وقبل أن تتعقب Human Rights Watch مرتزقة كولومبيين عبر منشآت عسكرية في الإمارات إلى السودان، وقبل أن تكشف رويترز أن فدية بقيمة 50 مليون دولار موّلت هجومًا لتنظيم القاعدة في مالي وأن ثلاثة مصادر إقليمية نسبت دفعها إلى الإمارات، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد اختصر في مارس 2024 خريطة الخطر في ثلاث دول بالاسم: مالي وليبيا والسودان.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

لم تكن عبارته آنذاك عامة. قال إن أموال دولة عربية لم يسمها توجد «في كل الأماكن التي فيها تناحر»، ثم عدد مالي وليبيا والسودان، قبل أن يحذر من محاولة التعامل مع الجزائر بالطريقة نفسها ويعلن أن «للصبر حدودًا». وبعد أكثر من عامين، تبدو أهمية ذلك التصريح أقل في حدته اللفظية وأكثر في دقة الجغرافيا التي اختارها الرئيس؛ فالساحات الثلاث التي حددها تحولت تباعًا إلى موضوع تقارير أممية وتحقيقات دولية في السلاح والذهب والمرتزقة والتمويل وشبكات النفوذ المرتبطة بالإمارات.

هذا لا يعني أن التحقيقات أثبتت أن كل اتهام جزائري كان صحيحًا، ولا أن الرئيس سمّى الإمارات رسميًا في كل تلك المناسبات؛ في الواقع، حافظ تبون طويلًا على عدم ذكرها بالاسم، رغم أن السياق وردود الفعل الإماراتية والقرارات الجزائرية اللاحقة لم تترك مجالًا واسعًا للالتباس. لكن وضع التصريحات على خط زمني واحد، ثم إسقاط ما تكشف لاحقًا من أدلة وتحقيقات فوقه، يُظهر أن الجزائر كانت تقرأ مبكرًا نمطًا وليس حادثة منفردة: رأس مال ضخم يتحرك خارج الحدود، موانئ وأصول استراتيجية، علاقات مع أطراف مسلحة، وأدوات أمنية ومالية تتجاوز بكثير مفهوم الاستثمار التقليدي.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

يناير 2024.. الإنذار خرج أولًا من مجلس الأمن الأعلى

البداية الرسمية لم تكن تصريحًا فرديًا من الرئيس. ففي 10 جانفي 2024، ترأس عبد المجيد تبون اجتماعًا للمجلس الأعلى للأمن خُصص للوضع الداخلي والتطورات الأمنية في الجوار والساحل، وانتهى البيان إلى التعبير عن الأسف إزاء «تصرفات عدائية» صادرة عن «بلد عربي شقيق» تجاه الجزائر، من دون تسمية ذلك البلد. وسائل الإعلام والمراقبون ربطوا الإشارة مباشرة بالإمارات. ولذلك ينبغي تسجيل هذه المحطة بصفتها أول إنذار مؤسساتي لا تصريحًا شخصيًا لتبون ضد أبوظبي.

كانت المنطقة في ذلك الوقت تتغير بسرعة. مالي أنهت عمليًا مسار اتفاق الجزائر، ليبيا بقيت منقسمة بين سلطات ومراكز قوة متنافسة، والسودان دخل منذ أفريل 2023 حربًا مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع. وفي الخلفية، كان الدعم الإماراتي السابق لمعسكر خليفة حفتر في ليبيا موثقًا منذ سنوات؛ فقد نقلت Human Rights Watch عن تقرير خبراء أمميين أن الإمارات كانت من الأطراف التي خرقت حظر السلاح الليبي، فيما وثق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية جسرًا جويًا إماراتيًا كبيرًا خلال حملة غرب ليبيا في 2020.

بذلك لم يكن القلق الجزائري منفصلًا عن وقائع المنطقة. الجزائر، التي تعتبر انهيار الدولة في ليبيا أو الساحل تهديدًا مباشرًا لحدودها، كانت ترى أن دخول قوى مالية وعسكرية خارجية إلى هذه الساحات يغيّر التوازنات المحيطة بها.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

مارس 2024.. تبون يرسم الخريطة: مالي، ليبيا، السودان

جاء التحول الحقيقي مساء 30 مارس 2024، عندما تحدث تبون للمرة الأولى علنًا وبالتفصيل عن الأزمة مع الدولة الخليجية المقصودة، مع الاستمرار في عدم تسميتها.

بدأ بنبرة أبقت الباب الدبلوماسي مفتوحًا، فقال إن الجزائر لا تستخدم العنف اللفظي وإنها ما تزال تعتبر الطرف الآخر «أشقاء»، لكنه انتقل سريعًا إلى الاتهام، فوصف التصرفات بأنها غير منطقية وربطها بـ«الغرور» وعدم تقبل أن ترفض الجزائر بعض الطلبات. ثم وضع خطًا أحمر: الجزائر «لا تنحني»، ومن يعتقد أنه يستطيع التعامل معها كما يتعامل مع دول أخرى «يخطئ».

غير أن العبارة الأكثر أهمية جاءت عندما قال: «في كل مكان يوجد فيه صراع، نجد أموال هذه الدولة: في مالي، في ليبيا، في السودان»، ثم ختم بأن الجزائر تريد التعايش السلمي لكن «للصبر حدودًا».

هذه الجملة هي مفتاح قراءة كل ما حدث بعد ذلك. فالرئيس لم يقل إن هناك خلافًا تجاريًا بين الجزائر والإمارات، ولم يركز على استثمار بعينه. وضع المال في صلب اقتصاد النزاعات: من يمول؟ من يتحالف مع من؟ من يستطيع عبر موارده المالية إعادة تشكيل التوازن داخل دولة ضعيفة؟

وكان الرد الإماراتي غير المباشر سريعًا. ففي 2 أفريل، كتب المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش عن «دولة شقيقة بعيدة» تستخدم التلميح والغمز تجاه الإمارات، وقال إن أبوظبي ستختار عدم الرد والصبر. وعلى الرغم من أن الطرفين حافظا على عدم تسمية بعضهما مباشرة، فقد أكد الرد عمليًا أن الرسالة فُهمت في أبوظبي باعتبارها موجهة إليها.

ثم بدأت الوقائع الدولية تضيف طبقات إلى التحذير الجزائري. بعد شهرين فقط، في ماي 2024، خلص تحقيق واسع لـSWISSAID إلى أن 435 طنًا من الذهب بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار خرجت من إفريقيا بصورة غير معلنة في 2022، وأن الإمارات كانت الوجهة الرئيسية، مستقبلة نحو 405 أطنان. وخلال العقد السابق، تجاوز الذهب الإفريقي غير المسجل في صادرات دول المنشأ الذي ظهر في واردات الإمارات 2500 طن بقيمة تفوق 115 مليار دولار. وردت أبوظبي بأنها شددت التشريعات والرقابة ولا يمكن تحميلها مسؤولية سجلات التصدير لدى الدول الأخرى.

هذه لم تكن بعد إجابة مباشرة عن مالي أو ليبيا أو السودان، لكنها كشفت البنية المالية الأوسع: دبي لم تعد فقط سوقًا للذهب، بل أصبحت ممرًا مركزيًا لثروة إفريقية يتسرب جانب ضخم منها خارج السجلات الرسمية لبلدانها الأصلية.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

2025.. من التحذير من دولة إلى التحذير من نموذج تدخل

بحلول أكتوبر 2025، أصبح خطاب تبون أكثر تحديدًا في الداخل الجزائري. ففي كلمة خلال زيارته إلى وزارة الدفاع، قال إن علاقات الجزائر جيدة مع دول الخليج «باستثناء دولة واحدة» رفض ذكر اسمها، ثم ربط المشكلة بالتدخل في الشؤون الداخلية ومحاولة «الخراب في بيتي» في مسائل قال إن الجزائر لم تسمح حتى لقوى كبرى بالتدخل فيها.

هنا تطورت الرسالة من اتهام تلك الدولة بالتدخل في صراعات الجوار إلى اتهامها بمحاولة نقل منطق التدخل إلى الداخل الجزائري نفسه.

وبعد شهر، في 11 نوفمبر 2025، استخدم تبون أثناء استقباله الرئيس الصومالي لغة أقل تلميحًا في الملف السوداني، فاعتبر أن السودان يعيش مأساة حقيقية بسبب «تدخلات سافرة تؤجج الفتنة»، ودعا إلى وقف تدخلات وصفها بأنها وخيمة العواقب ومتجاوزة لقواعد التعاون العربي والإفريقي. لم يسم الإمارات في ذلك التصريح أيضًا، لكن السياق أصبح أثقل بعدما كانت تقارير دولية قد بدأت تربط أبوظبي بصورة متزايدة بقوات الدعم السريع.

وبالفعل، كانت منظمة العفو الدولية قد وثقت في جويلية 2024 أسلحة ومعدات حديثة من عدة دول، بينها الإمارات، داخل حرب السودان. ثم رفعت المنظمة مستوى اتهامها في 8 ماي 2025 بعدما حللت ذخائر وقنابل موجهة ومدافع صينية، وخلصت إلى أن أسلحة متطورة «من شبه المؤكد» أنها أعيد تصديرها من الإمارات إلى قوات الدعم السريع، معتبرة ذلك خرقًا لحظر السلاح في دارفور. أبوظبي ظلت تنفي دعم أي طرف في الحرب.

أما القضية التي رفعها السودان ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، فتم شطبها في ماي 2025 لأن المحكمة لا تملك الاختصاص بسبب تحفظ إماراتي على بند الاختصاص في اتفاقية الإبادة الجماعية. وهذه نقطة حاسمة مهنيًا: المحكمة لم تبرئ الإمارات من الوقائع ولم تثبتها؛ قالت صراحة إنها غير قادرة على النظر في جوهر الاتهامات.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

ديسمبر 2025.. تونس تدخل دائرة الأمن الوطني الجزائري

في 30 ديسمبر 2025، توسع التصور الرئاسي من حماية الجزائر إلى حماية المجال الأمني المحيط بها. أمام البرلمان، حذر تبون من محاولات إثارة الاضطراب والفصل بين الجزائر وتونس، وأعاد التأكيد أن أمن البلدين مترابط وأن الجزائر نفسها لا تتدخل ولو «مثقال ذرة» في الشأن الداخلي التونسي.

لم يسم الرئيس الإمارات في هذا الموضع، ولذلك لا يصح إدراجه كاتهام مباشر لأبوظبي. لكنه مهم في الكرونولوجيا لأنه يوضح العقيدة التي كان يبني عليها خطابه: عدم التدخل ليس شعارًا تستعمله الجزائر ضد خصم بعينه، وإنما مبدأ تعتبره جزءًا من أمنها الإقليمي.

وبذلك صار الاصطدام مع أبوظبي أكثر وضوحًا. الجزائر ترى استقرار الدولة المجاورة أصلًا استراتيجيًا، بينما كانت تشك في شبكات خارجية تستخدم المال والتحالفات المحلية لتعديل موازين تلك الدول.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

فيفري 2026.. الاتهام ينتقل إلى الانتخابات والمال الاستثماري

في 7 فيفري 2026، انتقل تبون إلى مستوى غير مسبوق. خلال لقائه الدوري مع الصحافة، استعرض علاقات الجزائر الوثيقة مع السعودية والكويت وقطر ومصر، ثم قال إن هناك «دولة، حتى لا أقول دويلة» تختلف عنها الجزائر، واتهمها لأول مرة علنًا بمحاولة التدخل في الانتخابات الجزائرية، قائلاً إنها تدخلت في «الانتخابات الأولى ثم الثانية» وفي ملفات أخرى.

ثم فتح ملفًا اقتصاديًا أكثر حساسية: الاستثمار والتحكيم الدولي. فقد قال إن الطرف المقصود يهدد الجزائر بالتحكيم بسبب استثماراته، ورد بأن عليه الذهاب إلى التحكيم، قبل أن يختم بتحذير شديد: «لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه».

هذه اللحظة مهمة لأنها تكشف أن تصور تبون للخطر لم يعد محصورًا في تمويل النزاعات المسلحة. وفق الخطاب الرئاسي، باتت المسألة تشمل ثلاث أدوات مختلفة: التدخل السياسي، رأس المال، والضغط القانوني الدولي.

وفي اليوم نفسه تقريبًا انتقلت الجزائر من الكلام إلى الإجراء، وشرعت في إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013، مع إخطار الجانب الإماراتي ومنظمة الطيران المدني الدولي وفق الآليات القانونية. وأكدت رويترز القرار، مشيرة إلى أن تبون كان قد اتهم الدولة المقصودة بالتدخل وزعزعة الاستقرار.

هذا التزامن يعطي خطاب فيفري قيمة مختلفة عن تصريحات 2024: الجزائر أصبحت مستعدة لخفض امتيازات اقتصادية ثنائية عندما تعتبر أن كلفة العلاقة السياسية والأمنية تجاوزت فائدتها.

جويلية 2026.. أقسى عبارة: «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»

بلغ التصعيد ذروته في المقابلة الرئاسية التي بثت في 27 جويلية 2026.

هذه المرة وصف تبون الطرف المقصود بأنه «دولة صغيرة» ذات أثر «سلبي جدًا»، ثم أطلق العبارة الأكثر حدة في كل الكرونولوجيا: «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»، مضيفًا أن الجزائر تملك أدلة ولا تتحدث من فراغ.

ثم شرح سبب عدم قطع العلاقات بالكامل، قائلاً إن العالم العربي يعاني أصلًا انقسامات كثيرة وإن الجزائر لا تريد زيادتها، مضيفًا أنه لولا ذلك لقطعت العلاقات منذ زمن مع «هذه الدويلة» التي قال إنه لا يصدر عنها سوى «الإذلال والفتنة». وفي السياق نفسه، ربط أمن تونس مباشرة بأمن الجزائر وحذر من محاولات عزلها أو إدخال الإرهاب إليها.

يمكن قراءة هذه المرحلة بسهولة باعتبارها مجرد انفجار لغوي في أزمة دبلوماسية. لكن التوقيت يجعل القراءة أكثر تعقيدًا، لأن الأشهر والأسابيع السابقة واللاحقة حملت تحقيقات يصعب فصلها عن المفردات التي استخدمها الرئيس.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

ثم جاءت الوثائق: المرتزقة والسلاح ومسارات السودان

في ماي 2026، نشرت Human Rights Watch تحقيقًا موسعًا حول الكولومبيين الذين يقاتلون مع قوات الدعم السريع. وبحسب المنظمة، جرى تدريب مئات المتعاقدين على أيدي إماراتيين في منشآت عسكرية داخل الإمارات قبل إرسالهم إلى السودان، وظهرت شركة Global Security Services Group، ومقرها أبوظبي، في عملية التجنيد. الإمارات نفت ذلك بصورة صريحة وقالت إنها لا تسمح باستخدام أراضيها لتجنيد أو تدريب أو تمويل أو عبور مقاتلين إلى النزاعات الخارجية.

ثم جاءت Financial Times في أوت 2026 لتوسع الصورة بصورة كبيرة، مقدرة عدد الكولومبيين الذين وصلوا إلى السودان بنحو 2000 مقاتل، بعد تحليل شهادات ومسارات سفر وبيانات أجهزة ومواقع لوجستية عبر الإمارات وليبيا وبوصاصو في الصومال وتشاد. بعض هؤلاء تلقى، وفق التحقيق، تدريبًا على الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.

قبلها، كانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت في ديسمبر 2025 عقوبات على شبكة تجنيد كولومبية وفرت لقوات الدعم السريع مقاتلين ومدربين ومشغلي طائرات مسيرة ومدفعية، وحددت ضابطًا كولومبيًا متقاعدًا مقيمًا في الإمارات كعنصر مركزي. لكنها لم تنسب الشبكة رسميًا إلى الحكومة الإماراتية، وهو فارق يجب الحفاظ عليه.

وقبل المرتزقة، كان هناك مسار جوي آخر. فقد تتبعت رويترز في ديسمبر 2024 عشرات الرحلات من الإمارات إلى مطار أم جرس في تشاد، وهو خط قالت مصادر أممية ودبلوماسية إنه يثير شبهات بشأن إمداد قوات الدعم السريع، فيما أكدت الإمارات أن الرحلات إنسانية.

لذلك، عندما قال تبون في جويلية 2026 إن «حيث يضعون أقدامهم يسيل الدم»، كانت أمامه بالفعل سنوات من الاتهامات الدولية المتراكمة؛ وما حدث بعد ذلك هو أن التحقيقات أصبحت أكثر تفصيلًا وأقرب إلى شبكات الأفراد والشركات ومسارات الحركة.

“أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم”.. تحقيقات دولية تتبنى تحذيرات تبون من سياسات الإمارات التخريبية

مالي.. أخطر تقاطع مع تصريح مارس 2024

لكن أقوى اختبار لفكرة «الاستشراف» ربما لا يوجد في السودان، بل في مالي. في مارس 2024 وضع تبون مالي في أول قائمة الدول التي قال إن أموال الدولة التي يحذر منها توجد في نزاعاتها.

وفي أوت 2026، كشف تقرير لفريق خبراء يتابع القاعدة وتنظيم الدولة لحساب مجلس الأمن أن فدية بنحو 50 مليون دولار دفعت في أواخر 2025 لتحرير رهينة أسهمت بصورة رئيسية في تمويل هجوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، وذهب جزء منها إلى قيادة القاعدة وفروع أخرى. التقرير الأممي نفسه لم يسم الرهينة ولا الجهة التي دفعت المال. لكن ثلاثة مصادر إقليمية قالت لرويترز إن الدولة التي دفعت الفدية هي الإمارات، وإن مواطنًا إماراتيًا كان بين المفرج عنهم. أبوظبي لم تؤكد أو تنفِ الواقعة المحددة، وقالت إنها ثابتة في مكافحة الإرهاب وقطع تمويله.

وتتضاعف دلالة الرقم لأن الفدية المعتادة للأجانب، وفق المصادر التي تحدثت إليها رويترز، كانت غالبًا في نطاق 4 إلى 6 ملايين دولار؛ أما مبلغ 50 مليون دولار فقد وصفه الخبراء بأنه دفعة مالية غير عادية، وأكد التقرير الأممي أن الأموال لعبت دورًا رئيسيًا في تمويل الهجوم عبر مالي. كما ذكر أن تنظيم JNIM يضم ما بين 7000 و8000 مقاتل، نصفهم تقريبًا داخل مالي.

هنا يصبح التقاطع مع كلام تبون في 2024 شديد الحساسية: الرئيس حذر من «المال» تحديدًا في مالي، ثم تأتي بعد عامين وثيقة أممية تقول إن ضخًا ماليًا واحدًا بـ50 مليون دولار غيّر القدرة العملياتية لشبكة جهادية هناك، فيما تنسب مصادر إقليمية لرويترز الدفع إلى الإمارات.

هذا لا يحول المصادر الإقليمية إلى حكم قضائي ولا يجعل نسبة الدفع للإمارات حقيقة أممية؛ التقرير الأممي لم يسمها. لكنه يجعل التحذير الجزائري القديم أبعد بكثير من مجرد خصومة سياسية.

https://twitter.com/algatedz/status/2089325370273079652?s=46

ليبيا.. الساحة التي سبقت التحذير أصلًا

أما ليبيا، فقد كان المسار أكثر وضوحًا لأنه سابق لتصريحات تبون بسنوات. تقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وثقت الدعم الإماراتي للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر خلال الحرب على طرابلس، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والجسر الجوي والمعدات، بينما أشار تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى ما لا يقل عن 160 رحلة جوية من قواعد إماراتية إلى ليبيا ومصر بين جانفي وماي 2020 خلال التصعيد العسكري.

ولهذا عندما جمع الرئيس مالي وليبيا والسودان في جملة واحدة عام 2024، كانت ليبيا بالنسبة إلى المؤسسة الجزائرية نموذجًا قائمًا فعلًا لما يمكن أن يفعله التمويل الخارجي والسلاح والوكالة العسكرية في دولة مجاورة.

وزادت حساسية الملف في 2024 عندما تحركت قوات حفتر باتجاه غدامس والمناطق القريبة من الحدود الجزائرية والتونسية، ودفع ذلك تبون إلى التحذير من أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي إذا مُست مصالحها أو أمنها القومي.

الموانئ والذهب.. حين يصبح النفوذ اقتصاديًا قبل أن يصبح عسكريًا

غير أن قراءة تبون لا تكتمل إذا اختزلناها في المرتزقة والحروب. التحقيق الكبير الذي نشرته Financial Times في أوت 2026 رسم نموذجًا أوسع بكثير: أكثر من 168 مليار دولار من المشاريع الإماراتية المعلنة في إفريقيا منذ 2017، إلى جانب توسع في الموانئ والمعادن والأراضي الزراعية والطاقة واللوجستيك. الرقم يتعلق بإعلانات استثمارية وليس بالضرورة أموالًا نُفذت بالكامل، لكنه يعكس اتساع مجال الحركة الإماراتية.

القضية ليست أن الاستثمار في الميناء أو المنجم فعل عدائي؛ هذه أنشطة اقتصادية مشروعة تحتاجها إفريقيا. ما يثير التحفظ الجزائري هو تراكم القدرة على نقاط الاختناق نفسها: ميناء، ممر تجاري، مورد معدني، مركز مالي، ثم حضور أمني أو علاقات مع قوى محلية مسلحة.

والذهب يوفر أوضح مثال. فإذا كانت الإمارات أكبر مقصد للذهب الإفريقي غير المسجل في سجلات التصدير، فإن التأثير لا يقاس بما تملكه أبوظبي داخل المنجم فقط، بل بقدرتها على جعل دبي المكان الذي تتحول فيه المادة الإفريقية إلى مال عالمي قابل للتداول. وهذا يمنح المركز المالي نفوذًا على الاقتصاد المحيط بالثروة، لا على الثروة فقط.

وهنا كذلك ينبغي التعامل بحذر مع عبارة «شراء الذمم» المتداولة سياسيًا. لا توجد في المصادر التي راجعتها وثيقة تثبت أن الحكومة الإماراتية تعتمد دفع الرشى لمسؤولين أفارقة كسياسة دولة ممنهجة. الموجود أقوى في اتجاه آخر: تحقيق Dubai Unlocked الذي نسقته OCCRP مع أكثر من 70 مؤسسة إعلامية كشف أن سوق دبي العقارية استقطبت سياسيين وشخصيات متهمة بالفساد ومشتبهًا في غسل الأموال وأفرادًا خاضعين لعقوبات، مستفيدة من السرية المالية والضرائب المنخفضة وسوق العقار. هذا يثبت وجود بيئة شديدة الجاذبية للأموال والنخب، لكنه لا يسمح بتحويل كل علاقة إماراتية مع مسؤول إفريقي إلى «رشوة» بلا دليل.

وهذا التمييز مهم جدًا، لأن قوة الحجة الجزائرية لا تحتاج إلى مبالغة يمكن إسقاطها بسهولة.

حتى لندن.. مرتزق ممول إماراتيًا خارج ساحات إفريقيا

ثم جاء 19 أوت 2026 ليضيف بعدًا آخر لا يتعلق بإفريقيا أصلًا. تحقيق لـITV News كشف أن المتعاقد الأمني أبراهام غولان، الذي سبق أن ارتبط بعمليات استهداف في اليمن لصالح الإمارات، أدار في ديسمبر 2016 عملية مراقبة داخل لندن ضد الناشط البريطاني أنس التكريتي. واستند التحقيق إلى سجلات مالية ورسائل ومحادثات وشهادات، وقال إن غولان كان يتلقى أموالًا إماراتية خلال العملية، وإن الفريق صوّر منزل التكريتي وسيارته وحاول استدراجه عبر وسيط عرض عليه ما يصل إلى 100 ألف جنيه إسترليني. كما أظهرت السجلات، بحسب التحقيق، حصول غولان على مكافأة بمليون دولار قبل أسابيع من لندن عن عملية في اليمن.

التحقيق لم يثبت أن الحكومة الإماراتية أمرت مباشرة بقتل التكريتي، ولا أن أمرًا إماراتيًا صدر بتنفيذ العملية في لندن. وهذه حدود يجب الحفاظ عليها. لكن أهميته بالنسبة إلى الصورة الأكبر أنه يضيف مثالًا جديدًا على استخدام متعاقدين أمنيين ممولين إماراتيًا خارج الحدود التقليدية للدولة.

وحين يوضع إلى جانب ملف الكولومبيين في السودان، يصبح مفهوم «المرتزقة» أو الشركات العسكرية الخاصة جزءًا ثابتًا من النقاش حول أدوات القوة الإماراتية، وليس اتهامًا جزائريًا منفردًا.

من التحذير إلى العقيدة: لماذا تبدو قراءة تبون استشرافية؟

استشرافية خطاب تبون لا تأتي من أنه تنبأ بتقرير بعينه أو عرف مسبقًا ما ستنشره «فايننشال تايمز». القيمة توجد في شيء أدق: أنه حدد مبكرًا بنية الخطر التي ستصبح موضوع التحقيقات لاحقًا.

في مارس 2024 تحدث عن المال لا عن الجيش الإماراتي. ذكر مالي وليبيا والسودان لا خلافًا ثنائيًا اقتصاديًا محدودًا.

في أكتوبر 2025 انتقل إلى التدخل في الداخل. في نوفمبر أعاد التركيز على التدخلات التي تؤجج الحرب السودانية. في فيفري 2026 تحدث عن الانتخابات والاستثمار والتحكيم، أي أدوات النفوذ السياسي والمالي.

وفي جويلية 2026 انتهى إلى وصف أكثر شمولًا: أثر سلبي يرافقه الدم، مع تأكيد امتلاك الجزائر أدلة. وبموازاة تطور هذا الخطاب، كانت الأدلة الخارجية تتحرك في الاتجاه نفسه: ذهب بعشرات المليارات، أسلحة يقال إنها أعيد تصديرها إلى السودان، عشرات الرحلات الجوية المثيرة للشبهات، شبكة تجنيد كولومبية، نحو 2000 مقاتل، فدية هائلة مولت القاعدة في مالي، وموانئ واستثمارات ترسم خريطة نفوذ أوسع من حجم الدولة الخليجية نفسها.

ومع ذلك، تبقى هناك حدود للنتيجة الصحفية: الإمارات تنفي دعم قوات الدعم السريع، وتنفي السماح باستخدام أراضيها لتجنيد مرتزقة، وتدافع عن استثماراتها الإفريقية بوصفها شراكات تنموية واحترامًا لسيادة الدول. وردًا على سلسلة «فايننشال تايمز»، قالت وزارة الخارجية الإماراتية إن أبوظبي التزمت بأكثر من 110 مليارات دولار لمشاريع إفريقية بين 2019 و2023، منها نحو 70 مليارًا للتنمية والطاقة المتجددة.

لكن هذه الردود لم تعد كافية لإغلاق الملف، لأن مصدر الأسئلة لم يعد الجزائر وحدها.

الجزائر لم تكن تحذر من ثراء الإمارات.. بل من وظيفة المال

هنا تحديدًا توجد الخلاصة الأكثر أهمية في كرونولوجيا تبون. لم يعترض الرئيس على أن الإمارات دولة غنية، ولم يجعل حجم استثماراتها في إفريقيا موضوع المشكلة. الجزائر نفسها تبحث عن الاستثمار وتتعاون مع دول الخليج، وقد حرص تبون في كل مرة تقريبًا على الفصل بين خلافه مع الدولة المقصودة وعلاقاته الوثيقة مع السعودية وقطر والكويت وعُمان.

المشكلة في خطابه كانت دائمًا ماذا يفعل المال عندما يغادر الاقتصاد ويدخل السياسة الداخلية والحرب؟

فالمال الذي يبني مصنعًا أو ميناءً تجاريًا يمكن أن يخلق قيمة. لكن المال الذي يصل إلى فصيل مسلح أو يُضخ في فدية تعزز قدرة تنظيم إرهابي أو يمول شبكة مرتزقة أو يستخدم كورقة ضغط على القرار السيادي يدخل في معادلة أخرى تمامًا.

وهذه هي النقطة التي التقطها تبون مبكرًا. كما أنها تفسر لماذا تبدو المقاربة الجزائرية لإفريقيا معاكسة بنيويًا. الجزائر تراهن على مشاريع مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر، وعلى البنك الإفريقي للطاقة، وعلى الاستثمار في دول الساحل؛ وهي مشاريع ترتفع قيمتها عندما تستقر الدولة الجارة وتزداد قدرتها الاقتصادية. أما تحويل الدولة إلى ساحة صراع فهو، بالنسبة إلى الجزائر، خسارة مباشرة للأمن والتجارة والطاقة والحدود.

لذلك لم تكن عبارة «للصبر حدود» في مارس 2024 نهاية خطاب؛ كانت بداية كرونولوجيا تصاعدية. وبعدها بعامين جاءت العبارة الأشد: «أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم».

بين العبارتين تغيرت أشياء كثيرة: ظهرت بيانات الذهب، واتسع ملف السودان، ودخلت الأسلحة الصينية في التحقيقات، وفُرضت العقوبات على شبكات المرتزقة، وانكشف مسار الكولومبيين، وخرج تقرير أممي عن 50 مليون دولار أعادت تشكيل تمويل القاعدة في مالي، ثم جاءت «فايننشال تايمز» لتضع الموانئ والمناجم والذهب والقوة الأمنية داخل قصة واحدة.

لهذا لا تكمن قوة قراءة الرئيس عبد المجيد تبون في حدة كلماته، بل في أن الجغرافيا التي حذر منها في 2024 هي نفسها التي أصبحت في 2026 مسرحًا لأثقل التحقيقات الدولية حول النفوذ الإماراتي.

مالي: المال والقاعدة، ليبيا: السلاح وحفتر.، السودان: الذهب والأسلحة والمرتزقة، ودبي: المركز الذي تلتقي فيه التجارة والمال والثروات الإفريقية والنخب.

أما الجزائر، فكان موقفها منذ البداية واحدًا: لا أحد يشتري حقه في إعادة تشكيل جوارها، ولا يتحول الاستثمار إلى رخصة للتدخل في سيادة الدول.

وهذا ما يجعل كرونولوجيا تصريحات تبون اليوم أكثر من سجل لخلاف جزائري-إماراتي؛ إنها تبدو، بعد ما كشفته التحقيقات، سجلًا مبكرًا لمعركة أوسع حول من يملك القرار في إفريقيا: الدولة الإفريقية نفسها، أم رأس المال الخارجي عندما يتحول من شريك اقتصادي إلى أداة نفوذ؟

#الإمارات#الجزائر#تبون
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

بعد زيارة تبون إلى برلين.. الشركات الألمانية تتحرك لحجز موقع في صناعة الهيدروجين الجزائرية

بعد زيارة تبون إلى برلين.. الشركات الألمانية تتحرك لحجز موقع في صناعة الهيدروجين الجزائرية

بوابة الجزائر الإخبارية: بعد نحو شهرين فقط من الزيارة الرسمية التي قادت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى برلين، تتحرك الشركات الألمانية هذه المرة نحو الجزائر بحثًا عن موقع داخل المشاريع التي ستصنع الجيل المقبل من العلاقات الطاقوية بين البلدين. فمن 21 إلى 23 سبتمبر 2026، تستقبل الجزائر بعثة أعمال ألمانية موجهة مباشرة إلى الهيدروجين الأخضر وPower-to-X والتخزين والبنية التحتية، قبل انتقالها إلى تونس، في مهمة لا تكتفي بعرض التكنولوجيا الألمانية، بل تستهدف لقاء سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات، واستكشاف تشكيل تجمعات شركات للدخول مبكرًا في مشاريع ترتبط بممر «SoutH2» الممتد من شمال إفريقيا إلى قلب الصناعة الألمانية.

تبون في ألمانيا

الدلالة الاقتصادية للبعثة تتجاوز عدد الشركات المشاركة. فبرلين انتقلت في علاقتها الطاقوية مع الجزائر خلال فترة قصيرة من شراء الغاز إلى التفكير في تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي داخل الجزائر، وإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وتكييف خطوط الغاز، وتطوير قدرات الضغط والتخزين ونقل المنتج الجديد إلى أوروبا. وهذا التحول يعكس إلى حد بعيد الرهان الاستشرافي الذي تبناه الرئيس تبون على عدم التعامل مع الانتقال الطاقوي الأوروبي باعتباره تهديدًا مستقبلًا لعائدات الغاز الجزائرية، وإنما فرصة لكي تحتفظ الجزائر بمكانتها كمورد للطاقة حتى عندما تتغير طبيعة الطاقة التي تطلبها أوروبا.

والأهم أن الحركة الألمانية المقبلة ليست مجرد اهتمام نظري بالسوق. فالموقع الرسمي لمبادرة التصدير الألمانية للطاقة يصف الجزائر وتونس بأنهما توفران للشركات الألمانية فرص دخول وتعاون على امتداد سلسلة القيمة، فيما يتضمن برنامج الجزائر اجتماعات محددة مع سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات، ونقاشات حول مشروع تحليل كهربائي بقدرة 50 ميغاواط لإنتاج الأمونيا الخضراء في أرزيو، إلى جانب «SoutH2» وتكوين تحالفات لتطوير المشاريع.

وهذا يعني أن السوق الجزائرية تجاوزت بالنسبة إلى جزء من الشركات الألمانية مرحلة السؤال: «هل توجد فرصة للهيدروجين؟»، إلى سؤال أكثر تقدمًا: من سيحصل على العقود عندما تبدأ المشاريع في شراء أجهزة التحليل والضواغط والمضخات وأنظمة التخزين والتحلية والهندسة وخدمات التصديق؟

تبون نقل العلاقة مع ألمانيا من الغاز إلى صناعة طاقة جديدة

لفهم توقيت بعثة سبتمبر، ينبغي العودة إلى جويلية 2026 وليس إلى سبتمبر. ففي الثاني من الشهر، سلمت سوناطراك أول شحنة غاز طبيعي مسال جزائرية إلى ألمانيا عبر محطة «فيلهلمسهافن 1»، بعدما انطلقت الشحنة من مركب تمييع الغاز ببطيوة على متن الناقلة الجزائرية «تسالة». كانت العملية أول دخول مباشر للغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى السوق الألمانية، ورسالة عملية بأن سوناطراك قادرة على الوصول إلى أكبر اقتصاد أوروبي من خلال أكثر من قناة.

بعدها بأقل من أسبوعين، انتقل الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين في زيارة رسمية يومي 15 و17 جويلية، وتحولت الطاقة خلالها إلى أحد المحاور الثقيلة للشراكة الجديدة. وفي 16 جويلية، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بنفسه أن الجزائر أسهمت بصورة مهمة في أمن الطاقة الأوروبي، وذكّر بأنها ثاني أكبر مورد للغاز عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي، قبل أن يعلن رغبة برلين في دفع تصدير الهيدروجين من الجزائر إلى ألمانيا عبر الممر الجنوبي.

والأهم أن الزيارة لم تنته عند هذا الاعتراف السياسي بالمكانة الجزائرية. فقد خرجت بإعلان مشترك حول أجندة استراتيجية للشراكة الجزائرية-الألمانية وضع «SoutH2» في قلب التعاون الطاقوي طويل الأجل، إلى جانب Power-to-X والطاقات المتجددة وتوسيع الاستثمارات والتعاون التكنولوجي. وصنف الطرفان الممر باعتباره رابطًا مستدامًا بين الجزائر وألمانيا ضمن مشروع «Global Gateway» وطريق طاقوي أوروبي.

ثم جاءت العقود لتمنح هذا الاتجاه مادة صناعية واضحة. فخلال الزيارة نفسها، وقعت سوناطراك مع Bosch الألمانية بروتوكولًا يتجاوز شراء المعدات الجاهزة إلى دراسة فرص تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي وإنتاج الهيدروجين في الجزائر، مع نقل الخبرة والمعرفة التقنية. وهذا التفصيل شديد الأهمية؛ لأن القيمة الحقيقية للاقتصاد الجزائري لا تكمن في إنتاج الهيدروجين وحده، وإنما في توطين جزء من الصناعة التي تنتجه.

وفي المسار نفسه، وقعت سوناطراك مع Siemens Energy بروتوكولًا يغطي الهيدروجين الأخضر وحلول الضغط، إلى جانب صيانة وإصلاح المعدات والتكوين، ما يفتح مجالًا آخر لإدخال التكنولوجيا الألمانية في الصناعة الجزائرية ضمن علاقة تتضمن المعرفة والخدمات لا مجرد استيراد تجهيز نهائي.

أما VNG، التي أصبحت بالفعل أول شركة ألمانية تشتري الغاز الجزائري مباشرة بموجب عقد أبرم في 2024، فقد انتقلت العلاقة معها إلى مستوى أعلى. ففي جوان 2026 جدد الطرفان شراكتهما حول الهيدروجين الأخضر والأمونيا وخفض انبعاثات الميثان، ثم وقعا خلال زيارة الرئيس تبون عقدًا لزيادة إمدادات الغاز الجزائري إلى ألمانيا ابتداء من 1 جانفي 2027.

وبذلك تتضح الرؤية التي تتشكل بين الجزائر وبرلين: الغاز يؤمّن احتياجات ألمانيا الآن، والهيدروجين يُبنى ليحافظ على العلاقة الطاقوية نفسها بعد التحول الأوروبي نحو اقتصاد أقل كربونًا.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تظهر استشرافية خيارات الرئيس تبون. فالجزائر لم تنتظر تراجع الطلب الأوروبي على المحروقات التقليدية حتى تبدأ البحث عن البديل، وإنما تستخدم بنيتها الغازية ومكانتها الحالية لدى أوروبا لبناء السوق التي قد تحل تدريجيًا إلى جانب الغاز في العقود المقبلة.

ألمانيا تأتي إلى الجزائر قبل فتح سوق العقود

لهذا تحمل زيارة الشركات الألمانية المرتقبة في سبتمبر معنى مختلفًا. فالوفد لا يأتي بعد اكتمال المشاريع ليبحث عن مناقصة منشورة، بل يحاول الوصول إليها قبل مرحلة العقود.

وتؤكد مبادرة التصدير الألمانية للطاقة أن البرنامج سينطلق يوم 21 سبتمبر في الجزائر العاصمة بلقاء أعمال يجمع الشركات بفاعلين حكوميين وطاقويين وماليين وبحثيين، ثم ينتقل إلى اجتماعات أكثر تخصصًا مع المؤسسات الجزائرية. كما ينص البرنامج على مناقشة فرص تشكيل «Consortia»، أي تجمعات شركات يمكنها التقدم لاحقًا بحلول متكاملة بدل أن يعمل كل مورد بصورة منفصلة.

والسبب اقتصادي بحت. فمشروع الهيدروجين لا يحتاج إلى جهاز تحليل كهربائي فقط. قبل الوصول إلى كيلوغرام واحد من الهيدروجين التجاري، توجد كهرباء متجددة، ومياه، ومعالجة وتحلية، وربط كهربائي، ومحللات، وضواغط، وخزانات، وأنظمة مراقبة وأمان، وأنابيب، ومحطات قياس، ثم شهادات تثبت للمشتري الأوروبي منشأ الكهرباء وكثافة الانبعاثات.

لهذا تُجمع سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار قنوات داخل البرنامج نفسه. سونلغاز تمثل القاعدة الكهربائية والمتجددة. وسوناطراك تملك الخبرة الطاقوية والغازية وشبكات النقل والعلاقات التجارية مع أوروبا. وكوسيدار قنوات تمتلك قدرة تنفيذية في الأنابيب والمنشآت. أما منظومة التحلية الجزائرية فتمنح المشروع عنصرًا آخر شديد الحساسية، هو المياه.

وهذه الأخيرة أصبحت بحد ذاتها ورقة قوة جزائرية. فبرنامج الأمن المائي الذي أقره الرئيس تبون أنجز خمس محطات كبرى بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميًا لكل محطة ضمن البرنامج التكميلي الأول، بما مجموعه 1.5 مليون متر مكعب يوميًا، اعتمادًا بدرجة كبيرة على مؤسسات وخبرات وطنية. وقد دخلت محطة فوكة 2 مثلًا طاقتها الكاملة في جويلية 2025 بعد تدشينها من الرئيس تبون، بينما أطلقت الدولة لاحقًا برنامجًا تكميليًا ثانيًا لمحطات أخرى بالقدرة نفسها.

وتحمل هذه الخبرة قيمة مباشرة عند تطوير الهيدروجين، لأن توفير المياه ومعالجتها يصبح جزءًا من التصميم الصناعي للمشروع بدل أن يكون مشكلة منفصلة عنه.

بعد زيارة تبون إلى برلين.. الشركات الألمانية تتحرك لحجز موقع في صناعة الهيدروجين الجزائرية

15 ألف ميغاواط تضع قاعدة الكهرباء قبل الهيدروجين

تكتمل الحلقة بالطاقة الشمسية. فالجزائر تستهدف 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035، وشرعت سونلغاز بالفعل في إنجاز المرحلة الأولى بنحو 3200 ميغاواط موزعة على 14 ولاية. وتؤكد وزارة الطاقة أن هذا البرنامج يأتي في إطار التوجه الذي أعطاه الرئيس تبون لتسريع الانتقال الطاقوي ووضع الجزائر في موقع أقوى داخل أسواق الطاقة المستقبلية.

وهذه القدرة ليست منفصلة عن «SoutH2». فكلما انخفضت كلفة الكهرباء الشمسية الجزائرية، تحسنت اقتصاديات إنتاج الهيدروجين، لأن الكهرباء تمثل أحد أهم عناصر كلفة التحليل الكهربائي.

لذلك فإن الشركات الألمانية التي ستزور الجزائر لا تنظر إلى مشروع أنبوب وحده، وإنما إلى سوق محتملة تتكون أمامها تدريجيًا من محطات شمسية + تحليل كهربائي + مياه + هيدروجين + تخزين + أنابيب + تصدير.

وتؤكد تفاصيل البرنامج الألماني هذه النظرة؛ إذ يركز أحد الاجتماعات المقررة مع سوناطراك وسونلغاز على مشروع 50 ميغاواط في أرزيو لإنتاج الأمونيا الخضراء، وهو مشروع أشارت إليه كذلك تقارير قطاعية رسمية على أنه محطة شبه صناعية يجري الإعداد لها بدعم ألماني وأوروبي.

وللجزائر أيضًا مسار تعاون أقدم مع ألمانيا عبر برنامج TaqatHy، الذي يستهدف توسيع التعاون في الطاقات المتجددة والهيدروجين، إلى جانب مشروع تجريبي بقدرة 50 ميغاواط ودراسات مرتبطة بإنتاج الهيدروجين وتخزينه ونقله. وكانت سوناطراك قد أدرجت هذه المشاريع ضمن بناء تدريجي لشعبة الهيدروجين قبل أن يصل «SoutH2» إلى الزخم السياسي الحالي.

أي أن بعثة سبتمبر لا تبدأ قصة جديدة؛ إنها تأتي إلى سوق جرى إعداد عناصرها على مراحل.

3300 كيلومتر تجعل الجزائر بوابة الهيدروجين إلى ألمانيا

وتصل هذه السلسلة إلى مشروع «SoutH2»، الذي يمنح كل الاستثمارات السابقة سوقًا محتملة بهذا الحجم. الممر المخطط يمتد نحو 3300 كيلومتر من شمال إفريقيا عبر إيطاليا والنمسا إلى ألمانيا، ويستهدف نقل أكثر من أربعة ملايين طن من الهيدروجين المتجدد سنويًا. والأهم اقتصاديًا أن نحو 65 بالمائة من بنيته يفترض أن تعتمد على خطوط غاز قائمة يعاد تكييفها للهيدروجين بدل بناء الشبكة بالكامل من الصفر.

وهنا تمتلك الجزائر أفضلية يصعب تصنيعها سريعًا لدى منافس جديد: بنية غازية موجودة أصلًا وعقود من الخبرة في نقل الطاقة إلى أوروبا.

فالتحول من الغاز إلى الهيدروجين لا يبدأ من أرض فارغة. الجزائر تملك شبكات وخبرات تشغيل ومرافق تصدير، وتعرف شركاتها كيف تبيع الطاقة في أوروبا، فيما تملك الدول الواقعة على الممر الأوروبي شبكات تستطيع بدورها تحويل جزء منها إلى الهيدروجين.

لهذا أنشئ في أكتوبر 2024 تحالف ALTEH2A – Algeria to Europe Hydrogen Alliance بين سوناطراك وسونلغاز وVNG الألمانية وSnam وSeaCorridor الإيطاليتين وVerbund Green Hydrogen النمساوية، لإجراء الدراسات عبر سلسلة القيمة وتحديد جدوى إنتاج الهيدروجين الأخضر في الجزائر ونقله إلى أوروبا.

وفي نوفمبر 2025، انتقلت المجموعة إلى دراسة أكثر تفصيلًا للمواقع المحتملة للإنتاج في الجزائر ومسارات النقل والأسواق الأوروبية، فيما أعلن VNG أن الهدف هو اختبار إمكانية إنتاج الهيدروجين الجزائري بكميات كبيرة وبأسعار تنافسية وربطه بالصناعة الأوروبية عبر «SoutH2».

ثم جاء الدعم السياسي من الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، إضافة إلى إدراج أجزاء من الممر ضمن قائمة مشروعات المصلحة الأوروبية المشتركة. وفي نهاية 2025، وضعت المفوضية الأوروبية «SoutH2» ضمن الممرات التي تريد دفعها باعتبارها حلقة أساسية لربط الإنتاج في شمال إفريقيا بمراكز الاستهلاك الصناعي الأوروبي، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن السوق ما تزال تحتاج إلى خفض المخاطر الاستثمارية وتأمين الطلب والعقود.

وهذا التفصيل الأخير مهم: المشروع استراتيجي، لكنه لم يصل بعد إلى قرار استثمار نهائي شامل. ولذلك فإن المنافسة الحالية بين الشركات تدور على مواقعها داخل السلسلة قبل أن تبدأ المليارات في التحرك.

الجزائر تريد المصانع لا كتالوجات المعدات

هنا يصبح الاختبار الحقيقي بالنسبة إلى الجزائر واضحًا. القيمة ليست في عدد الوفود الألمانية التي تزور الجزائر، ولا في عدد مذكرات التفاهم التي يمكن توقيعها، وإنما في ما سيبقى داخل الاقتصاد الجزائري عندما تبدأ المشاريع.

وتمنح اتفاقية Bosch الأخيرة نموذجًا لما تستطيع الجزائر المطالبة به؛ فهي لا تتحدث فقط عن توريد أجهزة التحليل الكهربائي، بل تفتح الباب لدراسة تصنيعها داخل الجزائر. وهذا تحديدًا هو المسار القادر على تحويل الهيدروجين من مشروع تصدير إلى مشروع تصنيع.

فالفرق كبير بين أن تستورد الجزائر محللات وضواغط وخزانات بمليارات الدولارات لتصدر الهيدروجين، وبين أن تصبح جزءًا من سلسلة إنتاج هذه المعدات وأن توفر للشركات الوطنية عقود الهندسة والصيانة والتصنيع والخدمات.

كما أن بروتوكول Siemens Energy الذي يجمع التكوين والصيانة والضغط والهيدروجين يمنح إمكانية أخرى لتوطين المعرفة التقنية، بدل بناء منشآت تعتمد طوال عمرها التشغيلي على خبرات أجنبية مستوردة.

وهنا تظهر مرة أخرى مركزية النظرة الاقتصادية التي يدفع بها الرئيس تبون في الشراكات الجديدة: الجزائر لا تريد أن تكون مجرد مكان توجد فيه الشمس ثم يغادر منه الهيدروجين؛ المطلوب أن تتحول الطاقة إلى صناعة واستثمار وتكنولوجيا ووظائف وقيمة مضافة قبل وصولها إلى أوروبا.

وهذا الاتجاه ينسجم أيضًا مع التحول الأكبر في السياسة الاقتصادية الجزائرية، التي أصبحت ترفع سقف التفاوض مع الشركاء الأجانب نحو الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا والإدماج، بدل الاكتفاء بعلاقة المورد والمشتري.

ألمانيا تحتاج الجزائر اليوم وغدًا

وتمنح علاقة برلين بالجزائر لهذه المعادلة وزنًا إضافيًا. ألمانيا تحتاج اليوم إلى الغاز لتنويع إمداداتها. ولهذا بدأ VNG استيراده من سوناطراك، ووصلت أول شحنة LNG إلى الأراضي الألمانية في جويلية، ثم اتفق البلدان على زيادة الإمدادات في 2027.

لكن الاقتصاد الألماني يحتاج في الوقت نفسه إلى خفض انبعاثات صناعات ثقيلة يصعب تشغيلها بالكهرباء وحدها. وهنا يدخل الهيدروجين.

ولهذا لم يكن تصريح المستشار ميرتس خلال زيارة تبون عرضيًا عندما جمع في الخطاب نفسه بين الدور الجزائري في أمن الغاز الأوروبي وبين الرغبة في تطوير تصدير الهيدروجين من الجزائر. برلين تنظر إلى الجزائر باعتبارها شريكًا يمكنه أن يخدم مرحلتين من تحولها الطاقوي: الغاز خلال الانتقال والهيدروجين في الاقتصاد منخفض الكربون.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فالمعادلة أكثر طموحًا: الاحتفاظ بقيمة موقعها لدى أوروبا حتى عندما ينخفض الطلب على الوقود الأحفوري، مع استخدام السنوات التي ما يزال فيها الغاز مطلوبًا لبناء بنية تصدير جديدة.

وهذا ما يجعل رؤية الرئيس تبون استشرافية من المنظور الاقتصادي. فبدل المفاضلة بين المحروقات والطاقات الجديدة، يجري استخدام الأولى لتمويل وتأمين الانتقال نحو الثانية، مع المحافظة على سوناطراك في مركز العملية بدل بناء اقتصاد هيدروجين منفصل عن القوة الطاقوية الوطنية القائمة.

لذلك ستكون بعثة الشركات الألمانية في سبتمبر جزءًا من اختبار أكبر بكثير من لقاءات تجارية تستمر ثلاثة أيام.

فأمام الشركات الألمانية سوق تبدأ في التحول من الدراسات إلى التجهيزات، وأمام الجزائر فرصة لتحويل المنافسة بين موردي التكنولوجيا إلى تصنيع محلي ونقل معرفة وشراكات مع المؤسسات الجزائرية.

وبين أرزيو وبرلين يمتد رهان اقتصادي طويل: محطة 50 ميغاواط يمكن أن تكون بداية، و15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة توفر قاعدة أوسع، و«SoutH2» يمنح الإنتاج منفذًا يصل إلى الصناعة الأوروبية، فيما تمنح سوناطراك وسونلغاز وكوسيدار والخبرة الجزائرية في التحلية والأنابيب الدولة أدوات تسمح لها بألا تبدأ من الصفر.

لهذا تبدو الحركة الألمانية المقبلة انعكاسًا لتغير موقع الجزائر في معادلة الطاقة الأوروبية أكثر من كونها مجرد بعثة تصدير. ألمانيا التي بدأت قبل عامين بشراء الغاز الجزائري مباشرة، ثم استقبلت أول شحنة LNG في 2026، تبحث اليوم مع الجزائر في تصنيع أجهزة الهيدروجين وبناء الممر الذي قد يحمل طاقة المستقبل إلى مصانعها.

وبقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، تبدو الجزائر أمام فرصة لتحويل هذا الاحتياج الأوروبي إلى ما هو أبعد من عقد تصدير جديد: بناء صناعة هيدروجين وطنية تجعل أوروبا تشتري الطاقة من الجزائر غدًا كما تشتري غازها اليوم، لكن بقيمة صناعية وتكنولوجية جزائرية أكبر مما كان عليه النموذج التقليدي لتصدير المحروقات.

#ألمانيا#الجزائر#الهيدروجين
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

صادرات الجزائر تقتحم الأسواق الموريتانية.. اتفاقية جزائرية–موريتانية لنقل 100 ألف طن من مواد البناء بحرا

صادرات الجزائر تقتحم الأسواق الموريتانية.. اتفاقية جزائرية–موريتانية لنقل 100 ألف طن من مواد البناء بحرا

بوابة الجزائر الإخبارية: وقعت الشركة الجزائرية للنقل البحري «كنان الجزائر» اتفاقية نقل مع الشركة العربية للخدمات العامة «SAPS»، وذلك بمقر الشركة الجزائرية، حيث وقع الاتفاقية الرئيس المدير العام لـ«كنان الجزائر» محمد ميراوي، والمدير العام للشركة العربية للخدمات العامة سيدعثمان الشيخ ماء العينين.

صادرات الجزائر تقتحم الأسواق الموريتانية.. اتفاقية جزائرية–موريتانية لنقل 100 ألف طن من مواد البناء بحرا

وتنص الاتفاقية على نقل 100 ألف طن من مواد البناء الجزائرية إلى موريتانيا عبر الخط البحري الرابط بين موانئ البلدين، مع العمل على تطوير هذا الخط والانتقال به إلى رحلات شهرية منتظمة ودائمة، بما يمنح المتعاملين الاقتصاديين رؤية أوضح بشأن مواعيد الشحن ويضمن استقرارا أكبر في عمليات النقل.

ومن شأن انتظام الرحلات البحرية أن يدعم الصادرات الجزائرية من مواد البناء، ويسهّل وصولها إلى السوق الموريتانية، مع تقليص آجال النقل وتوفير خيارات أكثر تنافسية للمصدرين والمتعاملين الاقتصاديين.

حاويات مبردة لفتح مسار تجاري عكسي

ولا تقتصر الاتفاقية على نقل مواد البناء، إذ تتضمن أيضًا تعزيز الخط البحري بحاويات مبردة، استجابة لاحتياجات المتعاملين الناشطين في تجارة المنتجات التي تتطلب الحفاظ على سلسلة التبريد.ويتيح هذا المسار للمتعاملين الموريتانيين إمكانية تصدير المنتجات السمكية نحو السوق الجزائرية مباشرة عبر البحر، بما يساهم في تقليص تكاليف النقل واختصار مدة الرحلات، ويفتح في المقابل مجالا أمام زيادة حجم المبادلات التجارية بين البلدين.

وبذلك يكتسب الخط البحري الجزائري–الموريتاني بعدا تجاريا مزدوجا، من خلال نقل مواد البناء من الجزائر نحو موريتانيا، مقابل نقل المنتجات السمكية والسلع المبردة من موريتانيا نحو الجزائر، وهو ما يسمح بتحقيق تدفقات تجارية في الاتجاهين.

ويُنتظر أن يساهم هذا التوازن في رفع مردودية الخط البحري وتعزيز استدامته الاقتصادية، فضلا عن الحد من الرحلات ذات الحمولة غير المتوازنة، بما يجعل النقل البحري خيارا أكثر فعالية بالنسبة للمتعاملين في البلدين.

وتأتي هذه الاتفاقية كخطوة إضافية نحو تحويل الربط البحري بين الجزائر وموريتانيا إلى ممر تجاري منتظم ومستدام يخدم المصدرين والمستوردين، ويدعم توجه البلدين نحو رفع حجم المبادلات الثنائية وتوسيع حركة السلع، بما يعزز حضور الجزائر في السوق الموريتانية ويفتح أمامها آفاقا أوسع نحو أسواق غرب إفريقيا.

#الجزائر#موريتانيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

بوابة الجزائر الإخبارية: 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا يمكن أن تعبر الصحراء من نيجيريا إلى الجزائر، وبنك إفريقي للطاقة برأسمال أولي قدره 5 مليارات دولار يقترب من دخول مرحلة التشغيل، و18 دولة منتجة تبحث عن رفع حصة شركاتها وكفاءاتها من الثروة الموجودة تحت أراضيها. هذه ليست مشاريع منفصلة، بل ملامح هندسة طاقوية إفريقية جديدة تتقدم فيها الجزائر من موقع يتجاوز دور المنتج والمصدر إلى موقع الدولة التي تملك البنية والخبرة والمبادرة والقدرة على ربط جنوب القارة بشمالها وأسواقها الخارجية .

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

ويحمل هذا التحول بصمة جزائرية واضحة. فالجزائر كانت واحدة من ثماني دول أسست سنة 1987 المنظمة التي أصبحت اليوم «منظمة منتجي النفط الأفارقة» APPO، ثم انتقلت المنظمة مطلع 2026 إلى قيادة الجزائري فريد غزالي، بينما دخل في جوان الماضي مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مرحلة تنفيذية جديدة بإطلاق أشغال جزئه الجزائري، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. وبعد عقود كان يُقاس فيها اندماج إفريقيا الطاقوي بحجم النفط الخام المغادر موانئها، أصبح الطموح يتجه إلى امتلاك التمويل، والأنابيب، والتكرير، والشركات، والتكنولوجيا، والمهارات التي تحتفظ بجزء أكبر من قيمة تلك الثروة داخل القارة.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

وتكشف الأرقام سبب استعجال هذا التحول. فبحسب APPO، تنتج إفريقيا نحو 12 بالمائة من النفط العالمي، لكنها تستورد أكثر من 60 بالمائة من المنتجات النفطية المكررة التي تستهلكها. أي أن جزءًا من القارة ما يزال يبيع الخام ثم يعيد شراء الوقود بعد إضافة قيمة التصنيع إليه خارج حدوده. كما سبق للمنظمة أن قدرت احتياطيات دولها بأكثر من 125 مليار برميل من النفط و650 تريليون قدم مكعب من الغاز، وهي مفارقة تجعل السيادة الطاقوية قضية إنتاج وتصنيع وتمويل قبل أن تكون مجرد امتلاك للموارد.

ومن هنا تكتسب خارطة الطريق التي يدفع بها غزالي أهميتها: تحويل APPO من إطار للتنسيق بين المنتجين إلى أداة لبناء اقتصاد طاقوي إفريقي متكامل، في وقت تتراجع فيه شهية مؤسسات مالية دولية لتمويل بعض مشاريع المحروقات، وتواجه دول القارة في الوقت نفسه حاجة ضخمة إلى الكهرباء والغاز والوقود والبنية التحتية.

الجزائر تقود المعادلة من نقطة قوة

بالنسبة إلى الجزائر، لا يبدأ الحديث عن «السيادة الطاقوية الإفريقية» من خطاب سياسي مجرد. فالبلاد تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الغازية تكاملًا في القارة، من الحقول والمعالجة إلى النقل والتسييل والتصدير، كما تملك خطين دوليين عاملين يربطانها مباشرة بالسوق الأوروبية، هما إنريكو ماتي نحو إيطاليا عبر تونس، وميدغاز نحو إسبانيا، بطاقة نقل إجمالية تبلغ نحو 43 مليار متر مكعب سنويًا وفق بيانات سوناطراك.

وهذه البنية هي تحديدًا ما يجعل الجزائر الحلقة التي يستطيع عندها الغاز القادم من جنوب الصحراء أن يتحول من مورد إفريقي داخلي إلى سلعة متصلة بشبكات السوق المتوسطية والدولية.

وقد انتقل هذا الدور من التخطيط إلى التنفيذ في 4 جوان 2026، عندما أطلقت الجزائر رسميًا أشغال الجزء الجزائري من أنبوب الغاز العابر للصحراء في أولف بولاية أدرار، بحضور وزراء الطاقة في الجزائر ونيجيريا والنيجر. وأكدت سوناطراك أن الخط داخل الجزائر سيتبع ممر الطريق العابر للصحراء من الحدود الجزائرية-النيجرية إلى المركز الوطني لتوزيع الغاز بحاسي الرمل. والأهم أن الشركة نسبت إطلاق الأشغال صراحة إلى تنفيذ توجيهات الرئيس عبد المجيد تبون المتعلقة بهذا المشروع الاستراتيجي.

قبل ذلك بيوم، كانت اللجنة الوزارية الثلاثية قد اعتمدت في الجزائر النسخة النهائية المحينة لدراسة الجدوى، ما نقل المشروع إلى وضع أكثر تقدمًا بعد سنوات طويلة ظل خلالها واحدًا من أكبر مشاريع الطاقة المنتظرة في إفريقيا.

ويبلغ طول الأنبوب المخطط نحو 4,128 كيلومترًا، بطاقة تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، ليربط نيجيريا بالنيجر ثم بحاسي الرمل الجزائرية. وتؤكد سوناطراك أن المشروع تديره إلى جانب NNPC النيجيرية وSONIDEP النيجرية، وأن الغاية الأساسية تتمثل في نقل الغاز النيجيري إلى المركز الجزائري ثم الاستفادة من شبكات التصدير القائمة نحو الأسواق.

وهنا يتضح أحد أهم المكاسب الاستراتيجية التي بنتها الجزائر على مدى عقود. فبين اكتشاف الغاز في نيجيريا ووصوله إلى المشتري الدولي توجد حلقات النقل والتشغيل والمعالجة والعبور وربط الشبكات. الجزائر تملك بالفعل الجزء المتقدم من هذه السلسلة، وهو ما يجعل موقعها الجغرافي أصلًا اقتصاديًا وليس مجرد نقطة عبور على الخريطة.

وتعكس إعادة بعث المشروع كذلك رؤية الرئيس تبون في تحويل العمق الإفريقي للجزائر إلى مساحة مشروعات ملموسة بدل إبقاء التعاون جنوب الصحراء محصورًا في التصريحات. فالأنبوب يسير داخل ممر جغرافي يتقاطع مع الطريق العابر للصحراء ومشروعات الاتصالات والتعاون مع النيجر ونيجيريا، بما يسمح ببناء محور اقتصادي يمتد من خليج غينيا إلى المتوسط.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

5 مليارات دولار لكسر عقدة التمويل

لكن الأنبوب وحده يكشف مشكلة أكبر: إفريقيا تمتلك الموارد، بينما تبقى قدرتها على تمويل استخراجها ونقلها وتصنيعها أقل كثيرًا من حجم ما يوجد في باطنها.

ومن هنا يأتي البنك الإفريقي للطاقة، الذي أنشأته APPO بالشراكة مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك». وقد صُممت المؤسسة الجديدة كبنك تنمية طاقوي عابر للحدود برأسمال أولي يبلغ 5 مليارات دولار، على أن يمول مشاريع النفط والغاز والطاقة عبر سلاسل المنبع والنقل والتحويل، مع تعبئة رؤوس أموال إضافية من القطاع الخاص.

ولم يعد المشروع في مرحلة الفكرة. ففي 2 فيفري 2026 سلمت الحكومة النيجيرية رسميًا مفاتيح مقر البنك في مركز التجارة الإفريقي بأبوجا إلى APPO وأفريكسيم بنك، بينما أكدت المنظمة في ماي أن الحد الأدنى المطلوب من مساهمات الدول الأعضاء تحقق، بما يسمح باستكمال إجراءات دخوله النشاط.

وفي جوان، حدد غزالي سبتمبر 2026 موعدًا مستهدفًا للإطلاق التشغيلي للبنك في أبوجا، ودعا الدول الأعضاء إلى استكمال تعبئة 500 مليون دولار من رأس المال التأسيسي، بالتوازي مع إعداد قائمة أولويات تشمل المصافي وأنابيب الغاز ومنشآت التخزين والبنية التحتية الطاقوية.

وبالتالي، فإن القارة تقترب من امتلاك مؤسسة تمويل صُممت أصلًا لمعالجة ما تعتبره APPO أحد أكبر الاختلالات البنيوية في قطاعها: مشروع إفريقي، وموارد إفريقية، وطلب إفريقي، لكن قرار التمويل كثيرًا ما يوجد خارج إفريقيا.

وهنا أيضًا تبرز أهمية المقاربة التي تدافع عنها الجزائر. فالسعي إلى الاستقلال في القرار الطاقوي لا يعني طرد رأس المال الأجنبي، وإنما منع تحوله إلى البوابة الوحيدة التي تحدد ما يمكن للقارة أن تنتجه ومتى وبأي شروط. وجود مؤسسة مالية إفريقية يرفع عدد الخيارات المتاحة للحكومات والشركات الوطنية ويقوي قدرتها التفاوضية أمام المؤسسات والممولين الدوليين.

كما أن تمويل مشروع مثل TSGP، أو شبكات التخزين والمصافي والربط العابرة للحدود، يختلف جذريًا عن تمويل حقل منفرد؛ لأن عائد تلك البنية يمتد إلى أكثر من دولة ويخلق سوقًا إقليمية بدل اقتصاد طاقة محلي معزول.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

من استخراج النفط إلى تصنيع الثروة

وتذهب الخطة التي وضعها الأمين العام الجزائري أبعد من إيجاد الأموال. ففي جانفي وفيفري 2026، جعل غزالي المحتوى المحلي أحد المحاور الرئيسية لولايته، محددًا هدفًا يصل إلى 50 بالمائة من المحتوى المحلي في قطاعات النفط والغاز الإفريقية بحلول 2030، مع إنشاء قاعدة بيانات إفريقية للشركات المؤهلة لربط الموردين المحليين بالمشاريع الكبرى.

وفي رؤيته الممتدة إلى 2035، طرح هدفًا أكثر طموحًا يتمثل في بلوغ حصة كبيرة للشركات الإفريقية في العقود التي تنفذها الشركات الدولية، إلى جانب التفكير في أدوات تمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الإفريقية. وهذه أهداف ورؤية طرحتها قيادة المنظمة وليست جميعها التزامات قانونية نافذة، لكنها تكشف الاتجاه الذي تريد APPO نقله إلى الدول الأعضاء.

اقتصاديًا، الفرق كبير. فإذا أنفقت دولة إفريقية مليار دولار على مشروع نفطي واستحوذت الشركات الأجنبية على معظم الهندسة والمعدات والحفر والصيانة واللوجستيك، يغادر جزء معتبر من القيمة إلى الخارج حتى عندما يبقى النفط نفسه مملوكًا للدولة.

أما رفع حصة الشركات المحلية في الهندسة والحفر والخدمات والتصنيع والنقل، فيحول الاستثمار ذاته إلى أجور داخلية، وعقود للمؤسسات الوطنية، وضرائب، وتكنولوجيا، وخبرة تراكمية يمكن استخدامها في مشروع لاحق.

والجزائر تمتلك هنا قاعدة يمكن للقارة الاستفادة منها؛ فسـوناطراك ليست شركة استخراج فقط، بل حولها منظومة تضم شركات للحفر والخدمات الجيوفيزيائية والهندسة والإنجاز والنقل. وقد بدأت هذه القدرات نفسها تتجه جنوبًا، إذ وقعت شركات تابعة لسوناطراك في 2 جوان 2026 ثلاث مذكرات تفاهم مع شركة SONIDEP النيجرية تشمل مجالات مرتبطة بالحفر والجيوفيزياء والخدمات النفطية.

وهكذا تصبح السياسة التي يقودها الرئيس تبون أكثر وضوحًا في بعدها الإفريقي: الجزائر لا تذهب إلى دول الجوار بالطاقة وحدها، بل تحاول تصدير الخبرة والمؤسسة والهندسة والتكوين، وهي مستويات تحتفظ بقيمة اقتصادية أكبر من بيع المادة الخام وحدها.

30 مليار متر مكعب و5 مليارات دولار.. الجزائر تدفع إفريقيا نحو امتلاك قرارها الطاقوي

السيادة تبدأ بالمهندس الإفريقي

كما يضع غزالي رأس المال البشري داخل المعادلة نفسها. ففي منتدى معاهد التكوين التابعة لـAPPO في جوان، شدد على ربط مؤسسات التدريب بين الدول الأعضاء، وتبادل المدربين والمتعلمين، وتطوير برامج مشتركة وشهادات متقاربة، مع إدخال الرقمنة ومتطلبات السلامة والانتقال الطاقوي إلى برامج التكوين.

والهدف الاقتصادي واضح: لا يمكن للدول أن تطالب بنسبة أكبر من المحتوى المحلي إذا لم تمتلك عددًا كافيًا من مهندسي المكامن والحفر والأنابيب والتكرير والأمن الصناعي والرقمنة القادرين على تنفيذ العقود.

ولهذا تنتقل السيادة في تصور المنظمة من ملكية البئر إلى ملكية المعرفة التي تشغله.

وتنسجم هذه المقاربة مع ما تملكه الجزائر من عقود طويلة في تكوين الكفاءات الطاقوية، وتمنحها فرصة إضافية لتحويل مدارسها ومعاهدها وشركاتها إلى مراكز إقليمية لاستقبال متدربين وخبراء أفارقة، بما يعزز النفوذ الاقتصادي الجزائري عن طريق المعرفة بدل الاقتصار على التجارة والاستثمار.

قواعد واحدة لسوق أكبر

وتبقى مشكلة أخرى أمام إفريقيا: حتى لو توفر المال والخبرة، فإن اختلاف القوانين والضرائب وإجراءات التراخيص من بلد إلى آخر يرفع كلفة أي مشروع عابر للحدود.

ولهذا جعلت APPO في 2026 تقريب القواعد والأكواد النفطية محورًا مستقلًا، مع مشروع لتطوير منتدى للهيئات التنظيمية الإفريقية ودفع الدول نحو أطر قانونية أكثر تقاربًا. وذهب غزالي إلى الدعوة لاعتماد أكواد أكثر انسجامًا خلال 12 شهرًا ضمن خارطة العمل التي عرضها في جوان.

وتمثل هذه النقطة أساسًا لأي سوق إفريقية حقيقية للطاقة. فأنبوب يمر بثلاث دول لا يمكن تشغيله بكفاءة إذا احتاج كل انتقال عبر الحدود إلى قواعد متناقضة للمواصفات والعقود والجمارك والتعرفة والعبور.

وإذا استطاعت الدول الـ18 الأعضاء في APPO تقريب جزء من تشريعاتها، فإن حجم السوق نفسه يصبح عنصر جذب للمستثمر بدل أن تكون كل دولة سوقًا منفصلة.

والمنظمة التي بدأت في 1987 بثمانية أعضاء، بينهم الجزائر، تضم اليوم 18 دولة كاملة العضوية: الجزائر وأنغولا وبنين والكاميرون والكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكوت ديفوار ومصر وغينيا الاستوائية والغابون وغانا وليبيا وناميبيا والنيجر ونيجيريا والسنغال وجنوب إفريقيا وتشاد، إلى جانب فنزويلا كعضو شرفي.

وهذا الانتشار يمنح APPO ثقلاً يمتد من شمال القارة إلى خليج غينيا والجنوب الإفريقي، ويجعل قدرتها على توحيد المعايير والتمويل والتكوين ذات أثر يتجاوز بكثير تنسيق مستويات إنتاج النفط.

#الأنبوب العابر للصحراء#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

بوابة الجزائر الإخبارية: ناقلة كبيرة كل شهر، وما يصل إلى 660 ألف طن من غاز البترول المسال سنويًا؛ بهذه الوتيرة تستعد الجزائر لنقل حضورها في السوق الهندية من شحنات متفرقة لا تتجاوز عشرات آلاف الأطنان إلى إمدادات منتظمة تضع سوناطراك أمام واحدة من أكبر فرص توسعها الآسيوي خلال السنوات الأخيرة. فالاتفاق الذي يجري استكمال ترتيباته مع «إنديان أويل»، أكبر شركة تكرير هندية، يقوم على شحن ما بين 45 ألفًا و55 ألف طن من البروبان والبيوتان شهريًا اعتبارًا من 2027، في سوق تضم قرابة 330 مليون اشتراك منزلي في غاز الطهي وتعتمد على الخارج لتغطية نحو ثلثي احتياجاتها.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

وبالنسبة إلى الجزائر، لا تكمن أهمية العملية في إضافة زبون جديد إلى قائمة سوناطراك، وإنما في الانتقال إلى مستوى آخر من إدارة الصادرات الطاقوية: تثبيت موطئ قدم منتظم في آسيا إلى جانب الثقل التاريخي في أوروبا والمتوسط، ورفع القدرة على توجيه الشحنات بين أكثر من سوق وفق الأسعار والطلب والمخاطر الجيوسياسية. وهي مقاربة تنسجم مع التوجه الأوسع الذي تقوده الجزائر بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لتعزيز حضور المؤسسات الوطنية في الأسواق الخارجية وترسيخ اقتصاد أكثر اندماجًا في محيطه الإقليمي والدولي. وقد ربطت السلطات الجزائرية رسميًا خلال 2026 بين هذا التوجه وبين التعليمات الرئاسية الخاصة بتوسيع النشاط الخارجي للمؤسسات الوطنية.

واللافت أن الجزائر لا تدخل هذه السوق من نقطة الصفر. فحسب ما رصدته «تادامسا نيوز»، عادت الشحنات الجزائرية إلى الهند منذ جوان 2026، بينما تشير تقديرات حركة أوت إلى إمكانية وصول قرابة 110 آلاف طن من غاز البترول المسال الجزائري خلال شهر واحد، وهو حجم يفوق بأكثر من الضعف مجموع ما سجلته الهند من واردات البروبان والبيوتان الجزائريين خلال سنة 2024 كاملة.

وهنا يظهر حجم التحول الحقيقي. فالجزائر التي كانت ترسل إلى الهند عشرات آلاف الأطنان سنويًا تستعد، إذا استكملت الصفقة وفق الكميات المتداولة، لإرسال حجم مماثل تقريبًا كل شهر. وبذلك لا تعود المسألة مجرد استئناف للتجارة، وإنما إعادة تموضع لمنتج جزائري داخل واحدة من أكبر أسواق الطاقة الاستهلاكية في العالم.

م ن 46 ألف طن في سنة إلى 55 ألفًا في شحنة واحدة

تكشف السلسلة التاريخية للمبادلات مقدار القفزة المنتظرة. ففي 2020 بلغت واردات الهند من البروبان الجزائري نحو 7,647 طنًا، إضافة إلى 13,927 طنًا من البيوتان، أي ما مجموعه 21,574 طنًا بقيمة تقارب 8.716 ملايين دولار. ثم ارتفعت الكمية في 2022 إلى 54,108.5 أطنان من المنتجين بقيمة تتجاوز 35.3 مليون دولار، قبل أن تتراجع الحركة في 2023 إلى شحنة مسجلة من البيوتان بنحو 5,014 طنًا.

وفي 2024 عاد النشاط إلى الارتفاع، فاستوردت الهند 23,617.9 طنًا من البروبان الجزائري و22,983.4 طنًا من البيوتان، ليصل الإجمالي إلى 46,601.3 طن بقيمة 32.816 مليون دولار. غير أن المقارنة مع الاتفاق الجاري إعدادُه تكشف أن تلك الأرقام أصبحت صغيرة نسبيًا: ناقلة واحدة عند سقف 55 ألف طن يمكن أن تحمل وحدها كمية أكبر من إجمالي واردات الهند الجزائرية المسجلة خلال 2024.

وإذا وصلت شحنات أوت الجاري بالفعل إلى نحو 110 آلاف طن، فإن الهند تكون قد استقبلت في شهر واحد ما يعادل 2.36 مرة وارداتها الجزائرية المسجلة في 2024، وأكثر من ضعفي الكمية المسجلة في 2022. وهذا التسارع يسبق أصلًا بدء العقد السنوي المحتمل في 2027.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

أما عند تحويل الترتيبات المتداولة إلى سنة كاملة، فتتضح القفزة بصورة أكبر. فاثنتا عشرة ناقلة بحمولة دنيا عند 45 ألف طن تعني 540 ألف طن سنويًا، بينما يرفع الحد الأعلى البالغ 55 ألف طن للشحنة إجمالي الكمية إلى 660 ألف طن، ويعطي المتوسط البالغ 50 ألف طن نحو 600 ألف طن في السنة.

وبذلك يمكن أن ترتفع الكمية التي تشتريها الهند من الجزائر إلى مستوى يعادل ما بين 11.6 و14.2 ضعفًا لما سجلته خلال 2024، وهي قفزة لا تحدث عادة من خلال عمليات السوق الفورية وحدها، بل تحتاج إلى انتظام لوجستي وقدرة إنتاجية ومصداقية كمورد قادر على احترام برنامج شهري.

وهذه النقطة تصب مباشرة في صالح سوناطراك، لأن العقد المنتظم يمنحها رؤية أوضح للمبيعات السنوية ويقلل اعتماد جزء من إنتاجها على اقتناص الشحنات الظرفية، فيما تحصل «إنديان أويل» في المقابل على مصدر إضافي خارج دائرة مورديها التقليديين.

الجزائر تفاوض بفائض تصديري لا بحاجة إلى سوق

وتزداد قوة الموقع الجزائري عند النظر إلى قاعدة الإنتاج نفسها. فالجزائر تنتج نحو 9 ملايين طن من غاز البترول المسال سنويًا، وتصدر قرابة 6 ملايين طن، ما يعني أنها تدخل السوق الهندية وهي تملك فائضًا تصديريًا قائمًا وقدرة على توزيع الكميات بين وجهات مختلفة.

وعند سقف 660 ألف طن، قد تستوعب الهند وحدها نحو 7.3% من الإنتاج الجزائري السنوي وما يقارب 11% من إجمالي صادرات غاز البترول المسال. وحتى عند الحد الأدنى للاتفاق، تبقى النسب في حدود 6% من الإنتاج ونحو 9% من الصادرات.

هذه الأرقام تمنح الصفقة وزنًا استراتيجيًا لأنها لا تضيف سوقًا هامشية إلى الخريطة الجزائرية، بل تستطيع أن تجعل الهند واحدة من الوجهات الرئيسية لهذا المنتج.

وتدخل الجزائر هذه المفاوضات أيضًا من قاعدة تجارية عالمية معتبرة. فقد بلغت صادراتها من البروبان في 2024 نحو 2.113 مليار دولار، فيما استورد الاتحاد الأوروبي وحده قرابة 1.937 مليون طن من البروبان الجزائري بقيمة تجاوزت 1.08 مليار دولار. وفي المقابل، لم تستورد الهند في العام نفسه سوى 23.6 ألف طن تقريبًا من البروبان الجزائري.

ومن ثم، فإن الاتجاه نحو نيودلهي لا يعني التخلي عن السوق الأوروبية التي بنت فيها الجزائر موقعًا قويًا، وإنما إضافة ذراع آسيوية إلى شبكة التصدير. وهذا يمنح سوناطراك مرونة أكبر عندما تتغير الأسعار أو هوامش التكرير أو تكاليف الشحن بين منطقة وأخرى.

وللغاز الجزائري سوابق آسيوية تؤكد إمكانية هذا المسار؛ فقد استوردت إندونيسيا خلال 2023 نحو 212,574 طنًا من البروبان الجزائري بقيمة تجاوزت 104 ملايين دولار. وبالتالي، فإن آسيا ليست سوقًا مجهولة بالنسبة إلى المنتج الجزائري، لكن الهند ترفع الرهان إلى مستوى مختلف بحكم حجمها واستمرارية استهلاكها.

وتكشف هذه القدرة على التنويع جانبًا من قوة السياسة الطاقوية الجزائرية في المرحلة الحالية. فسـوناطراك توسع بالتوازي حضورها الإفريقي والدولي، وهو توجه أكدته الشركة رسميًا في أوت ضمن استراتيجيتها للاستثمار والتوسع خارج الحدود. كما وقعت في جويلية عقدًا جديدًا لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي إلى السوق الألمانية ابتداء من 2027، في مؤشر على أن توسيع الموقع الآسيوي لا يأتي على حساب تثبيت الأسواق الأوروبية، وإنما ضمن انتشار جغرافي أوسع للصادرات الجزائرية.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

هرمز يعيد رسم الحسابات.. والجزائر تدخل في اللحظة المناسبة

وتأتي القفزة الجزائرية في توقيت أصبحت فيه الهند أكثر حساسية من أي وقت مضى تجاه تركز مصادر الإمداد. ففي 2025 بلغت مشترياتها من غاز البترول المسال القادم من الشرق الأوسط نحو 21.53 مليون طن، أي قرابة 90% من إجمالي الواردات، ما جعل سوقًا يزيد عدد مشتركيها على 300 مليون أسرة شديدة التعرض لأي اضطراب يصيب حركة الملاحة والطاقة في الخليج.

وتوضح أرقام الموردين حجم هذا التركيز. ففي 2024 اشترت الهند نحو 4.439 ملايين طن من البروبان من الإمارات، و2.601 مليون طن من قطر، و1.749 مليونًا من الكويت، و1.610 مليون طن من السعودية. وفي البيوتان بلغت مشترياتها من السعودية نحو 2.086 مليون طن ومن الكويت 1.846 مليون طن، بينما بقيت الكميات الجزائرية آنذاك في نطاق محدود جدًا.

ولهذا لا تتجه نيودلهي إلى الجزائر بهدف استبدال دول الخليج، وهو أمر لا توحي به الأحجام المقترحة أصلًا، وإنما لإدخال مصدر متوسطي كبير ومستقل جغرافيًا عن منطقة الخليج إلى مزيج الموردين.

وهذه النقطة تمنح الجزائر قيمة تتجاوز السعر. فسوناطراك تستطيع تحميل الشحنات من موانئ لا تعتمد على المرور عبر مضيق هرمز، وهو ما يوفر للمشتري الهندي خط إمداد جغرافيًا مختلفًا في لحظة أصبح فيها تنويع الطريق نفسه جزءًا من أمن الطاقة.

وفي الوقت نفسه، تظل المنافسة تجارية في النهاية. فالمسافة البحرية بين الجزائر والهند أطول من المسافة من عدد من موانئ الخليج، وبالتالي ينبغي للسعر عند ميناء الشحن أن يعوض جانبًا من فارق النقل والتأمين. وهنا تشير المعطيات المتداولة إلى أن الغاز الجزائري يُعرض بسعر تنافسي مقارنة بالمؤشر التعاقدي السعودي، وإن لم تُعلن نسبة الخصم الدقيقة.

وتنص الترتيبات المتداولة كذلك على صيغة FOB، أي أن سوناطراك تسلم الشحنة على متن الناقلة في ميناء التصدير، بينما يتولى المشتري الهندي عادة تكاليف النقل والتأمين بعد ذلك. وهذا يقلل تعرض الجانب الجزائري المباشر لتقلب تكلفة الرحلة البحرية، ويجعل السعر عند نقطة التحميل عنصر المنافسة الأساسي بالنسبة إلى سوناطراك.

وتظهر الأسعار المرجعية لأوت 2026 مستوى يناهز 540 دولارًا للطن من البروبان و570 دولارًا للطن من البيوتان. وإذا استخدمت هذه الأسعار لأغراض حسابية فقط، فإن قيمة 540 ألف طن قد تقترب من 291.6 مليون دولار عند السعر الأدنى، بينما قد تصل 660 ألف طن إلى نحو 376.2 مليون دولار عند السعر الأعلى، مع سيناريو وسطي يضع 600 ألف طن عند قرابة 333 مليون دولار.

غير أن هذه ليست قيمة العقد، لأن أسعار 2027 ومزيج البروبان والبيوتان والخصومات والشروط التجارية النهائية لم تعلن. لكنها تعطي مقياسًا تقريبيًا لحجم الصفقة: التعامل السنوي المحتمل قد يصبح أكبر بنحو 9 إلى 11 مرة من القيمة المسجلة في 2024.

330 مليون اشتراك.. الجزائر تدخل سوقًا لا يتوقف طلبها

أما الجانب الآخر من المعادلة فيوجد داخل الهند نفسها. فعدد الاشتراكات المنزلية النشطة في غاز البترول المسال بلغ نحو 329.995 مليون اشتراك في بداية أوت 2026، بينها حوالي 105.728 ملايين اشتراك مرتبطة ببرنامج حكومي لتوسيع وصول الأسر إلى غاز الطهي.

ويبلغ استهلاك البلاد نحو 33.15 مليون طن سنويًا في آخر سنة مرجعية متاحة، مع اعتمادها على الواردات لتغطية قرابة ثلثي الطلب. ولذلك تمثل الكمية الجزائرية المقترحة، بين 540 ألفًا و660 ألف طن، ما يقارب 1.6 إلى 2% من إجمالي الاستهلاك الهندي.

وقد تبدو النسبة صغيرة، لكنها ليست كذلك عند النظر إليها كمصدر جديد داخل مزيج توريد ضخم. فاستحواذ مورد واحد جديد نسبيًا على ما يصل إلى 2% من سوق تستهلك أكثر من 33 مليون طن يعني أن الجزائر تنتقل مباشرة إلى أحجام بمئات آلاف الأطنان، بدل قضاء سنوات في بناء حصة صغيرة بواسطة الشحنات المتقطعة.

كما أن الهند نفسها لا تراهن على الجزائر وحدها. فهي تتجه إلى شراء ما يصل إلى 25% من وارداتها من الولايات المتحدة خلال 2027، بالتزامن مع رفع إنتاج المصافي المحلية وتشجيع الغاز الموزع عبر الأنابيب، مع هدف معلن لإنتاج 63,810 أطنان يوميًا من غاز الطهي.

وهذا يجعل نجاح سوناطراك في دخول هذا المزيج أكثر دلالة. فالجزائر لا تستفيد من غياب المنافسة، بل تدخل سوقًا تملك خيارات خليجية وأمريكية ومحلية متعددة، ومع ذلك ترى أكبر شركة تكرير هندية قيمة في تثبيت إمداد جزائري شهري.

سوناطراك تتهيأ لقفزة آسيوية في 2027!

من المتوسط إلى آسيا.. رؤية تبون توسع مجال سوناطراك

عند وضع المسار كاملًا في جدول زمني واحد، يظهر التحول بوضوح: 21.5 ألف طن في 2020، 54.1 ألف طن في 2022، 46.6 ألف طن في 2024، ثم احتمال 110 آلاف طن في أوت 2026 وحده، وصولًا إلى 540–660 ألف طن خلال 2027 إذا استكملت الصفقة وفق الصيغة المتداولة.

لكن أهمية القصة بالنسبة إلى الجزائر لا تُختزل في تصاعد الأعمدة داخل جدول الصادرات. إنها تكمن في الطريقة التي تستثمر بها الدولة قدرتها الإنتاجية وموقعها الجغرافي لتحويل الاضطرابات التي تواجه سوق الطاقة العالمية إلى فرص إضافية للمنتج الوطني.

وفي ظل قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، أصبحت مسألة ولوج المؤسسات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية جزءًا معلنًا من توجه اقتصادي أوسع يهدف إلى بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعًا واندماجًا دوليًا. وقد أكدت الحكومة هذا التوجه صراحة عند تنفيذ توجيهات الرئيس المتعلقة بتعزيز الانتشار الخارجي للمؤسسات الوطنية وتصدير الخبرة الجزائرية.

وفي قطاع الطاقة تحديدًا، تظهر سوناطراك اليوم قدرة متزايدة على التحرك في أكثر من اتجاه في اللحظة نفسها: تثبيت عقود في أوروبا، توسيع حضورها في إفريقيا، وفتح ممرات بيع منتظمة في آسيا. وهذا يعكس تحول المجمع من شركة ترتكز قوتها الخارجية أساسًا على قربها من أوروبا إلى مؤسسة طاقوية تبحث عن أفضل توزيع ممكن لإنتاجها بين القارات.

وهنا تكمن القيمة الاستشرافية للسياسة التي تدفع بها الجزائر: عدم رهن الطاقة الجزائرية بسوق واحدة، وعدم انتظار الزبون عند الميناء، وإنما الذهاب إلى الأسواق التي يتوسع فيها الطلب وبناء عقود طويلة الأجل معها من موقع المورد القادر على الاختيار.

فالهند، بما يقارب 330 مليون اشتراك منزلي، ليست مجرد مشترٍ آخر. إنها سوق يمكن أن تمنح سوناطراك حضورًا آسيويًا مستدامًا، فيما تمنحها الجزائر في المقابل موردًا كبيرًا خارج التركيز الجغرافي الخليجي.

وإذا تحولت المفاوضات الحالية إلى عقد نافذ في 2027، فإن أهم رقم لن يكون 660 ألف طن وحده، بل المسافة التي قطعتها الجزائر داخل السوق الهندية: من 46.6 ألف طن في عام كامل إلى ناقلة قد تحمل أكثر من ذلك في رحلة واحدة.

عندها تكون سوناطراك قد حققت ما هو أبعد من بيع كمية إضافية من البروبان والبيوتان؛ ستكون قد ثبتت للغاز الجزائري مكانًا شهريًا في واحدة من أكبر أسواق الطاقة في العالم، ورسخت قدرة الجزائر، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، على تحويل ثروتها الطاقوية من مصدر للإيرادات فقط إلى أداة حضور اقتصادي دولي تتوسع من المتوسط إلى إفريقيا وآسيا، بشروط تخدم المصلحة الوطنية وتزيد من وزن الجزائر في أسواق الطاقة العالمية.

#الجزائر#الهند
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

بوابة الجزائر الاخبارية: تقترب الجزائر من تعزيز حضورها في سوق الطاقة الآسيوية، مع استعداد شركة النفط الهندية “إنديان أويل” لإبرام اتفاقية جديدة مع شركة سوناطراك لاستيراد شحنات من غاز النفط المسال الجزائري خلال عام 2027، في خطوة من شأنها إعادة تنشيط التعاون التجاري بين الجانبين وفتح المجال أمام حضور أكبر للغاز الجزائري في السوق الهندية.

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

وتعتزم شركة “إنديان أويل”، أكبر شركات تكرير النفط في الهند، توقيع الاتفاق مع سوناطراك لاستيراد غاز النفط المسال، وفق بيانات اطّلعت عليها منصة “الطاقة”، وذلك في وقت تبحث فيه نيودلهي عن مصادر جديدة وموثوقة لتأمين احتياجاتها من هذا الوقود، في ظل اضطرابات متزايدة أثّرت في حركة التجارة عبر مضيق هرمز وانعكست على تدفقات الطاقة القادمة من منطقة الشرق الأوسط.

وبموجب الاتفاق المرتقب، من المنتظر أن تستورد “إنديان أويل” شحنة كبيرة من غاز النفط المسال شهريا، تتراوح حمولتها بين 45 ألفًا و55 ألف طن متري، أي ما يعادل نحو 330 ألفًا إلى 400 ألف برميل، من وقود يتكوّن بصورة رئيسة من البروبان والبيوتان.

وتكتسب الصفقة المرتقبة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، باعتبارها خطوة لتعزيز صادرات غاز النفط المسال نحو الهند، إحدى أكبر أسواق وقود الطهي في العالم، في ظل ارتفاع الطلب المحلي، ولا سيما في المناطق الريفية وبين الشرائح ذات الدخل المنخفض.

وكانت “إنديان أويل” ترتبط في وقت سابق باتفاقية طويلة الأجل مع سوناطراك، قبل أن تتجه لاحقًا إلى شراء احتياجاتها من منتجي الشرق الأوسط، بحسب ما أوردته وكالة “رويترز”.

وتبرز الأسعار كأحد عوامل الجذب أمام الغاز الجزائري، إذ تقل أسعار غاز النفط المسال الجزائري عن أسعار العقود المبرمة مع شركة أرامكو السعودية، في وقت يرتقب أن تُبرم الصفقة الجديدة بين “إنديان أويل” وسوناطراك على أساس التسليم على ظهر السفينة (FOB).

ولم تكن العودة الجزائرية إلى السوق الهندية مجرد احتمال مستقبلي، إذ بدأت الهند بالفعل استيراد غاز النفط المسال من الجزائر في يونيو 2026، بينما يُتوقع أن تستقبل نحو 110 آلاف طن من هذا الوقود خلال أغسطس، وفق بيانات تدفقات التجارة الأولية لمجموعة بورصة لندن.

وتأتي التحركات الهندية في ظل أزمة حادة في إمدادات غاز النفط المسال، تفاقمت عقب اندلاع الحرب ضد إيران في 28 فبراير الماضي، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وتعتمد الهند بدرجة كبيرة على واردات غاز النفط المسال القادمة من منطقة الخليج العربي، التي توفر نحو 60% من استهلاك البلاد من هذا الوقود.

كما يمر نحو 90% من واردات نيودلهي من غاز النفط المسال القادمة من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، وفق قاعدة بيانات منصة “الطاقة”.

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

ومع تنامي الطلب على وقود الطهي، بات تأمين إمدادات بديلة أولوية بالنسبة إلى الهند، إذ تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى اعتماد نحو 1.14 مليار شخص في البلاد على غاز النفط المسال في الطهي، أي ما يقارب ثلث إجمالي مستخدمي هذا الوقود حول العالم.

وتأتي الصين في المرتبة الثانية بنحو 700 مليون مستخدم، تليها إندونيسيا بنحو 251 مليون شخص، وفق بيانات عام 2025.

ودفعت أزمة الإمدادات الهند إلى زيادة مشترياتها من غاز النفط المسال الأميركي لتعويض النقص في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، بالتوازي مع تشجيع المستهلكين على التحول إلى استخدام الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب.

وتتجه نيودلهي كذلك إلى زيادة اعتمادها على الولايات المتحدة خلال عام 2027، مستهدفة شراء ما يصل إلى ربع وارداتها من غاز النفط المسال من السوق الأميركية.وفي السياق ذاته، يُتوقع أن تطرح شركات توزيع الوقود الهندية الثلاث المملوكة للدولة، وهي “إنديان أويل” و”هندوستان بتروليوم” و”بهارات بتروليوم”، مناقصة مشتركة لاستيراد غاز النفط المسال من الولايات المتحدة.

غير أن تحركات الهند لا تقتصر على السوق الأميركية، إذ تبرز الجزائر كأحد الموردين الرئيسيين لغاز النفط المسال المنقول بحرًا، بعدما جاءت في المرتبة الثانية عالميًا بين أكبر الداعمين لصادرات هذا الوقود خلال الأشهر الأخيرة، بعد الولايات المتحدة، إلى جانب كندا وماليزيا والسويد والأرجنتين.

غاز النفط المسال الجزائري يقترب من صفقة كبيرة في آسيا

وتستند الجزائر في تعزيز حضورها في السوق العالمية إلى مستويات إنتاج قوية من غاز النفط المسال، إذ واصلت تصدّر قائمة الدول الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول “أوابك” من حيث إنتاج هذا الوقود.

وبلغ إنتاج الجزائر من غاز النفط المسال نحو 293.8 ألف برميل يوميًا خلال عام 2024، وفق بيانات التقرير السنوي للمنظمة، بما يعزز قدرة البلاد على توسيع صادراتها والاستفادة من التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.

شارك المقال
الكاتب(ة)
ندى عبروس
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

حين تسأل الخوارزمية عن الجزائر.. من يملك الإجابة؟

بوابة الجزائر الإخبارية: تمتلك الجزائر 173,933 أطروحة نوقشت ومسجلة في البوابة الوطنية للأطروحات، إلى جانب أرشيف علمي وإداري وصوتي تراكم على مدى عقود، وقواعد بحثية محلية بدأت بالفعل في تعليم الآلة فهم الدارجة الجزائرية. لكن امتلاك هذه الذاكرة لا يعني أنها أصبحت مادة قابلة للاستخدام في بناء الذكاء الاصطناعي؛ فالوثيقة غير المفهرسة، والبيانات غير المحدثة، والمصدر الذي يتعذر التحقق منه، تظل خارج المجال الفعلي للخوارزمية مهما بلغت قيمتها.

وبين طموح بناء نموذج يستند إلى “بياناتنا الخاصة”، وتحذيرات الخبراء من ضعف الجودة وتشتت القواعد والتبعية الخوارزمية، يفرض التحقيق سؤالًا يتجاوز الإعلان عن نموذج وطني: هل تستطيع الجزائر أن تجعل المعرفة الأكثر دقة عنها هي أيضًا الأسرع وصولًا إلى الآلة، والأقدر على إثبات مصدرها وتاريخها؟

بدأت الإجابة تتخذ شكلًا مؤسساتيًا في 25 ماي 2026، عندما حدد مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي ثلاثة مرتكزات لبناء قدرة وطنية مستدامة: البيانات، والمنشآت الرقمية، والكفاءات البشرية. وبهذا انتقلت البيانات من كونها منتجًا جانبيًا للرقمنة أو ملفًا تقنيًا داخل الإدارة إلى أصل استراتيجي يقوم عليه مشروع الذكاء الاصطناعي الجزائري.

وفي الثامن من سبتمبر 2026، ترجمت الجزائر هذا التوجه إلى آليات تنفيذ، ففصلت بين حلقتين متكاملتين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: لجنة لـ”البيانات والهياكل القاعدية”، وأخرى مستقلة لـ”النماذج اللغوية الكبرى”. كما أنشأت لجانًا للتمويل والدكتوراه المتخصصة والتكوين المستمر، وأعلنت التوجه إلى إنشاء مركز وطني للبحث في الذكاء الاصطناعي والبيانات، وتطوير نظام جزائري متعدد القطاعات لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتكوين 50 ألف متخصص بحلول 2030. ويكشف هذا الفصل أن النموذج ليس نقطة البداية؛ فما لم تُبنَ قبله قاعدة بيانات موثوقة وبنية حسابية وكفاءات قادرة على تشغيلهما، سيظل الاسم وطنيًا فيما تعتمد المعرفة التي ينتجها على مصادر وأدوات خارجية.

غير أن إدراج البيانات في صلب الاستراتيجية لا يحسم المسألة الأصعب: ما حجم المادة الجزائرية الجاهزة فعلًا للاستخدام الآلي؟ فالفارق كبير بين امتلاك ملايين الوثائق والسجلات، وامتلاك رصيد معرفي منظم وموثق ومحدث، متوازن لغويًا، واضح الحقوق، وقابل للمعالجة والتدريب والاسترجاع. وبين الوثيقة المحفوظة والمعلومة التي تستطيع الخوارزمية العثور عليها وفهمها وإسنادها، تقع سلسلة كاملة من الرقمنة والتنظيف والفهرسة والربط والحوكمة والحماية.

لذلك لا يختبر هذا التحقيق قدرة الجزائر على جمع البيانات فحسب، بل يتتبع السلسلة التي تحول ذاكرتها إلى قوة معرفية: هل المادة موجودة؟ هل تبلغ الجودة التي تجعلها جديرة بالثقة؟ هل تستطيع القطاعات تبادلها واستغلالها؟ هل تظل بنيتها وخوارزمياتها تحت سيطرة وطنية؟ وهل يمكن تدقيق النتائج وإعادتها إلى مصادرها؟ عند اجتماع هذه الشروط فقط يصبح بناء ذكاء اصطناعي يعرف الجزائر من الجزائر نفسها مشروعًا قابلًا للتحقق، لا مجرد طموح تقني.

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

من المجلد إلى النموذج.. عبد المالك بشير يضع البيانات قبل الخوارزمية

قبل نحو نصف قرن، كان الوصول إلى المعرفة يمر عبر مسار ظاهر يستطيع القارئ تتبعه. ويروي الدكتور علي كحلان، في النص الذي انطلقت منه هذه المعالجة، أنه اشترى موسوعة “بريتانيكا” خلال دراسته في إنجلترا عام 1977، ثم اقتنى بعد عودته إلى الجزائر موسوعة “المعرفة” بالعربية. وبعد المجلدات، جاءت الأقراص المدمجة، ثم Google وWikipedia والهواتف الذكية، وصولًا منذ 2022 إلى تحول جوهري: لم يعد المستخدم مضطرًا إلى فتح المرجع والبحث داخله، بل أصبح يسأل نموذجًا لغويًا فيتلقى جوابًا مكتمل الصياغة.

لم يختصر هذا التحول زمن البحث فحسب، بل نقل إلى الآلة جانبًا من سلطة الاختيار والترتيب والتفسير. ففي الموسوعة، كان اسم المؤلف والطبعة والمراجع ظاهرًا أمام القارئ، أما النموذج اللغوي فيبني إجابته انطلاقًا من كميات هائلة من بيانات التدريب، وقد يدعمها بمصادر يسترجعها أثناء الاستخدام، من دون أن يكشف دائمًا المسار الذي قاده إليها. لذلك لم يعد السؤال مقتصرًا على صحة الإجابة، بل امتد إلى المادة التي صاغتها، والمصدر الذي جاءت منه، والمعايير التي قدمت معلومة على أخرى.

ويضع البروفيسور عبد المالك بشير، مدير المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي ENSIA، هذه المسألة في صميم الطموح الجزائري. ففي 12 فيفري 2026، أعلن أن الجزائر تطمح إلى تطوير نموذج “يحترم قيمنا”، ويُصمم محليًا “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة”. ولم يطرح بشير مصدر البيانات باعتباره تفصيلًا هندسيًا، بل أوضح أن مخرجات النماذج، ولا سيما في القضايا التي تتجاوز الحقائق المباشرة، تتشكل وفق المادة التي دُربت عليها.

وبهذا المعنى، لا تُقاس “جزائرية” النموذج بموقع الخادم أو جنسية فريق التطوير وحدهما. فإذا تعلم النظام تاريخ الجزائر واقتصادها وثقافتها ومجتمعها من مصادر خارجية، أو من قواعد قديمة وناقصة لا تمثل واقعها، فقد يكون النموذج محلي الاستضافة والتطوير، لكنه يواصل إنتاج معرفة بالجزائر صيغت خارجها. فتوطين التقنية لا يصحح تلقائيًا الاختلالات الموروثة من بياناتها.

ومن هنا تكتسب عبارة “بياناتنا الخاصة” مضمونها الحقيقي؛ فهي لا تعني مجرد تجميع الملفات، بل بناء رصيد وطني يشمل أحدث الإحصاءات والسجلات الإدارية، ويمتد إلى الأطروحات والكتب والأرشيف الصحفي والخرائط والوثائق التاريخية. كما تفرض تمثيل العربية والأمازيغية والدارجة والفرنسية، وتمكين الآلة من التمييز بين الرقم الساري والرقم المتجاوز، وبين الوثيقة الأصلية والنقل الثانوي، وبين النص النافذ وما لحقه من تعديل.

وعند هذه النقطة يلتقي طموح بشير مع تحذير علي كحلان؛ فالخلل قد يبدأ قبل تدريب النموذج. إذ لا يكفي أن تكون المعرفة الجزائرية موجودة ماديًا إذا ظلت حبيسة أرشيف غير مفهرس، أو وثيقة يتعذر البحث داخلها، أو رابط غير مستقر، أو قاعدة لا تسمح بالاكتشاف الآلي. ففي البيئة الرقمية، لا يضمن وجود المصدر حضوره؛ وما لا تستطيع محركات البحث وأنظمة الاسترجاع العثور عليه يكاد يصبح، بالنسبة إلى الخوارزمية، معرفة غير موجودة.

لكن قابلية الاكتشاف ليست سوى الشرط الأول. فقد تصل الآلة إلى المادة، من دون أن تكون هذه المادة دقيقة أو محدثة أو متجانسة أو قابلة للتحقق. وهنا تبدأ الحلقة الثانية في سلسلة بناء الذكاء الاصطناعي الجزائري: جودة البيانات..

173,933 أطروحة.. حسين درار ينقل النقاش من «كم نملك؟» إلى «ما جودة ما نملك؟»

من حيث الحجم، لا تبدأ الجزائر من فراغ. فبوابة PNST الوطنية التابعة لمركز البحث في الإعلام العلمي والتقني CERIST تعرض، في إحصاءاتها الحالية، 173,933 أطروحة مناقشة، فيما سجلت بين 2016 و2026 ما مجموعه 47,754 موضوع أطروحة. والبوابة لا تؤدي وظيفة الفهرسة فقط؛ فهي تنص على أن أحد أهدافها ضمان الأرشفة الدائمة للأطروحات وإبراز البحث العلمي الجزائري، كما تسمح آليتها بإيداع النسخة الإلكترونية وربطها بالفهرس المشترك الجزائري.

إلى جانب ذلك، تدير الجزائر بنى علمية أخرى مثل ASJP، فضلًا عن مخزون ضخم موزع بين الجامعات والمخابر والإدارات والمكتبة الوطنية والأرشيف ووسائل الإعلام. وتُظهر النسخة الأساسية من التحقيق أيضًا تفاوتًا في نضج الرقمنة بين القطاعات؛ ففي 2026 أُعلن استكمال رقمنة الأرشيف الإذاعي، فيما كانت مؤسسات أخرى لا تزال توسع عمليات الفهرسة والوصف والمعالجة الرقمية.

إذن، السؤال الأول يمكن الإجابة عنه بدرجة معتبرة من اليقين: المادة موجودة. لكن ذلك لا يعني أنها جاهزة للتعلم الآلي.

وهنا يضع حسين درار، الأستاذ الباحث والخبير في الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات، خطًا فاصلًا بين وجود البيانات وصلاحيتها. ففي مداخلته خلال المنتدى الجزائري للإدماج المالي في 18 ماي 2025، حدد ثلاثة أعمدة لإنشاء بيئة تسمح بتطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية: الكفاءات البشرية، توافر البيانات ذات الجودة، والسيادة الرقمية. ولم يضع «الجودة» في مستوى ثانوي بعد التكنولوجيا؛ بل جعلها أحد الشروط الثلاثة التي لا تقوم المنظومة من دونها.

أهمية هذا الموقف أنه يمنع تحويل الأرقام الكبيرة إلى مؤشر مضلل على الجاهزية. فوجود 173 ألف أطروحة، مثلًا، يثبت أن الجزائر تملك رصيدًا علميًا مهمًا، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة التي يحتاج إليها مهندس بيانات: كم من النص الكامل قابل للاستخراج آليًا؟ ما اللغات المستخدمة؟ كم من الوثائق يحمل ترميزًا ووصفًا موحدًا؟ وما حقوق إعادة الاستخدام في التدريب؟ وهل توجد نسخ متعددة من المادة نفسها؟ وهل البيانات حديثة ومتكاملة؟

الجودة هنا لا تعني «الصحة» فقط. فقد يكون الرقمان صحيحين، لكن أحدهما يعود إلى 2020 والآخر إلى 2026. وإذا لم يعرف النظام زمن كل واحد منهما، يستطيع أن يقدم حقيقة تاريخية باعتبارها وصفًا للحاضر. وقد تكون قاعدتان صحيحتين في مؤسستين مختلفتين، لكن كل واحدة تستخدم تعريفًا آخر للمؤشر نفسه؛ وعند دمجهما آليًا يظهر تناقض لم يكن موجودًا في الأصل.

وهذا ما يجعل عبارة درار عن «البيانات ذات الجودة» متقاطعة مع تعريف الدولة نفسها للجودة في المرسوم الرئاسي الخاص بحوكمة البيانات. فالمرسوم رقم 25-320 الصادر في 30 ديسمبر 2025 يعرّف جودة البيانات من خلال مطابقتها للواقع، واكتمالها، وتناسقها داخل النظام وبين الأنظمة المختلفة، وتوفرها في الوقت المناسب وفي صيغة محدثة. أي إن الإطار القانوني الجزائري بات يضع الحداثة والتناسق والاكتمال داخل تعريف الجودة نفسه.

لكن حتى البيانات النظيفة والمحدثة لا تصبح ذات قيمة قصوى إذا بقيت موزعة داخل قواعد معزولة. ومن هنا ينتقل التحقيق من الجودة إلى التشغيل البيني.

يونس غرار.. من «الجزر الرقمية» إلى بيانات تستطيع القطاعات استخدامها

في 10 فيفري 2026، قدم يونس غرار، الخبير والمستشار في تكنولوجيات الإعلام والمعرفة، تشخيصًا يكشف بدقة المسافة بين رقمنة القطاعات وبناء دولة قائمة على البيانات. فقد أشار إلى أن قطاعات متعددة قطعت أشواطًا في رقمنة نشاطها، لكنها ظلت في كثير من الأحيان تحتفظ بقواعدها الخاصة، فيما لا يعني ذلك أن البيانات تنتقل بسهولة بين القطاعات أو يمكن دمجها في منظومة واحدة. ولذلك ربط نجاح التحول الرقمي بجمع البيانات وتنظيمها وتأمينها وجعلها سهلة الاستغلال.

أهمية طرح غرار أنه ينقل المشكلة من «هل المعلومات موجودة؟» إلى «هل يمكن جعلها تعمل معًا؟». ففي مشروع ذكاء اصطناعي يريد تحليل سوق العمل، مثلًا، لا تكفي قاعدة دقيقة في قطاع التشغيل إذا لم يكن من الممكن ربطها ببيانات التكوين والتعليم والتوزيع الجغرافي والقطاع الاقتصادي. وكلما زاد عدد القواعد غير المتوافقة، تحول التراكم الرقمي من مورد إلى تكلفة دمج وتنظيف إضافية.

لهذا يصبح التشغيل البيني أكثر من مصطلح تقني. وهو تحديدًا ما تحاول المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات معالجته. فالمرسوم 25-320 أنشأ آليات موحدة لتنظيم البيانات وإدارتها وتبادلها، فيما توضح المحافظة السامية للرقمنة أن المنظومة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: مرجع لتصنيف البيانات بحسب حساسيتها، ومرجع لفهرسة مصادرها وتوحيد وصفها وتحسين جودتها والحد من تعدد النسخ، ثم نظام وطني للتشغيل البيني يسمح بتبادلها في بيئة مؤمنة.

وتضيف البنية التقنية عنصرًا آخر هو شبكة IRIES السيادية المؤمنة، التي تقدمها المحافظة السامية للرقمنة بوصفها قناة الربط بين الإدارات والهيئات ومراكز البيانات الوطنية، بعيدًا عن الإنترنت العمومي، وبهدف ضمان تبادل موثوق ومنظم للبيانات.

لكن هذا التقدم لا ينبغي الخلط بينه وبين اكتمال المادة اللازمة للذكاء الاصطناعي. فأن تتمكن إدارتان من تبادل سجلاتهما آليًا شيء، وأن تصبح هذه السجلات corpus يمكن تدريب نموذج لغوي عليه شيء آخر. إذ تظل هناك أسئلة الخصوصية، والترخيص، وإخفاء الهوية، والتمثيل اللغوي، وتحديد ما يمكن استخدامه في التدريب وما ينبغي أن يبقى في بيئة مغلقة.

وهنا يتغير السؤال مرة أخرى. فإذا نجحت الجزائر في جعل البيانات قابلة للتبادل والاستغلال، فكيف تمنع أن تتحول سهولة الاستخدام إلى فقدان للسيطرة أو إلى احتكار للقيمة؟

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

سهيل قسوم.. البيانات ليست للحبس ولا للتسليم

هذه المعضلة هي التي يضعها سهيل قسوم، خبير الرقمنة ورئيس الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل المواطنين، في صياغة اقتصادية واضحة. ففي حديثه في فيفري 2026 عن منظومة حوكمة البيانات، ربط الوصول إلى معلومات موثوقة بتحسين اتخاذ القرار، وتوقع الطلب، ورفع الإنتاجية، وتمكين المؤسسات الصغيرة والناشئة من تطوير حلول محلية قد تتحول إلى منتجات قابلة للتصدير.

غير أن قسوم لا يرى الحل في فتح القواعد على مصراعيها. فقد لخّص المعادلة بأن البيانات لا ينبغي حبسها ولا تسليمها، وإنما يجب حوكمتها وحمايتها وتثمينها بذكاء. وهذه الرؤية تضعه في نقطة وسط بين من يفهم السيادة باعتبارها إغلاقًا، ومن يتعامل مع الانفتاح باعتباره تسليمًا غير مشروط للمورد الرقمي.

القيمة الاقتصادية لهذا الطرح تظهر بوضوح في الذكاء الاصطناعي. فالشركة الناشئة التي تريد تطوير نموذج للتنبؤ بالاستهلاك، أو أداة للزراعة الدقيقة، أو نظامًا للتحليل الطبي، تحتاج إلى بيانات محلية ذات جودة. لكن الدولة في الوقت نفسه لا تستطيع أن تجعل البيانات الصحية أو الشخصية أو الأمنية مادة مفتوحة للتدريب. ومن ثم يصبح التحدي الحقيقي في تصنيف مستويات الوصول: ما الذي يمكن نشره؟ وما الذي يحتاج إلى إزالة الهوية؟ وما الذي يستخدم في بيئة بحثية مقيدة؟ وما الذي لا ينبغي أن يغادر أصلًا البنية السيادية؟

هذا ما يجعل البيانات «مادة خام» بالمعنى الاقتصادي لا المجازي فقط. فكما لا يتحول خام المعدن إلى صناعة بمجرد استخراجه، لا يتحول السجل أو الوثيقة أو التسجيل إلى قيمة ذكاء اصطناعي بمجرد رقمنته. يحتاج إلى تنظيف ووصف وتصنيف وربط وترخيص، ثم إلى مؤسسة قادرة على تحويله إلى منتج.

وهنا يكمل قسوم حسين درار ويونس غرار في سلسلة واحدة: فدرار يشترط الجودة، وغرار يشترط القابلية للاستغلال، بينما يسأل قسوم عما إذا كانت هذه القابلية ستتحول إلى إنتاجية وابتكار وقيمة اقتصادية.

لكن إذا أصبحت البيانات أصلًا بهذه القيمة، فإن السؤال التالي يصبح حتميًا: أين تُخزن؟ ومن يملك البنية التي تعالجها؟

جواد سليم علال.. السيادة بدأت من سؤال مكان البيانات

هذا السؤال سبق ظهور ChatGPT بسنوات. ففي أكتوبر 2020، دعا خبير الرقمنة جواد سليم علال الجزائر إلى التفكير «بجدية وبسرعة» في سيادتها الرقمية، وربط ذلك بضرورة تطوير مراكز البيانات والاستضافة الوطنية وزيادة التحكم في البيانات، حتى لا يؤدي الاعتماد الكامل على البنى الموجودة في الخارج إلى تعطيل الاقتصاد والخدمات أو إلى مخاطر تتعلق بالأمن والتجسس.

تكمن أهمية تصريح علال في زمنه بقدر ما تكمن في مضمونه. فحينها كان السؤال الأساسي يتعلق بموقع الخادم وباستمرارية الاتصال والخدمة. أما بعد صعود الذكاء الاصطناعي، فقد اتسع السؤال: يمكن للدولة أن تستضيف بياناتها محليًا، لكن ماذا لو كان النظام الذي يحللها ويبني الإجابات منها خوارزمية مغلقة لا تعرف كامل منطقها ولا البيانات التي تشكلت منها؟

الجزائر تحرز في الجانب المادي تقدمًا ملموسًا. فالمحافظة السامية للرقمنة تشير إلى مركزين وطنيين للبيانات في الجزائر العاصمة والبليدة، وتقول إن المركز الأول حصل في 22 فيفري 2026 على اعتماد Design Tier III من Uptime Institute، مع مساحة تفوق 11 ألف متر مربع لكل منشأة، وربط المنظومة بمركز عمليات أمن سيبراني وشبكة IRIES السيادية.

هذه البنية تجيب عن جزء من السؤال الذي طرحه علال قبل سنوات: أين توجد البيانات وكيف نحافظ عليها داخل بيئة وطنية؟ لكنها لا تجيب وحدها عن الجزء الذي أضافه الذكاء الاصطناعي: من يتحكم في الطريقة التي تُحوَّل بها البيانات إلى معرفة؟

ولهذا عاد يونس غرار نفسه، في ديسمبر 2025، إلى المسألة من زاوية أكثر تقدمًا؛ إذ طالب في العلاقات مع مزودي الذكاء الاصطناعي بإبقاء البيانات محليًا وعدم إخراجها، لكنه أضاف ضرورة فهم طريقة عمل الخوارزميات حتى لا تتحول التبعية من الخادم إلى النظام الذي ينتج الإجابة. وهنا لم يعد مفهوم السيادة يقتصر على الأرض التي يقف عليها مركز البيانات؛ بل امتد إلى طبقة الخوارزمية.

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

وردة بايليش.. من السيادة الرقمية إلى السيادة المعرفية

هذه النقلة هي ما تصفه وردة بايليش بـ”السيادة المعرفية” أو “الإدراكية”. ففي تحليلها للجغرافيا السياسية لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، تربط التكنولوجيا ببنيتها المادية؛ فمركز البيانات لا يحفظ الملفات فحسب، بل يضمن تدفقها ويوفر القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل الأنظمة الذكية. ومن ثم، لا تُقاس حماية الدولة بمكان تخزين البيانات وحده، بل بمدى سيطرتها على الخوادم والخوارزميات والمسارات التي تُنتج بها المعرفة وتصل إلى المواطن.

وبذلك لا تنقض بايليش شرط الاستضافة الوطنية الذي يطرحه جواد سليم علال، وإنما تستكمله. فقد تكون قاعدة البيانات وطنية ومركز استضافتها وطنيًا، بينما تظل الخوارزمية التي ترتب المصادر وتسترجع المعلومات وتصوغ الإجابة تابعة لجهة خارجية. عندئذ تتحقق السيادة على التخزين، من دون أن تمتد كاملة إلى التفسير.

وتظهر خطورة هذا الفارق في الاستخدام اليومي. فعندما تستطلع شركة سوقًا جزائرية، أو يطلب طالب تفسير حدث تاريخي، أو يعتمد موظف على مساعد ذكي لتلخيص نص قانوني، لا ينقل النظام المعلومات من الخادم إلى الشاشة بحياد؛ بل يختار المصادر ويرتبها ويستبعد بعضها، ثم يصوغ منها إجابة قد تعيد إنتاج نقص البيانات أو انحيازها. لذلك يرتبط استقلال القرار المعرفي بالتحكم في معايير الاختيار والترتيب والإسناد، لا بمجرد امتلاك مساحة التخزين.

وعليه، تتسع السيادة من حماية البيانات إلى امتلاك القدرة على فحص الخوارزمية التي تفسرها وتحديد المسؤولية عن نتائجها. غير أن السيطرة التقنية تظل ناقصة ما لم يكن بالإمكان إثبات أن النظام يعمل وفق الضوابط المحددة له؛ وهنا تبدأ الحلقة التي يضيفها فؤاد بوسطوان: التقييم والمراقبة والتدقيق والمساءلة.

السيادة تبدأ من القدرة على مساءلة الآلة

يضيف الدكتور فؤاد بوسطوان، الخبير الدولي في الذكاء الاصطناعي وعضو المجلس العلمي للذكاء الاصطناعي، شرطًا حاسمًا إلى معادلة السيادة: لا يكفي امتلاك النظام أو استضافة بياناته داخل البلاد؛ بل يجب أن تكون المؤسسة قادرة على تقييمه ومراقبته وتدقيقه والتحكم في سلوكه.

وكان بوسطوان قد شدد، خلال مداخلة بجامعة باجي مختار بعنابة سنة 2024، على أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي يفرض بناء بيئة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، بالتوازي مع حماية البيانات من الاختراق والجريمة السيبرانية. غير أن أبحاثه في 2026 نقلت النقاش من أمن البيانات إلى جاهزية النظام نفسه للعمل داخل المؤسسة.

ففي بحثه حول جاهزية وكلاء الذكاء الاصطناعي، يميز بوسطوان بين نظام يستطيع إنجاز مهمة في الاختبار، ونظام مؤهل للعمل في بيئة إنتاج حقيقية. ويقترح لتحديد هذا الفارق نموذجًا يقوم على أربعة أبعاد: التقييم، والسياق، والامتثال، والحوكمة. ولا تعني الحوكمة هنا وضع قواعد عامة فقط، بل قدرة الجهة المشغلة على التصريح للنظام بالعمل، ومراقبته أثناء التنفيذ، وتدقيق قراراته، والتدخل للتحكم فيه عند الحاجة.

وفي بحث آخر، يبين أن أداء النظام لا تحدده قوة النموذج الأساسي وحدها؛ إذ تشارك في صنع النتيجة التعليمات والأدوات والذاكرة والمعرفة المسترجعة والحواجز الأمنية والمدخلات غير الموثوقة. وإذا كان هذا السياق ضعيفًا، ارتفعت احتمالات الهلوسة والانحراف وسوء استخدام الأدوات، فيما ترتبط كفاية الإسناد إلى المعرفة مباشرة بقدرة النظام على مقاومة الهلوسة.

وتضع هذه النتيجة مشروع الذكاء الاصطناعي الجزائري أمام معيار تقني واضح. فإذا طُور نظام للإجابة عن الاقتصاد الوطني، فلا يكفي أن يكون نموذجه قويًا؛ بل يجب معرفة قاعدة المعلومات التي بحث فيها، والمصدر الذي استرجعه، وتاريخ الرقم الذي استخدمه، وقدرته على عرض ذلك للمستخدم أو المدقق. وإذا استند إلى نص قانوني، فعليه التمييز بين النص الأصلي وتعديلاته اللاحقة. أما إذا أخطأ، فيجب أن تستطيع المؤسسة إعادة بناء المسار الذي أنتج الخطأ وتحديد موضعه.

وبذلك يصبح مفهوم السيادة أوسع من الملكية والاستضافة: أن تملك الدولة القدرة على مساءلة النظام الذي يعمل باسم مؤسساتها، وأن تعرف كيف وصل إلى قراره، وبأي بيانات، وتحت أي ضوابط.

لكن النظام القابل للتدقيق يظل ناقصًا إذا لم تمثل بياناته المجتمع الذي سيستخدمه. وهنا تنتقل المعركة من حوكمة الآلة إلى المادة اللغوية التي تشكل معرفتها بالجزائر.

اختبار الدارجة.. هل تمثل البيانات المجتمع فعلًا؟

الجزائر ليست مجموعة وثائق حكومية مكتوبة بلغة واحدة؛ فواقعها اللغوي يتحرك بين العربية الفصحى والدارجة والأمازيغية والفرنسية، مع انتقال مستمر بين اللغات وكتابة للدارجة بالحرفين العربي واللاتيني. وإذا غابت هذه الطبقات عن بيانات النظام، فقد يعرف المؤسسات من نصوصها الرسمية من دون أن يفهم المجتمع بالطريقة التي يتحدث بها ويسأل ويبحث.

وتؤكد الأبحاث الجزائرية أن المسألة ليست افتراضية. فقد قدمت قاعدة “CAFE” في 2025 نحو 37 ساعة من المحادثات الجزائرية العفوية لأكثر من 100 متحدث من مناطق مختلفة، تشمل الدارجة والفرنسية والإنجليزية والتحول الطبيعي بينها. غير أن الجزء المفرغ والموسوم يدويًا بالكامل لم يتجاوز ساعتين و36 دقيقة، ما يكشف حجم الجهد اللازم لإنتاج بيانات موثوقة للهجات واللغات محدودة الموارد.

وفي النصوص المكتوبة، تضم قاعدة “DzNER” أكثر من 21 ألف جملة مشروحة يدويًا وما يزيد على 220 ألف وحدة لغوية، جُمعت من محتوى جزائري لتدريب الأنظمة على التعرف إلى الأشخاص والأماكن والمؤسسات. وتوفر هذه القاعدة مادة محلية لاختبار قدرة النموذج على فهم الكيانات الجزائرية بدل إسقاط أنماط مستخرجة من سياقات أجنبية عليها.

أما “DziriBERT”، فبُني على أكثر من مليون تغريدة جزائرية ضمن قاعدة لا يتجاوز حجمها نحو 150 ميغابايت. ورغم صغر بياناته مقارنة بنماذج متعددة اللغات دُربت على مئات الغيغابايت، تفوق النموذج المتخصص عليها في مهام مرتبطة بالدارجة الجزائرية، ولا سيما عند كتابتها بالحرف اللاتيني.

وتمنح هذه النتيجة تحذير حسين درار بشأن جودة البيانات معنى عمليًا، كما تفسر دعوة عبد المالك بشير إلى البناء من “بياناتنا الخاصة”. فالقدرة الوطنية لا تُبنى بجمع أكبر عدد ممكن من الكلمات، بل بإنتاج بيانات دقيقة تمثل الجزائر كما تستخدم لغاتها فعلًا.

فالنموذج الذي يقرأ التشريع بالعربية، لكنه يعجز عن فهم سؤال المواطن بالدارجة، لا يعرف سوى جزء من البلد. والنظام الذي يعمل بكفاءة بالفرنسية، لكنه يظل ضعيفًا أمام الأمازيغية، يعيد داخل بنيته التفاوت القائم في الموارد الرقمية. لذلك، لا تتحقق السيادة اللغوية بترجمة واجهة الاستخدام، بل بإدخال اللغات الوطنية، بتنوعها الواقعي، في بيانات التدريب والتقييم والاسترجاع.

وعند هذه النقطة تظهر “ويكيبيديا”، لا بوصفها حلًا للمشكلة، بل باعتبارها اختبارًا مكثفًا لها: ماذا يحدث عندما يصبح المصدر الأكثر حضورًا وسهولة في الوصول هو المرجع الأول للآلة، حتى عندما لا يكون المصدر الجزائري الأصلي؟

ويكيبيديا.. حين تصبح قابلية الاكتشاف جزءًا من قوة المصدر

يضع علي كحلان “ويكيبيديا” ضمن أكثر حلقات التوثيق حساسية، من دون أن يدعو إلى تحويلها إلى منصة لإنتاج “رواية رسمية”. فعلى العكس، يؤكد أن قوة الموسوعة تستند إلى قواعد الحياد والتحقق، وأن المطلوب هو إتاحة المصادر الجزائرية الأصلية، بعد رقمنتها وتوثيقها، حتى يتمكن المحررون من الاستشهاد بها.

وتوضح البيانات التاريخية خلفية هذا الانشغال. ففي الربع الأول من 2012، استحوذت الفرنسية على 52.2% من تصفح مشاريع “ويكيميديا” من الجزائر، مقابل 30.7% للعربية، بينما لم تتجاوز مساهمات الجزائر 0.08% من إجمالي التعديلات عالميًا. ولا تصلح هذه المؤشرات القديمة لوصف الواقع الحالي، لكنها تكشف أن دخول الجزائر إلى فضاء المعرفة الرقمية انطلق من قاعدة لغوية وإنتاجية غير متوازنة.

غير أن القضية تتجاوز “ويكيبيديا”. فإذا بقيت وثيقة جزائرية أصلية داخل أرشيف غير مفهرس، بينما أُدرجت دراسة أجنبية ثانوية عنها في قاعدة منظمة وقابلة للبحث، فقد تصل محركات البحث وأنظمة الاسترجاع إلى الدراسة الأجنبية أولًا؛ لا لأنها أدق بالضرورة، بل لأن بنيتها الرقمية تجعلها أكثر قابلية للاكتشاف والمعالجة والاستشهاد.

ومن هنا تكتسب ملاحظة كحلان حول الرقمنة أهميتها. فمسح الوثيقة ضوئيًا لا يحولها تلقائيًا إلى مصدر قابل للاستخدام؛ إذ تحتاج إلى وصف دقيق، وتأريخ، وتحديد للمؤلف، وفهرسة، وروابط دائمة، وإمكان البحث في محتواها بالعربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية. ومن دون ذلك، قد تنتقل الوثيقة من ورقة منسية في خزانة إلى ملف غير مرئي داخل خادم.

وبهذا يصبح ما يبدو انحيازًا في اختيار المصادر أكثر قابلية للتفسير. فالآلة لا تستبعد المصدر الجزائري بالضرورة، لكنها قد لا تعثر عليه أو تتمكن من معالجته بالسهولة نفسها. لذلك، تبدأ معركة حضور الجزائر في البيئة الخوارزمية من هندسة المصدر الوطني، وجعله موثوقًا ومفهرسًا ومستقرًا وقابلًا للوصول والاستشهاد.

ومن هذه النقطة تتصل تصريحات الخبراء الثمانية ضمن مسار واحد يبدأ بالمصدر، ثم ينتقل إلى جودة البيانات وربطها وحوكمتها وتثمينها وحمايتها، وصولًا إلى النموذج القادر على معرفة الجزائر من مصادرها الوطنية.

الجزائر كما تراها الخوارزميات.. هل تملك المادة الخام لصناعة ذكاء اصطناعي يعرفها من مصادرها؟

ثمانية خبراء.. وسلسلة واحدة من الوثيقة إلى القرار

يبدأ عبد المالك بشير من نهاية المسار محددًا الهدف: نموذج جزائري يُبنى “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة”. غير أن بلوغ هذا الهدف يمر بسلسلة من الشروط المترابطة؛ إذ يعيد حسين درار النقاش إلى جودة البيانات، لأن وفرتها لا تعوض ضعف دقتها، فيما يضيف يونس غرار أن الجودة تفقد أثرها إذا ظلت القواعد منفصلة وغير قابلة للتبادل والاستغلال. وعندما تصبح المادة جاهزة للاستخدام، ينقل سهيل قسوم النقاش إلى الاقتصاد: حماية البيانات ضرورية، لكن قيمتها الفعلية تظهر عندما تتحول إلى إنتاجية وابتكار ومنتجات جديدة بدل بقائها “محبوسة”.

ويضع جواد سليم علال شرط البنية السيادية، فلا يمكن التحكم في مادة وطنية حيوية إذا ظلت استضافتها خاضعة بالكامل لبنى خارج السيطرة الوطنية. لكن وردة بايليش توسع المفهوم من امتلاك الخادم إلى امتلاك المعرفة التي تنتجها الخوارزمية، لأن السيطرة على مكان التخزين لا تعني تلقائيًا السيطرة على آليات معالجة البيانات وتوجيه استخدامها. ويستكمل فؤاد بوسطوان السلسلة بمعيار الإثبات: حتى النظام الوطني المستضاف محليًا ينبغي أن يكون قابلًا للمراقبة والتقييم والتدقيق والمساءلة.

وقبل هذه المراحل جميعًا، يعيد علي كحلان المسألة إلى أصلها: المصدر. فإذا لم تكن الوثائق والأرشيفات والدراسات الجزائرية مستقرة وموثقة ومفهرسة وسهلة الوصول، فلن تجد الأنظمة الذكية مادة وطنية كافية لمعرفة الجزائر من داخلها.

وهكذا لا تقدم تصريحات الخبراء تشخيصات منفصلة، بل ترسم سلسلة سببية متكاملة: المصدر ينتج البيانات، والجودة تمنحها الثقة، والتشغيل البيني يربطها، والحوكمة تضبط استخدامها، والتثمين يحولها إلى أصل اقتصادي، والبنية السيادية تحفظ السيطرة عليها، والتحكم الخوارزمي يحمي المعرفة الناتجة عنها، فيما يجعل التدقيق هذه السيطرة قابلة للإثبات. عند اكتمال هذه السلسلة، يصبح هدف بشير ببناء نموذج يستند إلى “بياناتنا الخاصة” مشروعًا قابلًا للتحقق تقنيًا ومؤسساتيًا.

الجزائر تملك المادة الخام وتستكمل تحويلها إلى أصل صناعي

لا تقود المعطيات إلى إجابة ثنائية عن سؤال امتلاك الجزائر المادة الخام اللازمة للذكاء الاصطناعي. فالبلاد تملك رصيدًا معرفيًا واسعًا يشمل أكثر من 173 ألف أطروحة مناقشة في المنصة الوطنية للإشعار عن الأطروحات “PNST”، ومنصات للمجلات العلمية، وأرشيفات ومكتبات، وقواعد قطاعية وإحصائية، وإنتاجًا إعلاميًا وثقافيًا متراكمًا. كما أثبتت فرق البحث الجزائرية قدرتها على بناء مجموعات بيانات متخصصة للدارجة والكلام العفوي والتعرف على الكيانات، بالتوازي مع بناء الدولة، منذ نهاية 2025، إطارًا أكثر صرامة لحوكمة البيانات وتشغيلها البيني وحمايتها واستضافتها داخل بنى سيادية.

غير أن تحويل هذا الرصيد إلى مادة جاهزة لتدريب نموذج تأسيسي كبير يتطلب جردًا وطنيًا فنيًا موحدًا يحدد الحجم الصافي للنصوص القابلة للاستخدام، وتوزيعها بين العربية والدارجة والأمازيغية والفرنسية، ونسبة الوثائق القابلة للاستخراج الآلي، ومستويات التكرار والأخطاء، وحقوق إعادة الاستخدام والتدريب، وعمر البيانات، ونتائج التدقيق الموحد لجودتها.

لذلك، سيكون من غير الدقيق اختزال الوضع في القول إن الجزائر تملك حاليًا مدونة وطنية عامة مكتملة التنظيف والترخيص والتوازن اللغوي وجاهزة بصورة مثبتة لتدريب نموذج ضخم من الصفر. وسيكون من غير الدقيق أيضًا القول إنها لا تملك المادة الخام. فالقاعدة المعرفية موجودة، بينما تتقدم عملية تنظيمها وربطها وتحويلها إلى مورد صناعي موحد.

ويتيح هذا الوضع خيارًا عمليًا لا يربط التقدم بانتظار اكتمال رقمنة الأرشيف الوطني كله. تستطيع الجزائر، بالتوازي، تطوير أنظمة تستند إلى نماذج قائمة أو مفتوحة، وترتبط بقواعد معرفة وطنية موثوقة ومحدثة تُرجع الإجابة إلى مصدرها وتاريخها. وبذلك تنتقل الأولوية من المنافسة على عدد معاملات النموذج إلى المنافسة على جودة المعرفة الجزائرية ودقة إسنادها.

وعند هذه النقطة تلتقي شروط الخبراء في مسار واحد: جودة درار، وتشغيل غرار البيني، وتثمين قسوم، والبنية السيادية عند علال، وسيادة المعرفة لدى بايليش، وقابلية التدقيق عند بوسطوان، واستدامة المصدر عند كحلان، وصولًا إلى نموذج بشير المبني على بيانات الجزائر.

والخلاصة أن الجزائر لا تبدأ من فراغ، ولا تنتظر مادة خام لم تُنتج بعد؛ فهي تملك الذاكرة والمصادر والكفاءات والرصيد اللغوي والعلمي. أما المعركة الحاسمة، فتتمثل في تحويل هذا الرصيد إلى معرفة منظمة وموثقة وقابلة للمعالجة الآلية، حتى تعرف الخوارزمية الجزائر من مصادر الجزائر نفسها، وتستطيع إثبات ذلك بالدليل.

المعركة تبدأ قبل النموذج

لا تكشف رحلة البيانات الجزائرية عن نقص في الذاكرة، بل عن فجوة بين حجم المعرفة المتراكمة وحجم المادة التي أصبحت جاهزة فعلًا للآلة. فالجامعات والمكتبات والأرشيف والإدارات ووسائل الإعلام تختزن رصيدًا علميًا وثقافيًا ولغويًا تشكل عبر عقود، غير أن وجوده لا يعني أن الخوارزمية تستطيع الوصول إليه أو فهمه أو التحقق منه. لذلك، يبدأ التحدي الحقيقي من بناء مسار ينقل هذه المعرفة من مصدرها إلى النظام الذكي، مع الحفاظ على تاريخها وسياقها ولغتها وإمكانية إسنادها إلى أصلها.

ضمن هذا المسار، لا تتجاور مواقف الخبراء، بل تكمل كل واحدة منها حلقة ضرورية. فجواد سليم علال ينطلق من البنية التي تحتضن البيانات وضرورة إبقائها تحت السيطرة الوطنية، فيما يركز حسين درار على نوعيتها، محذرًا من أن كثرتها لا تمنحها قيمة ما لم تكن دقيقة وعالية الجودة. ويضيف يونس غرار أن البيانات الجيدة لا تتحول إلى قدرة وطنية إذا ظلت موزعة في جزر رقمية، ما يجعل التشغيل البيني وقابلية الاستغلال شرطين للانتقال من الرقمنة إلى اقتصاد البيانات. أما سهيل قسوم، فيضع العائد في قلب المعادلة: حماية البيانات لا تنفصل عن استخدامها لتحسين القرار وإنتاج الابتكار وتطوير منتجات جديدة.

غير أن القيمة تظل محدودة إذا بقيت المصادر الوطنية ضعيفة الظهور. وهنا يحذر علي كحلان من أن الأرشيف غير المفهرس، والدراسة صعبة الوصول، والرابط غير الدائم، تجعل المعرفة الجزائرية أقل حضورًا في البيئة الخوارزمية، مهما بلغت أهميتها. وتوسع وردة بايليش مفهوم السيادة من مكان تخزين البيانات إلى التحكم في الخوادم والخوارزميات ومسارات استهلاك المعرفة، بينما يضع فؤاد بوسطوان شرطًا حاسمًا: لا تكتمل سيادة أي نظام ما لم يكن قابلًا للمراقبة والتقييم والتدقيق والمساءلة.

وعند اكتمال هذه الحلقات، يأخذ هدف عبد المالك بشير موقعه الطبيعي. فبناء نموذج “انطلاقًا من بياناتنا الخاصة” ليس نقطة البداية، بل حصيلة منظومة تبدأ بالمصدر، وتمر بالتنظيم والجودة والربط والحماية، وتنتهي بنظام يستطيع تفسير ما يعرفه وإثبات مصدر معرفته.

ومن ثم، لا تُقاس المنافسة بالنسبة إلى الجزائر بعدد مليارات معاملات نموذجها المقبل أو بسرعة الإعلان عنه، بل بقدرتها على جعل المعرفة الأدق عنها هي أيضًا الأكثر حضورًا وقابلية للوصول الآلي. عندئذ لا تبقى الأطروحات حبيسة المنصات، ولا الأرشيف مجرد ذاكرة محفوظة، ولا الدارجة والأمازيغية موارد محدودة التمثيل، ولا قواعد الدولة جزرًا منفصلة؛ بل تتحول إلى رصيد وطني تستطيع الأنظمة الذكية البحث فيه وفهمه وتحديثه والاستناد إليه.

وهنا يظهر الفارق بين امتلاك أداة للذكاء الاصطناعي وامتلاك سلسلة المعرفة التي تحدد رؤيتها. فالخوادم يمكن اقتناؤها، والقدرات الحاسوبية يمكن توسيعها، والنماذج المفتوحة يمكن تكييفها، والخبرات يمكن تكوينها أو استقطابها. أما الأصل الذي لا تستطيع شركة أجنبية أو دولة أخرى إنتاجه بدل الجزائر، فهو ذاكرتها الوطنية: أرقامها ووثائقها وأصواتها ولغاتها ولهجاتها وأرشيفها وتجربتها التاريخية.

وبذلك يصبح السؤال الذي افتتح التحقيق أكثر دقة: لم يعد الأمر متعلقًا فقط بقدرة الجزائر على تطوير نموذج يحمل اسمها، بل ببناء بيئة معرفية تجعل أي نموذج تستخدمه يعرف الجزائر من مصادرها الوطنية، ويستطيع إثبات ذلك بالدليل.

فحين تميز الخوارزمية الرقم المحدث من القديم، والوثيقة الأصلية من النقل الثانوي، وتفهم اللغات المحلية، وترد المعلومة إلى صاحبها وتاريخها، مع بقاء طريقة إنتاج الإجابة قابلة للتدقيق والمساءلة، تنتقل الجزائر من رقمنة ذاكرتها إلى امتلاك المعرفة التي تحدد صورتها في عصر الذكاء الاصطناعي.

#الجزائر#الخوارزميات#الذكاء الإصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

30 ألف مهندس وبيانات داخل الحدود.. الجزائر تحول رؤية تبون إلى مشروع للسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي

30 ألف مهندس وبيانات داخل الحدود.. الجزائر تحول رؤية تبون إلى مشروع للسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي

بوابة الجزائر الإخبارية: 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، ونماذج وطنية مفتوحة المصدر، وقدرات للحوسبة عالية الأداء، وبيانات عمومية تبقى داخل الحدود الجزائرية؛ أربع حلقات بدأت تتجمع داخل مشروع واحد يعكس انتقال الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، من رقمنة الخدمات إلى بناء قدرة تكنولوجية سيادية تتحكم في البيانات والحوسبة والكفاءات التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل. وأعاد تقرير نشرته المنصة الأمريكية Muslim Network TV، الخميس 20 أوت 2026، هذا التحول إلى الواجهة الدولية، بعدما قدم خارطة الطريق الجزائرية باعتبارها مسعى لتقليص الاعتماد على موردي التكنولوجيا الأجانب وبناء البنية الوطنية التي تسمح بتطوير وتشغيل الذكاء الاصطناعي داخل البلاد.

غير أن أهمية ما رصده التقرير الأمريكي لا تكمن في إعلان هدف جديد بقدر ما تكشفه الكرونولوجيا الجزائرية نفسها: مشروع الذكاء الاصطناعي لم يبدأ في أوت، ولم يُبنَ كرد فعل متأخر على التسارع العالمي لهذه التكنولوجيا، وإنما يأتي في نهاية سلسلة قرارات دفعت بها الدولة خلال سنوات، تحت إشراف الرئيس تبون، من إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، إلى وضع حوكمة البيانات في إطار سيادي، ثم بناء مركز وطني للخدمات الرقمية، وربط قواعد البيانات الحكومية، وصولًا إلى تحويل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى برامج تنفيذ مشتركة بين الوزارات. ففي وقت مبكر، كان رئيس الجمهورية قد دفع إلى إنشاء مدرستين وطنيتين عاليتين للذكاء الاصطناعي والرياضيات، باعتبارهما من مؤسسات «اقتصاد الغد»، قبل أن تتخرج في جوان 2026 أول دفعة من المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، في مسار يستهدف اليوم تكوين عشرات الآلاف من الكفاءات وليس مئات الخريجين فقط.

ومن هنا يبدو هدف الـ30 ألف متخصص أكثر من رقم في مخطط للتكوين. فالرهان الذي رسمته القيادة الجزائرية يقوم على بناء عناصر القدرة الوطنية في الوقت نفسه: العقل الذي يصمم النموذج، والبيانات التي تدربه، والحاسوب الذي يشغله، والمنشأة التي تستضيفه، والقواعد التي تحميه. وهذه النقلة تحديدًا هي ما يمنح المشروع بعده السيادي؛ إذ لا يمكن الحديث عن استقلال تكنولوجي إذا بقيت البيانات الجزائرية مخزنة لدى أطراف أجنبية، أو إذا كان تدريب النماذج مرتبطًا حصريًا ببنى حسابية خارج البلاد، أو إذا كانت الإدارة مضطرة في كل تطبيق جديد إلى شراء حل مغلق لا تتحكم في شفرته أو بنيته أو طريقة معالجة معلومات المواطنين.

تبون يضع البيانات في قلب الدولة قبل سباق الذكاء الاصطناعي

وتظهر استشرافية هذا التوجه بوضوح عند العودة إلى 9 فيفري 2026، أي قبل أشهر من خارطة الطريق الحالية، عندما دخلت المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات حيز الخدمة تحت الرعاية السامية للرئيس عبد المجيد تبون. ولم تُقدَّم البيانات يومها باعتبارها أرشيفًا إلكترونيًا، وإنما باعتبارها أصولًا استراتيجية للدولة الجزائرية ينبغي التحكم فيها وتنظيمها وحمايتها وتوجيه استغلالها، في انتقال من رقمنة متفرقة بين الإدارات إلى حوكمة وطنية ترتكز على البيانات. كما ربطت الحكومة صراحة تلك المنظومة بتوفير بيانات ذات جودة وموثوقة وقابلة للتشغيل البيني لتصميم وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكثر دقة، مع إخضاع استخدامها للأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.

وهذه النقطة أساسية لفهم الفارق بين شراء تطبيق للذكاء الاصطناعي وبناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي. فالتطبيق يمكن اقتناؤه في أشهر، أما السيادة الرقمية فتحتاج إلى بيانات منظمة، ومراكز استضافة، وقدرات حسابية، وكفاءات، وتشريعات ومؤسسات تتبادل المعلومات ضمن قواعد موحدة. ولذلك جاءت خطوة أخرى في 13 ماي 2026 عندما درست الحكومة، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس تبون، مشروع نظام وطني للمساعدة على اتخاذ القرار يقوم على ربط القطاعات وربط البيانات بعضها ببعض، ما يعني أن الغاية لم تعد رقمنة الوثيقة في كل وزارة على حدة، وإنما جعل البيانات نفسها أداة لتحسين القرار العمومي.

وبعد أقل من أسبوعين، في 25 ماي، انتقل المسار إلى مستوى أعلى عندما درست الحكومة مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. وجاء البيان الرسمي واضحًا في نسب هذا التوجه إلى الدفع الذي أعطاه رئيس الجمهورية لمسار تحديث العمل العمومي والتحول الرقمي، وحدد ثلاثة أسس لأي قدرة جزائرية مستدامة في الذكاء الاصطناعي: البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والكفاءات البشرية. وبذلك كانت الدولة قد حددت قبل الوصول إلى خارطة أوت البنية نفسها التي أصبحت وسائل الإعلام الأجنبية تتحدث عنها اليوم باعتبارها أساس مشروع «الذكاء الاصطناعي السيادي» الجزائري.

ثم جاءت البنية المادية. ففي 5 جويلية 2026، وبمناسبة الذكرى الـ64 للاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، أشرف الرئيس تبون شخصيًا على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية بالمحمدية. وبعد أسبوع فقط، حدد خلال اجتماع مجلس الوزراء مهلة أقصاها شهر لتحقيق الربط البيني بين القطاعات باستغلال المركز الوطني للبيانات. وهنا تبدو دلالة التوقيت قوية: استرجاع السيادة في بعدها التاريخي اقترن بتدشين منشأة تدخل في صميم السيادة الجديدة على البيانات، ثم أعقبها قرار رئاسي يمنع تحول المركز إلى مجرد مبنى تقني ويُلزم القطاعات باستغلاله فعليًا.

ويكتمل هذا المسار بقرار آخر يحمل بعدًا دوليًا، إذ كلف الرئيس تبون الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود بتمثيل الجزائر في شنغهاي، حيث وقعت في 16 جويلية اتفاق إنشاء المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي باسم الجزائر بصفتها عضوًا مؤسسًا. وبذلك تتحرك الجزائر في الاتجاهين في الوقت نفسه: بناء قدرة سيادية داخلية، مع ضمان موقع لها داخل الأطر الدولية التي بدأت تتشكل حول حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًا.

هذه السلسلة تجعل من الصعب قراءة خارطة أوت كقرار قطاعي لوزارة التعليم العالي. إنها في الواقع حلقة تنفيذية داخل مسار رئاسي أوسع بدأ بتكوين الإنسان، وانتقل إلى حوكمة البيانات والبنية التحتية والربط البيني، ثم وصل إلى مرحلة بناء النماذج الوطنية وتشغيلها داخل المؤسسات.

من شراء الذكاء إلى امتلاك أدوات إنتاجه

وفي 5 أوت 2026، أصبح هذا التصور أكثر عملية عندما ترأس وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري اجتماعًا تنسيقيًا ضم ممثلين عن عدة وزارات وهيئات وطنية لتنفيذ الخطة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي. ثم كشفت TechAfrica News في 11 أوت أن خارطة التنفيذ المشتركة أعطت الأولوية لنماذج حكومية سيادية مفتوحة المصدر، ومراكز للحوسبة عالية الأداء، وتخزين آمن للبيانات العمومية داخل الجزائر، وبرامج تكوين مكثفة، إلى جانب مركز علمي ووحدات بحث متخصصة لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى تطبيقات صناعية. كما تقرر إنشاء لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ وفق رزنامة محددة.

وبعدها بيوم، لخصت ITWeb Africa جوهر التحول في عبارة أكثر دلالة: الجزائر تريد بناء اقتصاد قائم على المعرفة يضمن السيادة والتحكم في التكنولوجيات. كما اعتبرت أن خارطة الطريق تنقل السياسة الوطنية من مرحلة وضع التصور إلى تشغيل البنية والبرامج، بحيث تصبح الحوسبة المحلية والكفاءات والبيانات السيادية أعمدة للاستقلال التكنولوجي.

ثم جاء تقرير Muslim Network TV في 20 أوت ليعيد تقديم المسار نفسه لجمهور أمريكي، مركزًا على أربعة عناصر: النماذج السيادية مفتوحة المصدر، الحوسبة عالية الأداء، التخزين المحلي للبيانات، ورفع مستوى الحماية للتطبيقات الحكومية، مع هدف تكوين 30 ألف مهندس في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030.

والمغزى الاقتصادي لهذه الخيارات أكبر من المسألة التقنية. فعندما تشتري مؤسسة عمومية خدمة مغلقة من الخارج، تخرج قيمة مالية مقابل الترخيص والاستضافة والتحديث والدعم، بينما تبقى معرفة تشغيل النظام لدى المورد. أما عندما تُبنى التطبيقات محليًا، فإن جزءًا أكبر من هذه القيمة يتوزع بين مهندسين ومراكز بيانات وشركات أمن سيبراني ومطوري برمجيات ومؤسسات ناشئة داخل الاقتصاد الجزائري.

والنماذج المفتوحة المصدر تمنح الجزائر تحديدًا مساحة أكبر لتطوير أدوات مصممة لواقعها الإداري واللغوي والاقتصادي، بدل تكييف الإدارة الجزائرية مع برامج بنيت أساسًا لأسواق أخرى. ويمكن لهذه النماذج أن تتعلم من النصوص الإدارية الوطنية والقوانين وقواعد المعرفة المحلية، وأن تتطور لخدمة العربية والأمازيغية والفرنسية والمصطلحات التقنية المستعملة داخل المؤسسات، مع بقاء التحكم في طريقة التدريب والتحديث لدى الجهات الجزائرية.

أما الحوسبة عالية الأداء فهي الحلقة التي تحدد ما إذا كانت هذه السيادة قابلة للتطبيق فعلًا. فالذكاء الاصطناعي الحديث يحتاج إلى قدرة حسابية ضخمة عند التدريب والتشغيل، ومن دونها يبقى المطور المحلي مرتبطًا بمزودي الحوسبة السحابية العالميين. ولذلك فإن وضع مراكز الحوسبة ضمن أولويات الدولة يعني أن الجزائر تريد امتلاك المصنع الذي يُنتج الذكاء الحسابي، لا مجرد التطبيقات التي تظهر في واجهته.

وينطبق الأمر نفسه على تخزين البيانات. فالبيانات الحكومية الخاصة بالصحة والتعليم والجباية والسجل التجاري والخدمات الاجتماعية وغيرها ليست مادة تقنية محايدة؛ إنها أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة في الاقتصاد الرقمي. وإذا استطاعت الجزائر بناء قواعد واضحة لاستخدامها وربطها بصورة آمنة مع الاحتفاظ بها داخل بنية وطنية، فإنها لا تحمي السيادة فحسب، وإنما تخلق مادة أولية يمكن أن تُبنى عليها خدمات اقتصادية أكثر كفاءة.

ومن هنا يظهر العمق الاستشرافي في توجيهات الرئيس تبون نحو الربط البيني للقطاعات. فالذكاء الاصطناعي لا يصنع قيمة من قاعدة بيانات معزولة في وزارة واحدة؛ قيمته ترتفع عندما يستطيع، ضمن الأطر القانونية والأمنية، الربط بين المعلومات وتحويلها إلى قرار: معرفة احتياجات السوق، التنبؤ بالضغط على مرفق، كشف اختلالات، تحسين توزيع الموارد أو تقليص الزمن الذي تستغرقه معاملة إدارية.

30 ألف كفاءة.. الجزائر تبني رأس مالها قبل أن تستورده الأسواق الأخرى

وفي قلب كل هذه البنية يبقى الإنسان. فالجزائر تستهدف الوصول إلى 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، بعدما شهد نهاية جوان 2026 تخرج أول دفعة من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، والتي أوردت التقارير الدولية أن عدد خريجيها بلغ 105.

وإذا كان المركز الوطني للبيانات يمثل البنية المادية للمشروع، فإن هذا الرقم يمثل رأسماله البشري. فالـ30 ألفًا المطلوب تكوينهم لن يكونوا جميعًا مطوري نماذج فقط؛ السوق ستحتاج إلى مهندسي تعلم آلي، ومختصي بيانات، وخبراء في الأمن السيبراني، ومهندسي بنية سحابية، ومطوري تطبيقات، ومختصين في معالجة اللغات، وباحثين في الخوارزميات، ومهندسين للحوسبة عالية الأداء، فضلًا عن خبراء قطاعيين يستطيعون إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والفلاحة والصحة والصناعة والمالية والنقل.

ومن ثم، فإن القرار الذي اتخذه الرئيس تبون قبل سنوات بإنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي يكتسب اليوم دلالة أبعد من إنشاء مؤسسة جامعية جديدة. فالمدرسة التي كانت حينها استثمارًا في «اقتصاد الغد» أصبحت اليوم إحدى اللبنات المبكرة في استراتيجية وطنية أصبحت حاجتها للكفاءات تُقاس بعشرات الآلاف.

غير أن الرهان الجزائري لا يتوقف عند إنتاج الخريج، بل يمتد إلى خلق السوق التي تُبقي خبرته داخل الاقتصاد الوطني. ولهذا تتكامل خطة الـ30 ألف متخصص مع تأسيس أول تجمع للشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بسيدي عبد الله خلال أفريل، وهو ما أشارت إليه ITWeb Africa وMuslim Network TV باعتباره حلقة تربط مؤسسات البحث بالشركات التكنولوجية الصاعدة.

وهذه الحلقة هي التي يمكن أن تحول كلفة التكوين إلى عائد اقتصادي. فإذا تخرج المهندس ثم وجد مؤسسة جزائرية تحتاج إلى مهارته، وحوسبة يستطيع استخدامها، وبيانات منظمة، وعقدًا عموميًا أو صناعيًا يمكن للشركة الناشئة المنافسة عليه، فإن الدولة لا تكون قد كوّنت موظفًا فقط، بل ساهمت في إنشاء سلسلة قيمة رقمية تحتفظ بالمعرفة والأجور والملكية الفكرية والضرائب داخل البلاد.

وبالمقابل، إذا بقيت التطبيقات العمومية حكرًا على الحلول المستوردة، فلن يكفي تكوين آلاف المهندسين لتأسيس صناعة وطنية. لذلك تبدو قوة خارطة الطريق الحالية في أنها لا تفصل التكوين عن الحوسبة ولا الشركات عن البيانات ولا البحث عن التطبيق الصناعي.

وهذا الربط تحديدًا هو ما يرفع المشروع من سياسة جامعية إلى سياسة اقتصادية.

فالجامعة تنتج المعرفة، ومركز البيانات يوفر البنية، والحوسبة تحول المعرفة إلى نموذج، والشركة الناشئة تحول النموذج إلى خدمة، والإدارة والمؤسسة الصناعية توفران السوق. وكل حلقة تُنجز داخل الجزائر تعني قيمة أكبر تبقى في الاقتصاد الوطني بدل انتقالها إلى الخارج.

بهذه القراءة، لا يتعلق مشروع الجزائر باستخدام روبوت محادثة في إدارة أو إضافة خدمة رقمية جديدة إلى بوابة حكومية. الرهان الذي تقوده الدولة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون أعمق: أن تدخل الجزائر عصر الذكاء الاصطناعي وهي مالكة لأكبر قدر ممكن من أدواته الأساسية، لا مجرد مستهلكة لما تنتجه الشركات والدول الأخرى.

ولهذا تلتقي المشاريع التي بدت في البداية منفصلة داخل معمار واحد. حوكمة البيانات التي دخلت الخدمة في فيفري توفر القواعد. نظام المساعدة على اتخاذ القرار الذي درس في ماي يعطي البيانات وظيفة. الاستراتيجية الوطنية التي درست في 25 ماي تحدد الاتجاه. المدرسة العليا تخرج الكفاءات. المركز الوطني للخدمات الرقمية الذي دشنه الرئيس في جويلية يوفر أحد مكونات البنية. قرار الربط البيني يمنع بقاء الإدارات جزرًا رقمية. العضوية المؤسسة في المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي تعطي الجزائر موطئ قدم في النقاش الدولي. ثم تأتي خارطة أوت لتجمع الوزارات حول التنفيذ.

وهذا التسلسل هو ما يمنح الرؤية الرئاسية بعدها الاستشرافي الحقيقي. ففي عالم تتحول فيه القدرة الحسابية والبيانات والخوارزميات إلى عناصر قوة اقتصادية لا تقل أهمية عن الطاقة والبنية التحتية التقليدية، اختارت الجزائر أن تضع مسألة التحكم التكنولوجي داخل مفهوم السيادة الوطنية نفسه.

ولا تعني السيادة هنا الانغلاق عن التكنولوجيا العالمية أو محاولة إنتاج كل مكون محليًا، وهو أمر لا تفعله حتى الاقتصادات الكبرى، وإنما امتلاك القدرة على الاختيار: متى تستخدم الجزائر منصة أجنبية، ومتى تطور نموذجها، وأين تخزن بياناتها، ومن يستطيع الوصول إليها، وما التكنولوجيا التي ينبغي توطينها، وما الجزء من الإنفاق الرقمي الذي يمكن تحويله إلى شركات ووظائف جزائرية.

وفي هذا المعنى، تصبح رؤية الرئيس تبون أكثر واقعية اقتصاديًا من مفهوم الاكتفاء التكنولوجي المطلق؛ فالهدف هو منع التبعية الحرجة في العناصر التي تمس القرار والسيادة والبيانات، مع الانفتاح في الوقت نفسه على الشراكات والمعرفة والتكنولوجيا العالمية.

كما أن أثر المشروع قد يتجاوز الإدارة إلى القطاعات الإنتاجية. فالبنية نفسها التي تخدم الدولة يمكن أن تدعم لاحقًا تطبيقات في الطاقة لتوقع الأعطال وتحسين الإنتاج، وفي الفلاحة لتحليل المحاصيل والمياه، وفي الصناعة للصيانة التنبؤية ومراقبة الجودة، وفي الصحة للمساعدة في التشخيص وإدارة الموارد، وفي النقل لتحسين الحركة واللوجستيك. وهنا يصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي استثمارًا في إنتاجية الاقتصاد، وليس بندًا تقنيًا منفصلًا.

ومع ذلك، ستبقى المرحلة التالية هي الاختبار الحقيقي للأرقام: حجم قدرات الحوسبة التي ستوضع فعليًا في الخدمة، عدد التطبيقات السيادية التي ستنتقل إلى الاستخدام، نسبة البيانات الحكومية التي ستصبح قابلة للتشغيل البيني، عدد الشركات الجزائرية التي ستستفيد من الطلب العمومي، ومدى التقدم السنوي نحو هدف 30 ألف متخصص.

لكن ما تحقق حتى الآن يكشف أن الجزائر وضعت اللبنات الأولى ضمن ترتيب مترابط، وليس ضمن سلسلة مبادرات معزولة. والأهم أن التقارير الأجنبية التي بدأت تتابع هذا المسار في أوت لم تعد تتحدث فقط عن «رقمنة جزائرية»، وإنما تستخدم مفهوم السيادة التكنولوجية لوصف الاتجاه الذي تتخذه البلاد.

وهنا ربما تكمن الدلالة الأقوى للتقرير الأمريكي المنشور في 20 أوت: ما كان يُطرح داخل الجزائر منذ سنوات باعتباره خيارًا لبناء دولة حديثة قائمة على المعرفة، أصبح يُقرأ من الخارج اليوم باعتباره محاولة لتأسيس ذكاء اصطناعي جزائري يتحكم في نموذجه وبياناته وحوسبته وكفاءاته.

وبقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، ينتقل مفهوم السيادة بذلك إلى مستوى جديد. فبعد سيادة القرار والموارد، تدخل سيادة البيانات والقدرة الحسابية والخوارزمية إلى قلب المشروع الوطني. وإذا نجحت الجزائر في تحويل هدف الـ30 ألف مهندس، ومراكز الحوسبة، والبيانات الوطنية، والنماذج المفتوحة المصدر إلى منظومة اقتصادية واحدة، فلن يكون إنجاز 2030 في عدد المتخصصين وحده، وإنما في أن تكون البلاد قد بنت جزءًا معتبرًا من الذكاء الذي تحتاجه بكفاءاتها، وعلى بنيتها، وفوق بياناتها، وتحت قرارها الوطني.

#الجزائر#الذكاء الاصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي