بوابة الجزائر الإخبارية:تضع تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون استقلالية القرار الجزائري في واجهة النقاش حول موقع البلاد داخل نظام دولي يشهد تنافسا متصاعدا بين القوى الكبرى. فتمسك الجزائر بعلاقاتها مع روسيا، بالتوازي مع تطوير تعاونها مع الولايات المتحدة وتعميق شراكتها مع الصين، يعكس مقاربة تقوم على تعدد الشركاء وعدم رهن المصالح الوطنية بتحالف دولي واحد. وفي ظل اشتداد التجاذب بين موسكو وواشنطن وبكين، يطرح هذا النهج تساؤلات حول الأوراق التي تسمح للجزائر بالحفاظ على حرية حركتها، وحدود قدرتها على تحويل علاقاتها المتنوعة إلى عنصر قوة يحمي قرارها السيادي.
يصرح الكاتب والباحث السياسي في الشأن الدولي أحمد عرابي ل”بوابة الجزائر” أن الجزائر استطاعت الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي في مرحلة تتسم بتصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع روسيا، بالتوازي مع تطوير قنوات الحوار والتعاون مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، دون أن تجعل علاقتها مع طرف على حساب الآخر.

وقال عرابي، في تصريح لـ”بوابة الجزائر”، إن احتدام المنافسة الدولية بين موسكو وواشنطن وبكين ترافق مع تزايد الاهتمام بالجزائر وصدور مواقف إيجابية تجاهها من قوى تنتمي إلى اتجاهات دولية مختلفة، موضحا أن الدعم الروسي للجزائر يمكن فهمه في سياق العلاقات التاريخية بين البلدين، بينما تحمل الإشادات الأميركية بالدور الجزائري في دعم السلام والاستقرار دلالات سياسية مهمة بالنظر إلى طبيعة التنافس الدولي القائم.
وأوضح عرابي أن الإشادات التي صدرت عن مسؤولين أميركيين بالدبلوماسية الجزائرية وبمتانة العلاقات الثنائية، بالتزامن مع استمرار العلاقات الوثيقة بين الجزائر وموسكو، تعكس قدرة الدبلوماسية الجزائرية على التواصل مع أطراف متنافسة دون الانتقال من منطق الشراكة إلى منطق الاصطفاف. واعتبر أن هذه المعادلة تمنح الجزائر مساحة أوسع للتحرك والدفاع عن مصالحها، لكنها تفرض عليها في المقابل تحديا يتمثل في المحافظة على هذا التوازن كلما اشتد الصراع بين القوى الكبرى.
وأشار الباحث السياسي إلى أن الأزمة الروسية الأوكرانية شكلت اختبارا مهما لهذه المقاربة، إذ حافظت الجزائر على علاقاتها الاستراتيجية والتاريخية مع روسيا، دون أن يؤدي ذلك إلى إغلاق قنوات التعاون مع الدول الأوروبية. ويرى عرابي أن الجزائر تعاملت مع الأزمة بحذر، وفصلت بين علاقاتها مع موسكو وبين مصالحها الاقتصادية والطاقوية وشراكاتها مع أوروبا.
ولفت عرابي إلى أن استمرار الجزائر في تعزيز تعاونها الطاقوي مع شركائها الأوروبيين، وفي مقدمتهم إيطاليا، بالتوازي مع المحافظة على علاقاتها مع روسيا، يعكس حرصها على إدارة سياستها الخارجية انطلاقا من المصالح الوطنية وليس استجابة لضغوط الاستقطاب الدولي، وهو ما يسمح لها بالمحافظة على هامش من الاستقلالية في التعامل مع مختلف الأطراف.
واعتبر عرابي أن أهمية هذه السياسة تتجاوز تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، بالنظر إلى موقع الجزائر داخل فضاء جيوسياسي يشهد منافسة متنامية تمتد من البحر المتوسط وشمال إفريقيا إلى منطقة الساحل. وأضاف أن تجنب الانخراط في المحاور المتصارعة يمنح الجزائر إمكانية الحوار مع دول تختلف فيما بينها حول العديد من الملفات، مع الحفاظ على علاقاتها ومصالحها المتعددة.
وأكد المتحدث أن الجزائر، وفق قراءته، لا تتعامل مع علاقاتها مع روسيا باعتبارها موقفا مناهضا للولايات المتحدة، كما لا تنظر إلى تطوير التعاون مع واشنطن وأوروبا باعتباره بديلا عن شراكاتها التقليدية، وإنما تسعى إلى بناء علاقاتها مع كل طرف وفقا للمصالح المشتركة، مع الحرص على عدم ربط خياراتها الاستراتيجية بمحور دولي واحد.
وفي المقابل، يرى عرابي أن تنامي اهتمام القوى الكبرى بالجزائر قد يثير مخاوف من انتقال جانب من التنافس الدولي إلى المنطقة، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة لملفات الطاقة والأمن والساحل والبحر المتوسط. غير أنه يعتبر أن النهج الذي تتبعه الجزائر يقوم أساسا على تجنب التحول إلى طرف مباشر في الصدام بين القوى المتنافسة.
وختم أحمد عرابي في تصريحه لـ”بوابة الجزائر” إلى أن التحدي الأساسي أمام الدبلوماسية الجزائرية يكمن في مواصلة حماية استقلال القرار الوطني والإبقاء على قنوات التعاون مفتوحة مع الشرق والغرب في آن واحد، بما يتيح للجزائر الدفاع عن مصالحها وموقعها الإقليمي، دون التحول إلى ساحة للصراع الدولي أو الارتهان لأي محور من المحاور المتنافسة.


































