مقال رأي بقلم أحمد بوطاف : إعلامي جزائري – الدوحة
الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر
من السخرية من القادة الأوروبيين إلى الضغط عليهم في ملفات الطاقة والأمن وصولا إلى تفسير احتجاجات فرنسا باعتبارها نتيجة للهجرة ورغبة الإسلام في السيطرة يبدو أن دونالد ترامب يتعامل مع أوروبا بوصفها شريكا يحتاج إلى التوجيه أكثر مما يراها حليفا ندا. وفي قلب هذا المشهد تقف فرنسا التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى أكثر العواصم الأوروبية تعرضا لانتقادات الرئيس الأميركي.

لم يعد الخلاف بين دونالد ترامب والقادة الأوروبيين مجرد تباين في الرؤى حول التجارة أو الدفاع أو الحرب في أوكرانيا. فخطاب الرئيس الأميركي تجاه أوروبا أخذ في مناسبات عديدة منحى أكثر حدة تجاوز الانتقاد السياسي إلى التشكيك في كفاءة القادة الأوروبيين ووصف سياساتهم بالضعف والتدخل في قضايا داخلية تخص دولا حليفة للولايات المتحدة.

وفي أحدث فصول هذا السجال لم يتردد ترامب في التعليق على الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا واضعا لها تفسيرا يتجاوز الأسباب التي يطرحها المحتجون أنفسهم. فقد اعتبر أن ما يحدث في فرنسا يرتبط بالهجرة الجماعية الخارجة عن السيطرة وأن الأمر لا يتعلق بالمدارس بل بما وصفه برغبة الإسلام في السيطرة على بلد كان عظيما ذات يوم.

جاء ذلك بينما كانت فرنسا تشهد واحدة من أوسع موجات الاحتجاج الطلابي في السنوات الأخيرة حيث امتدت التحركات إلى مدن عدة وشارك فيها عشرات الآلاف. وبدأت الاحتجاجات أساسا من مطالب مرتبطة بتدهور أوضاع المدارس ونقص المدرسين واكتظاظ الفصول ونقص الموارد قبل أن تتسع دائرتها وتنضم إليها نقابات ومعلمون وأولياء أمور.
ولا يعني ذلك أن الاحتجاجات خلت من أعمال العنف أو المواجهات مع الشرطة. فقد شهدت مدن فرنسية عدة صدامات وعمليات تخريب ووقعت إصابات في صفوف الطلاب وعناصر الشرطة. لكن تحويل حركة احتجاجية ذات مطالب اجتماعية وتعليمية إلى دليل على رغبة الإسلام في السيطرة يمثل قفزة سياسية تتجاوز الأسباب التي طرحتها الجهات الفرنسية المشاركة في الاحتجاجات.
ليست هذه المرة الأولى التي يختار فيها ترامب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هدفا لتعليقاته الحادة. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض تراكمت الخلافات بين الرجلين حول ملفات متعددة من الرسوم الجمركية إلى الحرب في الشرق الأوسط مرورا بأوكرانيا ومستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة.

وفي أكثر من مناسبة سخر ترامب علنا من ماكرون ووجه انتقادات إلى مواقفه السياسية كما تناول بطريقة ساخرة جوانب شخصية مرتبطة بالرئيس الفرنسي وزوجته. وهي مواقف أثارت استياء في فرنسا واعتبرت مؤشرا على أسلوب مختلف في التعامل مع الحلفاء الأوروبيين.
لكن الأهم من هذه الوقائع المنفردة هو النمط الذي تكشفه. فترامب لا يتحدث إلى القادة الأوروبيين دائما باعتبارهم رؤساء حكومات دول حليفة تمتلك مصالح ومواقف مستقلة وإنما كثيرا ما يتعامل معهم بمنطق الصفقات. ماذا يقدمون للولايات المتحدة وكم ينفقون على الدفاع وهل ينفذون ما تطلبه واشنطن وهل يتبنون مواقف الرئيس الأميركي في القضايا التي يعتبرها أولوية.
وفي ملف الديزل ظهر هذا الأسلوب بصورة أكثر وضوحا. فقد ضغطت الإدارة الأميركية على فرنسا وألمانيا للإفراج عن مخزوناتهما الطارئة من الديزل في ظل اضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار. وترافقت الضغوط مع تهديدات بإمكان فرض قيود على صادرات الديزل الأميركية إلى أوروبا إذا لم تتحرك الدول الأوروبية.
المخزونات الاستراتيجية الأوروبية ليست مجرد سلعة يمكن إخراجها من المستودعات بقرار سياسي عابر. إنها جزء من منظومة أمن الطاقة واحتياطي يستخدم في مواجهة أزمات الإمداد المفاجئة. ومع ذلك تعاملت واشنطن مع المسألة باعتبارها أداة ضغط يمكن استخدامها لدفع الحلفاء إلى التحرك وفقا للأولوية الأميركية.
وفي النهاية وافقت دول مجموعة السبع على إطلاق كميات كبيرة من النفط والديزل من المخزونات الاستراتيجية خلال الأشهر التالية في محاولة لتهدئة الأسواق وتخفيف ضغوط الإمدادات. وكانت فرنسا نفسها من بين الدول التي دفعت باتجاه الإفراج عن جزء من المخزونات الأوروبية.
لكن طريقة الوصول إلى القرار تظل ذات دلالة سياسية. فقد جاء الاتفاق بعد ضغط أميركي قوي في وقت تواجه فيه أوروبا أصلا أزمة طاقة وضغوطا اقتصادية وتحتاج إلى الحفاظ على هامش أمان في مخزوناتها.
وهكذا بدا الأمر بالنسبة إلى كثير من المراقبين أقرب إلى استخدام القوة الاقتصادية الأميركية لانتزاع تنازلات من حلفاء تقليديين لا إلى عملية تشاور متكافئة بين أطراف متساوية.
ولا تقف هذه النظرة عند فرنسا. فترامب وجه انتقادات متكررة إلى عدد من العواصم الأوروبية واتهم دولا بالقارة بالضعف والتراجع والفشل في التعامل مع الهجرة وعدم تحمل مسؤولياتها الدفاعية. كما انتقد إسبانيا وألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول بسبب سياساتها أو مواقف قادتها.

وتتكرر في خطاب الرئيس الأميركي مفردات من قبيل أوروبا الضعيفة والقادة غير الأكفاء والدول التي لا تنفق بما يكفي على الدفاع والسياسات الفاشلة في ملف الهجرة.
وقد يكون لبعض هذه الانتقادات أساس في نقاشات حقيقية داخل أوروبا. فالقارة تواجه بالفعل تحديات عميقة تبدأ بالحرب الروسية في أوكرانيا ولا تنتهي عند أزمة الطاقة والضغوط الاقتصادية وتزايد الاستقطاب السياسي وملف الهجرة. لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي يعرض بها ترامب هذه الأزمات إذ يحولها غالبا إلى دليل على فشل أوروبا برمتها ثم يقدم نفسه باعتباره الطرف القادر على فرض الحل.
تكمن حساسية خطاب ترامب في أنه يأتي من رئيس دولة ليست مجرد قوة عظمى بل رأس التحالف الغربي الذي اعتمدت عليه أوروبا لعقود في مجال الأمن والدفاع.
وهنا تنشأ المفارقة. كلما ازدادت حاجة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط اتسعت قدرة واشنطن على ممارسة الضغط عليهم. وكلما ازداد اعتماد أوروبا على القدرات الأميركية في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا أصبح الخلاف مع ترامب أكثر صعوبة بالنسبة إلى القادة الأوروبيين.
وهذا يفسر جزئيا الحذر الأوروبي في الرد على الرئيس الأميركي. فالقادة الأوروبيون يستطيعون الاعتراض على تصريحاته لكنهم لا يستطيعون بسهولة تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة استراتيجية. أوروبا تحتاج إلى المظلة الأمنية الأميركية كما تحتاج في بعض القطاعات إلى السوق الأميركية وإمدادات الطاقة الأميركية. وفي المقابل تحتاج الولايات المتحدة إلى أوروبا بوصفها كتلة اقتصادية وسياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها.

غير أن ميزان الاعتماد هذا يمنح ترامب مساحة واسعة للتفاوض من موقع قوة.
وهو ما يفسر أيضا انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن. فالرئيس الأميركي يستخدم المنصات الاجتماعية والمؤتمرات الدولية والمناسبات الرسمية لتوجيه رسائل مباشرة إلى الحكومات الأوروبية وأحيانا إلى الرأي العام الأوروبي نفسه.
ومن بين القادة الأوروبيين يبدو ماكرون الأكثر إزعاجا لترامب ليس لأنه الأكثر عداء للولايات المتحدة وإنما لأنه الأكثر إصرارا على إبراز فكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
فرنسا تريد لأوروبا أن تكون قادرة على الدفاع عن مصالحها وأن تمتلك هامشا مستقلا في السياسة الخارجية والأمن والدفاع. وهذه الرؤية تتقاطع أحيانا مع واشنطن لكنها تصطدم في أحيان أخرى مع تصور ترامب لعلاقة الحلفاء بالولايات المتحدة.
لذلك فإن التوتر بين الرجلين يتجاوز شخصيتيهما. إنه يعكس خلافا أعمق حول سؤال أساسي وهو هل أوروبا شريك للولايات المتحدة أم منطقة نفوذ أميركية يتعين عليها أن تتكيف مع أولويات واشنطن.
في ملف الديزل ظهر الخلاف بصيغة اقتصادية. وفي ملف أوكرانيا ظهر بصيغة أمنية. وفي قضايا التجارة ظهر بصيغة مالية. أما في تصريحات ترامب الأخيرة عن الاحتجاجات الفرنسية فقد انتقل الخلاف إلى المجال الاجتماعي والثقافي.
وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية لأن الرئيس الأميركي لم يكتف بانتقاد سياسة الحكومة الفرنسية بل قدم تفسيرا لمجتمع فرنسي كامل رابطا احتجاجات طلابية بمسألة الهجرة والإسلام.
قد يرى ترامب في ذلك تدخلا في نقاش سياسي يرتبط بالهجرة والأمن وصعود الإسلام السياسي. لكن منتقديه يرون في خطابه تجاوزا للحدود التقليدية بين الحليف والتدخل الخارجي خصوصا عندما يقدم تفسيرا لأزمة اجتماعية داخل دولة ذات سيادة من دون الاكتفاء بالمعطيات التي تطرحها الجهات الفرنسية المعنية.
المشهد الأوروبي اليوم لا يشبه أوروبا التي عرفها التحالف الغربي خلال العقود الماضية. فالقارة لم تعد قادرة على افتراض استمرار الحماية الأميركية بالشروط نفسها لكنها في الوقت ذاته لم تصل بعد إلى مرحلة تستطيع فيها الاستغناء عن الولايات المتحدة.
وهذه الفجوة هي التي تمنح ترامب قوته في التعامل مع الأوروبيين.
فهو يدرك أن القادة الذين ينتقدهم يحتاجون إليه ويدرك أيضا أن أوروبا رغم قوتها الاقتصادية لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في ملفات استراتيجية حاسمة. لذلك لا يتعامل مع الخلافات بوصفها خلافات بين أنداد بل بوصفها مفاوضات ينبغي أن تنتهي في نهاية المطاف إلى تنازلات من الطرف الآخر.
لكن هذه السياسة تحمل في المقابل كلفة استراتيجية على الولايات المتحدة نفسها.
فالحليف الذي يشعر بأنه يتعرض للإهانة أو الابتزاز بصورة متكررة قد لا يقطع علاقته بواشنطن لكنه سيبدأ تدريجيا في البحث عن بدائل. وقد يدفع ذلك أوروبا إلى تسريع بناء قدراتها الدفاعية والاقتصادية وفي مجال الطاقة ليس فقط لمواجهة روسيا أو أزمات الأسواق وإنما أيضا لتقليل اعتمادها على القرار الأميركي.
وهنا قد يكون أكبر أثر لخطاب ترامب أنه يدفع الأوروبيين من حيث لا يريد إلى تحقيق الهدف الذي طالما تحدث عنه بعض قادتهم وهو بناء أوروبا أكثر استقلالا عن الولايات المتحدة.
في نهاية المطاف لا تكشف تصريحات ترامب المتكررة تجاه فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا عن شخصية رئيس أميركي يفضل الصدام اللفظي فحسب بل عن تحول أعمق في العلاقة عبر الأطلسي. فواشنطن لم تعد تتحدث إلى أوروبا بلغة الشراكة التقليدية وحدها وأوروبا لم تعد تستطيع التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الذي يمكن ضمانه مهما كانت الظروف.
وبين ضغط الديزل وانتقادات الهجرة والسخرية من القادة والتدخل في تفسير احتجاجات الشارع الفرنسي تتبلور صورة جديدة لعلاقة قديمة. الولايات المتحدة لا تزال القوة الأقوى داخل المعسكر الغربي لكن أوروبا بدأت تدرك أن الاعتماد على القوة الأميركية له ثمن سياسي.
أما فرنسا التي اختارت طويلا أن تكون صوتا للاستقلال الأوروبي داخل التحالف الغربي فتجد نفسها اليوم في مواجهة رئيس أميركي لا يتردد في التعامل مع أزماتها الداخلية كما يتعامل مع ملفات التجارة والطاقة والدفاع بمنطق القوة والضغط والصفقة.
والسؤال الذي يبقى مفتوحا ليس ما إذا كان ترامب سيواصل انتقاد أوروبا فكل المؤشرات تقول إنه سيفعل وإنما إلى أي مدى يستطيع القادة الأوروبيون مواصلة تحمل هذا الأسلوب من دون أن يتحول الاستياء المتراكم إلى مشروع سياسي واقتصادي حقيقي لفك الارتباط التدريجي عن واشنطن

































