مقال رأي بقلم الكاتبة والباحثة الجزائرية: سارة محمد مرزوقي
بوابة الجزائر الإخبارية : ليست كل الصفقات التي تبدو انتصارا في لحظة توقيعها كذلك في ميزان التاريخ. فبعض الدول تدخل التحالفات بحثا عن مكاسب استراتيجية وضمانات للمستقبل، ثم تكتشف أن ما حصلت عليه لم يكن سوى بداية لالتزامات تتسع كلما تغيرت موازين القوى، وأن الحليف الذي وعدها بتأمين مصالحها قد يضعها أمام حسابات لم تكن في صلب رهاناتها الأولى.

في هذا السياق، تبرز تجربتا الإمارات والمغرب، اللتان جمعت بينهما محطة التطبيع مع إسرائيل عام 2020، وإن اختلفت دوافع كل منهما. فالرباط حصلت على اعتراف أمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، بالتزامن مع استئناف العلاقات مع إسرائيل، بينما راهنت أبوظبي على توسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز شراكاتها الاقتصادية والأمنية. ومن هنا يبدأ السؤال: هل كانت تلك التحالفات طريقا إلى تحصين المصالح الوطنية، أم أنها فتحت أبوابا على أثمان سياسية وأخلاقية واستراتيجية لم تكن محسوبة بالكامل؟

بالنسبة إلى المغرب، بدا الاعتراف الأمريكي مكسبا دبلوماسيا مهما في قضية الصحراء الغربية، لكنه لا يعني وحده نهاية النزاع أو ضمان استدامة المكاسب. فالاعترافات الدولية تظل جزءا من معادلات تتغير بتغير الإدارات والمصالح، ولا يمكنها بمفردها أن تحسم كل تعقيدات الملفات الإقليمية. وهنا تبرز المفارقة: هل يكفي مكسب دبلوماسي واحد لتبرير مسار استراتيجي طويل، خصوصا حين تصبح القضية الفلسطينية في قلب التناقض بين حسابات الدولة ومواقف قطاعات من المجتمع؟
أما الإمارات، فقد قدمت التطبيع باعتباره فرصة لتوسيع التعاون وتعزيز الاستقرار. لكن تجارب التدخل الإقليمي، وفي مقدمتها اليمن، أظهرت أن التحالفات لا تضمن تطابق المصالح، وأن الشركاء قد يختلفون حول مستقبل الدول التي يتدخلون فيها. فالتوسع في النفوذ قد يمنح الدولة أوراقا إضافية، لكنه قد يضعها أيضا في قلب صراعات تستنزف الموارد والسمعة السياسية وتضاعف تعقيدات المشهد الإقليمي.

هنا يكتسب مفهوم «الكيانات الوظيفية» دلالته النقدية. فالمقصود ليس أن كل دولة تعقد تحالفا تصبح تابعة، بل أن الخطر يبدأ حين تتحول الشراكة من أداة لخدمة المصلحة الوطنية إلى قيد يحد من حرية القرار، وحين يصبح الحفاظ على المكاسب السابقة مبررا لتحمل أثمان جديدة، حتى إن تعارضت مع الأولويات الأصلية للدولة.
ولعل الكلفة الأشد حساسية هي الكلفة الأخلاقية. فقد أعادت الحرب على غزة مسألة التطبيع إلى واجهة النقاش العربي، وكشفت اتساع الفجوة بين حسابات بعض الحكومات ومواقف قطاعات من الرأي العام الرافضة للعلاقات مع إسرائيل. وقد تستمر العلاقات الدبلوماسية والتجارية، لكن استمرارها لا يعني بالضرورة احتفاظها بالقبول الشعبي أو الرصيد المعنوي.
ومع ذلك، فإن الحديث عن عزلة كاملة للإمارات والمغرب أو عن انعدام الخيارات أمامهما لا تدعمه الوقائع على إطلاقه. فلكل منهما علاقات متعددة ومصالح متشابكة. لكن السؤال الأهم يظل قائما: هل تستطيع الدولتان الحفاظ على استقلال قرارهما، وتنويع خياراتهما، ومراجعة تحالفاتهما حين تتغير كلفتها ومآلاتها؟

إن الجغرافيا لا تحررها الصفقات وحدها، ولا تحميها وعود الحلفاء. فالمكسب الذي لا تسنده استراتيجية مستقلة قد يتحول إلى عبء، والتحالف الذي لا تملك الدولة مراجعة شروطه قد يتحول من خيار إلى ضرورة مكلفة.
فالسيادة ليست أن تختار الحليف فحسب، بل أن تحتفظ بالقدرة على الاختلاف معه، وألا تدفع ثمن حماية مكاسبك من رصيد استقلال قرارك.












