بوابة الجزائر الإخبارية: أعاد شطب الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي“FATF” ملف الإصلاحات المالية الجزائرية إلى واجهة التقييمات الدولية، بعدما اعتبر تحليل حديث للمجلس الأطلسي أن ما أنجزته الجزائر في أقل من عشرين شهرا يحمل رسالة مباشرة لواشنطن والأسواق المالية: عندما تكون المعايير واضحة، تقنية، ومتصلة بكلفة اقتصادية فعلية، تستطيع الجزائر تنفيذ إصلاحات قابلة للقياس. ويأتي هذا التقييم بعد قرار مجموعة العمل المالي، خلال اجتماعها العام في جوان بباريس، رفع الجزائر من قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المعززة، بعد إدراجها في أكتوبر 2024.

وأعزى التقرير الذي رصدته بوابة الجزائر أهمية القرار في أن القائمة الرمادية ليست عقوبة مالية بالمعنى القانوني، لكنها تتحول عمليا إلى إشارة مخاطر بالنسبة للبنوك والمستثمرين وشبكات المراسلة المصرفية. فالدول المدرجة تخضع لمتابعة أكبر في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما تضطر المؤسسات المالية الدولية إلى تشديد إجراءات العناية الواجبة عند التعامل مع بنوكها ومؤسساتها. ولذلك، فإن الخروج منها لا يفتح بابا رمزيا فقط، بل يخفف كلفة الامتثال، ويحسن صورة المخاطر، ويمنح المعاملات الخارجية هامشا أوسع في التمويل والتجارة والاستثمار.
صندوق النقد الدولي يشجع
هذا و قد أكدت دراسة لصندوق النقد الدولي، صدرت سنة 2021، أن الإدراج في القائمة الرمادية له أثر اقتصادي قابل للقياس، إذ يؤدي في المتوسط إلى تراجع تدفقات رؤوس الأموال بما يعادل 7.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو 3 بالمائة من الناتج، وتراجع تدفقات المحافظ المالية بـ2.9 بالمائة، وانخفاض تدفقات الاستثمارات الأخرى بـ3.6 بالمائة. ومن هذه الزاوية، فإن شطب الجزائر يكتسب بعدا ماليا مباشرا، لأنه يزيل عاملا كان يمكن أن يضغط على تدفقات الرساميل، علاقات البنوك المراسلة، وتقييم المخاطر لدى الشركاء الاقتصاديين.
وكانت الجزائر قد عادت إلى القائمة الرمادية في أكتوبر 2024 للمرة الثانية، بعدما كانت تجربتها الأولى قد انتهت سنة 2016 عقب مسار استمر خمس سنوات. وجاء الإدراج الجديد بعد تقييم متبادل أشار إلى ثغرات في الرقابة القائمة على المخاطر، وشفافية المستفيدين الحقيقيين، والتصريح بالعمليات المشبوهة، والعقوبات المالية المستهدفة المتعلقة بتمويل الإرهاب، والرقابة على المنظمات غير الربحية. غير أن المسار اللاحق أظهر أن الجزائر تعاملت مع الملف كالتزام تقني عالي الأولوية، وليس كإجراء إداري محدود داخل القطاع المالي.
الجزائر تقدم إلتزاما سياسيا رفيع المستوى
وفي هذا السياق، قدمت الجزائر التزاما سياسيا رفيع المستوى أمام مجموعة العمل المالي وهيئتها الإقليمية “MENAFATF” لمعالجة النقائص المحددة. وبحلول فيفري 2026، كانت مجموعة العمل المالي قد خلصت إلى أن الجزائر أنجزت، إلى حد كبير، خطة العمل المتفق عليها، قبل أن تمهد زيارة التحقق الميدانية إلى الجزائر في أفريل الطريق أمام قرار الشطب في اجتماع جوان. وبحسب ما نقله المجلس الأطلسي عن رئيسة مجموعة العمل المالي، إليسا دي أندا مادرازو، جاء القرار بعد أن حققت الجزائر تقدما في الرقابة القائمة على المخاطر، والمستفيدين الحقيقيين، والعقوبات المالية المستهدفة، وهي الملفات نفسها التي شكلت نقاط الضعف الأساسية قبل عامين.
ولم يكن الإصلاح محصورا في إجراء واحد. فقد شمل المسار الجزائري قيودا على التعاملات النقدية، وتعديلات تشريعية، وتوسيع أدوات الرقابة، وتدعيم الشفافية حول الملكية الفعلية للشركات. ووفق تحليل المجلس الأطلسي، حظر قانون المالية لسنة 2025 الدفع نقدا في معاملات العقار، والسلع الفاخرة، وأقساط التأمين، وهي مجالات ترتبط عادة بمخاطر القنوات غير الرسمية وصعوبة التتبع المالي. كما اعتمد البرلمان القانون رقم 25-10، الذي عدل الإطار القانوني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب القائم منذ 2005، فيما تعززت صلاحيات خلية معالجة الاستعلام المالي “CTRF”، وجرى توحيد قواعد “اعرف عميلك” عبر تعليمة بنك الجزائر 04-2025.
الشفافية والتصريحات الملزمة
كما تشكل شفافية المستفيد الحقيقي إحدى النقاط المركزية في هذا المسار. فقد أقرت الجزائر تنظيما يلزم الشركات بالتصريح لدى إدارة السجل التجاري بهوية الأشخاص الطبيعيين الذين يملكون، مباشرة أو بشكل غير مباشر، ما لا يقل عن 20 بالمائة من رأسمال الشركة أو حقوق التصويت، أو يمارسون السيطرة عليها بطريقة أخرى. كما حُددت آجال للامتثال، مع غرامات قد تصل إلى 3.75 مليون دينار في حال عدم التصريح. وهذا النوع من السجلات لا يهم الإدارة فقط، بل يؤثر في قدرة البنوك، المستثمرين، والهيئات الرقابية على معرفة الأطراف الفعلية خلف الشركات والمعاملات.
وبذلك، يظهر الشطب من القائمة الرمادية كنتيجة لمسار متعدد الأدوات: منع جزء من التعاملات النقدية عالية المخاطر، ضبط المستفيدين الحقيقيين، تقوية خلية الاستعلام المالي، توحيد قواعد معرفة الزبائن، وتوسيع الرقابة على القطاعات المالية وغير المالية. وهذه العناصر تمنح القرار قيمة أكبر من مجرد خروج من قائمة دولية، لأنها تعني أن الجزائر أنشأت جزءا من البنية التنظيمية التي تسمح برفع موثوقية النظام المالي أمام الشركاء الخارجيين.
الجزائر و العلاقات الأوروبية
كما تتضح الخلفية الاقتصادية أكثر عند ربط هذا الملف بعلاقات الجزائر الأوروبية. فمنذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية سنة 2022، وسعت الجزائر موقعها في معادلة الطاقة والتجارة مع عواصم أوروبية، خاصة روما وبرلين. وعندما عكست المفوضية الأوروبية إدراج مجموعة العمل المالي في جوان 2025، وجدت البنوك الأوروبية التي تتعامل مع العمليات الجزائرية نفسها أمام إجراءات عناية واجبة معززة، بما أضاف احتكاكا إلى العلاقات المالية التي كانت الجزائر تسعى إلى توسيعها. ولذلك، فإن الشطب يزيل عقبة تنظيمية كانت ترفع كلفة المعاملات وتزيد حساسية البنوك الأوروبية تجاه العمليات المرتبطة بالجزائر.
وهنا تظهر القراءة الأساسية التي قدمها المجلس الأطلسي لواشنطن: حالة الجزائر مع مجموعة العمل المالي تكسر الصورة النمطية التي تعتبر الجزائر بطيئة أو غير قابلة للتحرك. فالهيئة التي صادقت على التقدم ليست جهة جزائرية، بل جهاز دولي تقني يعتمد تقييم النظراء والزيارات الميدانية وخطط العمل. وهذا ما يجعل الاعتراف الخارجي بالإصلاحات مهما في مناخ استثماري تتأثر فيه القرارات ليس فقط بالقوانين الفعلية، بل كذلك بالتصورات المتعلقة بالشفافية، قابلية التوقع، وسرعة تنفيذ الالتزامات.

استثمار واشنطن و اقتناص الفرص
ومن الناحية السياسية والاقتصادية، يعزز هذا التطور حجج الجزائر في طلب شراكات مبنية على ملفات محددة لا على أحكام عامة. فالمجلس الأطلسي يرى أن واشنطن تستطيع استثمار قرار الشطب لإحياء الحوار الاستراتيجي الأمريكي الجزائري، الذي لم ينعقد منذ أكتوبر 2023، عبر جولة سابعة تركز على التعاون الاقتصادي. كما يقترح بناء شراكة دائمة بين واشنطن والجزائر في مكافحة التمويل غير المشروع، من خلال التعاون مع خلية معالجة الاستعلام المالي، خاصة في ظل التهديدات القادمة من منطقة الساحل ومسارات التمويل العابر للحدود.
كما يقترح التحليل أيضا اعتماد ما يسميه “نموذج المعايير المرجعية”، أي التعامل مع الجزائر عبر أهداف دقيقة، قابلة للقياس، مرتبطة بآجال وتكاليف ومكاسب واضحة، على أن يتم تقييمها وفق معايير خارجية موثوقة لا وفق مطالب سياسية مفتوحة. وهذه النقطة مهمة لأنها تضع تجربة مجموعة العمل المالي كنموذج قابل للتطبيق في ملفات أخرى، خاصة عندما تكون هناك مؤسسات دولية قادرة على قياس التقدم بطريقة تقنية. وبهذا المعنى، لا يقتصر أثر الشطب على القطاع المالي، بل يمتد إلى طريقة إدارة الحوار الاقتصادي والدبلوماسي مع الجزائر. كما أن القرار يحمل أثرا داخليا على مناخ الأعمال. فقد اعتبر مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، أن رفع الجزائر من القائمة الرمادية يرسل “إشارة إيجابية” للاقتصاد الوطني. ويُقرأ هذا الموقف في سياق الحاجة إلى تحسين ثقة المتعاملين الاقتصاديين، خفض إدراك المخاطر، وتسهيل العلاقات البنكية مع الخارج، خاصة بالنسبة للمؤسسات التي تستورد، تصدر، تتعامل مع بنوك أوروبية، أو تبحث عن شراكات وتمويلات خارجية.
رئيس الجمهورية يشيد بالجهود
وفي الاتجاه نفسه، نقلت وكالة الأنباء الجزائرية أن مجموعة العمل المالي هنأت الجزائر على التقدم المحقق في مكافحة غسل الأموال وتعزيز الشفافية الاقتصادية والمالية، بعد قرار شطبها من قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المعززة خلال اجتماع باريس. كما أشاد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بجهود قطاع المالية التي أفضت إلى رفع الجزائر من القائمة، وهو ما يبرز أن الملف جرى التعامل معه على مستوى سياسي ومؤسساتي عال، وليس كملف امتثال مصرفي ضيق.
غير أن الشطب لا يعني نهاية المسار. فالمجلس الأطلسي يوضح أن القرار يثبت بداية التنفيذ، لكنه لا يكفي وحده للحكم بأن ثقافة الإنفاذ تغيرت بالكامل. ولذلك، تبقى المرحلة المقبلة مرتبطة باستمرارية الرقابة، فعالية العقوبات، جودة التصريح بالعمليات المشبوهة، قدرة السلطات على تتبع المستفيدين الحقيقيين، وتطبيق العقوبات المالية المستهدفة دون تأخير. فالقيمة الفعلية للقرار ستقاس في السنوات المقبلة بمدى تحوله إلى ممارسة مؤسساتية دائمة داخل البنوك، شركات التأمين، الموثقين، وكل المهن المعرضة لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وحس بما أكده الخبراء في عدة قنوات محلية ودولية يمثل الخروج من القائمة الرمادية فرصة لتحسين كلفة التعامل مع السوق الجزائرية، لا ضمانة آلية لتدفق الاستثمار. فالمستثمر لا يقرأ قرار مجموعة العمل المالي وحده، بل يربطه بالإطار الجبائي، مناخ الأعمال، سرعة تحويل الأموال، توفر المعلومة، واستقرار القوانين. غير أن إزالة إشارة المخاطر المرتبطة بالقائمة الرمادية تعد خطوة مهمة في تقليص إحدى طبقات الحذر لدى البنوك والمستثمرين، خاصة في مرحلة تسعى فيها الجزائر إلى توسيع الاستثمار في الصناعة، الطاقة، المناجم، الفلاحة، البنية التحتية، والرقمنة.

























