مقال رأي بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: تكشف أروقة الأمم المتحدة دورياً عن حقائق سياسية صلبة لا يمكن حجبها بمساحيق الدبلوماسية الملتوية، غير أن إجتماعات الجمعية العامة الأخيرة لم تكتفِ بكشف الحقائق، بل أسقطت ما تبقى من أقنعة التمويه والتضليل، وقدمت أمام العالم مشهداً فاضحاً وضع منظومة المخزن المغربي في خندق واحد مع قوى الظلم والعدوان.

لقد تحول المنبر الأممي الذي يُفترض أن يكون صوتاً للشعوب المستضعفة والمقهورة إلى مسرح مكشوف تعرّت فوق خشبته الشبه أنظمة التي تخلت عن عروبتها وكرامتها الإنسانية، وأسقطت آخر أوراق التوت عن مواقفها، لتعلن دون مواربة ولا خجل إنحيازها الكلي للمشروع الصهيوني وإصطفافها في مواجهة دماء الأبرياء وتضحيات الشعوب المقاومة.
تجلت الخطيئة الأولى بشكل سافر في كلمة وزير خارجية مافيا المخزن المدعو برويطة، حين اعتلى المنبر ليصب الزيت على جراح الشعب الفلسطيني، ويوجه طعنة سياسية مسمومة إلى ظهر غزة وأهلها.
لم يتردد الوزير المخزني في وصم الغزيين الذين يدافعون عن أرضهم وعرضهم ويتصدون لآلة الإبادة الجماعية ( بالمتطرفين )، في تطابق صارخ مع السردية الصهيونية، وكأن خطاب تل أبيب وجد لنفسه لساناً آخر يتحدث بإسمه من داخل أروقة الأمم المتحدة.

إن هذا الوصف ليس مجرد إنزلاق لغوي عابر، بل يكشف إلى أي حد بلغ الإنحدار السياسي والأخلاقي لدبلوماسية عصابة المخزن، التي تحولت إلى صدى سياسي لأجندات تل أبيب، وإلى أداة لتبرير الرواية التي يحاول الإحتلال فرضها على العالم.
فبدلاً من إدانة المجازر اليومية، ورفض هدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ورفع الصوت في وجه قتل الأطفال والنساء والمدنيين، إختار #بوق_المخزن مقايضة دماء أطفال غزة بمكاسب سياسية رخيصة، متجرداً من كل قيم الحياء والإستحياء، ومنتصراً لجلاد التاريخ على حساب ضحاياه.
أما المشهد الثاني الأكثر خزياً، فقد صُنِع إبان إعتلاء #مجرم_الحرب بنيامين نتنياهو منصة الجمعية العامة لإلقاء كلمته.
وفي خطوة إحتجاجية وتضامنية مشرفة تنم عن صحوة ضمير دولي، أقدمت وفود أكثر من 72 دولة على مغادرة القاعة بشكل جماعي فور صعوده، تاركة نتنياهو يواجه مشهداً من العزلة السياسية داخل القاعة نفسها، بينما بدت مقاعد كثيرة فارغة في وجه خطاب كائن تلاحقه الإتهامات والإحتجاجات ومذكرات الإعتقال الدولية.
لكن المأساة الحقيقية تكمن في تلك الوفود المعدودة على رؤوس الأصابع التي أصرت على البقاء كشهود زور، وكان على رأسها وفد منظومة المخزن بقيادة وزير خارجيته برويطة

ذلك البقاء لم يكن مجرد جلوس عابر على مقعد داخل قاعة الأمم المتحدة، بل كان مشهداً سياسياً فاضحاً كشف موقع هذه المنظومة في لحظة إختبار تاريخية.. بينما خرجت وفود إحتجاجاً على ما تعتبره جرائم وإنتهاكات بحق الفلسطينيين، بقي ممثلو المخزن في مقاعد المتفرجين يستمعون إلى خطاب سيدهم #السفاح_نتنياهو.
وتتردد كذلك أنباء واسعة النطاق حول حمل برويطة للجنسية الإسرائيلية، الممنوحة له كمكافأة لنظام أتقن، وفق هذا الطرح، دور الشريك العسكري والسياسي والدموي للإحتلال.
إن هذه المواقف الصادمة والعلنية لم تعد تحتمل التجميل ولا التأويل ولا القراءة بين السطور، بل تستوجب تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية.
ما يربط الكيان المخزني بالكيان الصهيوني تجاوز حدود التطبيع الدبلوماسي العابر، ودخل وفق ما تكشفه الوقائع والمواقف المعلنة، مرحلة التحالف البنيوي والإرتماء السياسي والأمني الكامل في أحضان المشروع الصهيوني.

لقد أسقطت الجمعية العامة للأمم المتحدة آخر أوراق التوت التي حاولت عصابة المخزن الاحتماء خلفها، وكشفت أمام العالم حقيقة الإصطفاف الذي لم يعد بالإمكان إخفاؤه خلف بيانات دبلوماسية باردة أو عبارات جوفاء عن التضامن والحقوق.
لقد سقط القناع… وسقطت معه كل محاولة لتقديم هذه المنظومة بإعتبارها صوتاً مستقلاً أو وسيطاً نزيهاً في القضية الفلسطينية، أو غيرها من القضايا العربية أو الإقليمية أو الدولية.
سيذكر التاريخ أن وفوداً غادرت القاعة إحتجاجاً ورفضاً للظلم، بينما بقي ممثلوا المخزن في أماكنهم يستمعون بإنصات إلى خطاب ولي نعمتهم نتنياهو، في مشهد سيظل شاهداً على صفحة جديدة من صفحات الإرتهان والتواطؤ ضد الشعب الفلسطيني وضد ثوابت الأمة العربية والإسلامية.
ختاماً، إن زمن التميع الدبلوماسي وتدوير العبارات لم يعد مقبولاً أمام أنهار الدماء.. فمن يضع يده في يد من يُتهم بإرتكاب جرائم بحق الفلسطينيين، ومن يقف إلى جانب المشروع الصهيوني في لحظة تتساقط فيها الأقنعة، لا يمكنه أن يختبئ إلى الأبد خلف لغة الدبلوماسية أو شعارات السيادة.
إن الشراكة مع كيان الإحتلال، وفق هذا الموقف، ليست تفصيلاً دبلوماسياً هامشياً، بل سقوط أخلاقي وسياسي كامل.
ومن إرتضى لنفسه أن يكون بوقاً ومصفقاً للجلادين، فقد إختار موقعه في سجل التاريخ، وحفر إسمه بحروف من خزي في ذاكرة الشعوب، مؤكداً أن العمالة حين تتغلغل في كيان سياسي، لا تكتفي بتحويله إلى تابع، بل قد تدفعه إلى منافسة مشغليه في الدناءة والعدوان.
أما نحن، فلا نعترف لمنظومة المخزن بأي شرعية أخلاقية أو سياسية تمنحها حق الحديث بإسم الشعب المغربي أو تمثيل إرادته أو إحتكار صوته.
الشعب المغربي شيء، وكيان المخزن شيء آخر.
وبين الاثنين مسافة لا يمكن لخطابات الأمم المتحدة ولا بروتوكولات الدبلوماسية ولا تحالفات التطبيع أن تمحوها، فلقد سقطت الأقنعة، وما ظهر تحتها لم يعد قابلاً للتجميل.
















