مقال رأي بقلم : منير شحادة عضو مجلس إدارة وكبير المستشارين لشؤون المشرق _مجموعة حلول الإستخبارات الإستراتيجية
بوابة الجزائر الإخبارية: لم يكن خروج القوات الأميركية من العراق في 30 سبتمبر 2026 مجرد تنفيذ تقني لاتفاق سياسي أُبرم عام 2024، كما أنه لا يمكن اختزاله في الرواية الأميركية التي تقول إن المهمة التي أُرسلت القوات من أجلها، أي هزيمة تنظيم داعش قد انتهت

فالولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري في العراق، لكنها لم تنسحب من المنطقة، ولم تقطع علاقتها الأمنية ببغداد، ولم تتخلَّ عن قدرتها على ملاحقة (داعش). فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن انتهاء مهمة (العزم الصلب) في العراق يمثل انتقالاً إلى علاقة دفاعية ثنائية مع بغداد، بينما تستمر مهمة مكافحة (داعش) من الأردن، وخصوصاً في سوريا
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا نفذت واشنطن اتفاق 2024، بل لماذا أصبحت الولايات المتحدة مستعدة فعلياً للتخلي عن وجود عسكري مباشر في العراق، رغم استمرار المخاطر الإقليمية وبقاء خلايا لتنظيم (داعش) ؟
الجواب الأقرب إلى طبيعة التطورات الأمنية هو أن كلفة حماية القوات الأميركية داخل العراق ارتفعت، فيما تراجعت الحاجة العسكرية المباشرة إلى وجودها على الأرض. وكان العامل الأكثر خصوصية في الحالة العراقية هو وجود فصائل مسلحة قادرة على استهداف القوات والقواعد الأميركية بصورة مباشرة ومتكررة
داعش كان سبب العودة… لكنه ليس التفسير الكامل للخروج
عندما عادت القوات الأميركية إلى العراق عام 2014، كان المشهد مختلفاً تماماً تنظيم (داعش) كان قد سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا، واستولى على الموصل ومدن ومناطق أخرى، وامتلك القدرة على إدارة أراضٍ وسكان وموارد، ما شكل تهديداً إقليمياً ودولياً
لكن هذه المعادلة تغيرت بصورة جوهرية
فقد انتهت سيطرة التنظيم على الأراضي العراقية عام 2017، ثم خسر آخر معاقله الإقليمية الكبرى في سوريا عام 2019. وبقيت خلايا وشبكات سرية قادرة على تنفيذ عمليات، لكن التنظيم لم يعد القوة التي كانت تسيطر على مدن ومساحات شاسعة
ولهذا فإن القول إن داعش إنتهى ليس دقيقاً بالمعنى الأمني، الأدق أنه انتهى كقوة عسكرية تسيطر على أراضٍ واسعة، ولم ينتهِ كتنظيم قادر على العمل السري
وهذا يفسر المفارقة في القرار الأميركي الحالي: واشنطن تنهي وجودها العسكري في العراق، لكنها في الوقت نفسه تُبقي مهمة مكافحة (داعش) من خارج العراق. فقد انتقلت قيادة المهمة إلى الأردن مع استمرار العمليات المتعلقة بالتنظيم في سوريا
إذاً، لو كان القضاء على (داعش) وحده هو السبب، لما كان من الضروري إنهاء الوجود العسكري داخل العراق مع إبقاء المهمة نفسها من الأردن وهنا يبدأ العامل الآخر بالظهور
العامل العراقي المختلف : من يحمي القاعدة الأمريكية ?
العراق يختلف عن معظم الدول التي تستضيف قوات أو قواعد عسكرية أميركية في المنطقة.
ففي العراق توجد فصائل مسلحة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيَّرة، ولديها موقف معلن من الوجود العسكري الأميركي، وقد نفذت بالفعل هجمات على القوات والقواعد والمصالح الأميركية وهذه ليست فرضية نظرية
خلال السنوات الأخيرة، تعرضت مواقع أميركية في العراق لهجمات متعددة، وردت الولايات المتحدة بضربات على مواقع لفصائل مسلحة. وفي 2024، وثقت تقارير للكونغرس الأميركي عودة الهجمات على القوات الأميركية، بما في ذلك هجوم في أوت أدى إلى إصابة أفراد
أمريكيين
وفي جانفي 2024، تعرضت قاعدة عين الأسد لهجوم بصواريخ بالستية، وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن عدداً من العسكريين الأميركيين خضعوا للتقييم بعد الهجوم بسبب إصابات محتملة
هذه الوقائع تخلق معادلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى واشنطن :وجود القوات الأميركية في العراق يعني وجود أهداف أميركية ثابتة داخل مدى قدرات فصائل مسلحة مستعدة لاستهدافها.
وبالتالي لا يعود السؤال العسكري هو فقط: ماذا تستطيع القوات الأميركية أن تفعل في العراق؟
بل يصبح أيضاً:
كم ستكلف حماية هذه القوات؟ وما حجم المخاطر التي يتعرض لها الجنود والقواعد؟ وهل تستحق المهمة هذه المخاطر بعد تراجع التهديد الذي جاءت القوات أساساً لمحاربته؟
وهنا تبدو الإجابة الأميركية مختلفة عما كانت عليه عام 2014
قاعدة أميركية تحت النار ليست كقاعدة أميركية بلا تهديد محلي
هذه النقطة تحديداً تجعل الحالة العراقية مختلفة.
فالولايات المتحدة لديها انتشار عسكري واسع في الشرق الأوسط، لكن وجود قاعدة أميركية في دولة ما لا يعني تلقائياً أنها تواجه التهديد نفسه الذي واجهته القوات الأميركية في العراق
هناك فرق استراتيجي بين وجود قوات في دولة تتعاون حكومتها مع واشنطن وتستطيع حماية القواعد، وبين وجود قوات في بلد توجد داخله قوى مسلحة مستقلة نسبياً عن القرار الحكومي، تمتلك صواريخ وطائرات مسيَّرة وقادرة على الوصول إلى تلك القوات
وفي العراق، لم تكن القوات الأميركية تواجه احتمالاً نظرياً بالتعرض للهجوم، بل تعرضت فعلياً لهجمات متكررة.
والأهم أن هذه الهجمات كانت قادرة على إدخال الولايات المتحدة في دائرة تصعيد متواصلة:
هجوم على القوات الأميركية، ثم رد أميركي، ثم رد مضاد، ثم احتمال اتساع المواجهة من العراق إلى إيران و سوريا والمنطقة
وهذا تحديداً ما يجعل الوجود العسكري الأميركي في العراق أكثر كلفة من مجرد عدد الجنود الموجودين هناك
المقاومة العراقية غيَّرت حسابات الكلفة
من الممكن، استناداً إلى الوقائع، القول إن قدرة الفصائل المقاومة العراقية على استهداف القوات الأميركية أصبحت عاملاً مهماً في حسابات واشنطن الأمنية
ففي سبتمبر 2026، أظهرت تقارير عن عملية الانسحاب أن منشآت أميركية في العراق تعرضت لهجمات متكررة، فيما أشارت مصادر أميركية إلى أن الجماعات المدعومة من إيران نفذت مئات الهجمات على منشآت أميركية منذ اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة.
كما أشارت تقارير إلى أن بعض الفصائل العراقية امتلكت ترسانة تضم صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيَّرة هجومية، وأنها تبنت هجمات على القوات الأميركية في العراق وسوريا.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تكن أمام تهديد يمكن تجاهله.
فحتى لو كان عدد القوات الأميركية صغيراً نسبياً، فإن وجودها كان يتطلب منظومة حماية مكلفة: دفاعات جوية، استخبارات، تحصينات، قوات حماية، قدرات اعتراض، وقابلية دائمة لتنفيذ ضربات انتقامية عند وقوع هجوم.
ومع كل ذلك تبقى القاعدة نفسها هدفاً ثابتاً
لماذا لا تنسحب أمريكا بالطريقة نفسها من كل مكان ?
.
هنا تبرز المقاومة المهمة
ليست كل القواعد الأميركية في العالم معرضة للتهديد نفسه.
ففي كثير من الدول التي تستضيف قوات أميركية، تكون القاعدة جزءاً من اتفاق دفاعي مع الحكومة المضيفة، وتكون القوات الموجودة فيها محمية من جانب الدولة المضيفة، ولا توجد داخل البلد نفسه قوة مسلحة منظمة تمتلك القدرة والرغبة في شن هجمات متكررة عليها.
أما العراق، فالوضع مختلف.
هناك فصائل مسلحة ذات قدرات عسكرية متطورة، وجزء منها مرتبط عضوياً أو سياسياً بالحشد الشعبي فيما تقول تقارير إن مجموعات ضمن (المقاومة الإسلامية في العراق) تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وقد تبنت هجمات ضد القوات الأميركية.
وهنا تصبح المقارنة ذات دلالة:ليست مشكلة
















































