مقال رأي بقلم أحمد بوطاف : إعلامي جزائري-الدوحة
أعادت واقعة صحية غامضة في روسيا إلى الواجهة مخاوف العالم من ظهور مرض وبائي جديد بعدما أثارت وفاة عاملة في منشأة متخصصة بأبحاث الطاعون في مدينة إيركوتسك تساؤلات بشأن طبيعة المرض الذي أودى بحياتها وما إذا كانت الواقعة معزولة أم أنها تشير إلى خطر صحي أوسع.

وبينما سارعت موسكو إلى طمأنة السكان والتأكيد على عدم تسجيل إصابات مؤكدة بالطاعون وعدم وجود مخاطر وبائية بدت عواصم غربية أكثر حذرا في ظل متابعة دولية لأي مؤشرات يمكن أن تكشف طبيعة الحادث وتمنع تحوله إلى مصدر تهديد يتجاوز الحدود الروسية.
وتستعيد هذه التطورات شيئا من أجواء السنوات الأولى لجائحة كورونا حين تحولت حادثة صحية محلية إلى أزمة عالمية في ظل نقص المعلومات وتضارب الروايات. غير أن المقارنة بين الحالتين لا تعني بالضرورة أن العالم أمام جائحة جديدة فالمعطيات المتاحة حتى الآن لا تشير إلى انتشار واسع أو انتقال مستدام للمرض بين البشر.

اواقعة غامضة تفتح باب التساؤلات
بدأ القلق بعد وفاة عاملة في معهد متخصص بدراسة مسببات الطاعون في إيركوتسك إثر إصابتها بالتهاب رئوي حاد. وأثارت طبيعة عملها في منشأة تتعامل مع مسببات مرضية شديدة الخطورة اهتماما واسعا خصوصا مع عدم وضوح الأسباب التي أدت إلى تدهور حالتها الصحية.

وسارعت السلطات الروسية إلى نفي وجود تفش للطاعون مؤكدة أن الوضع الصحي تحت السيطرة وأن الفحوص والإجراءات المتخذة لم تكشف عن انتشار للمرض بين السكان.

وتكمن حساسية الواقعة في أن الطاعون رغم ارتباطه تاريخيا بأوبئة مدمرة لم يعد يمثل التهديد الذي كان عليه في العصور السابقة. فالعلاج بالمضادات الحيوية يجعل فرص الشفاء مرتفعة عند اكتشاف الإصابة والتعامل معها في الوقت المناسب بينما تتيح أنظمة الرصد الحديثة إمكانية اكتشاف حالات العدوى والسيطرة عليها قبل تحولها إلى انتشار واسع.
لكن وجود حالة وفاة مرتبطة بأعراض تنفسية حادة داخل مؤسسة متخصصة في أبحاث الطاعون يكفي لإثارة الأسئلة خصوصا في ظل عدم اتضاح الصورة كاملة في الساعات والأيام الأولى للحادث.
موسكو تطمئن.. والغرب يراقب
تحاول الرواية الروسية وضع الواقعة في إطار صحي محدود بعيدا عن الحديث عن تفش أو خطر وبائي. وتؤكد موسكو أن السكان لا يواجهون خطرا صحيا استثنائيا في وقت تتابع فيه المؤسسات الصحية تطورات الحالة وتعمل على تحديد أسباب الوفاة.
في المقابل فإن الاهتمام الدولي لا يرتبط بالضرورة باعتقاد أن روسيا تواجه وباء جديدا وإنما بحساسية أي حادث يقع داخل منشأة تتعامل مع مسببات أمراض خطيرة. فبعد تجربة كورونا أصبحت الحكومات والمنظمات الصحية أكثر ميلا إلى التعامل مع الحوادث غير المألوفة في مراحلها المبكرة قبل أن تتضح طبيعتها بشكل كامل.
وتزداد حساسية المسألة بسبب التوتر السياسي بين روسيا والدول الغربية إذ إن أي نقص في المعلومات أو تأخر في الإعلان عن نتائج الفحوص يمكن أن يفتح المجال أمام روايات متضاربة بعضها صحي وبعضها سياسي وأمني.
وفي هذا السياق تبدو دعوات المؤسسات الدولية للحصول على مزيد من المعلومات جزءا من إجراءات الاحتراز المعتادة أكثر من كونها دليلا على وجود تفش واسع. وحتى الآن لا توجد مؤشرات موثوقة تثبت حدوث تسرب متعمد أو انتشار سلالة معدلة أو ارتباط الواقعة ببرنامج بيولوجي عسكري.
واشنطن تدخل على خط الأزمة
ولم يبق الاهتمام محصورا في المؤسسات الصحية إذ دخلت الولايات المتحدة على خط المتابعة في ظل حساسية الملف البيولوجي الروسي ووجود منشآت متخصصة في دراسة مسببات الأمراض.

وتكتسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهمية إضافية في هذا السياق بعدما أشار إلى أنه سيثير الموضوع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطوة تعكس اتساع دائرة الاهتمام بالحادث من المستوى الصحي إلى المستوى السياسي.
غير أن إدخال الملف إلى النقاش الأميركي الروسي لا يعني تلقائيا أن واشنطن تمتلك معلومات تثبت وجود خطر متعمد. فالمشكلة الأساسية تكمن في صعوبة الفصل في بيئة سياسية شديدة التوتر بين المخاوف الصحية المشروعة والشكوك التي قد تنتج عن نقص المعلومات.
وهنا تحديدا تكمن أهمية الشفافية. فكلما كانت نتائج الفحوص والإجراءات المتخذة واضحة ومعلنة تقل مساحة التكهنات بينما يؤدي الغموض إلى اتساعها حتى في غياب أدلة على وجود خطر استثنائي.
أوروبا لا تريد تكرار تجربة كورونا
في أوروبا لا تبدو المخاوف مرتبطة بوجود موجة طاعون وشيكة بقدر ارتباطها بضرورة الاستعداد المبكر لأي احتمال. فالذاكرة الأوروبية لجائحة كورونا ما تزال حاضرة بعدما أظهرت التجربة أن تجاهل مؤشرات صحية صغيرة في بداياتها يمكن أن يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وصحية هائلة.
لكن المقارنة بين الطاعون الرئوي وفيروس كورونا تحتاج إلى قدر من الحذر. فالطاعون مرض بكتيري وليس فيروسيا وله علاجات معروفة كما أن انتقاله بين البشر لا يحدث بالطريقة ذاتها التي ينتقل بها فيروس كورونا.

ويعد الطاعون الرئوي أكثر أشكال المرض خطورة ويمكن أن ينتقل عبر الرذاذ التنفسي في بعض الحالات لكن ذلك لا يعني أن ظهور إصابة واحدة يقود تلقائيا إلى سلسلة عدوى واسعة. العامل الحاسم يبقى في سرعة اكتشاف الحالات وعزلها والبدء بالعلاج المناسب.
لذلك فإن الحديث عن “كورونا جديدة” في هذه المرحلة يتجاوز ما تسمح به المعطيات المتوفرة خصوصا مع عدم وجود أدلة على انتشار مستمر للطاعون بين البشر.
بين الخطر الصحي والهاجس السياسي
ما يجعل الحادث الروسي أكثر حساسية من واقعة صحية عادية هو وقوعه عند تقاطع ثلاثة ملفات: الصحة العامة وأبحاث مسببات الأمراض والتوتر المتصاعد بين روسيا والغرب.
وفي مثل هذه البيئة يمكن لأي حادث غامض أن يتحول بسرعة إلى قضية سياسية خصوصا إذا لم تكن المعلومات متاحة بصورة كافية. وقد شهد العالم خلال جائحة كورونا كيف يمكن لنقص البيانات في المراحل الأولى أن يحول الأسئلة العلمية إلى سجالات سياسية واسعة.
لكن الحذر من تكرار تجربة كورونا لا يعني تبني أسوأ السيناريوهات. فحتى الآن لا توجد مؤشرات على تحول الواقعة إلى تفش واسع ولا أدلة موثوقة على أن المرض خرج من المختبر أو أن هناك جهة تقف وراء انتشار متعمد.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو معرفة السبب الدقيق للوفاة وما إذا كانت الحالة مرتبطة فعلا بالطاعون أم بمرض تنفسي آخر. فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت الواقعة مجرد حادث صحي محدود أم أنها تستحق مستوى أعلى من الاستنفار.
العالم بعد كورونا.. الحذر قبل فوات الأوان
بعد أكثر من ست سنوات على ظهور كورونا تغيرت طريقة تعامل العالم مع الأخبار الصحية الغامضة. لم يعد الانتظار حتى تتضاعف الإصابات خيارا مقبولا وأصبح التحقق المبكر وتبادل المعلومات ومراقبة الحدود والتواصل بين المؤسسات الصحية عناصر أساسية في احتواء أي تهديد محتمل.
من هذه الزاوية تبدو المتابعة الدولية للحادث الروسي مفهومة حتى في غياب مؤشرات على وباء جديد. فالمطلوب ليس إثارة الذعر وإنما التأكد من أن حادثا محدودا لن يتحول بسبب التأخر أو نقص المعلومات إلى أزمة يصعب احتواؤها لاحقا.
وبينما تؤكد موسكو أن الوضع تحت السيطرة تظل عيون المؤسسات الصحية والدول المجاورة معلقة على نتائج الفحوص والمعلومات الجديدة. وحتى ظهور أدلة مختلفة لا يبدو العالم أمام جائحة طاعون جديدة لكنه أمام اختبار آخر لذاكرة كورونا: هل يستطيع المجتمع الدولي هذه المرة أن يحصل على المعلومات بسرعة وأن يتعامل مع الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة؟




























