مقال رأي بقلم الكاتبة والباحثة الجزائرية : سارة محمد مرزوقي
بوابة الجزائر الإخبارية : في بعض البلدان، تبدأ رحلة السائح قبل أن يصل إلى المعلم السياحي. تبدأ بمحاولة الإفلات من أيد تمتد نحوه، وأصوات تلاحقه، وأسعار تتغير بمجرد أن يعرف البائع أنه أمام أجنبي.

وقد خرج مؤثرون من تجارب سفر مختلفة وهم يتحدثون عن التسول الذي يطارد الزائر، أو عن محاولات استغلاله لأنه غريب عن المكان، لا يعرف الأسعار ولا العادات ولا حدود ما هو طبيعي وما هو مبالغ فيه.
لكن ماذا يحدث عندما يصل السائح إلى الجزائر؟
المفارقة أن الزائر قد يجد نفسه أمام سؤال مختلف تماما.
ليس: كم ستدفع؟
بل: هل أكلت؟
هذه الجملة البسيطة تختصر شيئا عميقا في الشخصية الاجتماعية الجزائرية. فالسائح، في كثير من المواقف، لا يُعامل باعتباره مجرد مستهلك وصل إلى البلد حاملا عملة أجنبية، وإنما قد يتحول، في لحظة، إلى ضيف.
وقد يجلس في مكان ما لتناول وجبة، ثم يجد من يرفض أن يأخذ ثمنها منه. يحاول الدفع، فيُقال له إنها ضيافة. وقد لا يكون صاحب المائدة غنيا ولا المطعم فاخرا، لكن فكرة أن يأكل الضيف ثم يدفع مقابل ما قدم له تبدو أحيانا أقل أهمية من فكرة إكرامه.
هنا تكمن خصوصية لا تستطيع شركات السياحة أن تصنعها بالإعلانات.
الضيافة الجزائرية ليست دائما خدمة سياحية. إنها سلوك اجتماعي.
فالجزائري الذي يفتح مائدته لغريب لا يفكر بالضرورة بمنطق العائد الاقتصادي. إنه يستحضر ثقافة قديمة ترى أن إطعام الضيف شرف، وأن مشاركة الطعام نوع من التقارب، وأن الغريب حين يدخل البيت أو يجلس إلى المائدة يصبح، ولو مؤقتا، واحدا من أهله.
ولذلك قد يجد السائح نفسه في موقف لا يشبه ما اعتاده في أماكن أخرى: شخص لا يعرفه يدله على الطريق، وآخر يعرض عليه القهوة، وثالث يصر على أن يتذوق الطعام المحلي، وربما صاحب مطعم يرفض في النهاية أن يتقاضى منه ثمن الوجبة.
لا يعني ذلك أن الجزائر خالية من مظاهر الاستغلال أو أن كل سائح سيعيش التجربة نفسها. فكل بلد له استثناءاته، وكل تجربة سفر تختلف باختلاف المكان والظروف والأشخاص.
لكن هناك فرقا بين أن تكون الضيافة جزءا من صناعة السياحة وأن تكون جزءا من الثقافة اليومية للناس.
وهذا الفرق مهم.
فالزائر قد ينسى اسم الفندق الذي أقام فيه، وقد تتشابه أمامه المطاعم والمتاجر والمعالم التي زارها، لكنه نادرا ما ينسى إنسانا قابله في الطريق وأشعره بأنه ليس غريبا.
والجزائر تملك من مقومات السياحة ما يكفي لصناعة وجهة عالمية: شريط ساحلي طويل، وصحراء تمتد بلا نهاية، وجبال ومدن عتيقة وقصور وآثار وواحات وذاكرة تاريخية وثقافية غنية.
لكن هناك موردا آخر لا يظهر في الخرائط ولا في الإحصاءات السياحية: الإنسان الجزائري نفسه.
ذلك الإنسان الذي قد لا يمتلك فندقا، لكنه يعرف كيف يستقبل ضيفا.
وقد لا يملك برنامجا سياحيا متكاملا، لكنه يستطيع أن يترك في ذاكرة السائح حكاية.
وقد لا يستطيع أن يشرح له تاريخ المكان بكل تفاصيله، لكنه قد يضع أمامه طبقا من الطعام ويقول له:
كل… أنت ضيفنا.
في عالم أصبحت فيه السياحة صناعة ضخمة، وأصبح السائح في بعض الأماكن رقما في دفتر الإيرادات، تبدو هذه التفاصيل الصغيرة أكثر أهمية مما نعتقد.
فالسياحة لا تُقاس فقط بعدد الزوار، ولا بعدد الليالي الفندقية، ولا بحجم الأموال التي ينفقونها.
أحيانا، تُقاس أيضا بما يقولونه عن البلد عندما يعودون إلى أوطانهم.
وربما تكون أجمل دعاية يمكن أن تحملها الجزائر إلى العالم ليست صورة لمعْلم سياحي، وإنما قصة سائح يقول لأصدقائه:
ذهبت إلى الجزائر كسائح… وغادرتها وأنا أشعر أنني كنت ضيفا.
وهذه صورة لا تُشترى بالمال، ولا تصنعها حملة إعلانية.
إنها تُصنع على مائدة.
بوجبة قد لا يُطلب ثمنها، وبكلمة بسيطة تقول كل شيء:
«أكلت ؟»
ملاحظة: مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر































