بوابة الجزائر الإخبارية : كشفت التسريبات الواردة في كتاب «جيش الظلال الجديد» (La Nouvelle Armée des Ombres) عن وجهٍ آخر للمشهد السياسي في فرنسا، حيث يتقاطع التوجس الأمني مع تآكل الرصيد السياسي في أروقة قصر الإليزيه. إن الكشف عن وجود مخبأ سري ومخطط إخلاء عاجل للرئيس إيمانويل ماكرون خارج حدود العاصمة باريس لا يمثل مجرد ترتيبات أمنية روتينية لحماية رأس الدولة، بل يعكس تحولاً بنيوياً عميقاً في عقيدة الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية؛ تحولٌ نقل أولوية التقييم الأمني من التهديدات العابرة للحدود والحروب السيبرانية إلى هواجس السيطرة على الفوضى الداخلية ودرء احتمالات الانفجار الشعبي.
تأتي هذه الاستعدادات الاستثنائية كامتداد مباشر للهزة العنيفة التي أحدثتها حركة «السترات الصفراء» عام 2018، والتي كسرت الصورة النمطية لحصانة المقار السيادية بعد حادثة استهداف الرئيس في مدينة «لو بوي-أون-فيليه»، واقتراب المتظاهرين حينها من أسوار الإليزيه. إن استحضار الأجهزة الأمنية لسيناريوهات أحداث فبراير 1934 الدامية يوضح حجم المخاوف لدى النخبة الحاكمة من تقاطع الغضب الاجتماعي مع استحقاقات انتخابات 2027، مما يضع المؤسسة الرئاسية أمام مأزق مراجعة حدود شرعيتها في مواجهة شارع يعاد تشكيله على وقع الاحتجاجات والتجاذبات العاصفة
وفي هذا السياق يوضح الباحث السياسي في الشأن الدولي أحمد عرابي لبوابة الجزائر أن الحديث عن عدم قدرة المقار السيادية في فرنسا، مثل قصر الإليزيه، على حماية ساكنيها إلا بشرط الاستعداد للهرب، هو توصيف دقيق مستوحى من كشوفات أمنية حديثة وتصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية ضد سوء الأوضاع المعيشية في عدد من الدول الأوروبية، وليس مجرد حقيقة دستورية أو انهياراً تاماً لمنظومة حماية الدولة لشعبها.

وفي ذات السياق، يلفت عرابي إلى أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية قد أخطأت بشكل كبير في تقدير حجم احتجاجات السابع عشر من شهر أكتوبر الماضي؛ إذ توقعت مشاركة ما بين ستين ألفاً ومئة وخمسين ألف متظاهر، في حين تجاوز عدد المشاركين حاجز النصف مليون متظاهر وفق التقديرات الواقعية.هواجس التدخل العسكري الداخلي والتحذيرات من تداعياتهيكشف الباحث أحمد عرابي أن القوات الخاصة الفرنسية درست بعناية احتمالية وإمكانية نشر قوات إضافية لحماية مقر البرلمان في حال اندلاع تمرد مسلح خلال تلك المواجهات.
غير أن هذا التوجه قوبل بتحذيرات صارمة أطلقها قائد سابق للقوات الخاصة، والذي أعرب عن قلقه الشديد وخشيته من أن يعتاد الحاكم على استخدام الجيش في مواجهة الاضطرابات الداخلية للمتظاهرين، وهو ما يضع المؤسسة العسكرية أمام محذورات خطيرة تتعلق بدورها الأساسي.
الاستعدادات الأمنية القصوى والسيناريوهات السيبرانية والانتخابية
يشير الباحث السياسي أحمد عرابي إلى أن المديرية العامة للأمن الخارجي وجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي قد أجريا محاكاة لسيناريوهات محتملة للتدخل في الانتخابات القادمة خشية وقوع مظاهرات شعبية عارمة.
وضمن الاستعدادات ذاتها، تدربت الشرطة في العاصمة الفرنسية على العمل طوال يوم كامل من دون استخدام الهواتف الذكية المشفّرة، تحسباً لتعرض البلاد لهجوم إلكتروني واسع النطاق قد يؤدي إلى شلل الأنظمة في كامل نطاق الدولة، بالتزامن مع توجه فرنسا نحو اضطرابات واسعة النطاق مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود وتصاعد الغضب الشعبي المستمر منذ احتجاجات السترات الصفراء.
انعكاسات الأزمات الداخلية على دور فرنسا القيادي في أوروبا
يختتم الباحث أحمد عرابي بالإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حذر من أن الحكومة ستحظر المظاهرات التي لا تنظمها جهات شرعية كالنقابات العمالية، وذلك لمنع تكرار أعمال الشغب والنهب التي اندلعت في أنحاء فرنسا نهاية الشهر الماضي، متهماً مجموعات من اليسار المتطرف بالسعي إلى إسقاط الجمهورية الفرنسية. وجاءت هذه التصريحات عقب اجتماع عقده ماكرون مع رؤساء أجهزة الاستخبارات وكبار الوزراء، ليشدد على حظر الاحتجاجات غير المشروعة، وهو مناخ محتدم قد يحث فرنسا على الانشغال بأزماتها الداخلية ونأيها تدريجياً عن دورها التقليدي بقيادة أوروبا ومواجهة التحديات العالمية الحالية والقادمة.








