بوابة الجزائر الإخبارية: «قيادة نموذجية»؛ بهذا التوصيف الرسمي وضعت مفوضية الاتحاد الإفريقي الجزائر في موقع الدولة القائدة لمسار قاري يستهدف بناء إدارات عمومية أكثر كفاءة وشفافية وخضوعًا للمساءلة، مؤكدة أن الدور الجزائري لم يبدأ برئاسة مؤتمر الدول الأطراف في الميثاق الإفريقي للخدمة العامة والإدارة، بل يمتد إلى المساهمة المبكرة في إعداد هذا الإطار القانوني والتعجيل بدخوله حيز التنفيذ.

وجاءت الإشادة خلال افتتاح ورشة تقنية احتضنتها الجزائر العاصمة، في 7 سبتمبر 2026، لتكوين الإطارات الجزائرية على أداة تقييم الدول الأطراف «SPAT» وآليات إعداد التقارير الوطنية المتعلقة بتنفيذ الميثاق الإفريقي لقيم ومبادئ الخدمة العامة والإدارة.
وقال رئيس قسم الحوكمة وحقوق الإنسان في مفوضية الاتحاد الإفريقي، عيساكا غاربا عبدو، إن الجزائر تمارس «قيادة قارية لافتة» بصفتها رئيسة مؤتمر الدول الأطراف، قبل أن يشيد صراحة بـ«قيادتها النموذجية» والتزامها المستمر بتعزيز منظومة الحوكمة الإفريقية.
ولا يتعلق الأمر بتصنيف دولي جديد أو بشهادة مطلقة على جميع تفاصيل الأداء الإداري، بل باعتراف مؤسسي واضح بالدور الذي تؤديه الجزائر في قيادة آلية إفريقية مشتركة، وتشجيع الدول الأعضاء على تقييم إداراتها، وتقديم تقاريرها الوطنية، وتبادل الخبرات، والانتقال من الالتزامات القانونية العامة إلى نتائج قابلة للقياس.
وأوضح المسؤول الإفريقي، الذي تحدث نيابة عن مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن في الاتحاد الإفريقي بانكول أديوي، أن الجزائر تساهم من خلال رئاستها في دفع التنفيذ الفعلي للميثاق، وترسيخ ثقافة المساءلة والتميز داخل الإدارات العمومية الإفريقية، وتشجيع التعلم المتبادل بين الدول.
ويمثل هذا التوصيف تحولًا مهمًا في موقع الجزائر داخل نقاشات الحوكمة القارية. فالبلاد لا تظهر بوصفها موضوعًا لتقييم خارجي أو متلقية لتوصيات جاهزة، وإنما بصفتها دولة تشارك في صناعة المعايير، وتقود الإطار المكلف بمتابعة تطبيقها، وتستضيف عمليات التكوين المرتبطة بقياس الأداء وإعداد التقارير.
وأكدت مفوضية الاتحاد الإفريقي أن اختيار الجزائر لاحتضان الورشة يحمل دلالة تاريخية، بالنظر إلى الدور الذي أدته في المناقشات التي سبقت اعتماد الميثاق، ووجودها ضمن الدول الأولى التي صادقت عليه. وأسهم هذا الالتزام المبكر، وفق المفوضية، في توفير الزخم القاري الضروري لدخول الوثيقة حيز التنفيذ.
وكان الميثاق قد اعتُمد في 31 جانفي 2011، خلال الدورة العادية السادسة عشرة لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، قبل أن يدخل حيز التنفيذ في 23 جويلية 2016 بعد استكمال العدد المطلوب من المصادقات.
وتمنح هذه الخلفية الإشادة الحالية مضمونًا يتجاوز المجاملة الدبلوماسية. فالجزائر رافقت المسار منذ مرحلة بناء القاعدة القانونية، ثم انتقلت إلى المصادقة المبكرة، قبل أن تتولى رئاسة مؤتمر الدول الأطراف والمساهمة في متابعة التنفيذ على المستوى القاري.
ويتقاطع هذا الحضور مع مسار إصلاح الدولة الذي تقوده الجزائر في عهد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والقائم على تحديث الإدارة، وتوسيع الرقمنة، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الخدمة العمومية، وإخضاع القرار الإداري لمزيد من البيانات والتقييم والرقابة.
وتكتسب أداة «SPAT» أهمية خاصة في هذا المسار؛ لأنها لا تكتفي بتسجيل وجود القوانين والهياكل، بل تساعد الدولة على قياس درجة امتثال مؤسساتها لمبادئ الميثاق، ورصد الممارسات الجيدة، وتحديد الثغرات، ووضع إجراءات تصحيحية مبنية على الأدلة.
وبذلك تنتقل الحوكمة من مستوى الخطاب إلى مؤشرات قابلة للفحص. فالإدارة الحديثة لا تُقاس بعدد النصوص التي تصدرها، وإنما بسرعة الخدمة، وشفافية القرار، وكفاءة استخدام الموارد، ووضوح المسؤوليات، وقدرتها على الاستجابة لحاجات المواطن والمتعامل الاقتصادي.
وأكد ممثل الاتحاد الإفريقي أن الإدارة العامة الكفؤة والمهنية والشفافة والخاضعة للمساءلة تمثل شرطًا لتحقيق التنمية المستدامة والديمقراطية والتكامل الإفريقي. كما ربط بصورة مباشرة بين جودة الخدمات العمومية وثقة المواطنين في مؤسساتهم، موضحًا أن الإدارة الفعالة تعزز التماسك الاجتماعي والنمو الاقتصادي وشرعية المؤسسات.
وهذه النقطة تمنح الورشة بعدًا اقتصاديًا واضحًا؛ إذ إن جودة الإدارة تنعكس على آجال معالجة ملفات الاستثمار، وتنفيذ المشروعات، وتسيير الصفقات العمومية، وتحصيل الجباية، وتوجيه الإنفاق، ومراقبة المال العام، والقدرة على تحويل القرارات الحكومية إلى نتائج ميدانية.
وبالنسبة إلى الجزائر، التي تقود برنامجًا واسعًا لتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمار وتطوير الصناعة والمناجم والزراعة والطاقة، تصبح فعالية الجهاز الإداري جزءًا أساسيًا من معادلة النمو. فالمشروع الاستثماري، مهما بلغت قيمته، يحتاج إلى إدارة قادرة على منح التراخيص ومرافقة الإنجاز ومعالجة العراقيل ضمن آجال واضحة.

ومن هذا المنظور، لا تنفصل الإشادة الإفريقية بقيادة الجزائر عن التحول الجاري في مفهوم الإصلاح الإداري. فالرقمنة ليست مجرد نقل الوثيقة الورقية إلى شاشة، بل وسيلة لتقليص التدخل البشري، وتتبع الملفات، ومقاطعة البيانات، وكشف الاختلالات، وتحديد المسؤوليات، ورفع قدرة الدولة على اتخاذ القرار.
كما أن اعتماد التقييم المبني على الأدلة ينسجم مع توجه الجزائر نحو إنشاء قواعد بيانات وطنية أكثر دقة وربط المعلومات بين الإدارات. ويسمح هذا المسار بالتخلي تدريجيًا عن القرارات المبنية على التقديرات العامة، والانتقال إلى سياسات تستند إلى معطيات قابلة للتحيين والقياس.
وتمتد الورشة على أربعة أيام، وتركز على ثلاثة محاور رئيسية: تعميق فهم أحكام الميثاق وقيمه، وتعزيز المهارات التقنية المتعلقة باستخدام أداة «SPAT»، وتطوير قدرات الإطارات على إعداد التقارير الوطنية والتحقق منها وتقديمها وفق معايير الجودة المطلوبة.
وتشمل الأعمال عروضًا تقنية ودراسات حالة وتمارين تطبيقية وتبادلًا للخبرات، بمشاركة ممثلي الوزارات والمؤسسات والإدارات العمومية وخبراء في الحوكمة والخدمة العامة. ومثّل الجزائر في افتتاح الورشة المدير العام للوظيفة العمومية والإصلاح الإداري محمد شرنون.
ولا تتعامل مفوضية الاتحاد الإفريقي مع التقارير الوطنية باعتبارها التزامًا بيروقراطيًا. فقد شدد ممثلها على أن إعداد التقرير يتيح للدولة تقييم ما أنجزته، وتحديد الصعوبات، وتوثيق الممارسات الناجحة، ومشاركة خبرتها مع بقية البلدان الإفريقية.
ويضع ذلك الجزائر أمام فرصة مزدوجة: قياس تقدمها الداخلي وفق أداة قارية موحدة، وتحويل التجارب الجزائرية الناجحة إلى خبرة متاحة للدول الأعضاء. وهنا تتجسد القيمة الحقيقية للرئاسة الجزائرية، لأنها لا تقوم على إدارة الاجتماعات، بل على توجيه مسار التنفيذ وتكوين القدرات وتعزيز التعاون المؤسسي الإفريقي.
وفي الوقت نفسه، ترفع الإشادة سقف المسؤولية؛ فالقيادة النموذجية تقتضي أن تكون التقارير الوطنية دقيقة، وأن تتحول نتائج التقييم إلى قرارات، وأن يُعالج أي قصور تكشفه المؤشرات. وهذا لا ينتقص من الاعتراف الإفريقي، بل يمنحه قيمة أكبر، لأن الحوكمة الحقيقية تقوم على القياس والمراجعة والتحسين المستمر.
واستهل المسؤول الإفريقي كلمته بالتعبير عن تضامن الاتحاد الإفريقي مع الجزائر عقب الحرائق التي مست عددًا من مناطق البلاد، مقدمًا التعازي للعائلات والوقوف إلى جانب السكان المتضررين، ومجددًا الدعم الأخوي للحكومة والشعب الجزائريين.

كما شكر السلطات الجزائرية على التزامها المتواصل بالحوكمة الرشيدة وتحديث الإدارة وتقوية مؤسسات الدولة، مثمنًا مستوى التعاون في تنظيم الورشة. وأكد في ختام كلمته أن الخبرات المكتسبة ستعزز قدرة الجزائر على تنفيذ الميثاق والوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالتقارير، مع مواصلة تقديم نموذج تستفيد منه الدول الإفريقية الأخرى.
وتكشف هذه الإشادة أن الجزائر تعزز حضورها الإفريقي بأدوات تتجاوز الوساطة السياسية والتعاون الأمني والاستثمار الاقتصادي. فإلى جانب أدوارها التقليدية، تتقدم البلاد داخل ملف بناء المؤسسات وتحديث الإدارات، وهو أحد أكثر الملفات ارتباطًا بقدرة إفريقيا على تنفيذ أجندة 2063.
وعليه، لم تعد الجزائر داخل هذا المسار دولة تتلقى دروس الحوكمة، بل أصبحت طرفًا في صياغة قواعدها وقيادة آلياتها القارية. ويؤكد الاعتراف الصادر عن مفوضية الاتحاد الإفريقي أن الإصلاح الإداري الذي تدفع به الدولة الجزائرية في عهد الرئيس تبون بدأ يتحول من ورشة وطنية إلى رصيد قاري، يمنح الجزائر سلطة المثال إلى جانب ثقلها السياسي والدبلوماسي






















