بوابة الجزائر الإخبارية: تكشف تصريحات رئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال الندوة الصحفية المشتركة مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن انتقال العلاقات الجزائرية الألمانية إلى مرحلة اقتصادية أكثر وضوحًا، تتقاطع فيها حاجة ألمانيا إلى الطاقة والمواد الأولية مع رغبة الجزائر في استقطاب الاستثمار والتكنولوجيا وتوسيع قدراتها الإنتاجية.

واستهل الرئيس تبون الندوة بالترحم على أرواح ضحايا الحريق الذي شبّ بمؤسسة لاستقبال الطفولة بالمحمدية في الجزائر العاصمة، قبل أن يعرض ملامح التعاون مع ألمانيا في ملفات الطاقة والاستثمار والعلاقات الاقتصادية والأمنية.
وتبرز في تصريحاته ثلاث رسائل اقتصادية رئيسية: تأكيد موقع الجزائر موردًا موثوقًا للطاقة، والتحضير لمسار جديد يشمل الغاز والهيدروجين والطاقات المتجددة، إلى جانب تسجيل مشروعات استثمار أجنبي بقيمة تقارب 900 مليون دولار على مستوى الشباك الوحيد.

900 مليون دولار مؤشر على جاذبية الاستثمار
يمثل مبلغ 900 مليون دولار القيمة التقريبية لمشروعات الاستثمار الأجنبي المطروحة عبر الشباك الوحيد، ولا يتعلق بحجم الاستثمارات الألمانية وحدها.
وتكمن أهمية الرقم في كونه مؤشرًا على وجود طلب استثماري أجنبي فعلي على السوق الجزائرية بعد إصلاح منظومة الاستثمار وتوحيد إجراءات استقبال المشروعات الكبرى والأجنبية. غير أن قيمته الاقتصادية النهائية ستتحدد بقدرة المشروعات المسجلة على الانتقال من مرحلة العرض والدراسة إلى التمويل والإنجاز والإنتاج.
فالمشروعات المطروحة لا تتحول آليًا إلى استثمارات منفذة. ويحتاج ذلك إلى توفير العقار الاقتصادي، واستكمال الدراسات، وضبط التمويل، والحصول على التراخيص، ثم الشروع في الإنجاز. ولذلك فإن التحدي المقبل لا يتعلق فقط برفع عدد الملفات، بل بتقليص الفترة التي تفصل بين تسجيل المشروع ودخوله النشاط.
ويعكس اعتماد الشباك الوحيد توجه الجزائر نحو معالجة واحدة من أبرز العقبات التي كانت تواجه المستثمرين، والمتمثلة في تعدد الهيئات والإجراءات. وكلما نجحت هذه الآلية في تسريع اتخاذ القرار ومرافقة المشروع، ارتفعت قدرة الجزائر على تحويل الاهتمام الأجنبي إلى مصانع ووظائف وإنتاج محلي.

ألمانيا تدخل ملف الطاقة رسميًا
أما الرسالة الثانية، فتتمثل في حديث الرئيس تبون عن تحول رسمي في الجانب الاقتصادي للعلاقات، بعدما أصبحت ألمانيا تطرح ملف الطاقة، وبصفة خاصة الغاز، بصورة مباشرة ضمن أولويات التعاون.
ويكتسب هذا التحول أهمية بسبب الوزن الصناعي لألمانيا وحاجتها إلى مصادر طاقة مستقرة. فالاقتصاد الألماني يعتمد على قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والميكانيكية والمعادن والسيارات، ما يجعل أمن الإمدادات جزءًا أساسيًا من قدرته على الحفاظ على الإنتاج والتنافسية.
وتقدم الجزائر نفسها في هذا السياق بوصفها موردًا موثوقًا لا يتخلى عن التزاماته تجاه شركائه في أوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. وهذه المكانة لا تستند فقط إلى موارد الغاز، بل أيضًا إلى القرب الجغرافي والبنية التحتية القائمة والخبرة الطويلة في تصدير الطاقة.
غير أن المكسب الجزائري الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على بيع كميات إضافية من الغاز. فارتفاع الطلب الأوروبي يوفر للجزائر فرصة لربط الإمدادات باستثمارات في تحديث المنشآت، وتقنيات تقليص الفاقد، وتصنيع المعدات، والخدمات الهندسية، وتكوين الكفاءات.
ممر طاقة يتجاوز الغاز
تحدث الرئيس تبون عن ممر جديد للغاز والهيدروجين، يمكن أن يتوسع لاحقًا ليشمل الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة. ويكشف هذا التصور أن الشراكة المقترحة لا تتوقف عند تلبية الاحتياجات الحالية للسوق الأوروبية، بل تمتد إلى بنية الطاقة التي يجري التحضير لها خلال العقود المقبلة.
فالغاز سيظل عنصرًا مهمًا في مرحلة الانتقال الطاقوي، بينما يمثل الهيدروجين أحد الخيارات التي تراهن عليها ألمانيا لخفض انبعاثات الصناعات الثقيلة. أما الكهرباء المتجددة، فتفتح مجالًا إضافيًا للتعاون في الإنتاج والشبكات والربط والتخزين.

وتملك الجزائر أوراقًا مهمة في هذه المعادلة، تشمل المساحات الواسعة، والإشعاع الشمسي المرتفع، والخبرة الطاقوية، وشبكات الغاز المرتبطة بالضفة الشمالية للمتوسط.
لكن الأهمية الاقتصادية للممر ستتوقف على موقع الجزائر داخل سلسلة القيمة. فإذا اقتصر دورها على إنتاج الطاقة وتصديرها، فسيظل العائد متركزًا في الإيرادات الخارجية. أما إذا ارتبط المشروع بتصنيع التجهيزات، وإنتاج مشتقات الهيدروجين، وتطوير الهندسة والصيانة محليًا، فسيصبح أداة لتنويع الاقتصاد.
الشركات الألمانية من الحضور إلى الإنتاج
أشار الرئيس تبون إلى أن عدد الشركات الألمانية في الجزائر يرتفع سنويًا، وأن مشروعات كبيرة تُدار بخبرات ومساهمات ألمانية.
وتوفر هذه القاعدة فرصة للانتقال من حضور تجاري يركز على بيع الآلات والتجهيزات إلى استثمار صناعي يقوم على الإنتاج داخل الجزائر. فالشركات الألمانية تمتلك خبرة في الميكانيك، والطاقة، والصناعات الكيميائية والدوائية، والأتمتة، ومعالجة المياه، والتكوين الصناعي.

وتحتاج الجزائر إلى توجيه هذا الحضور نحو مشروعات تتضمن نسبًا واضحة للإدماج المحلي، وإنشاء مراكز للصيانة، وتطوير المؤسسات المناولة، وتكوين التقنيين والمهندسين.
كما تستطيع الشركات الألمانية الاستفادة من السوق الجزائرية ومن موقع البلاد القريب من أوروبا والمنفتح على إفريقيا، بينما تستفيد الجزائر من التكنولوجيا والوظائف والصادرات. وهذه المعادلة أكثر توازنًا من علاقة تقوم على استيراد المعدات الألمانية مقابل تصدير المواد الأولية.
الاستقرار السياسي يدعم الشراكة الاقتصادية
ربط الرئيس تبون زيارته بالمستوى السياسي والاقتصادي والتشاور القائم بين البلدين، مؤكدًا أن العلاقات الممتدة منذ استقلال الجزائر سنة 1962 ظلت قوية وتتجه نحو مزيد من التطور.
ويمثل الاستقرار السياسي عنصرًا مهمًا في بناء الاستثمارات طويلة الأجل، لأن المشروعات الصناعية والطاقوية تحتاج إلى رؤية تمتد سنوات، وليس إلى صفقات تجارية ظرفية.

كما أن عدم وجود خلافات مؤثرة في التعاون الأمني، وفق تصريحات الرئيس، يوفر بيئة سياسية مساعدة لتوسيع العلاقات الاقتصادية، خاصة أن أمن الطاقة والاستثمار والنقل يرتبط بصورة مباشرة بالاستقرار الإقليمي.
الاختبار يبدأ بعد الزيارة
تمنح زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا العلاقات الثنائية دفعًا سياسيًا واقتصاديًا، لكن نتائجها ستُقاس بما يحدث بعد انتهاء اللقاءات الرسمية.
فالاختبار الحقيقي يتمثل في قيمة الاستثمارات التي تدخل مرحلة الإنجاز، وعدد الشركات الألمانية التي تنتقل إلى الإنتاج داخل الجزائر، ونسبة الإدماج المحلي، والوظائف المستحدثة، وحجم التكنولوجيا المنقولة إلى المؤسسات الوطنية.

كما ستقاس النتائج بقدرة الجزائر على تحويل مشروعات الاستثمار الأجنبي المقدرة بنحو 900 مليون دولار من ملفات مطروحة أمام الشباك الوحيد إلى وحدات منتجة، وبمدى ارتباط ممر الطاقة الجديد بصناعة محلية لا بتصدير الموارد فقط.
وتكشف تصريحات الرئيس تبون أن الجزائر تدخل المرحلة الجديدة بأوراق تفاوضية قوية: الطاقة، والموقع، والسوق، والبنية التحتية، والاستقرار. أما ألمانيا فتملك التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الصناعية. ومن شأن الجمع بين هذه العناصر أن يؤسس لشراكة متوازنة، بشرط أن يكون الاستثمار والإنتاج داخل الجزائر في صلبها.



















