بوابةالجزائر الإخبارية: 47.43 مليون مستهلك، واقتصاد يناهز 288.01 مليار دولار، وتجارة خارجية بقيمة 96.5 مليار دولار؛ ثلاثة مؤشرات تُقدّم الجزائر إلى الشركات الصينية باعتبارها قاعدة محتملة للإنتاج والتصدير، وليس مجرد سوق لتسويق السلع أو بلدًا موردًا للطاقة.

وتظهر بطاقة الجزائر، التي حدّثتها وزارة الخارجية الصينية في أفريل 2026، أن الاهتمام الصيني يتجه نحو العناصر التي تحدد قرار الاستثمار طويل الأجل: حجم الطلب المحلي، وتوافر الطاقة، والموارد المنجمية، وشبكات النقل، والقدرة على الوصول إلى الأسواق الإفريقية والمتوسطية.
ولا تمثل هذه البطاقة إعلانًا عن مشروعات صينية جديدة، لكنها تكشف كيفية تقديم الاقتصاد الجزائري أمام المستثمر الصيني، بالتزامن مع انتقال التعاون بين البلدين من إنجاز المنشآت الكبرى إلى استغلال المناجم والتحويل الصناعي والزراعة والتكنولوجيا.
الصين تقرأ الجزائر كسوق للإنتاج
تمنح السوق الجزائرية، التي يتجاوز عدد سكانها 47 مليون نسمة، المؤسسات الصينية قاعدة طلب تسمح بإنشاء وحدات إنتاجية موجهة إلى الاستهلاك المحلي قبل الانتقال إلى التصدير.
ويتجاوز هذا الامتياز حجم السكان؛ إذ تقع الجزائر بين أوروبا وإفريقيا، وترتبط بعدد من الموانئ والممرات البحرية نحو الضفة الشمالية للمتوسط، إلى جانب امتدادها البري نحو دول الساحل وانتمائها إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
وتستطيع الشركات التي تنتج داخل الجزائر، شريطة استيفاء قواعد المنشأ ومتطلبات التنافسية، استخدام البلاد بوابةً إلى سوق إفريقية يتجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، بدل الاكتفاء باستيراد المنتجات الصينية الجاهزة.
وتنسجم هذه المقاربة مع توجه الجزائر نحو ربط الامتيازات الاستثمارية بالإنتاج الفعلي، ورفع نسبة الإدماج المحلي، وتكوين العمال والمهندسين، وإنشاء شبكة وطنية للمناولة.
أداء اقتصادي أقوى من التقديرات الصينية
قدرت وزارة الخارجية الصينية نمو الاقتصاد الجزائري بنسبة 3.4% خلال 2025، مع تضخم عند 3.5% ونصيب للفرد من الناتج المحلي يبلغ 6100 دولار.
غير أن أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي أظهرت أداءً أقوى، إذ قدر الصندوق في جويلية 2026 أن النمو بلغ 3.9% خلال 2025، مدعومًا بالاستثمارات المهمة، رغم محدودية نمو قطاع المحروقات.
كما توقع الصندوق استمرار نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.8% خلال 2026، مع بقاء الآفاق الاقتصادية قصيرة الأجل إيجابية، رغم المخاطر المرتبطة بتقلب أسعار الطاقة وارتفاع احتياجات التمويل.
وكان البنك الدولي قد سجل نموًا بنسبة 4.1% خلال النصف الأول من 2025، مقابل توسع الأنشطة خارج المحروقات بنسبة 5.4%. كما تراجع التضخم إلى 1.7% خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة، مدفوعًا بانخفاض أسعار الغذاء واستقرار سعر الصرف.
وتعني هذه الأرقام أن التقدير الصيني كان محافظًا، وأن النشاط خارج قطاع النفط والغاز أصبح يوفر جزءًا متزايدًا من النمو، خصوصًا عبر الاستثمار العمومي والصناعة والزراعة والخدمات.
تجارة بـ96.5 مليار دولار تمنح الجزائر وزنًا تفاوضيًا
بلغت التجارة الخارجية الجزائرية 96.5 مليار دولار خلال 2024، وفق البيانات المدرجة في البطاقة الصينية، منها صادرات بقيمة 49.2 مليار دولار وواردات بنحو 47.3 مليار دولار.
وسجلت الجزائر بذلك فائضًا تجاريًا يقارب 1.9 مليار دولار، رغم ارتفاع الطلب على الآلات والمعدات الصناعية والمواد الغذائية ومدخلات الإنتاج.
ويخص رقم 96.5 مليار دولار تجارة الجزائر الإجمالية مع العالم، ولا يمثل حجم المبادلات الجزائرية–الصينية. غير أن إدراجه في البطاقة الرسمية يعكس اهتمام بكين بالقدرة الشرائية والاستيرادية للاقتصاد الجزائري وبحجم المشروعات التي تحتاج إلى التكنولوجيا والتجهيزات.
وتملك الجزائر في المقابل فرصة لاستخدام حجم سوقها في التفاوض بشأن إقامة المصانع ونقل التكنولوجيا، بدل استمرار العلاقة في شكل تصدير صيني للمنتجات الجاهزة مقابل بيع المواد الأولية.
الغاز والحديد والفوسفات قاعدة لصناعات جديدة
تُظهر خريطة الموارد أن القيمة الاقتصادية للجزائر تتجاوز دورها التقليدي بوصفها موردًا للغاز إلى أوروبا.
وتقدر الصين احتياطيات الجزائر المؤكدة والقابلة للاستخراج من الغاز الطبيعي بنحو 4.58 تريليونات متر مكعب، أي 2.37% من الاحتياطيات العالمية، ما يضعها في المرتبة العاشرة دوليًا وفق البطاقة.
كما تقدر احتياطيات النفط بنحو 1.7 مليار طن، مع تركّز جزء مهم منها في النفط الصحراوي الخفيف ذي الجودة المرتفعة.
وتوفر الطاقة المحلية ميزة تنافسية للصناعات التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة، ومنها الحديد والصلب والأسمدة والبتروكيماويات والإسمنت ومواد البناء.
وتتراوح احتياطيات خام الحديد، وفق التقديرات الصينية، بين 3 و5 مليارات طن، بينما تبلغ احتياطيات الفوسفات نحو ملياري طن، والرصاص والزنك قرابة 150 مليون طن، إلى جانب موارد من الذهب والنحاس واليورانيوم.
وتفتح هذه الثروات أمام الجزائر إمكانية بناء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ بالاستخراج والمعالجة، ثم تنتقل إلى تصنيع الأسمدة والصلب والبطاريات والمعدات، وصولًا إلى التصدير في شكل منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
غارا جبيلات يغير طبيعة التعاون
بدأ الانتقال من الأشغال العمومية إلى الاقتصاد المنتج يظهر بصورة أوضح مع دخول خط السكة الحديدية المنجمي الغربي الخدمة في فيفري 2026، بعدما تولت مجموعة «CRCC» الصينية إنجاز جزء رئيسي منه.
ويخدم الخط مشروع غارا جبيلات، من خلال ربط مناطق استخراج خام الحديد في الجنوب الغربي بمنشآت المعالجة وشبكة النقل الوطنية، ما يخفض كلفة الشحن ويسرّع إدماج المنجم في الدورة الصناعية.
واعتبر الرئيس عبد المجيد تبون، خلال تدشين الخط، أن المشروع حول حلمًا كان يبدو بعيد المنال إلى واقع، مشيدًا بمساهمة المؤسسات الصينية في إنجازه.
وفي جوان 2026، انتقل الحوار إلى مرحلة أكثر تقدمًا، عندما بحث السفير الصيني دونغ غوانغلي ووزير الدولة المكلف بالمناجم مراد حنيفي التعاون في الاستكشاف الجيولوجي والتطوير الأخضر للمناجم وتحويل الخامات وبناء سلاسل صناعية متكاملة.
ويخدم هذا التوجه المصلحة الجزائرية إذا انتقلت المشاركة الصينية من توفير التمويل والإنجاز إلى إقامة وحدات المعالجة، وتصنيع المعدات، وتكوين الكفاءات، وإشراك المؤسسات المحلية في سلسلة التوريد.
مليارا دولار من المشروعات قيد التحول إلى استثمارات
سبق المسار المنجمي انعقاد منتدى الاستثمار الجزائري–الصيني في أفريل 2025، بمشاركة 77 شركة صينية وأكثر من 100 مؤسسة جزائرية ونحو 600 مسؤول ومتعامل اقتصادي.
وأسفر المنتدى عن توقيع ثمانية اتفاقات لمشروعات استثمارية بقيمة أولية تجاوزت ملياري دولار، ما يعكس تحولًا تدريجيًا من صفقات إنجاز المنشآت إلى البحث عن استثمارات مباشرة وشراكات صناعية.
وأكد السفير الصيني حينها أن البلدين يتقاسمان هدف التنمية، وأن توسيع التعاون العملي يسمح بمواجهة الحمائية والاضطرابات التجارية الدولية.
وتبقى القيمة الاقتصادية لهذه الاتفاقات مرتبطة بتحويلها إلى عقود تنفيذية تحدد التمويل والآجال ونسب الإدماج المحلي والوظائف والتكنولوجيا التي ستنقل إلى الجزائر.
الزراعة والنقل يوسعان خريطة الفرص
لا تتوقف الفرص التي أبرزتها الصين عند الطاقة والمناجم. فالزراعة تساهم بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توفر قرابة ثمانية ملايين هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة.
وتحتاج هذه القاعدة إلى استثمارات في الميكنة والري والتخزين والبذور والأسمدة والتحويل الغذائي، وهي مجالات تستطيع المؤسسات الصينية دخولها عبر شراكات إنتاجية مع الشركات الجزائرية.
وتدعم شبكة النقل هذه الإمكانات، إذ تضم الجزائر نحو 141 ألف كيلومتر من الطرق و4773 كيلومترًا من السكك الحديدية و45 ميناء و53 مطارًا، وفق البطاقة الصينية.
ويؤدي توسيع الخطوط المنجمية وربط مناطق الإنتاج بالموانئ إلى تقليص تكاليف التصدير وتحسين قدرة المنتجات الجزائرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
الجزائر تفاوض من موقع السوق والموارد
تكشف المعطيات الصينية أن الجزائر تمتلك ثلاثة عناصر مترابطة: سوقًا داخلية كبيرة، وموارد طاقوية ومنجمية ضخمة، وموقعًا يسمح بالوصول إلى إفريقيا وأوروبا.
وتمنح هذه العناصر الجزائر قدرة أكبر على إعادة صياغة شراكتها الاقتصادية مع الصين، بحيث لا تبقى محصورة في استيراد السلع أو إسناد مشروعات البناء إلى الشركات الصينية.
ويُقاس نجاح المرحلة المقبلة بحجم الإنتاج الذي سيقام داخل الجزائر، وعدد الوظائف المستحدثة، ونسب الإدماج، وحصة المؤسسات الوطنية من المناولة، وقدرة المشروعات الجديدة على التصدير.
وبذلك، لا تكمن أهمية التحديث الصيني في الأرقام وحدها، بل في تقديم الجزائر بوصفها قاعدة محتملة للتصنيع والاستثمار والوصول إلى الأسواق الإفريقية؛ وهي ورقة تستطيع البلاد توظيفها لبناء شراكة أكثر توازنًا تقوم على التكنولوجيا والإنتاج والقيمة المضافة.









