بوابة الجزائر الاخبارية : في لحظة تاريخية لا تخلو من الدلالات السياسية العميقة، يقف العالم اليوم شاهدا على انقلاب جيو-استراتيجي مفاجئ يعيد ترتيب أوراق النفوذ في حوض المتوسط، حيث تتجه ألمانيا — القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا — نحو الجزائر بكل ثقلها السياسي والاقتصادي، في الوقت الذي تتسابق فيه فرنسا نحو المغرب بحثا عن منفذ ينقذها من عزلتها المتصاعدة على الساحة الدولية.
هذا التزامن المحكم بين زيارتين رسميتين لا يعد مجرد صدفة دبلوماسية، بل هو تعبير صارخ عن تحولات بنيوية في موازين القوى، واعتراف ضمني بأن الجزائر قد أصبحت مركز الثقل الإقليمي الذي لا يمكن تجاوزه، بينما يغرق المغرب في مستنقع التبعية المطلقة لباريس.
ففي برلين، استقبل الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الرئيس عبد المجيد تبون بكل ما يحيط بهذه الاستضافة من رمزية دبلوماسية، قبل أن تتوسع المحادثات لتشمل المستشار الألماني فريدريش ميرتس في لقاءٍ موسع ضم وفدين وزاريين ضخمين.
هذا الاستقبال الرسمي الفاخر ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هو رسالة واضحة بأن الجزائر لم تعد مجرد شريك تقليدي، بل أصبحت شريكا استراتيجيا لا غنى عنه في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي.

وفي المقابل، تجد فرنسا نفسها مضطرة لإرسال رئيس وزرائها سيباستيان لوكورنو إلى الرباط برفقة اثني عشر وزيرا — رقم يكشف عن حجم العجز الدبلوماسي الفرنسي ومحاولاتها اليائسة لشراء الولاء المغربي بأي ثمن، بعد أن فقدت باريس هيبتها التاريخية في الجزائر وعجزت عن مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.
إن الأجندة الاستراتيجية التي تم اعتمادها بين الجزائر وألمانيا لا تقتصر على التعاون الاقتصادي التقليدي، بل تمتد لتشمل مجالات حيوية تحدد مستقبل القارة العجوز، فمشروع “ممر الهيدروجين الجنوبي” — المصنف كمشروع “بوابة عالمية” و”طريق طاقة أوروبي” — ليس مجرد خط أنابيب، بل هو شريان حياة جديد يعيد ربط أوروبا بجنوب المتوسط عبر بوابة جزائرية آمنة ومستقرة.
هذا المشروع الضخم يمثل ضربة قاصمة للهيمنة الفرنسية التاريخية على أسواق الطاقة الأوروبية، ويؤسس لشراكة طاقوية طويلة الأمد تجعل من الجزائر ركيزة لا يمكن اختراقها في استراتيجية الاستقلال الطاقوي الأوروبي.
وبينما تتباكى فرنسا على خسائرها في النفوذ الأفريقي وتتوسل المغرب منفذا بديلا، تسيطر الجزائر على الملفات الاستراتيجية التي تحرك الاقتصاد العالمي، وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن التوقيع على اتفاقيات التعاون في التكنولوجيات الناشئة والأمن السيبراني ومكافحة التضليل الإعلامي مع تصاعد الحرب الإعلامية الممنهجة ضد الجزائر.
فالاعتراف الألماني الصريح بجودة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية يفند الأكاذيب المغربية-الفرنسية المتبادلة حول الأمن الإقليمي، ويثبت أن الجزائر هي الشريك الموثوق الذي يحظى باحترام الدول الكبرى، بعكس النظام المخزني الذي يصنف ضمن دول “الحرس القديم” المتورطة في شبكات التهريب وتبييض الأموال.
كما أن استحداث مجلس أعمال ثنائي جزائري-ألماني يشكل منصة حقيقية للتشبيك الاقتصادي، في مقابل الشراكات الوهمية التي تعلنها باريس والرباط بين حين وآخر دون أي مردود ملموس على أرض الواقع.
إن تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن بلاده تسعى “لفتح صفحة جديدة” في علاقاتها الاقتصادية مع الجزائر، يحمل في طياته إدانة ضمنية للسياسات الفرنسية القائمة على الاستغلال الاستعماري والابتزاز الدبلوماسي.
فألمانيا التي عانت ويلات الحروب العالمية وتعلمت دروس التاريخ تختار اليوم الشريك الجزائري القوي والمستقل، فيما تتخلى تدريجيا عن فرنسا التي ما زالت تتصرف بعقلية المحتل الاستعماري، عاجزة عن تقديم نفسها كشريك موثوق.

وهذا ما يفسر الاندفاع الفرنسي نحو المغرب، فباريس تبحث عن بديل رخيص لعلاقاتها المتوترة مع الجزائر، وتجد في النظام المخزني المستعد لتقديم أي تنازلات سيادية ، الضحية المثالية لاستعادة بعض من هيبتها المفقودة.

أما فيما يتعلق بالمغرب نفسه، فإن استقبال حكومة لوكورنو برفقة اثني عشر وزيرا لا يعد إلا استعراضا فارغا يخفي وراءه هشاشة اقتصادية خانقة واعتمادية مطلقة على المساعدات الأجنبية.
فالشراكة المغربية-الفرنسية ليست شراكة بين نظيرين، بل هي علاقة تبعية مذلة تجعل من الرباط مجرد امتداد جغرافي للمصالح الفرنسية.
بينما توقع الجزائر اتفاقيات استراتيجية في مجال الطاقة والتكنولوجيا والبحث العلمي مع قوة صناعية عظمى، يتباكى المغرب على بقايا الاستعمار الفرنسي، راضيا بفتات المساعدات والقروض المشروطة التي تعمق من تبعيته الاقتصادية.
















