بوابة الجزائر الإخبارية: 36 مليار متر مكعب من الغاز الروسي ستكون أوروبا مطالبة بتعويضها بإمدادات بديلة خلال 2027، وسط مخاوف من دخول القارة الشتاء المقبل بمخزونات أقل من مستويات العام الماضي، وفق تحذيرات أطلقها الرئيس التنفيذي لشركة «إيني» الإيطالية، كلاوديو ديسكالزي.

ونقلت وكالة الأنباء الإيطالية «نوفا»، الخميس 16 جويلية 2026، عن ديسكالزي قوله إن توقف تدفقات الغاز الروسي سيضع أوروبا أمام مشكلة إضافية في الإمدادات ابتداء من جانفي 2027، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على الغاز بصورة واسعة في الصناعة وتوليد الكهرباء والتدفئة.
وجاءت تصريحات ديسكالزي خلال جلسة استماع أمام لجنة الأنشطة الإنتاجية بمجلس النواب الإيطالي، خُصصت لبحث تطورات سوق الطاقة في إيطاليا والاتحاد الأوروبي والمخاطر المرتبطة بأمن الإمدادات.
36 مليار متر مكعب تبحث عن بديل
قال الرئيس التنفيذي لـ«إيني» إن الكميات الروسية، المقدرة بنحو 36 مليار متر مكعب، ينبغي تعويضها بإمدادات من الولايات المتحدة أو من أسواق أخرى، في وقت تتنافس فيه أوروبا مع اقتصادات شرق آسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وأضاف أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ستقود إلى توقف الغاز المتجه من روسيا إلى أوروبا، محذرًا من أن ذلك سيحدث في ظرف تكون فيه مخزونات عدد من الدول الأوروبية أضعف من مستويات السنة الماضية.
وتتطابق كمية 36 مليار متر مكعب التي تحدث عنها ديسكالزي مع بيانات المفوضية الأوروبية، التي أفادت بأن الاتحاد الأوروبي استورد خلال 2025 نحو 36 مليار متر مكعب من الغاز الروسي، بما يعادل 12 بالمائة من إجمالي وارداته، مقابل 152 مليار متر مكعب وحصة بلغت 45 بالمائة في 2021.
ويعني ذلك أن أوروبا نجحت في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي بأكثر من 116 مليار متر مكعب خلال أربع سنوات، لكنها ما تزال مطالبة بتوفير بدائل للكميات المتبقية دون إحداث اضطرابات حادة في الأسعار أو تزويد الصناعات كثيفة الاستهلاك بالطاقة.
إيطاليا عند 71 إلى 72 بالمائة
طمأن ديسكالزي بشأن الوضع الإيطالي، موضحًا أن مخزونات البلاد تتراوح بين 71 و72 بالمائة، وهي مستويات مماثلة تقريبًا لما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي، إلى جانب وجود إمدادات متعاقد عليها.
في المقابل، أشار إلى وجود دول أوروبية تسجل مستويات أقل بكثير، معتبرًا أن الوضع يمثل مصدر قلق أكبر للدول التي تعتمد على الغاز، مقارنة بدول تتمتع بحصة مهمة من الطاقة النووية، مثل فرنسا وإسبانيا جزئيًا.
وتؤكد بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي لتعاون منظمي الطاقة «ACER» أن القارة بدأت موسم حقن الغاز في الأول من أفريل 2026 بمعدل امتلاء لم يتجاوز 28 بالمائة، وهو مستوى أقل من بداية مواسم الصيف الثلاثة السابقة.
ووفق بيانات الوكالة المحدّثة إلى 2 جويلية 2026، ارتفع متوسط امتلاء مخزونات الاتحاد الأوروبي إلى نحو 49 بالمائة، غير أن عمليات الحقن ظلت أقل من متوسط السنوات العشر الماضية وأدنى من مستويات 2025.
وقدرت «ACER» أن بلوغ هدف ملء المخزونات بنسبة 90 بالمائة قبل الشتاء سيحتاج إلى زيادة واردات الغاز المسال بنحو 13 بالمائة مقارنة بمستويات 2025، بينما يمكن بلوغ مستوى 80 بالمائة في حال الحفاظ على حجم الواردات المسجل العام الماضي.
ويزداد الضغط على المخزونات بسبب تقلص الفارق بين أسعار الغاز الصيفية والشتوية، ما يضعف الجدوى الاقتصادية لشراء الغاز حاليًا وتخزينه من أجل بيعه خلال فصل الشتاء، إلى جانب تقلبات الأسواق الناتجة عن الاضطرابات الجيوسياسية.
حظر الغاز الروسي يتم على مرحلتين
ورغم حديث ديسكالزي عن توقف كامل ابتداء من جانفي 2027، فإن الجدول القانوني الذي أقره الاتحاد الأوروبي يميز بين الغاز الطبيعي المسال والغاز المنقول عبر الأنابيب.
وبحسب مجلس الاتحاد الأوروبي، سيُطبق الحظر الكامل على واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي مع بداية 2027، بينما تدخل القيود النهائية على الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب حيز التنفيذ خلال خريف السنة نفسها، بعد فترات انتقالية للعقود القائمة.
كما تفرض القواعد الأوروبية التحقق من بلد منشأ الغاز قبل السماح بدخوله إلى السوق الأوروبية، مع إلزام الدول الأعضاء بوضع خطط لتنويع الإمدادات، وفرض غرامات قد تصل بالنسبة إلى الشركات المخالفة إلى 3.5 بالمائة من رقم أعمالها العالمي السنوي.
وكان ديسكالزي قد دعا في أفريل 2026 إلى إعادة تقييم خطة حظر الغاز الروسي، محذرًا حينها من صعوبة تعويض نحو 20 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال الروسي في ظل الضغوط التي تشهدها السوق الدولية.
وتظهر تصريحاته الجديدة ارتفاع تقدير الكميات المطلوب تعويضها إلى 36 مليار متر مكعب، بعد احتساب واردات الغاز الروسي المسال والمنقول عبر الأنابيب التي سجلها الاتحاد الأوروبي خلال 2025.
واردات قياسية قبل دخول الحظر
يأتي التحذير الإيطالي في وقت رفعت فيه أوروبا مشترياتها من الغاز الروسي قبل دخول الحظر الكامل حيز التنفيذ.
وحسب بيانات نقلتها وكالة «رويترز»، استورد الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من 2026 نحو 9.97 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال من مشروع «يامال» الروسي، موزعة على 136 شحنة، بزيادة بلغت 16 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وتجاوزت القيمة المقدرة لهذه المشتريات 5.96 مليارات يورو، بينما استقبلت موانئ الاتحاد الأوروبي أكثر من 97 بالمائة من صادرات منشأة «يامال»، وكانت فرنسا وبلجيكا وإسبانيا أكبر وجهات الشحنات.
كما ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي عبر الأنابيب بنسبة 7 بالمائة بين جانفي وماي 2026، مقابل زيادة بـ11 بالمائة في واردات الغاز المسال، في تحرك يرتبط جزئيًا بتسريع عمليات الشراء قبل دخول مواعيد الحظر الجديدة.
وتكشف هذه الأرقام أن أوروبا تقلص اعتمادها الهيكلي على روسيا، لكنها رفعت مشترياتها على المدى القصير لتكوين إمدادات ومخزونات قبل إغلاق العقود الروسية القائمة.
الغاز الأميركي في صدارة البدائل
سيؤدي تعويض 36 مليار متر مكعب إلى رفع الطلب الأوروبي على الغاز المسال، ولا سيما الشحنات القادمة من الولايات المتحدة، في سوق عالمية تشهد منافسة مع المشترين الآسيويين.
وتغطي واردات الغاز المسال حاليًا قرابة نصف إجمالي واردات الغاز الأوروبية، فيما أصبحت دول الاتحاد الأوروبي أكبر مشتر جماعي للغاز المسال في العالم، وفق وكالة «ACER».
لكن زيادة الاعتماد على الغاز الأميركي لا تلغي مخاطر التركّز الجغرافي، إذ ستنتقل أوروبا من الاعتماد الكبير على مورد روسي واحد إلى اعتماد متزايد على شحنات بحرية تتأثر بأسعار النقل، والتأمين، واختناقات الممرات البحرية، والطلب الآسيوي.
كما أن استبدال الغاز الروسي بالغاز المسال يتطلب دفع تكاليف التسييل والشحن وإعادة التغويز، وهي عناصر يمكن أن ترفع كلفة الطاقة على الصناعات الأوروبية مقارنة بالإمدادات المنقولة مباشرة عبر الأنابيب.
الجزائر أمام طلب أوروبي إضافي
اقتصاديًا، يعزز انسحاب الغاز الروسي أهمية الموردين القريبين من أوروبا، وفي مقدمتهم الجزائر والنرويج وأذربيجان، إلى جانب الولايات المتحدة وقطر في سوق الغاز المسال.
وتصف المفوضية الأوروبية الجزائر بأنها شريك استراتيجي وموثوق في تأمين إمدادات الغاز، مؤكدة اهتمام الطرفين بتعزيز التعاون ودعم مرونة منظومة الطاقة الأوروبية.
وكانت إمدادات شمال إفريقيا، وفي مقدمتها الغاز الجزائري، قد شكلت 21 بالمائة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز عبر الأنابيب خلال الربع الأول من 2025، لتحتل المرتبة الثانية بعد النرويج وتتقدم على روسيا.
وتتمتع الجزائر بميزة القرب الجغرافي والبنية القائمة، من خلال أنبوب «ترانسميد» الذي يصل الغاز الجزائري بإيطاليا عبر تونس، إضافة إلى أنبوب «ميدغاز» الرابط بالسوق الإسبانية، وقدرات تصدير الغاز الطبيعي المسال.
وترتبط «إيني» بشراكة طويلة الأمد مع سوناطراك في الإنتاج والتصدير، فيما تؤكد المجموعة الإيطالية أن الاتفاقات الموقعة مع الجزائر أتاحت زيادة كميات الغاز المنقولة عبر أنبوب «ترانسميد» إلى إيطاليا.
غير أن استفادة الجزائر من فجوة الإمدادات الأوروبية ستعتمد على حجم الإنتاج الإضافي المتاح، والطلب المحلي، وقدرات النقل والتسييل، والأسعار والعقود طويلة الأمد، وليس على التحول السياسي الأوروبي وحده.
شتاء 2026-2027 أول اختبار
يدخل الاتحاد الأوروبي الأشهر المقبلة أمام معادلة تجمع بين ملء المخزونات، وتعويض الغاز الروسي، ومواجهة المنافسة على الغاز المسال، مع الحفاظ على أسعار مقبولة للصناعة والمستهلكين.
وفي حال عدم تسريع عمليات الحقن خلال الصيف والخريف، قد تدخل بعض الدول شتاء 2026-2027 بمستويات أقل من المعتاد، ما يزيد حساسية السوق لأي موجة برد طويلة أو تعطل مفاجئ في الإمدادات.
وتشير تحذيرات ديسكالزي إلى أن الخطر لا يتمثل فقط في موعد وقف الغاز الروسي، بل في تزامنه مع مخزونات متفاوتة بين الدول الأوروبية وسوق دولية أكثر تنافسًا على الشحنات البديلة.
وبذلك، تتحول سنة 2027 إلى اختبار فعلي لقدرة أوروبا على تنفيذ قرارها بإنهاء الغاز الروسي دون العودة إلى أزمة أسعار كتلك التي أعقبت اندلاع الحرب في أوكرانيا، فيما تتجه أهمية المنتجين البديلين، وعلى رأسهم الجزائر، إلى الارتفاع داخل معادلة أمن الطاقة الأوروبية












