بوابة الجزائر الإخبارية: يننتظر أن يحل رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، يوم الخميس 16 جويلية 2026، بالعاصمة الألمانية برلين. في زيارة تضع العلاقات الجزائرية الألمانية أمام محطة سياسية واقتصادية مهمة. تتقدمها ملفات الطاقة، الاقتصاد، الاستثمار، الصناعة، الهيدروجين الأخضر، المؤسسات الناشئة، والبحث العلمي.

ميرتس يستقبل تبون في المستشارية الألمانية
وأعلنت الحكومة الألمانية أن المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس سيستقبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يوم 16 جويلية، على الساعة 14:30، في مقر المستشارية الاتحادية ببرلين. وأوضح بيان نائب المتحدث باسم الحكومة الألمانية أن المباحثات ستتمحور حول العلاقات الثنائية، إلى جانب قضايا الطاقة والسياسة الاقتصادية.
وتحمل الزيارة المرتقبة بعدًا اقتصاديًا واضحًا، بالنظر إلى توقيتها ومضمون الملفات المعلنة من الجانب الألماني. فالطاقة، الغاز، الهيدروجين الأخضر، التجارة، الصناعة، والآلات الألمانية تشكل عناوين مباشرة في مسار العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل بحث أوروبا عن موردين أكثر استقرارًا للطاقة، وبحث ألمانيا عن شراكات صناعية وطاقوية خارج الأسواق التقليدية.
موعد الزيارة برز منذ 13 ماي
وفي التفاصيل، كانت زيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا قد برزت رسميًا في النقاش الدبلوماسي منذ 13 ماي 2026، عندما كشف سفير ألمانيا لدى الجزائر، جورج فلسهايم، عن موعد الزيارة خلال لقاء نظمه مكتب الجزائر التابع لمؤسسة كونراد أديناور، خُصص لبحث آفاق التعاون الجزائري الألماني في مجالات الابتكار، ريادة الأعمال، المؤسسات الناشئة، والبحث العلمي.
وتؤكد هذه الإشارة أن الزيارة لا تقتصر على ملفات الطاقة والتجارة فقط، بل تمتد إلى اقتصاد المعرفة، التعاون الجامعي، البحث التطبيقي، التكنولوجيا، وتطوير منظومة المؤسسات الناشئة.
مسار دبلوماسي بدأ من مكالمة جويلية 2025
وتأتي هذه الزيارة المرتقبة امتدادًا لمسار دبلوماسي بدأ يتبلور بوضوح منذ جويلية 2025، عندما تلقى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مكالمة هاتفية من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير. وبحسب بيان رئاسة الجمهورية حينها، تناول الرئيسان العلاقات الثنائية بين الجزائر وألمانيا وسبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات، قبل أن يجدد الرئيس الألماني دعوته الرسمية لرئيس الجمهورية لزيارة جمهورية ألمانيا الاتحادية، وهي الدعوة التي قبلها الرئيس تبون، موجها بدوره دعوة للرئيس الألماني لزيارة الجزائر.
وبذلك، تنتقل العلاقات الجزائرية الألمانية من مستوى الاتصالات السياسية والتحضير الدبلوماسي إلى مستوى مباحثات مباشرة في برلين، تحت عنوان اقتصادي وطاقوي واضح.
الجزائر تكتسب أهمية أكبر في الحسابات الألمانية
تأتي الزيارة في مرحلة تتزايد فيها أهمية الجزائر بالنسبة لألمانيا والاتحاد الأوروبي، سواء كمورد للطاقة، أو كسوق صناعية واعدة، أو كشريك محتمل في مشاريع الهيدروجين الأخضر.
وتنظر وكالة ألمانيا للتجارة والاستثمار إلى الجزائر كسوق مهمة بالنسبة للشركات الألمانية، خاصة في قطاعات الآلات، الطاقة، المناجم، الصناعات الغذائية، الصناعة الصيدلانية، صناعة السيارات، والبنية التحتية. كما تؤكد الوكالة أن عائدات النفط والغاز، الاستثمارات العمومية، والطلب الداخلي، كلها عوامل تدعم النشاط الاقتصادي في الجزائر خلال 2026.
ويعزز هذا التقييم البعد الاقتصادي للزيارة. فالجزائر لم تعد تُطرح فقط كسوق استهلاكية للمنتجات الألمانية، بل كبلد يسعى إلى توسيع قاعدته الصناعية، رفع الإنتاج المحلي، تقليص الواردات الجاهزة، واستقطاب التكنولوجيا والشراكات المنتجة. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول زيارة برلين إلى منصة لدفع التعاون الصناعي نحو مشاريع أكثر ارتباطًا بالإنتاج داخل الجزائر.
2.1 مليار يورو صادرات ألمانية إلى الجزائر
وتشير المعطيات الاقتصادية الألمانية إلى أن الشركات الألمانية صدّرت إلى الجزائر سنة 2025 سلعًا بقيمة تقارب 2.1 مليار يورو، فيما جاءت ألمانيا في المرتبة السادسة ضمن موردي الجزائر.
غير أن المؤشر الأهم يتمثل في صادرات الآلات والمعدات، التي ارتفعت بنسبة 23 في المائة خلال 2025، لتبلغ 462 مليون يورو، وهو ما يعكس توسع الطلب الجزائري على تجهيزات الإنتاج والمعدات الصناعية.
ويفتح هذا الرقم زاوية مهمة لصالح الجزائر، لأنه لا يرتبط بالاستهلاك النهائي، بل بالاستثمار في أدوات الإنتاج. فارتفاع واردات الآلات والمعدات يشير إلى توسع مشاريع الصناعة، التجهيز، الإنتاج، الصيانة، والتحويل داخل السوق الجزائرية. كما يمنح الشركات الألمانية فرصة للدخول في شراكات قائمة على نقل الخبرة، المناولة الصناعية، والتكوين التقني، بدل الاكتفاء بتصدير السلع الجاهزة.
تراجع صادرات السيارات يعكس توجه الجزائر نحو الإنتاج المحلي
في المقابل، سجلت صادرات المركبات وقطع الغيار الألمانية إلى الجزائر تراجعًا بنسبة 36 في المائة خلال 2025، وهو معطى تعزوه وكالة ألمانيا للتجارة والاستثمار إلى التنظيم الصارم لواردات السيارات في الجزائر.
ويبرز هذا التراجع أثر السياسة الجزائرية القائمة على تقليص استيراد السيارات الجاهزة، ودفع المصنعين الأجانب نحو الإنتاج المحلي، التركيب، الشراكة، ورفع نسبة الإدماج الوطني.
وتمنح هذه السياسة الجزائر ورقة تفاوض اقتصادية خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع شركات ألمانية تملك خبرة صناعية وتكنولوجية واسعة. فالسوق الجزائرية تبقى مهمة، لكن دخولها لم يعد قائمًا فقط على التصدير المباشر، بل على الاستثمار، الإنتاج، نقل التكنولوجيا، والمشاركة في سلاسل القيمة المحلية.
الصادرات الجزائرية نحو ألمانيا ترتفع
من جهة أخرى، تسجل الصادرات الجزائرية نحو ألمانيا منحى تصاعديًا. فقد بلغت صادرات الجزائر إلى السوق الألمانية سنة 2025 نحو 1.4 مليار يورو، بزيادة تقارب 11 في المائة، قبل أن ترتفع الواردات الألمانية من الجزائر مجددًا بنسبة 20 في المائة خلال الربع الأول من 2026.
وتتكون هذه الصادرات أساسًا من النفط الخام، الغاز الطبيعي، والمنتجات النفطية، ما يضع الجزائر ضمن حسابات أمن الطاقة الألماني.

الطاقة في قلب زيارة تبون إلى ألمانيا
وتحضر الطاقة كأحد أبرز ملفات زيارة تبون إلى ألمانيا. فالجزائر تعد شريكًا مهمًا للاتحاد الأوروبي في تنويع إمدادات الغاز، وكانت في 2025 ثاني أكبر مورد للغاز عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي، وفق وكالة ألمانيا للتجارة والاستثمار.
كما أن تراجع الإمدادات الروسية إلى أوروبا جعل الجزائر أكثر حضورًا في خريطة تنويع مصادر الطاقة الأوروبية. وفي هذا السياق، تخطط الجزائر لاستثمارات كبيرة في قطاع الطاقة، إذ يعتزم مجمع سوناطراك تخصيص نحو 60 مليار دولار لقطاع المحروقات بين 2025 و2030، مع توجيه جزء معتبر من هذه الاستثمارات إلى نشاط الاستكشاف والإنتاج، بهدف تثبيت قدرات الإنتاج وتلبية الطلب الدولي.
وتتجاوز أهمية هذه الاستثمارات بعدها الداخلي، لأنها تمنح الجزائر قدرة أكبر على الحفاظ على موقعها كمورد للطاقة في السوق الأوروبية. كما تعزز هذه الاستثمارات الثقة في قدرة الجزائر على الوفاء بالتزاماتها التصديرية، في وقت تبحث فيه أوروبا عن إمدادات مستقرة، قريبة جغرافيًا، وأقل عرضة لمخاطر النقل الطويل.
الهيدروجين الأخضر يفتح مسارًا جديدًا مع ألمانيا
وبالتوازي مع النفط والغاز، يبرز الهيدروجين الأخضر كملف استراتيجي في زيارة برلين. فالجزائر تعمل على استثمار موقعها الجغرافي، مواردها الشمسية، وبنيتها الطاقوية، للتحول إلى مورد مستقبلي للطاقة النظيفة نحو أوروبا.
ويأتي ذلك في وقت تبحث فيه ألمانيا عن مصادر خارجية للهيدروجين لدعم صناعاتها الثقيلة والتحول الطاقوي.
وتستهدف الجزائر بلوغ 15 جيغاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035. ويمنح هذا الهدف قاعدة مهمة لمشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، خاصة أن الجزائر تمتلك مساحات واسعة وإشعاعًا شمسيًا مرتفعًا، ما يجعلها مؤهلة للعب دور أكبر في سوق الطاقة النظيفة المتوسطية.
ممر الهيدروجين الجنوبي يربط الجزائر بألمانيا
ويأتي مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي ضمن هذا المسار. فالمشروع يهدف إلى ربط شمال إفريقيا بإيطاليا والنمسا وألمانيا عبر ممر بطول 3300 كيلومتر، يسمح بنقل الهيدروجين المتجدد إلى مراكز الطلب الأوروبية.
وتشير معطيات المنصات المتخصصة في الهيدروجين إلى أن الممر يستهدف نقل ما يصل إلى 4 ملايين طن من الهيدروجين المنتج في شمال إفريقيا سنويًا، وهو ما يعادل نسبة معتبرة من هدف الاتحاد الأوروبي لاستيراد الهيدروجين بحلول 2030. وبهذا المعنى، لا تدخل الجزائر نقاش الطاقة مع ألمانيا من بوابة الغاز فقط، بل من بوابة الطاقة المستقبلية أيضًا.
وتكمن أهمية هذا الملف في أن ألمانيا تمثل إحدى أكبر القواعد الصناعية في أوروبا، وتحتاج إلى الهيدروجين لتقليص الانبعاثات في قطاعات يصعب تشغيلها بالكهرباء فقط، مثل الصناعات الثقيلة، الكيمياء، الفولاذ، والنقل الصناعي. ومن هنا، تبرز الجزائر كشريك محتمل لا يملك فقط الموارد الطاقوية التقليدية، بل يملك أيضًا مقومات إنتاج الطاقة النظيفة الموجهة للتصدير.
الابتكار والمؤسسات الناشئة ضمن جدول التعاون
ولا تقتصر زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا على الطاقة والتجارة فقط. فالإشارة التي قدمها سفير ألمانيا لدى الجزائر خلال لقاء مؤسسة كونراد أديناور حول الابتكار، ريادة الأعمال، المؤسسات الناشئة، والبحث العلمي، تعكس اتجاهًا إضافيًا في العلاقات بين البلدين.
ويعني ذلك أن الزيارة يمكن أن تفتح المجال لتعاون أوسع في التكنولوجيا، الجامعات، البحث التطبيقي، حاضنات الأعمال، وتمويل المشاريع المبتكرة.
وتملك الجزائر في هذا الجانب ورقة مهمة تتمثل في توسع منظومة المؤسسات الناشئة، وارتفاع عدد المشاريع الرقمية، وتوجه الدولة نحو ربط الجامعة بالاقتصاد. وبالنسبة إلى ألمانيا، يمكن لهذا المسار أن يشكل مدخلًا لتعاون جديد مع الكفاءات الجزائرية في الهندسة، الطاقات المتجددة، الذكاء الصناعي، الصناعة، والخدمات التقنية.
الجزائر بوابة اقتصادية نحو إفريقيا والمتوسط
كما توفر الجزائر قاعدة بشرية وسوقًا داخلية واسعة وموقعًا جغرافيًا يربط أوروبا بإفريقيا، وهي عناصر تجعل التعاون مع ألمانيا قادرًا على تجاوز منطق التبادل الثنائي نحو مشاريع موجهة للأسواق الإقليمية.
فالصناعة، الطاقة، المناجم، النقل، البنية التحتية، والبحث العلمي يمكن أن تتحول إلى محاور عملية إذا تم ربطها بالاستثمار ونقل التكنولوجيا.
ألمانيا تتحرك في سوق جزائرية تنافسية
وتكتسب الزيارة أيضًا أهمية في سياق المنافسة الدولية داخل السوق الجزائرية. فالصين تعزز حضورها في مشاريع كبرى تشمل البنية التحتية، الزراعة، الصناعة، السكك الحديدية، والمركبات، بينما تبقى إيطاليا وفرنسا من الشركاء الاقتصاديين المهمين للجزائر.
ومن ثم، فإن ألمانيا تسعى إلى تثبيت موقعها داخل سوق تشهد تنافسًا متزايدًا على المشاريع الصناعية والطاقوية.
وبالنسبة إلى الجزائر، يمكن توظيف هذا التنافس لصالحها عبر جذب عروض أفضل في الاستثمار، التمويل، التكنولوجيا، التكوين، والمناولة المحلية. فالرهان الجزائري لم يعد مقتصرًا على استقطاب شركاء تجاريين، بل على بناء شراكات تسمح بخلق مناصب شغل، رفع القيمة المضافة، توسيع الصادرات، وتطوير الإنتاج الوطني.

أرقام تمنح الزيارة مضمونًا اقتصاديًا واضحًا
وتؤكد الأرقام أن زيارة تبون إلى ألمانيا تأتي في لحظة اقتصادية قابلة للبناء عليها: صادرات ألمانية إلى الجزائر بقيمة 2.1 مليار يورو، صادرات آلات ألمانية بقيمة 462 مليون يورو وبنمو 23 في المائة، صادرات جزائرية إلى ألمانيا بنحو 1.4 مليار يورو وبزيادة 11 في المائة، ارتفاع واردات ألمانيا من الجزائر بنسبة 20 في المائة خلال الربع الأول من 2026، واستثمارات طاقوية جزائرية مرتقبة بقيمة 60 مليار دولار إلى غاية 2030.
هذه الأرقام تمنح الزيارة مضمونًا اقتصاديًا واضحًا. فهي لا تتعلق فقط بمحادثات سياسية بين الجزائر وبرلين، بل بملفات مباشرة تمس أمن الطاقة الأوروبي، مستقبل الهيدروجين، التصنيع المحلي، واردات الآلات، تنظيم سوق السيارات، البحث العلمي، والمؤسسات الناشئة.
زيارة برلين محطة مفصلية في العلاقات الجزائرية الألمانية
وتدخل الجزائر زيارة برلين من موقع الشريك المطلوب في الطاقة، والسوق الصناعية التي تبحث عن التكنولوجيا، والدولة المتوسطية التي تملك موقعًا مهمًا في مشاريع الربط الطاقوي نحو أوروبا. كما تدخل ألمانيا المحادثات من موقع قوة صناعية تبحث عن طاقة مستقرة، أسواق واعدة، وممرات جديدة للهيدروجين.
وبذلك، تمثل زيارة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى ألمانيا محطة مفصلية في مسار العلاقات الجزائرية الألمانية. فالرهان الأكبر سيكون تحويل الزخم السياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة، تشمل الاستثمار، الطاقة، الهيدروجين الأخضر، الصناعة، البحث العلمي، والمؤسسات الناشئة، بما يعزز مكانة الجزائر كشريك اقتصادي وطاقوي مهم لألمانيا وأوروبا























