بوابة الجزائر الإخبارية : يسلط التقرير الضوء على الأزمة السياسية المتفاقمة في توغو، جراء تمسك المعارضة وقوى المجتمع المدني (المنضوية تحت إطار “بيان جيل توغو”) برفض أي حوار مع السلطات القائمة، ومطالبتها ببدء مرحلة انتقالية. ويأتي هذا الانسداد السياسي ردًا على التعديل الدستوري الذي أُقرّ في مارس 2024 وتحوّلت بموجبه البلاد من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، وهو التعديل الذي اعتبرته محكمة العدل التابعة لمجموعة “إيكواس” في يناير 2026 بمثابة “تغيير غير دستوري للحكومة”. وفي مقابل دفاع الحكومة عن انفتاحها للحوار عبر “الإطار الدائم للتشاور”، تُصرّ المعارضة على الاستناد إلى القرارات الإقليمية والميثاق الإفريقي للديمقراطية، واصفةً مبادرات السلطة بـ”الخدعة المكررة” التي تُستخدم لترسيخ الهيمنة على السلطة بدلًا من تحقيق التداول السلمي عليها.
وفي قراءة لأبعاد هذه الأزمة، أكد إدريس محمد سنوسي، خبير شؤون النزاعات، في تصريح خصّ به “بوابة الجزائر”، أن جوهر الخلاف في توغو يتجاوز مسألة تعديل الدستور أو تغيير طبيعة النظام السياسي، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بشرعية المؤسسات، وحق المواطنين في اختيار حكامهم، ومدى توافر الشروط السياسية والقانونية اللازمة لضمان التداول السلمي على السلطة.
الأزمة الدستورية تعكس إشكالية أعمق تتعلق بشرعية السلطة ومستقبل الديمقراطية
يرى إدريس محمد سنوسي أن الانتقال من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني لا يشكل في حد ذاته تهديداً للممارسة الديمقراطية، باعتبار أن عدداً من الدول يعتمد هذا النموذج ويحقق من خلاله تداولاً منتظماً للسلطة. غير أن الإشكالية الأساسية في الحالة التوغولية، بحسب تقديره، ترتبط بالسياق السياسي الذي جرى فيه التحول الدستوري، في ظل استمرار هيمنة النخبة الحاكمة لعقود طويلة.

وأوضح سنوسي أن هذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة التعديلات الدستورية، وما إذا كانت تستهدف تطوير المؤسسات وتعزيز التوازن بينها، أم إعادة تنظيم مراكز السلطة بطريقة تضمن استمرار القوى الحاكمة في مواقعها.
وشدد خبير شؤون النزاعات على أن التداول السلمي لا يتحقق بمجرد تعديل النصوص القانونية، وإنما يستوجب وجود انتخابات تنافسية ومؤسسات مستقلة ومعارضة تمتلك فرصاً فعلية للوصول إلى الحكم، إلى جانب قواعد دستورية وسياسية لا تُصاغ لخدمة طرف بعينه.
وفي ما يتعلق برفض المعارضة المشاركة في الحوار، اعتبر إدريس محمد سنوسي أن الأزمة تعكس تراجعاً عميقاً في مستوى الثقة بين الأطراف السياسية، موضحاً أن المعارضة لا ترفض الحوار بوصفه آلية لتسوية الخلافات، وإنما تتحفظ على المشاركة في مسار تخشى أن يتحول إلى غطاء سياسي لإدامة الوضع القائم.
وأضاف أن تكرار المبادرات الحوارية دون معالجة الأسباب الجوهرية للأزمة أو تقديم ضمانات لتنفيذ مخرجاتها يؤدي إلى إضعاف مصداقيتها، ويجعل من الصعب إقناع القوى المعارضة بالانخراط فيها.
وأكد سنوسي أن تجاوز هذا الانسداد يتطلب حواراً جدياً يستند إلى مرجعية دستورية واضحة، ويضمن مشاركة سياسية حقيقية، ويتناول مستقبل المؤسسات وشروط المنافسة الديمقراطية والتداول على السلطة.
كما اعتبر أن مطلب المرحلة الانتقالية الذي تطرحه المعارضة ينبغي التعامل معه باعتباره أحد الخيارات السياسية المطروحة للنقاش، شريطة تحديد أساسه القانوني ومدته وآليات إدارته والضمانات اللازمة لإنجاحه.
حكم “إيكواس” يضع الالتزامات الديمقراطية أمام اختبار التنفيذ ويكشف مفارقة الدور الإقليمي لغناسينغبي
وفي تحليله للأبعاد القانونية والإقليمية للأزمة، اعتبر إدريس محمد سنوسي أن الحكم المنسوب إلى محكمة العدل التابعة لـ«إيكواس» في يناير 2026 يمثل، وفق قراءته، محطة مهمة في الجدل الدستوري التوغولي، بالنظر إلى ما يطرحه من إشكاليات تتعلق بمدى توافق التحولات السياسية الداخلية مع الالتزامات الإقليمية في مجال الديمقراطية والحكم الرشيد.
وأوضح سنوسي أن أهمية هذا المسار القضائي تكمن في نقل الخلاف من مستوى التجاذبات السياسية إلى مستوى المساءلة القانونية، بما يمنح المعارضة والمجتمع المدني مجالاً أوسع للاستناد إلى المبادئ والمواثيق الإفريقية ذات الصلة.
غير أن الخبير شدد على أن صدور الأحكام القضائية لا يعني بالضرورة حدوث تغيير سياسي تلقائي، ولا يضمن فرض مرحلة انتقالية، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الالتزامات القانونية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، خصوصاً عندما تتعارض مع مصالح القوى الممسكة بالسلطة.
وفي هذا الإطار، أكد إدريس محمد سنوسي أن مسؤولية المؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها «إيكواس» والاتحاد الإفريقي، لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار المواقف المبدئية، بل تتطلب متابعة جدية للالتزامات القانونية وتشجيع تسوية سياسية تعالج أسباب الأزمة.
وتوقف سنوسي عند ما وصفه بالمفارقة السياسية المرتبطة بدور فور غناسينغبي في الوساطات الإقليمية وجهوده المعلنة لتسوية النزاعات الإفريقية، مقابل استمرار الخلافات الداخلية بشأن الشرعية الدستورية وشروط التداول السلمي للسلطة في توغو.
واعتبر أن هذه المفارقة تثير تساؤلات حول اتساق الخطاب الداعي إلى الحوار والتوافق على المستوى الإقليمي مع متطلبات بناء الثقة السياسية داخل البلاد، مؤكداً أن معالجة التوترات الداخلية تشكل عنصراً مهماً في تعزيز مصداقية المبادرات الدبلوماسية.
ومع ذلك، أوضح إدريس محمد سنوسي أن هذا التناقض السياسي لا يكفي وحده لإحداث تحول في المشهد التوغولي، بل يستدعي جهوداً دبلوماسية منظمة، ومقاربة إفريقية تقوم على تطبيق المعايير الديمقراطية بصورة متسقة في مختلف الأزمات التي تشهدها القارة.
وشدد على أن التسوية المستدامة لا ينبغي اختزالها في تغيير الأشخاص أو الإعلان عن مرحلة انتقالية، وإنما يجب أن تستهدف بناء مؤسسات مستقلة وقواعد سياسية واضحة تمنع احتكار السلطة، وتضمن المنافسة الديمقراطية وحق المواطنين في الاختيار.
وفي ختام تصريحه لـ”بوابة الجزائر”، أكد إدريس محمد سنوسي أن الخروج من الأزمة التوغولية لن يتحقق بمجرد إطلاق دعوات جديدة للحوار أو التعويل على الأحكام القضائية وحدها، بل يتطلب إرادة سياسية فعلية لترجمة الالتزامات الديمقراطية والقانونية إلى إجراءات ملموسة.
وخلص خبير شؤون النزاعات إلى أن المعيار الحقيقي لنجاح أي تسوية سياسية يتمثل في قدرتها على فتح الطريق أمام تداول سلمي وفعلي للسلطة، وبناء مؤسسات تضمن للشعب التوغولي ممارسة حقه في تقرير مستقبله السياسي بعيداً عن الأزمات الدستورية المتكررة.















