بوابة الجزائر الإخبارية: وضعت بيانات الصادرات التركية خلال النصف الأول من سنة 2026 الجزائر ضمن أكبر خمس وجهات إفريقية للسلع التركية، بعدما بلغت الصادرات التركية نحو السوق الجزائرية 950.9 مليون دولار بين جانفي وجوان، في مؤشر جديد على تصاعد الوزن الاقتصادي للجزائر داخل استراتيجية أنقرة التجارية في إفريقيا، وعلى انتقال العلاقات الجزائرية التركية من التعاون التقليدي إلى شراكة أوسع في الصناعة، الطاقة، النسيج، الحديد والصلب، البناء، والزراعة.
وكشفت بيانات جمعية المصدرين الأتراك أن صادرات تركيا إلى إفريقيا ارتفعت بنسبة 12 في المائة على أساس سنوي، لتبلغ 11 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026، مقابل 9.8 مليار دولار في الفترة نفسها من سنة 2025. ويأتي هذا الأداء ضمن حصيلة تصديرية تركية أوسع بلغت 136 مليار دولار في النصف الأول من السنة، و278 مليار دولار خلال آخر 12 شهراً، ما يجعل السوق الإفريقية تمثل أكثر من 8 في المائة من صادرات تركيا في النصف الأول، وفق حسابات مبنية على الأرقام المنشورة.
وحافظت دول شمال إفريقيا على موقعها المركزي في خريطة الصادرات التركية نحو القارة. فقد تصدر المغرب القائمة بـ2.2 مليار دولار، تليه مصر بنحو ملياري دولار، ثم ليبيا بـ1.3 مليار دولار، فالجزائر بـ950.9 مليون دولار، وتونس بـ619.4 مليون دولار. وبذلك تستحوذ هذه الأسواق الخمس وحدها على أكثر من 7 مليارات دولار من إجمالي الصادرات التركية إلى إفريقيا، أي ما يفوق 64 في المائة من الحصة الإفريقية، وهو ما يؤكد أن الحوض المغاربي ومصر وليبيا يشكلون العمود التجاري الأول لأنقرة داخل القارة.
بالنسبة إلى الجزائر، لا تكمن أهمية الرقم في قيمة الواردات التركية فقط، بل في طبيعة الشراكة التي بدأت تتجاوز منطق التبادل التجاري المباشر. فالتعاون الاقتصادي بين الجزائر وتركيا يرتكز حالياً على قطاعات الطاقة، الصناعة، النسيج، الحديد والصلب، والبناء، مع هدف معلن لرفع حجم المبادلات التجارية الثنائية إلى 10 مليارات دولار. هذا الهدف لم يعد مجرد سقف سياسي، بل أصبح مرتبطاً بمشاريع صناعية واستثمارية واتفاقات قيد التفاوض، خاصة في ظل توجه الجزائر نحو تنويع الاقتصاد وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
ويكتسب تموقع الجزائر في المرتبة الرابعة إفريقياً قيمة إضافية لأنه يتزامن مع ديناميكية جديدة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ففي منتدى الأعمال الجزائري التركي المنعقد في أنقرة سنة 2026، تم الإعلان عن توقيع مذكرات تفاهم بين مؤسسات وشركات من الجانبين، من بينها مذكرة بين مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، إلى جانب اتفاقات في قطاعات التخزين، التكنولوجيا، والتعاون الصناعي. كما جرى التأكيد على مواصلة التفاوض حول اتفاق تجاري تفضيلي، مع توقعات تركية بإمكانية استكماله قبل نهاية السنة، إضافة إلى استمرار المحادثات بشأن اتفاق لحماية وتشجيع الاستثمارات.
وتشير المعطيات التركية إلى أن الاستثمارات التركية في الجزائر تقدر بنحو 8 مليارات دولار، فيما بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين 5.6 مليار دولار في السنة الماضية، حسب تصريحات وزير التجارة التركي عمر بولات. كما أن الشركات التركية أنجزت 687 مشروعاً في الجزائر بقيمة 24 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم حضورها في البنية التحتية، البناء، الأشغال الكبرى، الصناعة، والطاقة.
وتبرز الجزائر، وفق القراءة الاقتصادية لهذه الأرقام، كسوق لا تقتصر على الاستهلاك، بل كساحة إنتاج وشراكة. فالحضور التركي في قطاعات الحديد والصلب، المواد الكيميائية، منتجات التنظيف، النسيج، والبناء، يتقاطع مع أولويات الجزائر الصناعية، خاصة في ظل التوجه نحو تقليص الواردات النهائية، دعم المناولة المحلية، رفع الإدماج الصناعي، وتوسيع الصادرات خارج المحروقات. كما أبدى الجانب التركي استعداداً للمشاركة في مشاريع الطاقات المتجددة والطاقة الشمسية، وهي قطاعات تدخل ضمن أولويات الجزائر الجديدة لجذب الاستثمار النوعي.
وتؤكد تصريحات وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، خلال منتدى الأعمال، أن الجزائر تنظر إلى تركيا كشريك اقتصادي موثوق، مع التركيز على بناء شراكة استراتيجية وشاملة لا تقوم على المبادلات التجارية فقط، بل على تكامل المنظومتين الإنتاجيتين. وقد دعا رزيق إلى تحويل الفرص الاقتصادية إلى مشاريع ملموسة، مع تحديد الصناعة، الزراعة، المناجم، والبنية التحتية كقطاعات أولوية في التعاون الثنائي.
كما تعزز المعطيات التي عرضها المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، عمر ركاش، صورة الجزائر كوجهة استثمارية ذات قاعدة ديموغرافية ومؤهلات إنتاجية واسعة. فقد أشار إلى أن أكثر من 300 ألف شاب يتخرجون سنوياً من الجامعات، وأن قطاعات الطاقات المتجددة، الزراعة والصناعات الغذائية، الصناعة، السياحة، والصحة توفر فرصاً مهمة للاستثمار. كما أشار إلى إطلاق أكثر من 30 مشروعاً استثمارياً تركياً في الجزائر خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
على المستوى الإفريقي، تكشف خريطة الصادرات التركية عن استراتيجية اقتصادية متعددة الأبعاد. ففي المغرب، تتركز الاستثمارات التركية في السيارات، منتجات التنظيف المنزلية، النسيج، المناجم، اللوجستيك، والحديد والصلب، مستفيدة من اتفاق التجارة الحرة ومن وجود نحو 250 شركة تركية. كما يفتح تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال فرصاً إضافية للشركات التركية في النقل، البنية التحتية، البناء، والمقاولات.
أما مصر، التي تعد أكبر شريك تجاري لتركيا في إفريقيا، فحددت مع أنقرة هدفاً لرفع حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، في وقت تنشط فيه الشركات التركية في النسيج، الكيمياء، الصناعات التحويلية، والسياحة. كما تسعى تركيا إلى توسيع حضور مقاوليها في خطة مصر لبناء 14 مدينة ذكية جديدة، إلى جانب تعميق التعاون في الطاقة، المناجم، بناء السفن، وتوسيع النقل البحري بنظام “رورو”.
وفي ليبيا، ترتكز الصادرات التركية على الأثاث، المنتجات الغذائية، الآلات، المعدات الميكانيكية، والأدوات، إضافة إلى مواد البناء المصنعة من الحديد والصلب. ويجعل ذلك من ليبيا سوقاً مهمة للمنتجات الصناعية التركية، خصوصاً في ظل حاجة البلاد إلى إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية.
غير أن موقع الجزائر يختلف عن باقي الأسواق من حيث طبيعة الإمكانات. فالجزائر لا تقدم فقط سوقاً داخلية واسعة، بل تمتلك قاعدة طاقوية وصناعية ومعدنية وزراعية تجعلها قادرة على الانتقال من موقع المستورد إلى موقع الشريك في الإنتاج والتصدير نحو إفريقيا وأوروبا. ومن هنا، فإن ارتفاع الصادرات التركية نحو الجزائر إلى قرابة مليار دولار في نصف سنة يفتح سؤالاً اقتصادياً مهماً: كيف يمكن تحويل هذا التدفق التجاري إلى شراكات صناعية داخل الجزائر، بدل بقائه مجرد فاتورة واردات؟
وتبدو الإجابة مرتبطة بثلاثة محاور. الأول هو تسريع الاتفاق التجاري التفضيلي بما يضمن مصالح الجزائر الصناعية ويحمي القطاعات الناشئة. والثاني هو توجيه الاستثمارات التركية نحو الإنتاج المحلي والمناولة والتصدير، لا نحو التوزيع التجاري فقط. أما الثالث فهو بناء منصات صناعية مشتركة تسمح للشركات الجزائرية والتركية باستهداف أسواق إفريقية مجاورة، خاصة أن الجزائر تملك موقعاً جغرافياً يربط شمال إفريقيا بالساحل، وتملك في الوقت نفسه إمكانات طاقوية ومعدنية وزراعية قابلة للتحويل إلى سلاسل قيمة.
وبذلك، فإن رقم 950.9 مليون دولار لا يعبر فقط عن حجم صادرات تركية نحو الجزائر، بل يكشف موقع الجزائر داخل التنافس الاقتصادي على إفريقيا. فأنقرة تتحرك في القارة بمنطق الدبلوماسية التجارية، والمقاولات، والاستثمار، والربط الصناعي، بينما تمتلك الجزائر فرصة لتحويل هذا الزخم إلى مكاسب وطنية إذا نجحت في ربط التجارة بالإنتاج، والاستيراد بالتصنيع، والشراكة بالتصدير.
وعليه، فإن صعود الصادرات التركية إلى إفريقيا لا يجب أن يقرأ في الجزائر كخبر خارجي فقط، بل كإشارة إلى أن الأسواق الإفريقية تتحول بسرعة إلى فضاء تنافس بين القوى الصناعية الصاعدة. وفي هذا التحول، تملك الجزائر موقعاً متقدماً، سواء كسوق رابعة للصادرات التركية في القارة، أو كشريك قادر على بناء قاعدة إنتاج مشتركة. والرهان الآن لا يتعلق بحجم ما تستورده الجزائر من تركيا، بل بقدرتها على تحويل الشراكة مع أنقرة إلى استثمار، مصانع، وظائف، صادرات، وسلاسل إنتاج تخدم الاقتصاد الوطني.
























