بوابة الجزائر الإخبارية: تستقبل الجزائر زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يوم 20 جويلية 2026 من موقع تفاوضي أكثر صلابة مما كانت عليه العلاقات الثنائية عند اندلاع الأزمة في 2022، بعدما فرضت الجزائر إيقاعها الدبلوماسي والاقتصادي، وحافظت في الوقت نفسه على موقعها كمورد طاقوي أساسي لإسبانيا، قبل أن تعود مدريد إلى مسار التطبيع عبر بوابة الجزائر.

وتحمل الزيارة، وهي الأولى لسانشيز إلى الجزائر منذ أكتوبر 2020، أكثر من بعد بروتوكولي. فهي تأتي بعد أزمة سياسية وتجارية حادة فجّرها التحول الإسباني في ملف الصحراء الغربية سنة 2022، وتأتي أيضًا بعد إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، واستئناف المبادلات التجارية، وعودة الجزائر إلى صدارة موردي الغاز الطبيعي للسوق الإسبانية. ومن المنتظر أن يلتقي سانشيز رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وأن يشارك في منتدى أعمال ثنائي بالجزائر، في خطوة تمهد لاجتماع رفيع المستوى بين البلدين يفترض عقده لاحقًا في إسبانيا.
الجزائر تدير التطبيع من موقع قوة
لم تكن الأزمة الجزائرية الإسبانية مجرد سوء تفاهم دبلوماسي عابر، بل كانت اختبارًا لطبيعة العلاقات بين بلدين يرتبطان بملفات استراتيجية: الطاقة، التجارة، الأمن، الهجرة، المتوسط، والتوازنات المغاربية. فقد ردت الجزائر سنة 2022 على التحول الإسباني في ملف الصحراء الغربية بتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، وتجميد جزء واسع من المبادلات التجارية، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشراكة مع الجزائر لا يمكن فصلها عن احترام الثوابت السيادية والمواقف المبدئية.
ومع مرور الوقت، أثبتت الجزائر قدرتها على إدارة الأزمة دون خسارة أوراقها الأساسية. فالغاز الجزائري لم يتحول إلى أداة انقطاع، بل بقي عنصر استقرار في السوق الإسبانية، بينما استُخدمت الورقة التجارية والدبلوماسية لإعادة ضبط العلاقة. وعندما بدأت مدريد في البحث عن مسار للعودة، كان ذلك عبر الاعتراف عمليًا بأهمية الجزائر كشريك لا يمكن تجاوزه في جنوب المتوسط.
زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر في مارس 2026 شكلت محطة تمهيدية حاسمة. فقد التقى نظيره أحمد عطاف واستقبله الرئيس عبد المجيد تبون، وأكد الجانب الإسباني بعدها “النفاذ الكامل” لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، بما فتح الطريق أمام زيارة سانشيز وإعادة إطلاق الحوار السياسي رفيع المستوى.
الغاز الجزائري يعيد ترتيب حسابات مدريد
تدخل الطاقة في صلب هذه الزيارة. فإسبانيا، رغم محاولات تنويع مصادرها خلال السنوات الأخيرة، وجدت نفسها مجددًا أمام حقيقة جغرافية واقتصادية يصعب تجاوزها: الغاز الجزائري هو الأقرب، الأكثر استقرارًا، والأكثر ارتباطًا بالبنية الطاقوية الإسبانية عبر خط “ميدغاز”.
وتشير المعطيات الإسبانية الأخيرة إلى أن الجزائر حافظت على موقعها كمورد رئيسي للغاز الطبيعي إلى إسبانيا خلال النصف الأول من 2026، بحصة قاربت 33.9 في المائة من واردات الغاز، متقدمة على الولايات المتحدة التي جاءت في المرتبة الثانية. كما تظهر بيانات سابقة لمؤسسة “كوريس” أن الجزائر كانت المورد الأول في مارس 2026 بحجم 11.373 جيغاواط ساعة، أي 30.3 في المائة من إجمالي واردات الغاز الإسبانية في ذلك الشهر.
هذه الأرقام تمنح الجزائر ورقة استراتيجية في علاقتها مع مدريد. فإسبانيا لا تبحث فقط عن تطبيع سياسي، بل عن ضمان أمن طاقوي في سوق أوروبية لا تزال متأثرة بتداعيات الحرب في أوكرانيا، تذبذب واردات الغاز المسال، وتوجه الاتحاد الأوروبي نحو تقليص الاعتماد على مصادر غير مستقرة. ومن هذا المنطلق، يصبح الحوار مع الجزائر ضرورة إسبانية قبل أن يكون مجرد خيار دبلوماسي.
وليس صدفة أن تتزامن مرحلة التطبيع مع حديث عن تعزيز الشراكة الطاقوية. فقد نقلت رويترز في مارس 2026 أن الجزائر وإسبانيا بحثتا إمكان رفع إمدادات الغاز، مع تداول إمكانية زيادة تصل إلى 10 في المائة عبر “ميدغاز” وفق مصادر مطلعة، في مؤشر على أن العلاقة الطاقوية مرشحة للتوسع لا فقط للعودة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.
التجارة تعود وفق شروط جزائرية أوضح
الشق التجاري لا يقل أهمية عن الطاقة. فقد أدت الأزمة إلى تراجع حاد في الصادرات الإسبانية نحو الجزائر، بعد أن كانت السوق الجزائرية من الوجهات المهمة للشركات الإسبانية في قطاعات متعددة مثل التجهيزات، السيراميك، المواد الصناعية، المنتجات الغذائية، والآلات.
وتشير معطيات صحفية واقتصادية إسبانية إلى أن الصادرات الإسبانية نحو الجزائر تراجعت من 2.906 مليار يورو سنة 2019 إلى 351.8 مليون يورو سنة 2023، نتيجة القيود التي أعقبت أزمة 2022. غير أن رفع الجزائر للقيود التجارية في نوفمبر 2024 سمح بإعادة فتح القنوات البنكية والتجارية بين البلدين، ما أطلق مسار تعاف تدريجي في المبادلات.

وتبرز هنا نقطة جوهرية لصالح الجزائر: عودة التجارة لا تعني العودة الآلية إلى نموذج ما قبل الأزمة. فالسوق الجزائرية تغيرت خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت أكثر ارتباطًا بشروط الإنتاج المحلي، تقليص الاستيراد غير الضروري، تشجيع المناولة، ونقل جزء من القيمة إلى الداخل. ولذلك، ستكون الشركات الإسبانية أمام سوق جزائرية مفتوحة على التعاون، لكنها أكثر انتقائية في نوعية المشاريع والمنتجات.
المنتدى الاقتصادي المرتقب خلال زيارة سانشيز سيشكل اختبارًا عمليًا لهذا التحول. فالجزائر لا تحتاج إلى علاقة تجارية قائمة على تصريف السلع فقط، بل إلى شراكات صناعية، استثمارات منتجة، نقل خبرة، ومساهمة في خلق مناصب شغل وسلاسل توريد داخلية. وهنا تتحول زيارة سانشيز من محطة دبلوماسية إلى فرصة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية وفق قواعد أكثر توازنًا.
الصحراء الغربية.. الملف الذي غيّر ميزان العلاقة
يبقى ملف الصحراء الغربية خلفية سياسية لا يمكن حذفها من قراءة الزيارة. فقد بدأت الأزمة حين غيّرت حكومة سانشيز موقفها سنة 2022 بدعم مقترح الحكم الذاتي، في خروج عن تقليد إسباني طويل كان يقوم على قدر من الحياد تجاه الملف. وردت الجزائر حينها باعتبار أن التحول الإسباني يمس جوهر التوازنات الإقليمية ويتجاهل الشرعية الدولية وحق تقرير المصير.

ورغم مسار التطبيع الحالي، لا يعني ذلك أن الملف خرج من الحسابات. فداخل إسبانيا نفسها، لا يحظى موقف سانشيز بإجماع سياسي كامل، إذ ما تزال قوى في اليسار والمعارضة تنتقد التخلي عن الموقف التقليدي وتدافع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. كما أن بعض الملفات القانونية والإدارية المرتبطة بالصحراء الغربية، بما في ذلك المسائل المتصلة بالمجال الجوي والقرارات القضائية الأوروبية، تبقى عناصر قابلة للتأثير في علاقات مدريد الإقليمية.
بالنسبة للجزائر، تكمن الرسالة الدبلوماسية في أن تطبيع العلاقات مع إسبانيا لا يعني إسقاط الذاكرة السياسية للأزمة، بل إدارتها ضمن معادلة جديدة: احترام المصالح الجزائرية، تثبيت قنوات الحوار، وعدم العودة إلى خطوات أحادية تُربك التوازنات في المنطقة.
الهجرة والأمن.. ملف حاضر بصوت أقل
تدرج مدريد ملف الهجرة ضمن عناصر العلاقة مع الجزائر، خاصة في ما يتعلق بالوصول البحري إلى السواحل الإسبانية وجزر البليار. وتظهر البيانات الإسبانية الأخيرة تراجع بعض مؤشرات الوصول خلال النصف الأول من السنة، وهو ما يمنح التعاون الأمني والهجري وزنًا إضافيًا في جدول العلاقات الثنائية.
لكن هذا الملف، بالنسبة للجزائر، لا ينبغي أن يُختزل في منطق الضغط الأوروبي أو المطالب الأمنية الإسبانية. فالجزائر تتعامل مع الهجرة باعتبارها ظاهرة إقليمية مركبة، مرتبطة بالاستقرار في الساحل، الجريمة المنظمة، شبكات التهريب، التنمية، وأمن الحدود. لذلك، فإن أي تعاون مع مدريد في هذا الجانب لا يمكن أن يكون منفصلًا عن مقاربة شاملة تحترم السيادة الجزائرية وتربط الأمن بالتنمية.

الجزائر أبعد من علاقة ثنائية مع مدريد
تأتي زيارة سانشيز في وقت تتحرك فيه الجزائر على أكثر من واجهة إقليمية. فهي تعزز حضورها الطاقوي في أوروبا، وتدفع مشاريع بنية تحتية استراتيجية داخل إفريقيا، من بينها مشروع الألياف البصرية العابرة للصحراء، الذي يستهدف رفع قدرة تبادل البيانات وتحسين خدمات الاتصال ومرافقة التحول الرقمي في المنطقة.
هذا البعد مهم في قراءة العلاقة مع إسبانيا. فالجزائر لا تقدم نفسها فقط كمورد غاز أو سوق استهلاكية، بل كدولة محور تربط أوروبا بإفريقيا عبر الطاقة، الاتصالات، النقل، التجارة، والأمن الإقليمي. مشروع الألياف البصرية العابرة للصحراء، إلى جانب مشاريع السكك الحديدية والطاقة والهيدروجين والربط الإفريقي، يعزز صورة الجزائر كفاعل قاري يملك بنية جغرافية وسياسية تؤهله للعب دور أكبر في المتوسط وإفريقيا.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو زيارة سانشيز مجرد محاولة إسبانية لإغلاق أزمة الصحراء الغربية، بل اعترافًا عمليًا بأن الجزائر أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة الأمن الطاقوي، الاستقرار المتوسطي، والامتداد الإفريقي. وهذا ما يمنح الجزائر هامشًا أوسع في التفاوض مع مدريد على ملفات التجارة، الطاقة، الاستثمار، الهجرة، والربط القاري.
زيارة اختبار وليست نهاية مسار
لا تكفي زيارة واحدة لإعادة بناء الثقة بالكامل بعد أزمة بهذا الحجم. لكنها تمثل محطة سياسية مهمة لأنها تنقل العلاقة من مرحلة الاتصالات التمهيدية إلى مستوى اللقاء المباشر بين سانشيز وتبون، وتفتح الباب أمام اجتماع رفيع المستوى في إسبانيا قبل نهاية السنة، كما ورد في التقارير الإسبانية.
غير أن معيار نجاح الزيارة لن يكون في الصور البروتوكولية، بل في طبيعة الملفات التي ستُترجم بعدها: هل ستقبل الشركات الإسبانية بمنطق الاستثمار المنتج داخل الجزائر؟ هل سيعاد بناء التعاون التجاري بعيدًا عن اختلالات الماضي؟ هل ستتعامل مدريد بحذر أكبر مع ملفات المنطقة؟ وهل ستتحول الشراكة الطاقوية إلى علاقة طويلة المدى تشمل الغاز، الطاقات المتجددة، وربما الهيدروجين مستقبلًا؟
الجزائر تدخل هذه المرحلة وهي تملك أوراقًا واضحة: الغاز، السوق، الموقع الجغرافي، العمق الإفريقي، الاستقرار المؤسساتي، وخبرة إدارة الأزمات دون التفريط في المصالح. أما إسبانيا فتدخلها وهي تبحث عن إعادة تموضع واقعي بعد أن اكتشفت أن تجاوز الجزائر مكلف سياسيًا وتجاريًا وطاقويًا.
وبذلك، تبدو زيارة سانشيز إلى الجزائر أكثر من عودة دبلوماسية. إنها اختبار لمسار جديد عنوانه أن العلاقات مع الجزائر تُبنى على الاحترام، المصالح المتوازنة، والاعتراف بمكانتها كقوة إقليمية في المتوسط وإفريقيا. ومن هذا الموقع، تستطيع الجزائر تحويل الزيارة إلى مكسب سياسي واقتصادي، لا إلى مجرد طي صفحة أزمة.


















