بوابة الجزائر الإخبارية: ثماني زيارات ومشاركات خارجية قادها المدير العام للأمن الوطني، علي بداوي، منذ ماي 2024، رسمت خريطة تعاون تمتد من واشنطن إلى برن مرورًا بلندن والرياض وروما وليوبليانا ونيويورك. تحركات لم تبقَ حبيسة البروتوكول، بل أنتجت اتفاقات تقنية وقنوات عملياتية وشراكات في مكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات والجرائم السيبرانية والمالية والاتجار بالبشر، وعززت موقع الجزائر باعتبارها قوة أمنية موثوقة تمتلك خبرة ميدانية مطلوبة دوليًا .

لا تتحرك الجزائر في ملف التعاون الشرطي الدولي من موقع الباحث عن الحماية أو المستهلك الجاهز للخبرة الأجنبية، بل من موقع دولة راكمت تجربة أمنية ثقيلة، دفعت ثمنها باهظًا، ثم حولتها إلى عقيدة عملياتية وخبرة قابلة للتبادل والتصدير. وتحت قيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أخذ هذا الرصيد يتجه نحو بناء شراكات أكثر توازنًا، تحفظ السيادة الوطنية وتمنح أجهزة الأمن الأدوات الضرورية للتعامل مع جريمة لم تعد تعترف بالحدود.
ضمن هذا التحول، برز المدير العام للأمن الوطني، علي بداوي، مهندسًا لحركة دبلوماسية شرطية هادئة لكنها كثيفة النتائج. فمنذ ماي 2024، قاد أو شارك في ثماني زيارات ومواعيد أمنية دولية موثقة، فضلًا عن حضوره ضمن وفود حكومية إلى إيطاليا، بينما استقبلت الجزائر قيادات وخبراء من السعودية والصين وألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية ومنظمة الإنتربول.
وبدل حصر العلاقات الخارجية في الزيارات المجاملة، اتجهت المديرية العامة للأمن الوطني نحو مجالات حساسة ودقيقة، تشمل البصمات الإلكترونية، والأدلة الجنائية، والجريمة السيبرانية، والتحقيقات المالية، ومكافحة المخدرات والاتجار بالبشر، وتطوير التكوين الشرطي، إلى جانب تعزيز الحضور الجزائري في هياكل الإنتربول والأمم المتحدة.
سويسرا.. الجزائر تلاحق الجريمة في مسارات المال والفضاء الرقمي
جاءت زيارة بداوي إلى سويسرا يوم 31 أوت 2026 لتؤكد أن الدبلوماسية الشرطية الجزائرية دخلت مستوى أكثر تقدمًا. فقد قاد وفدًا من الإطارات السامية للأمن الوطني، وعقد محادثات مع مسؤولي المكتب الفدرالي للشرطة السويسرية حول إقامة آليات للتنسيق والتعاون بين الجهازين.
وتناولت المباحثات التدريب والتمرين الشرطي، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والجرائم الاقتصادية والمالية، والأمن السيبراني، والمخدرات، والاتجار بالبشر، فضلًا عن الجرائم المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

ولا يمكن فصل اختيار هذه الملفات عن التحولات التي شهدها النشاط الإجرامي خلال السنوات الأخيرة. فالشبكات الدولية أصبحت تجمع بين الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال والاحتيال الإلكتروني واستعمال الشركات الوهمية والعملات المشفرة، ما فرض على أجهزة الأمن الانتقال من ملاحقة الأشخاص والشحنات إلى تعقب مسارات الأموال والبيانات والهويات الرقمية.
ومن هذه الزاوية، تفتح الشراكة مع الشرطة الفدرالية السويسرية أمام الأمن الوطني مجالًا لتطوير خبراته في التحقيق المالي الموازي، وتعقب الأصول، وتحليل التدفقات المشبوهة ومواجهة الجرائم السيبرانية المركبة، ضمن احترام التشريعات الوطنية وآليات التعاون القضائي الدولي.
كما تحمل الزيارة دلالة سياسية وأمنية أوسع، مفادها أن الجزائر لم تعد تُعامل فقط باعتبارها بلدًا يواجه تحديات إقليمية، وإنما شريكًا قادرًا على المساهمة في صياغة الاستجابة الجماعية للتهديدات العابرة للحدود. فالاستقرار الذي حافظت عليه البلاد، رغم اضطراب محيطها، منح مؤسساتها الأمنية مصداقية متزايدة لدى الشركاء الدوليين.
واشنطن ولندن.. انتقال مباشر إلى التكنولوجيا والتحقيقات المتقدمة
بدأ المسار الخارجي المكثف لبداوي بزيارة عمل إلى الولايات المتحدة في ماي 2024، على رأس وفد من كبار مسؤولي المديرية العامة للأمن الوطني. وخصصت الزيارة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتبادل الخبرات، والاطلاع على أحدث الأساليب العملياتية المعتمدة في التحقيق ومواجهة الشبكات الإجرامية.
وخلال هذه المحطة، عقد بداوي لقاءات مع مسؤولين في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، كما زار مصالح مكافحة المخدرات في نيويورك. وعكست هذه اللقاءات رغبة الجزائر في إنشاء قنوات مباشرة مع المؤسسات الأميركية المكلفة بالتحقيقات الفدرالية وملاحقة شبكات المخدرات والجريمة المالية والجرائم ذات الامتداد الدولي.
غير أن العلاقة لم تقم على الاستفادة الأحادية، لأن الجزائر دخلت هذه المباحثات بخبرة ميدانية متراكمة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين الحدود وتفكيك الشبكات التي تنشط في فضاء الساحل والصحراء. وهي خبرة اكتسبت أهمية متزايدة بالنسبة إلى الدول التي تبحث عن فهم أدق للتهديدات القادمة من إفريقيا وشمال المتوسط.

وفي نوفمبر 2024، انتقل بداوي إلى غلاسكو للمشاركة في الدورة الثانية والتسعين للجمعية العامة لمنظمة الإنتربول. وشكل الاجتماع منصة لتعزيز التنسيق في ملاحقة المطلوبين وتبادل المعلومات والنشرات الشرطية، إلى جانب مواجهة الجريمة السيبرانية وشبكات التهريب والاتجار العابر للحدود.
وبعد عام، عاد المدير العام للأمن الوطني إلى المملكة المتحدة في زيارة عمل جرت يوم 12 نوفمبر 2025، لكنها انتهت هذه المرة بنتيجة تنفيذية، تمثلت في توقيع مذكرة تفاهم بين المديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الداخلية البريطانية في مجال الفحص المتقدم للبصمات الإلكترونية.
وتتجاوز أهمية الاتفاق الجانب التقني المباشر؛ إذ يدعم قدرات الجزائر في التعرف الجنائي ومعالجة البصمات ومقارنتها، ويرفع كفاءة الخبراء والتقنيين، كما يختصر زمن التحقيق ويعزز دقة الأدلة المقدمة أمام القضاء.
وبذلك، انتقلت العلاقة مع بريطانيا من اللقاء داخل الجمعية العامة للإنتربول إلى شراكة تقنية متخصصة، في مؤشر على قدرة قيادة الأمن الوطني على تحويل الاتصالات متعددة الأطراف إلى برامج ثنائية قابلة للتنفيذ.
السعودية وإيطاليا وسلوفينيا.. شبكة تربط الجزائر بمحيطها الممتد
في 19 جانفي 2025، قاد بداوي وفدًا من الإطارات السامية للأمن الوطني إلى السعودية، ضمن زيارة عمل ركزت على التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات، ومكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، والاستفادة من التجربة السعودية في الإدارة الأمنية والرقمنة وتأمين التجمعات الكبرى.
ولم تكن الزيارة حدثًا منفصلًا، إذ استقبلت الجزائر بعد ستة أشهر مدير الأمن العام السعودي محمد بن عبد الله البسامي. وعقد المسؤولان محادثات حول تطوير التعاون، بما كشف عن علاقة مؤسساتية متبادلة تتقدم وفق زيارات منتظمة وملفات محددة.

أما في الفضاء المتوسطي، فقد أصبحت إيطاليا واحدة من أكثر نقاط التعاون نشاطًا. وأجرى بداوي زيارة عمل مستقلة إلى روما بين 28 و31 جانفي 2026، بحث خلالها مع المسؤولين الإيطاليين تطوير التنسيق، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للمتوسط، وتبادل الخبرات، ورفع مستوى التكوين الشرطي.
كما تعزز المسار ببروتوكول تعاون بين المدرسة العليا للشرطة «علي تونسي» ومؤسسة تكوين شرطية إيطالية، فضلًا عن الزيارات الحكومية المتبادلة واستقبال بداوي المدير العام للأمن العام الإيطالي، فيتوريو بيزاني، خلال جويلية 2026.
وتفرض الجغرافيا على الجزائر وإيطاليا تعاونًا وثيقًا؛ فغرب المتوسط أصبح مجالًا متداخلًا تتحرك داخله شبكات المخدرات والاتجار بالبشر والتهريب وغسل الأموال وتزوير الوثائق. ولذلك لا يمثل التنسيق بين الشرطتين خيارًا بروتوكوليًا، بل ضرورة عملياتية لحماية الضفتين.
وفي 25 و26 مارس 2026، أضاف بداوي سلوفينيا إلى شبكة الشراكات، من خلال زيارة عمل التقى خلالها المدير العام للشرطة السلوفينية داميان بيتريتش. وتركزت المحادثات على تبادل المعلومات والخبرات والتكوين، ومواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتمنح سلوفينيا هذا التعاون أهمية خاصة بسبب موقعها داخل فضاء شنغن وبالقرب من مسارات البلقان التي تنشط عبرها شبكات تهريب الأشخاص والمخدرات والأسلحة والمركبات. ومن ثم، فإن فتح قناة مباشرة معها يوسع دائرة الإنذار والتنسيق الجزائري داخل أوروبا.
الجزائر من متلقٍ للتكوين إلى قوة تصدّر الخبرة الأمنية
بلغ هذا المسار ذروته الدولية خلال مشاركة علي بداوي في القمة الخامسة لرؤساء أجهزة الشرطة التابعة للأمم المتحدة، المنعقدة في نيويورك من 6 إلى 10 جويلية 2026، ضمن وفد ضم رئيس أركان الدرك الوطني اللواء رفيق بوعكاز وإطارات أمنية سامية.
وفي كلمته أمام القمة، لم يقدّم بداوي الجزائر باعتبارها دولة تبحث عن برامج دعم، بل عرض مساهمتها في رفع قدرات أجهزة الشرطة الإفريقية من خلال التكوين في مكافحة الجريمة المنظمة والجريمة السيبرانية والاتجار غير المشروع بالمخدرات، إلى جانب الأدلة الجنائية وإدارة الأزمات.
وتختصر هذه المشاركة التحول الذي حققته الجزائر. فمن بلد واجه الإرهاب خلال أكثر المراحل قسوة، أصبحت دولة تمتلك منظومة أمنية قادرة على نقل تجربتها إلى دول أخرى، خصوصًا في إفريقيا. كما تحولت خبرتها في الاستباق والتحقيق وتسيير الأزمات إلى رصيد دبلوماسي يعزز حضورها داخل المؤسسات الدولية.
وعلى هامش القمة، عقد بداوي محادثات مع وزير الداخلية والأمن البلجيكي، ومستشار الشرطة في الأمم المتحدة، ومسؤولين في شعبة الشرطة وعمليات حفظ السلام، إلى جانب رؤساء وفود السعودية وأذربيجان وتشاد.
وتناولت اللقاءات برامج التكوين وبناء القدرات، وتطوير المهارات، ودعم مشاركة عناصر الشرطة والدرك الجزائريين في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام. ومن شأن توسيع هذا الحضور أن يمنح الكفاءات الجزائرية خبرة دولية إضافية، وفي الوقت نفسه يرسخ صورة الجزائر دولة مساهمة في إنتاج الأمن والاستقرار.
مخابر جزائرية مدعومة بخبرة كورية وشبكات الإنتربول
لم يقتصر التحول على الزيارات الخارجية، بل امتد إلى نقل الخبرة والتكنولوجيا إلى داخل المؤسسات الجزائرية. ففي نوفمبر 2024، وقعت المديرية العامة للأمن الوطني مذكرة تفاهم مع الوكالة الكورية للتعاون الدولي للاستفادة من الخبرة الكورية في الشرطة العلمية والتقنية.
وفي 16 جويلية 2025، وقعت مذكرة أخرى مع المصلحة الوطنية الكورية للأدلة الجنائية، قبل استقبال وفد من الخبراء الكوريين في فيفري 2026 لمتابعة تنفيذ التعاون.

ويستهدف المسار تحديث إدارة المخابر الجنائية، وتطوير تقنيات فحص الأدلة وتوثيقها وتحليلها، ورفع كفاءة العاملين في الشرطة العلمية. وتمثل هذه القدرات عنصرًا حاسمًا في مواجهة الجرائم الحديثة، لأن التحقيق لم يعد يعتمد فقط على الاعترافات أو المعاينات التقليدية، بل على البصمات والحمض النووي والبيانات الرقمية وتحليل الأجهزة والآثار الدقيقة.
كما استقبل بداوي وفدًا من خبراء الإنتربول في نوفمبر 2025 لبحث تطوير القدرات العملياتية والتقنية، ثم وفدًا رفيعًا من الشرطة الصينية. وفي أفريل 2026، عقد اجتماعًا مع رئيس الشرطة الفدرالية الألمانية ديتر رومان، بينما استقبلت المدرسة العليا للشرطة «علي تونسي» وفدًا من أكاديمية الشرطة الرواندية في ماي من العام نفسه.
وتدل هذه الزيارات الواردة إلى الجزائر على أن العلاقة لم تعد تسير في اتجاه واحد. فالجزائر باتت تستقبل الوفود للتكوين وتبادل التجارب والاطلاع على مؤسساتها، بالتوازي مع استفادتها من التقنيات المتقدمة لدى الشركاء.
تبون يرسخ عقيدة أمنية تستبق التهديد قبل وصوله
يتقاطع النشاط الخارجي للأمن الوطني مع رؤية أشمل يقودها الرئيس عبد المجيد تبون، تقوم على أن حماية الجزائر لا تبدأ عند الحدود ولا تنتهي داخلها. فالجريمة السيبرانية تُدار من خوادم عابرة للقارات، والمخدرات تمر عبر شبكات دولية، والأموال غير المشروعة تتنقل بين حسابات وشركات في أكثر من دولة، بينما تستعمل عصابات الاتجار بالبشر وثائق مزورة ومسارات متعددة.
لهذا تفرض حماية الداخل بناء قدرة على التحرك القانوني والمعلوماتي خارج الحدود، وربط المصالح الجزائرية بقنوات تعاون سريعة وموثوقة. وهو ما يفسر توجيه التحركات نحو المؤسسات التي تمتلك مفاتيح عملية: مكتب التحقيقات الفيدرالي وإدارة مكافحة المخدرات في الولايات المتحدة، ووزارة الداخلية البريطانية، والشرطة الفدرالية السويسرية، والأجهزة الإيطالية والسلوفينية، والإنتربول والأمم المتحدة.

وبحسب الحصيلة المعلنة، توزعت تحركات بداوي على ست دول، مع زيارتين إلى الولايات المتحدة وزيارتين إلى المملكة المتحدة، إلى جانب حضور مكثف في إيطاليا، فضلًا عن السعودية وسلوفينيا وسويسرا. كما انفتحت شبكة التعاون داخل الجزائر على ألمانيا والصين وكوريا الجنوبية ورواندا وعدد من المؤسسات الدولية.
ولا تكمن قوة هذه الخريطة في عدد الزيارات فقط، بل في طبيعة الملفات التي حملتها. فقد انتقلت من التعاون العام إلى البصمات الإلكترونية والأدلة الجنائية والأمن السيبراني والتحقيق المالي ومكافحة المخدرات والاتجار بالبشر، وهي المجالات التي تحدد اليوم قدرة أي جهاز شرطة على حماية الدولة والمجتمع.
وبذلك، يرسم علي بداوي واحدة من أوسع خرائط التعاون الخارجي في تاريخ الأمن الوطني، مستندًا إلى دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة في قرارها، وقادرة على بناء شراكات متوازنة من دون التفريط في سيادتها.
فالجزائر لا تدخل هذه الشبكات الدولية لتتعلم فقط، بل لتفاوض وتشارك وتكوّن وتنقل خبرتها. كما أنها لا تستورد نماذج أمنية جاهزة، وإنما تنتقي التكنولوجيا والمعرفة التي تخدم أولوياتها، ثم تدمجها داخل منظومة وطنية أثبتت قدرتها على الصمود والاستباق.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للدبلوماسية الشرطية الجزائرية: تحويل الخبرة الوطنية إلى نفوذ مهني، وتحويل الشراكات إلى أدوات ميدانية، وبناء طوق تعاون يلاحق الجريمة في مصادرها ومساراتها وأموالها قبل أن تصل تداعياتها إلى الجزائر.















