بوابة الجزائر الإخبارية: 0.4% فقط؛ هذا ما تبقى في 2026 من مشروع إيمانويل ماكرون الذي دخل قصر الإليزيه قبل نحو عقد متعهدًا بإعادة تشغيل الاقتصاد الفرنسي واستعادة هيبة الدولة المالية. وبينما كان النمو يبلغ 2.2% والعجز لا يتجاوز 2.6% من الناتج عام 2017، تستعد فرنسا لإنهاء العهد الماكروني باقتصاد شبه متوقف، وعجز يفوق 5%، ودين مرشح لملامسة 122% من الناتج خلال عامين.

ليست هذه حصيلة خصوم سياسيين يبحثون عن شعار انتخابي، بل أرقام المؤسسات الفرنسية والدولية نفسها. فـالمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية خفّض في 10 سبتمبر توقع نمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 إلى 0.4%، قبل أن تضطر الحكومة، بعد يوم واحد فقط، إلى تقليص توقعها إلى 0.5%.
وكانت باريس قد بدأت السنة بتوقع نمو قدره 1%، ثم تراجعت إلى 0.7%، قبل أن تنتهي عند نصف تلك النسبة. وفي غضون أشهر، تبخر نصف التفاؤل الحكومي، وسقطت التقديرات الواحد تلو الآخر أمام واقع اقتصادي أكثر قسوة من الخطاب الصادر عن الإليزيه.
من 2.2% إلى 0.4%.. عقد انتهى بإطفاء محرك الاقتصاد الفرنسي
دخل ماكرون الإليزيه سنة 2017 والاقتصاد الفرنسي ينمو بنحو 2.2%. وبعد إصلاحات سوق العمل، وخفض الضرائب على رأس المال، وتقديم الامتيازات للشركات، ورفع سن التقاعد، تتجه فرنسا في السنة الأخيرة الكاملة من ولايته الثانية إلى نمو لا يتجاوز 0.4%.
وتكشف الحسابات الوطنية مسارًا هابطًا يصعب تبريره بوصفه تعثرًا مؤقتًا. فقد تباطأ النمو من 1.5% في 2024 إلى 0.8% في 2025، قبل أن يفقد نصف سرعته مجددًا في 2026.
والأسوأ أن الاقتصاد لم يدخل السنة من موقع قوي؛ إذ انكمش الناتج 0.2% خلال الشتاء، ثم سجل نموًا صفريًا في الربيع. ولا يتوقع المعهد الفرنسي سوى زيادة هزيلة قدرها 0.1% في الربع الثالث و0.2% في الربع الأخير.
بهذه الوتيرة، لا تتقدم فرنسا اقتصاديًا بقدر ما تتجنب إعلان الركود رسميًا. أما الفارق بين الصفر و0.4%، فلا يصنع نهضة ولا يعيد بناء القدرة التنافسية ولا يمول دولة مثقلة بالديون؛ إنه يمنح الحكومة رقمًا موجبًا صغيرًا لتستخدمه في العناوين.
وتزداد الحصيلة سوءًا عند مقارنتها بالاقتصادات الأوروبية التي واجهت الصدمات نفسها. فقد تعرضت دول الجوار لجائحة كورونا، وارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد السياسة النقدية والحروب والاضطرابات التجارية، لكنها لم تسجل جميعها درجة التباطؤ الفرنسي ذاتها.
لذلك لم يعد ممكنًا إلقاء كل المسؤولية على الخارج. الأزمة تكشف ضعفًا داخليًا في الاستثمار والإنتاجية والطلب، وفشل الحكومات المتعاقبة في تحويل الإصلاحات المكلفة اجتماعيًا إلى نمو اقتصادي مستدام.
إصلاحات على ظهور الفرنسيين.. والنتيجة بطالة واستثمار متراجع
سوّق ماكرون نفسه باعتباره رئيس العمل والاستثمار، لكن توقعات 2026 تقدم صورة معاكسة. فاستثمار الشركات مرشح للتراجع 0.3%، بينما ينخفض استثمار الأسر 1.3%، وتفقد القدرة الشرائية 0.4%.
أما استهلاك الأسر، المحرك التقليدي للاقتصاد الفرنسي، فلن يرتفع سوى 0.3%، ليس بفضل زيادة قوية في الدخول، وإنما بسبب اضطرار العائلات إلى السحب من مدخراتها للمحافظة على مستوى إنفاقها.
وهنا تظهر حدود الخطاب الماكروني بوضوح: حكومة تتحدث عن الثقة، بينما الأسر تقلص احتياطاتها؛ وتتحدث عن الجاذبية، بينما الاستثمار يتراجع؛ وتتغنى بالتشغيل، بينما سوق العمل يعود إلى خسارة الوظائف.
فبعد فقدان نحو 48 ألف وظيفة بأجر خلال 2025، يتوقع ضياع 52 ألف وظيفة إضافية في 2026، لترتفع البطالة إلى 8.6% بنهاية السنة. وبذلك تكون فرنسا قد فقدت قرابة 100 ألف وظيفة مأجورة خلال عامين، في الخاتمة العملية لعهد جعل من «تحرير سوق العمل» إحدى عقائده الأساسية.
صحيح أن البطالة انخفضت من نحو 9% في نهاية 2017 إلى مستويات قاربت 7% في أفضل مراحل العهد، لكن المكسب بدأ يتآكل قبل مغادرة ماكرون السلطة. وما يُقدَّم بوصفه إنجازًا بنيويًا يبدو اليوم هشًا أمام أول تباطؤ حاد في الطلب والاستثمار.
أما إصلاح التقاعد، الذي فُرض رغم المعارضة الاجتماعية الواسعة، فلم يمنح الدولة حتى الآن هامشًا ماليًا قادرًا على وقف تصاعد العجز والدين. لقد دفع الفرنسيون كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة، بينما بقيت الخزينة غارقة في الاختلالات نفسها.
ماكرون وعد بإصلاح المالية العامة فترك دينًا أثقل
تكمن الإدانة الرقمية الأوضح للعهد الماكروني في المالية العامة. ففي 2017 كان الدين يقارب 96.8% من الناتج، والعجز عند 2.6%. وبنهاية 2025 قفز الدين إلى 115.7%، بينما بلغ العجز 152.5 مليار يورو، أي 5.1% من الناتج.
ارتفعت نسبة الدين بنحو 19 نقطة خلال عهد الرئيس الذي قدم نفسه بوصفه مصلحًا قادرًا على جعل الدولة أكثر كفاءة. وفي الوقت نفسه، بلغت النفقات العامة 57.2% من الناتج، متجاوزة متوسط منطقة اليورو بنحو 7.4 نقاط.
والنتيجة مفارقة شديدة الإحراج: فرنسا تنفق أكثر من معظم جيرانها، وتقترض أكثر، لكنها تنمو بأقل منهم.
ولا يكفي التذرع بجائحة كورونا وأزمة الطاقة. فقد كانت تلك صدمات استثنائية فرضت إنفاقًا كبيرًا، لكنها لا تفسر عجز السلطة عن استعادة الانضباط بعد انحسارها. المسؤولية السياسية تبدأ من إخفاق الحكومة في بناء طريق موثوق لإعادة الدين والعجز إلى مستويات قابلة للسيطرة.
وتتجسد الفاتورة في خدمة الدين التي يُتوقع أن تبلغ نحو 65 مليار يورو خلال 2026، بزيادة 4.5 مليارات عن التقديرات السابقة. هذه الأموال لن تمول مصانع أو مدارس أو مستشفيات أو أبحاثًا؛ إنها ثمن تراكم الاقتراض وفقدان الهامش المالي.
كما أقرت وزارة المالية بأنها لن تحقق هدف خفض العجز إلى 5% خلال العام. أي إن الحكومة لم تعد تختلف مع منتقديها حول سوء المؤشرات، بل أصبحت هي نفسها تعلن سقوط أهدافها تباعًا.
«اقتصاد الجاذبية» يتحول إلى اقتصاد ينتظر خفض التوقعات
بنى ماكرون جزءًا كبيرًا من صورته على مؤتمرات المستثمرين وشعار «اختر فرنسا». غير أن الجاذبية الحقيقية لا تقاس بالصور الجماعية مع رؤساء الشركات أو قيمة الإعلانات الاستثمارية، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويل رأس المال إلى إنتاجية ووظائف ونمو وصادرات.
وما تكشفه أرقام 2026 هو أن هذه السلسلة لم تعمل بالكفاءة التي وعد بها الإليزيه. فرنسا ما تزال تملك شركات قوية وقاعدة صناعية متقدمة وقطاعات تنافسية في الطيران والطاقة والصناعات الفاخرة والدفاع، لكن العهد الماكروني لم ينجح في تحويل تلك الأصول إلى زخم يشمل الاقتصاد بأكمله.
حتى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، رغم إشادتها ببعض الإصلاحات، تشير إلى ضعف الإنتاجية والاستثمار الخاص في الابتكار والأصول غير المادية، وإلى أن ارتفاع الإنفاق الفرنسي لا ينتج دائمًا نتائج توازي ما تحققه أفضل الاقتصادات في التعليم والصحة والإدارة.
وهذا هو جوهر الحصيلة: ماكرون لم يرث دولة بلا إمكانات، بل اقتصادًا كبيرًا ومتنوعًا يملك بنية تحتية ورأس مال بشريًا وشركات عالمية. ومع ذلك، يصل إلى نهاية عهده وقد فقد النمو زخمه وارتفعت البطالة وتقلصت القدرة الشرائية واتسعت المديونية.
الرئيس المقبل سيرث الفاتورة لا «النهضة»
تحاول الحكومة تعليق آمالها على نمو قدره 1% في 2027، لكن التوقعات الخارجية أقل حماسًا. يتوقع بنك فرنسا نموًا بنحو 0.9% في 2027 و1.2% في 2028، بينما تضع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقدير العام المقبل عند 0.8%. ويتوقع صندوق النقد الدولي 0.9% ثم 1.2%.
حتى إذا تحققت هذه الأرقام، فإنها لا تمثل نهضة، بل تعافيًا بطيئًا من حالة شبه ركود. والأخطر أن أي نمو محدود سيأتي تحت ضغط دين متصاعد وتكاليف تمويل أكبر ومجال ضيق للإنفاق.
ويتوقع صندوق النقد ارتفاع الدين الفرنسي إلى 118.5% من الناتج في 2026، ثم 120.3% في 2027 و121.1% في 2028. ويحذر بنك فرنسا من اقترابه من 122% في نهاية الفترة.
وبذلك سيغادر ماكرون قصر الإليزيه، لكن فاتورته ستبقى على مكتب الرئيس المقبل. سيترك لخلفه دولة تحتاج إلى خفض العجز من دون خنق النمو، وتمويل الخدمات العامة من دون زيادة الدين، ودعم القدرة الشرائية من دون توسيع الإنفاق، واستعادة التنافسية من دون تفجير احتجاجات اجتماعية جديدة.
هذه ليست وراثة اقتصادية مريحة، بل كمين مالي وسياسي مؤجل.
0.4%.. الرقم الذي يهدم رواية «الرئيس المصلح»
لا تعني هذه الحصيلة أن الاقتصاد الفرنسي انهار أو فقد جميع نقاط قوته. لكنها تسقط الادعاء بأن الماكرونية أعادت بناء فرنسا اقتصاديًا أو منحتها نموذجًا ماليًا أكثر صلابة.
بعد نحو عقد من السلطة، أصبحت المقارنة قاسية: نمو هبط من 2.2% إلى 0.4%، ودين ارتفع من 96.8% إلى 115.7%، وعجز صعد من 2.6% إلى أكثر من 5%، وبطالة تتجه إلى 8.6%، وخدمة دين تبتلع 65 مليار يورو سنويًا.
لقد قدم ماكرون إصلاحاته بوصفها عملية جراحية مؤلمة ستعيد للاقتصاد قوته. لكن فرنسا تحملت الألم، بينما بقي العلاج الموعود غائبًا: لا نمو قوي، ولا مالية عامة متوازنة، ولا إنتاجية متسارعة، ولا حماية مستدامة للقدرة الشرائية.
وعليه، لا تختصر نسبة 0.4% عامًا اقتصاديًا ضعيفًا فحسب؛ إنها الحكم الرقمي على عقد كامل من الضجيج الإصلاحي. دخل ماكرون الإليزيه بوعد «إعادة إطلاق فرنسا»، ويستعد لمغادرته تاركًا اقتصادًا يزحف، ودولة تقترض لتغطية عجزها، وخليفة سيقضي سنوات في دفع فاتورة رئيس أنفق كثيرًا، أصلح كثيرًا، ووعد أكثر مما أنجز.


































