بوابة الجزائر الإخبارية : في تطور يعكس عمق المأزق وتصدع الجدار الدعائي، طفت على السطح تسريبات وتقارير استقصائية خطيرة، والمثير للانتباه أن أجزاءً من هذه الفضائح باتت تُتداول حتى عبر بعض الصحف والمنصات الإماراتية، في اعتراف ضمني بحجم الانكشاف الاستراتيجي الذي تعانيه الإمارة. هذه التقارير لم تعد تقتصر على الانتقادات السياسية العابرة، بل تميط اللثام عن شبكة واسعة من المرتزقة، وعمليات المراقبة البشرية، والترهيب العابر للحدود، مما ينسف صورة “القوة الناعمة” التي أنفقت أبوظبي مليارات الدولارات لتلميعها في العواصم الغربية.

لقد كشفت الوثائق المتداولة أن الهوس الأمني لمكتخذي القرار في أبوظبي قد تجاوز الاعتماد على برمجيات التجسس الإلكتروني، لينزلق نحو مسار أكثر قتامة يعتمد على تجنيد استخبارات بشرية على الأرض، وتوظيف مرتزقة أجانب لملاحقة المعارضين، والنشطاء، وحتى المحققين الأمميين في قلب أوروبا.
لندن.. مرتزقة وخريطة طريق للتصفية الجسدية
تتجلى ذروة هذا السلوك المارق في العاصمة البريطانية، حيث لم يكن الهدف مجرد جمع معلومات، بل التخطيط لعمليات استدراج وتصفية. وقائع استهداف الأكاديمي والناشط أنس التكريتي تكشف كيف وظفت أبوظبي المدعو أبراهام غولان، وهو قائد مرتزقة سبق أن أدار برنامج “اغتيالات مستهدفة” لصالحها في اليمن.

لقد تحولت شوارع لندن إلى مسرح لعمليات استطلاع ميدانية؛ شملت تصوير المنازل، ورسم خرائط التحرك اليومية، ومحاولة دفع مئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية لتجنيد وسطاء محليين بهدف استدراج الأهداف. هذا الانتقال من التجسس إلى التهديد المباشر بالقتل يضع الإمارة في مصاف الأنظمة التي تدير “فرق موت” عابرة للحدود.
جنيف وباريس.. اختراق خصوصية المدافعين عن حقوق الإنسان
وفي جنيف، التي تُعد العاصمة العالمية لحقوق الإنسان، لم تتورع أذرع أبوظبي عن ملاحقة الحقوقية صفوة عيسى. بالاستعانة بشركة الاستخبارات الخاصة السويسرية “Alp Services”، تم تحويل الناشطة إلى هدف لعمليات استطلاع ميداني وتصوير دقيق لتحركاتها، لمجرد ممارستها دورها الطبيعي في أروقة الأمم المتحدة لفضح سجل الاعتقالات التعسفية في الإمارات.
لم يقف العبث الإماراتي عند هذا الحد، بل امتد إلى ضواحي باريس في استهداف مباشر للضابطة الفرنسية السابقة سهام سويد. الملفات المسربة أظهرت انتهاكاً صارخاً لحرمة المنازل، وصل إلى حد تصوير أبواب الشقق ومداخل صناديق البريد من الداخل، في محاولة يائسة لجمع “معلومات سلبية” للابتزاز والتشويه. هذه الممارسات دفعت القضاء الفرنسي إلى فتح تحقيقات رسمية، مما يضع سمعة الإمارات الدبلوماسية في باريس على المحك

حرب على الحقيقة.. استهداف المحققين الأمميين والصحافة الحرة
ولعل الأكثر فداحة في هذا السجل الاستخباراتي هو تجرؤ أبوظبي على استهداف الآليات الدولية. عندما اقترب محققو الأمم المتحدة، أمثال كمال الجندوبي وأحمد حميش، من كشف الانتهاكات المروعة في حرب اليمن، تم وضعهم فوراً تحت المجهر الاستخباراتي. لم يتم الاكتفاء بالبحث المكتبي، بل جرى تجنيد عملاء للنبش في حياتهم الشخصية وتلفيق حملات تشويه مضادة، في محاولة بائسة لضرب مصداقية التقارير الأممية.

الصحافة الحرة لم تسلم هي الأخرى من هذه الكماشة. فقد تم تسخير شركات تحريات خاصة في إسبانيا وغيرها لتعقب صحفيين، مثل فرانسيسكو كاريون، ومحاولة اختراق دوائرهم المهنية عبر مخبرين مأجورين، بحثاً عن نقاط ضعف أو انتماءات يمكن استغلالها لشيطنتهم، لمجرد أن أقلامهم تناولت قضايا لا تروق للسردية الإماراتية.

تصدع النموذج وتآكل الثقة
هذه الوقائع الموثقة، التي تجد طريقها اليوم إلى التداول في الأوساط الإعلامية، بما فيها تلميحات وتسريبات في صحف إماراتية، تؤكد أن أبوظبي تعيش حالة من “البارانويا” الجيوسياسية. إن التورط في تجنيد مخبرين وسط الجاليات العربية في إسطنبول، وترهيب الطلاب الإماراتيين في جامعات بريطانيا، يؤكد أن السلطات هناك لم تعد تثق حتى في مواطنيها.
إن هذا النهج الاستخباراتي العدواني لا يمثل دليلاً على القوة، بل هو انعكاس صارخ لحالة من الضعف والعجز الاستراتيجي. فالدولة التي تضطر لاستئجار مرتزقة لاختلاس النظر في صناديق بريد معارضيها في باريس، أو تدفع الأموال لتتبع صحفي في مدريد، هي دولة تدرك في قرارة نفسها هشاشة نموذجها الداخلي، وتعيش رعباً دائماً من كلمة حق أو تقرير أممي يكشف حقيقة ما يختبئ خلف الأبراج الزجاجية اللامعة.























