بوابة الجزائر الإخبارية: كشف تقرير تحليلي نشره موقع «ذا كرايدل» (The Cradle) أن الانتشار العسكري الجزائري في النيجر يمثل تحولاً استراتيجياً تتجاوز أبعاده حماية المصالح الاقتصادية والأمنية، ليعكس دخول الجزائر مرحلة جديدة من التنافس على النفوذ في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، في ظل المنافسة الجيوسياسية مع المغرب وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

وأوضح التقرير، الذي أعدّه الكاتب أيدان ج. سيماردون، أن الخطوة الجزائرية لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع على الممرات الاستراتيجية وموارد الطاقة ومناطق التأثير، خصوصاً مع تراجع الحضور العسكري الغربي وسعي القوى الإقليمية إلى تعزيز مواقعها.
تحرك عسكري يتجاوز حدود النيجر
وبحسب «ذا كرايدل»، فإن إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر يمثل أول انتشار بري خارجي للقوات الجزائرية منذ مشاركتها في حرب أكتوبر 1973، وهو تطور لافت في السياسة العسكرية للجزائر التي اتسمت طوال عقود بالحذر إزاء التدخل العسكري خارج حدودها.
وأشار التقرير إلى أن الجزائر والنيجر وقّعتا في 21 أكتوبر 2026 بروتوكولاً للتعاون العسكري، قبل أن يصادق البرلمان الجزائري على نشر القوات في 25 من الشهر نفسه، في خطوة فتحت الباب أمام حضور عسكري جزائري مباشر داخل الأراضي النيجرية.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة «رويترز» عن عشرة مصادر وصول قافلة عسكرية جزائرية إلى مدينة أرليت شمال غربي النيجر، دون الكشف عن حجم القوات المشاركة أو المدة الزمنية للمهمة.
ويرى التقرير أن أهمية هذا التحرك لا تكمن في طبيعته العسكرية فحسب، بل في موقعه الجغرافي أيضاً، إذ يتيح للجزائر تعزيز حضورها في منطقة صحراوية استراتيجية تربط شمال إفريقيا بعمق الساحل، وتشهد تنافساً متزايداً على النفوذ والموارد.
المغرب في قلب الحسابات الجيوسياسية
ويضع تحليل «ذا كرايدل» المنافسة بين الجزائر والمغرب ضمن أبرز الأبعاد الاستراتيجية لهذا الانتشار، معتبراً أن التحرك الجزائري يأتي في وقت يسعى فيه البلدان إلى توسيع حضورهما السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية، وإن كان ذلك عبر مقاربات مختلفة.
ففي مقابل تعزيز الجزائر تعاونها الأمني والعسكري مع دول الساحل، يعمل المغرب على توسيع نفوذه الاقتصادي والدبلوماسي من خلال تطبيعه مع الإحتلال الصهيوني و تحوله إلى مركز لعمليات إسرائيل و دولة الإمارات .
ومن هذا المنظور، يكتسب الحضور العسكري الجزائري في النيجر أهمية تتجاوز المهمة الأمنية المعلنة، إذ قد يمنح الجزائر قدرة أكبر على التأثير في التوازنات الإقليمية، وتعزيز موقعها في منطقة تمثل مجالاً حيوياً للمصالح الاستراتيجية للبلدين.
ويربط التقرير هذه التطورات أيضاً باستمرار الخلاف الجزائري المغربي بشأن الصحراء الغربية، معتبراً أن التنافس بين البلدين لم يعد محصوراً في شمال إفريقيا، بل بات يمتد بصورة متزايدة إلى عمق القارة.

الطاقة.. المحرك الاستراتيجي للانتشار
ويولي «ذا كرايدل» أهمية خاصة للعامل الطاقوي، الذي يشكل أحد أبرز مبررات الوجود العسكري الجزائري في النيجر.
فالجزائر تمتلك مصالح اقتصادية في قطاع المحروقات النيجري عبر شركة «سوناطراك»، فضلاً عن مشاركتها في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يستهدف نقل الغاز النيجيري مروراً بالنيجر والجزائر نحو الأسواق الأوروبية.
ويلفت التقرير إلى أن المصالح الجزائرية في المنطقة ليست جديدة، ما يثير تساؤلات بشأن توقيت الانتشار العسكري وأهدافه الاستراتيجية الأوسع.
كما يشير إلى الأهمية الجغرافية لموقعي أرليت وماداما، اللذين تفصل بينهما مسافة تقارب 740 كيلومتراً، وهو ما يعكس اتساع المجال الذي قد يشمله التحرك العسكري الجزائري إذا تأكد تمركز القوات في الموقعين.
ومن شأن تأمين المنشآت الطاقوية وممرات نقل الطاقة أن يمنح الجزائر دوراً أكبر في حماية مشاريعها الاقتصادية، لكنه قد يعزز كذلك مكانتها في معادلة أمن الطاقة الإقليمي والدولي.
الجزائر تعود إلى عمق الساحل
ويربط التقرير الانتشار العسكري الجزائري بالتحولات السياسية والأمنية التي تشهدها منطقة الساحل، خصوصاً بعد تراجع الوجود الفرنسي والأمريكي، وصعود ترتيبات أمنية جديدة تقودها حكومات النيجر ومالي وبوركينا فاسو.
وفي هذا الإطار، تبدو الجزائر، وفق التحليل، معنية بإعادة بناء علاقاتها مع دول تحالف الساحل، بعد مرحلة من التوتر الدبلوماسي، لا سيما عقب أزمة إسقاط الطائرة المسيّرة المالية وما تبعها من استدعاء السفراء.
ويتيح التقارب مع النيجر للجزائر فرصة لتعزيز دورها الإقليمي، سواء من خلال التعاون العسكري أو حماية الاستثمارات أو المساهمة في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
كما يطرح هذا التحول تساؤلات بشأن مستقبل العقيدة العسكرية الجزائرية، وما إذا كان الانتشار في النيجر سيبقى مهمة محدودة لحماية المصالح الاقتصادية، أم سيشكل بداية لدور ميداني أكثر اتساعاً في المنطقة.

الساحل أمام مرحلة جديدة من التنافس
وفي المحصلة، يقدم تقرير «ذا كرايدل» الانتشار العسكري الجزائري في النيجر باعتباره مؤشراً على تحول أعمق في موازين القوى بمنطقة الساحل، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الطاقوية والمنافسة الجيوسياسية.
وبين المساعي الجزائرية لتعزيز حضورها الأمني والاقتصادي، والتحركات المغربية لتوسيع ارتباط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة تتزايد فيها أهمية الممرات التجارية ومشاريع الطاقة والتحالفات الإقليمية.
ويشير التحليل إلى أن التحرك الجزائري لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد عملية عسكرية محدودة لحماية منشآت اقتصادية، بل خطوة قد تسهم في إعادة تشكيل خريطة النفوذ في شمال وغرب إفريقيا.
وهكذا، فإن الرهان لا يتعلق فقط بوجود قوات جزائرية داخل النيجر، بل بموقع الجزائر في التوازنات الإقليمية الجديدة، ومدى قدرتها على توظيف حضورها العسكري والطاقوي لتعزيز نفوذها في منطقة باتت تشكل إحدى أبرز ساحات التنافس الاستراتيجي في إفريقيا.

















