بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: أي حراك شعبي لا يلامس جذور المنظومة الملكية المخزنية محكوم عليه بالفشل، وهذه حقيقة يفرضها التاريخ الدموي للمغرب الحديث، فمنذ عقود، كل إنتفاضة ذات بعد إجتماعي واجهت المنظومة لم تكن مجرد حدث عابر، بل إختبار صارخ لقدرتها على حماية نفسها.
الريف في الستينات والسبعينات، سنوات الرصاص، أحداث كوميرة، حراك سيدي إفني، حراك الريف الحديث، حراك جرادة، وكل الأصوات الحرة التي طالبت بالحقوق الإجتماعية الأساسية، واجهت نفس المعادلة.. القمع، الإعتقال، التغييب، المحاكمات الصورية، والإقصاء الممنهج.
المخزن والملكية لم يتراجعا يوماً طواعية، ولم يتجاوبا مع مطالب الشعب إلا بالقوة والتطويق والإرهاب الرمزي والمادي، وهذا درس أليم لكل من يظن أن الإصلاح التدريجي أو الإصلاح الجزئي قد ينقذ البلاد من ذات المنظومة.
الملكية ليست مجرد رمز، بل رأس أخطبوط يمتد تحته شبكة من المستشارين والأجهزة الأمنية والمالية، تُنسّق كل السياسات وتضمن حماية مصالحها، وفي قلب هذا النظام توجد الأركان الأربعة للمنظومة ( أبناء الخطيئة ) الذين يقودون البلاد نحو المجهول :
الملك الديكتاتور محمد السادس إبن لطيفة؛
المستشار السياسي والأمني النافذ علي الحمة إبن آسية الشوافة؛
المدير العام للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف الحموشي؛
الكاتب الخاص للملك منير الماجدي المسؤول عن المحفظة المالية والقوة الإقتصادية للقصر.
كل هؤلاء يشكلون شبكة متماسكة تحمي المنظومة، توجّه القرار، وتحدد السياسات، وتعيد توجيه أي إحتجاج شعبي ضمن الحدود التي تحفظ النظام وتمنع تغييره.
اليوم، ونحن نشهد هبة جماهيرية إجتماعية متجددة، تبدو المشاهد مألوفة.. غضب شعبي حقيقي، مطالب إجتماعية ملحة، لكن المنظومة تبقى متماسكة، مستعدة، وواعية لكل تحركات الشارع.
إن تاريخ الإنتفاضات يعلمنا أن أي إحتجاج يُترك بلا خطة مؤسسية واضحة، بلا تحالفات قوية، وبلا أطر بديلة، لن يصل إلى أي نتائج ملموسة، والنظام يعرف كيف يحوّل المطالب إلى شعارات يمكن إمتصاصها، وكيف يستخدم أجهزة الأمن والقضاء والإعلام لفرض التوازن لصالحه، كيف يخفّف الضغط دون تقديم حلول حقيقية، وكيف يستنزف طاقات الشعب ويستثمرها في شرخ إجتماعي دائم.
الأركان الأربعة للمنظومة اليوم ليست مجرد أسماء، بل أدوات عملية لإستمرار السيطرة.. الملك يحدد الإتجاهات الكبرى، المستشار السياسي والأمني يوجّه المسار الإستراتيجي للسياسة والأمن، المدير العام للأمن والإستخبارات ينفذ التوجيهات الميدانية، والكاتب الخاص للملك منير الماجدي يسيطر على موارد المحفظة المالية، ويضمن إستمرار الشبكات الإقتصادية التي تعزز مركز السلطة، وأي محاولة تغيير جزئية أو إصلاح شكلي ستصطدم مباشرة بهذه المنظومة، وستتحول بسرعة إلى تحايل على مطالب الشعب، أو قمعها، أو تدمير أي أمل في الإصلاح.
الهبة الشعبية الحالية، مهما بلغت شدتها، ما لم تترافق بخطة واضحة لإعادة هيكلة السلطة، وبإطار مؤسساتي قادر على فرض مساءلة حقيقية، ستظل عرضة لتكرار السيناريو التاريخي نفسه : الإستهلاك السياسي للغضب، والترقيع الشكلي، وإعادة الإنتاج الدائم للهيمنة، الأزمة الإجتماعية، البطالة، الفقر، التفاوت في الخدمات، والهجرة القسرية، كلها مؤشرات على هشاشة الوضع الراهن، لكنها في الوقت ذاته وقود لتفجّر الغضب إذا ما إلتفت إليه العقل الإستراتيجي الشعبي بجدية.
الواقع يفرض درسًا لا يمكن تجاهله.. أي تغيير حقيقي يجب أن يبدأ بفهم البنية الحقيقية للمنظومة، وقياس حدودها، وكشف أدواتها الإقتصادية والأمنية والسياسية، وبناء قوة مؤسساتية بديلة قادرة على حماية المطالب وفرضها، وإلا فإن البلاد ستظل تتأرجح بين الإحتجاجات المستمرة والإستجابة القمعية الممنهجة، في مسار يقود بلا رحمة نحو المجهول، حيث الإستنزاف الإجتماعي والسياسي مستمر، والثقة بين الشعب والسلطة تآكلت، والمستقبل يظل ضبابيًا ومفتوحًا على كل الإحتمالات.
ختاما لا قبول بأي حلول ترقيعية أو تزييف دستوري يهدف إلى إمتصاص الغضب وإبقاؤه ضمن سقوف لا تغير شيئًا من جوهر السلطة المخزنية.
إما أن تنتهي هيمنة المنظومة بصيغ مؤسساتية تُعيد السلطة إلى الشعب عبر آليات إنتقال واضحة ومسؤولة، أو يبقى صوت الشعب هو الفيصل الذي يقرّر مصير هذا النظام الذي وجب إقتلاعه من جذوره في كل الأحوال.
ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر



