بوابة الجزائر الإخبارية: تكشفت مؤخرا ملامح أزمة مالية واجتماعية عميقة في المغرب، مع ارتفاع حجم القروض المتعثرة وتزايد توجه القطاع المصرفي نحو التخلص من هذه الأصول عبر سوق ثانوية مخصصة لتفويتها، و يأتي هذا خلف مصطلحات تقنية من قبيل “معالجة الأصول المتعثرة” و”تحرير الموارد المصرفية”.
وفي هذا السياق، تستعد مؤسسة التمويل الدولية، التابعة لمجموعة البنك الدولي والمختصة بتمويل القطاع الخاص، لتنفيذ أول استثمار لها في المغرب ضمن برنامج لمعالجة الأصول المتعثرة، من خلال مشروع مشترك مع مجموعة EOS Holding الألمانية، وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع توجه نحو إرساء سوق ثانوية منظمة لتفويت الديون البنكية المتعثرة.
وتُقدم هذه العملية باعتبارها آلية تقنية تهدف إلى تخفيف الضغط عن البنوك وتحسين قدرتها على تمويل الاقتصاد، غير أن الوجه الآخر للمسألة يطرح أسئلة اجتماعية واقتصادية حساسة، خصوصًا في ظل اتساع دائرة المديونية وتراجع قدرة عدد من الأسر على الوفاء بالتزاماتها المالية.
فانتقال الدين من دفاتر البنك إلى محفظة مستثمر لا يعني اختفاء الدين أو إسقاطه، وإنما يعني ببساطة انتقال ملكيته إلى جهة أخرى، حيث أن البنك يتخلص من أصل متعثر، بينما يحصل المستثمر على فرصة لإدارة الدين واسترداده وتحقيق عائد منه، في حين يبقى المدين مطالبًا بالوفاء بالتزاماته.
وتزداد حساسية الأمر عندما تكون القروض مرتبطة بضمانات عقارية أو ممتلكات، ففي حال استمرار التعثر وتفعيل إجراءات التحصيل وفقًا للقانون والعقود المبرمة، يمكن أن تصل تداعيات الأزمة إلى الأصول التي قدمها المدين كضمان، ما يجعل القضية تتجاوز الأرقام والحسابات المصرفية لتلامس الإستقرار المالي والاجتماعي للأسر.
كما أن دخول مؤسسات استثمارية أجنبية إلى سوق الديون المتعثرة يفتح نقاشًا حول طبيعة العلاقة الجديدة بين المدين والدائن، فالمؤسسة التي تشتري الدين تتعامل معه باعتباره أصلًا ماليًا له قيمة، وتسعى بطبيعة الحال إلى تعظيم قدرتها على استرداده وتحقيق العائد من الاستثمار فيه.
وتبرز خطورة هذا الوضع بشكل أكبر مع الحديث عن حجم القروض المتعثرة، الذي يتجاوز 11 مليار دولار وفق الأرقام المتداولة.
فهذا الرقم لا يعكس فقط مشكلة داخل ميزانيات البنوك، بل يكشف أيضًا عن حجم الضغوط التي تواجه الأسر والمقاولات وقدرتها على تحمل أعباء الاقتراض.
وبذلك، قد تتحول سوق الديون المتعثرة إلى آلية تسمح للبنوك بإعادة ترتيب ميزانياتها والتخلص من جزء من أصولها المتعثرة، لكنها في المقابل تضع قضية حماية المدينين في صدارة الأسئلة المطروحة.
فمن يتحمل كلفة الأزمة عندما تتعثر الأسر؟ ومن يضمن ألا يتحول المواطن المغربي المتعثر إلى مجرد “ملف مالي” ينتقل من مؤسسة إلى أخرى؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين إنقاذ القطاع المصرفي وحماية الأسر من فقدان مساكنها أو ممتلكاتها؟في النهاية، لا تختفي أزمة الديون بمجرد تغيير صاحب الدين، فالمشكلة تنتقل من جهة إلى أخرى، بينما يظل المواطن مطالبًا بالسداد.
وبينما تبحث البنوك عن تنظيف ميزانياتها، ويبحث المستثمرون عن فرص لتحقيق العائد، يبقى التحدي الحقيقي هو ضمان ألا يتحول تعثر المواطنين إلى سوق استثمارية يكون فيها الربح أولوية بالنسبة لنظام المخزن، بينما تأتي حماية الأسر المغربية المهمشة في المرتبة الأخيرة.














