بوابة الجزائر الإخبارية: منذ إعادة انتخاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لعهدة رئاسية ثانية في سبتمبر 2024، دخلت السياسة الخارجية الجزائرية مرحلة اتسعت فيها ساحات التحرك وتعددت أدوات التأثير، لتتجاوز الدبلوماسية التقليدية القائمة على اللقاءات الرسمية والبيانات السياسية، نحو حضور أكثر تنوعا داخل مجلس الأمن ومؤسسات الاتحاد الإفريقي، إلى جانب الوساطات والدبلوماسية البرلمانية والقضائية، وملفات الطاقة والأمن والتعاون العسكري.
وخلال عامين، تزامنت هذه التحركات مع تطورات إقليمية ودولية متسارعة، في مقدمتها الحرب على غزة، وأزمات منطقة الساحل، وتنافس القوى الدولية على الشراكات الطاقوية والبنية التحتية.
وفي خضم هذه الملفات، كثفت الجزائر تحركها على أكثر من مسار، ساعية إلى ترسيخ حضورها الإقليمي والدولي، والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، وتوسيع هامش تأثيرها في القضايا المرتبطة بأمنها ومحيطها الجيوسياسي.
وفي قراءة لحصيلة الدبلوماسية الجزائرية خلال العامين الأولين من العهدة الثانية للرئيس تبون، يرى المحلل السياسي المختص في العلاقات الدولية أيوب عرفي، أن تقييم هذه الحصيلة يستوجب أولا «توسيع مفهوم الدبلوماسية»، لأنها، حسبه، «لم تعد تقتصر على اللقاءات الرسمية والزيارات والبيانات السياسية».
وقال عرفي في تصريح لـ«بوابة الجزائر» إن الجزائر شهدت خلال هذه المرحلة «دبلوماسية أممية داخل مجلس الأمن، ودبلوماسية إفريقية داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، ودبلوماسية برلمانية، ودبلوماسية قضائية ارتبطت بملفات استرجاع الأموال المنهوبة وتسليم المطلوبين قضائيا، ودبلوماسية وساطات ظهرت في ملفات تتعلق برعايا أجانب»، إلى جانب «دبلوماسية طاقوية مرتبطة بالغاز والهيدروجين ومشاريع الربط الإقليمي، ودبلوماسية أمنية وعسكرية مرتبطة بأمن الجزائر ومحيطها المباشر».
وأضاف المحلل السياسي أن هذا التنوع في أدوات التحرك الخارجي «يعكس توجها واضحا في السياسة الخارجية الجزائرية تحت القيادة والتوجيهات السامية» لعبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، مشيرا إلى أن الجزائر «أعادت التأكيد على حضورها كدولة فاعلة، تدافع عن مصالحها، وتتحرك في الوقت نفسه وفق مبادئ السيادة، وعدم التدخل، واحترام الشرعية الدولية».
حضور أممي لافت
وفي حديثه عن الدبلوماسية الأممية، وصف عرفي عضوية الجزائر في مجلس الأمن خلال سنتي 2024 و2025 بأنها «محطة مهمة جدا»، مؤكدا أن الجزائر وظفت هذه العضوية للدفاع عن القضية الفلسطينية، وطرح مواقف ومبادرات داخل المجلس، والدفع نحو وقف إطلاق النار وحماية المدنيين ورفض التهجير، إلى جانب طرح قضايا الأمن والاستقرار في إفريقيا.
وأشار إلى أن الجزائر ترأست مجلس الأمن خلال فترتين، وهو ما «منحها مساحة إضافية للتحرك داخل الجهاز الأممي».
ولفت المتحدث إلى أن الحضور الجزائري داخل الأمم المتحدة «لم يتوقف عند مجلس الأمن»، مشيرا إلى انتخاب السفير عمار بن جامع نائبا لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، ثم انتخابه في يوليو 2026 رئيسا للمجلس لدورة 2027.
واعتبر عرفي أن ذلك «يعكس استمرارية الحضور الجزائري داخل المؤسسات الأممية، وليس مجرد حضور ظرفي مرتبط بعضوية مجلس الأمن».
تعزيز الدور الإفريقي
وعلى المستوى الإفريقي، قال عرفي إن الجزائر واصلت تعزيز موقعها داخل الاتحاد الإفريقي، مبرزا توليها رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقي خلال شهر أوت 2026.
وأوضح أن هذه الرئاسة «مهمة جدا»، بالنظر إلى أن المجلس يتعامل مع ملفات النزاعات والأزمات، ومكافحة الإرهاب، والانقلابات، وحفظ السلم في القارة.
وبحسب محدثنا ، فإن حضور الجزائر داخل هذا المجلس «ينسجم مع رؤيتها القائمة على الحلول السياسية، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية».
الدبلوماسية البرلمانية والقضائية
وفيما يتعلق بالدبلوماسية البرلمانية، أبرز عرفي حضور عدد من البرلمانيين الجزائريين في المحافل الإقليمية والدولية، ومن بينهم الدكتور فاتح بوطبيق وفؤاد سبوتة، معتبرا أن ذلك ساهم في «توسيع قنوات التواصل السياسي بين الجزائر ومختلف البرلمانات والمؤسسات الإقليمية».
كما توقف عند انتخاب مليكة حدادي نائبة لرئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، معتبرا ذلك «محطة مهمة في الحضور الجزائري داخل مؤسسات الاتحاد».
أما الدبلوماسية القضائية، فأوضح عرفي أنها «ربما من أكثر الأبعاد التي لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي، رغم أهميتها»، مشيرا إلى أن الجزائر عملت على تعزيز التعاون القضائي الدولي في ملفات استرجاع الأموال الموجودة في الخارج، ومتابعة المطلوبين قضائيا، وتسليم الأشخاص محل المتابعات القضائية، وتفعيل آليات التعاون بين السلطات القضائية والأجهزة المختصة في الدول المختلفة.
وقال إن هذا النوع من الدبلوماسية «له طبيعة مختلفة»، موضحا أن الهدف «ليس فقط الدفاع عن موقف سياسي، وإنما حماية المال العام، وتنفيذ الأحكام والطلبات القضائية، وملاحقة الأموال والأشخاص عبر الحدود»، وهو ما يتطلب، وفق تقديره، «تنسيقا دوليا معقدا».
الوساطات.. قنوات هادئة لمعالجة الملفات الحساسة
وفي محور دبلوماسية الوساطات، أشار عرفي إلى أن الجزائر استطاعت توظيف علاقاتها مع عدد من الدول والأطراف في ملفات حساسة، ومن بينها ملفات استعادة رعايا أجانب، بمن فيهم رعايا إسبان وألمان.
وأوضح أن هذا النوع من التحرك «يحتاج إلى قنوات اتصال هادئة، وثقة متبادلة، وقدرة على التواصل مع أطراف مختلفة»، معتبرا أن ذلك يمنح الجزائر «هامشا مهما في معالجة بعض الأزمات الإنسانية والأمنية».
الطاقة.. من تصدير الغاز إلى الشراكة الاستراتيجية
وبخصوص الدبلوماسية الطاقوية، أكد عرفي أنها «أصبحت جزءا أساسيا من التحرك الخارجي الجزائري»، مشيرا إلى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر باتجاه أوروبا، إلى جانب التعاون مع ألمانيا ودول أوروبية في مجال الهيدروجين.
وقال إن هذه المشاريع «تعكس محاولة الجزائر تعزيز موقعها كشريك طاقوي واستراتيجي، وليس فقط كمصدر تقليدي للغاز».
وأضاف أن الدبلوماسية الطاقوية في منطقة الساحل ترتبط أيضا بالرؤية الجزائرية للأمن، موضحا أن الجزائر «تدفع باتجاه مكافحة الإرهاب من خلال التنمية، والطاقة، والبنية التحتية، وربط دول المنطقة اقتصاديا».
ومن هذا المنطلق، أبرز أهمية الطريق العابر للصحراء ومشاريع الطاقة ومشاريع التعاون مع دول الساحل.
وتوقف عرفي عند النيجر، مشيرا إلى أن محطة توليد الكهرباء في نيامي بقدرة 40 ميغاواط تمثل «مثالا واضحا على هذه المقاربة»، مؤكدا أن الجزائر «لا تتعامل مع أمن الساحل من زاوية عسكرية فقط، وإنما تنظر أيضا إلى التنمية باعتبارها جزءا من منظومة الاستقرار».
التعاون الأمني والعسكري.. دعم مرتبط باستقرار المنطقة
أما في المجال الأمني والعسكري، فقال عرفي إن التعاون الجزائري مع النيجر شهد «تطورا مهما»، خصوصا في مجال التنسيق الأمني، ومكافحة الإرهاب، وحماية الحدود.
وفي هذا السياق، أشار إلى الهبة العسكرية الجزائرية للنيجر بتعليمات سامية من عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، والتي أشرف على تنفيذها قائد أركان الجيش الوطني الشعبي، نائب وزير الدفاع الوطني، الفريق أول السعيد شنقريحة.
واعتبر عرفي أن «الرسالة الجزائرية واضحة»، موضحا أن الجزائر عندما تقدم دعما عسكريا لدولة جارة «فإنها تربطه بأمن المنطقة واستقرارها، وباحترام سيادة الدولة المعنية، وليس بمنطق التدخل أو فرض الخيارات السياسية»
دبلوماسية متعددة الأدوات.. والتحدي هو النتائج
وفي ختام تصريحه، خلص المحلل السياسي المختص في العلاقات الدولية أيوب عرفي إلى أنه إذا أريد تلخيص حصيلة هذه المرحلة، فإن الجزائر تقف أمام «دبلوماسية متعددة الأدوات»، تحركت في الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والبرلمان، والمجال القضائي، والطاقة، والوساطات، والتعاون الأمني والعسكري.
وقال إن هذا التنوع «هو أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية الجزائرية خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2024 إلى سبتمبر 2026، تحت القيادة والتوجيهات السامية» لرئيس عبد المجيد تبون.
وأكد عرفي أن «التحدي المقبل سيكون تحويل هذا الحضور الدبلوماسي إلى مكاسب استراتيجية طويلة المدى، تخدم الأمن القومي، والاقتصاد الوطني، والطاقة، والاستقرار الإقليمي»، مشددا على أن «قوة الدبلوماسية لا تقاس فقط بحجم الحضور، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى نتائج ملموسة».






















