مراسلة خاصة لبوابة الجزائر
بقلم: حسين لنصار
بوابة الجزائر الإخبارية : يشهد المشهد الجيوسياسي في منطقة الساحل تحولات متسارعة تعيد رسم أولويات التعاون الأمني والدبلوماسي، في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود، وتباين مقاربات دول المنطقة لمعالجة أزماتها.
وفي هذا السياق، يبرز التقارب الجزائري–النيجري بوصفه تطوراً مهماً، لا يقتصر على التعاون العسكري، بل يمتد إلى حسابات الأمن القومي الجزائري ومستقبل التوازنات الإقليمية، وانعكاسات ذلك على العلاقات بين الجزائر ودول تحالف الساحل، وفي مقدمتها مالي.
التقارب الجزائري–النيجري: من التنسيق إلى الشراكة الأمنية
يمثل توقيع الجزائر والنيجر بروتوكولاً للتعاون العسكري في 21 أكتوبر 2026 محطة جديدة في مسار استعادة الثقة وتعزيز التنسيق بين البلدين، بعد سلسلة من التحركات السياسية والأمنية المتبادلة، ويأتي هذا التطور في سياق تقارب يتجاوز التعاون الدفاعي إلى المصالح الاقتصادية والتنموية، بالنظر إلى الترابط الجغرافي بين البلدين وأهمية استقرار المنطقة الحدودية المشتركة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى الدعم العسكري الذي قدمته الجزائر للنيجر خلال الأشهر الماضية، في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها نيامي. كما يتزامن التقارب مع الحديث عن احتمال إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الحدود الجزائرية، في تطور قد يمثل تحولاً مهماً في أدوات السياسة الدفاعية الجزائرية.
وفي هذا الإطار، تشير تقارير إعلامية منشورة في 24 أكتوبر إلى أن البرلمان الجزائري بغرفتيه يستعد لعقد جلسات استثنائية يوم الأحد 25 أكتوبر، للنظر في الموافقة على إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج. غير أن التصويت المرتقب، في حد ذاته، لا يكشف بصورة نهائية عن طبيعة المهمة العسكرية المحتملة أو حجم القوات أو مدة انتشارها، وهي تفاصيل تظل مرتبطة بما سيُعلن رسمياً.
الإطار الدستوري وتحول أدوات السياسة الدفاعية الجزائرية
تكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تستند إلى إطار دستوري قائم منذ تعديل دستور 2020، فالمادة 91 تخوّل رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول عن الدفاع الوطني، اتخاذ قرار إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، بعد موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان.
وبذلك، فإن إشراك السلطة التشريعية لا يمثل مجرد إجراء مؤسساتي، بل يضع أي انتشار عسكري خارجي ضمن مسار دستوري محدد، يجمع بين صلاحيات رئيس الجمهورية والرقابة البرلمانية، وهو ما يفتح أمام الجزائر مجالاً أوسع لتكييف أدواتها الدفاعية مع تطورات البيئة الأمنية الإقليمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن مرتكزات سياستها التقليدية.
فمنذ عام 2013، شهدت منطقة الساحل وليبيا تحولات أمنية متلاحقة، تداخلت فيها النزاعات الداخلية مع نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وتنامي التنافس الدولي، وقد أظهرت هذه التطورات أن تداعيات الأزمات في الدول المجاورة لا تتوقف عند حدودها السياسية، بل يمكن أن تمتد إلى أمن الحدود والمنشآت الحيوية وممرات الطاقة والتجارة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التوجه الجزائري باعتباره محاولة للانتقال من الاكتفاء بمعالجة التهديدات داخل المجال الوطني إلى تعزيز القدرة على الوقاية منها بالتنسيق مع الدول الشريكة، وفق الأطر القانونية والسياسية المعتمدة.
النيجر: حسابات الأمن والطاقة والجغرافيا
بالنسبة إلى الجزائر، لا تنفصل أهمية النيجر عن موقعها الجغرافي واتصالها المباشر بالحدود الجنوبية، فضلاً عن المصالح الاقتصادية ومشروعات التعاون في مجالات الطاقة والتنمية. كما أن استمرار التهديدات العابرة للحدود يجعل استقرار النيجر عاملاً مؤثراً في أمن المنطقة المحيطة بالجزائر.ومن هنا، فإن تعميق التعاون العسكري مع نيامي قد يمنح الجزائر فرصاً إضافية لتطوير التنسيق الاستخباراتي واللوجستي، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، وحماية المشروعات الاستراتيجية المشتركة.
أما في حال إقرار إرسال وحدات عسكرية جزائرية إلى الخارج، فإن طبيعة المهمة ستكون العامل الحاسم في تقييم أبعاد هذا القرار، فهناك فرق بين المشاركة في مهمة محددة بطلب من الدولة المعنية، وضمن ترتيبات متفق عليها، وبين انتشار عسكري واسع قد يفرض التزامات أمنية وسياسية طويلة الأمد، فالمصلحة الجزائرية تقتضي تعزيز أمن محيطها الجنوبي.
مالي والجزائر: تطبيع دبلوماسي
في المقابل، تبدو العلاقات الجزائرية–المالية أمام مرحلة دقيقة، تتجاور فيها مؤشرات الانفراج مع استمرار أسباب التوتر، فقد شهدت العلاقات أزمة حادة في أبريل 2025 على خلفية حادثة إسقاط طائرة مسيّرة مالية قرب الحدود، وما تبعها من إجراءات دبلوماسية متبادلة وقيود على المجال الجوي.
ومع عودة الاتصالات السياسية والدبلوماسية خلال عام 2026، وظهور مؤشرات على استئناف الحوار بين البلدين، برزت فرصة لإعادة بناء الثقة وتجاوز مرحلة التصعيد، غير أن تطبيع العلاقات الرسمية لا يعني بالضرورة تسوية الخلافات المتعلقة بشمال مالي (أزواد)، ومستقبل التسوية السياسية، وتباين المقاربات الأمنية.كما أن إنهاء السلطات المالية العمل باتفاق السلام الموقع عام 2015، الذي اضطلعت الجزائر بدور محوري في الوساطة بشأنه، ترك فراغاً سياسياً يتطلب البحث عن مقاربات جديدة لمعالجة جذور النزاع. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل حساسية باماكو تجاه أي تحرك إقليمي قد تقرأه باعتباره مؤثراً في حساباتها الأمنية أو خياراتها السيادية.
ومع ذلك، فإن الخلافات القائمة لا تلغي المصالح المشتركة بين الجزائر ومالي، وفي مقدمتها أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، والحد من تداعيات النزاعات المحلية على السكان وحركة التجارة والتنقل.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام البلدين لا يكمن في استئناف الاتصالات الدبلوماسية فحسب، بل في تحويلها إلى آليات عملية لبناء الثقة، ومنع الحوادث الحدودية، وتطوير التنسيق الأمني، مع مراعاة المصالح الأمنية المشروعة للجزائر
هل يؤثر التقارب مع النيجر في مستقبل العلاقة مع باماكو؟
قد يثير تعميق التعاون العسكري بين الجزائر والنيجر تساؤلات بشأن انعكاساته على العلاقات داخل منطقة الساحل، ولا سيما في ظل التباينات السياسية والأمنية بين الجزائر ودول تحالف الساحل، لكن لا تتوافر معطيات كافية للجزم بأن التقارب الجزائري–النيجري يستهدف مالي أو يشكل بديلاً عن العلاقة معها.
فمصالح الجزائر مع نيامي لا تتعارض بالضرورة مع حاجتها إلى علاقات مستقرة مع باماكو، كما أن أمن الجزائر الجنوبي لا يمكن فصله عن استقرار مالي، بالنظر إلى الامتداد الجغرافي والتداخل الاجتماعي والاقتصادي والأمني بين البلدين.
وقد يفتح التقارب مع النيجر مجالاً لتعزيز التنسيق الإقليمي إذا جرى توظيفه لتشجيع الحوار وتبادل المعلومات ومكافحة التهديدات المشتركة. وفي المقابل، فإن غياب التواصل السياسي مع مالي بشأن التطورات الأمنية الجديدة قد يثير حساسيات إضافية، ويغذي تصورات متعارضة حول طبيعة الترتيبات الإقليمية المقبلة.لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى توضيح الأهداف والحدود العملية للتعاون العسكري الجزائري–النيجري، والإبقاء على قنوات التواصل مع باماكو مفتوحة، بما يحول دون تفسير التحركات الثنائية باعتبارها اصطفافاً ضد طرف إقليمي آخر.
الجزائر بين الدفاع المتقدم والدبلوماسية الوقائية
إن التحولات الراهنة تضع السياسة الجزائرية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن حماية الأمن القومي في بيئة إقليمية مضطربة، من دون التخلي عن مبادئ عدم التدخل وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية؟تتيح القواعد الدستورية الجديدة مجالاً أوسع للتحرك، لكنها لا تجعل القوة العسكرية بديلاً عن الدبلوماسية. فالتعامل مع التهديدات العابرة للحدود يتطلب مزيجاً من التعاون الأمني، وتبادل المعلومات، وتأمين الحدود، والتنمية المحلية، ومعالجة الظروف التي تسمح للجماعات المسلحة وشبكات التهريب بتوسيع نشاطها.كما أن من حق الجزائر اتخاذ التدابير اللازمة لحماية مواطنيها ومنشآتها ومصالحها الحيوية، في إطار القانون، والتعاون مع الدول المعنية، غير أن نجاح أي سياسة أمنية سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على الوقاية من التهديدات، وتجنب خلق بؤر توتر جديدة، والحفاظ على الثقة مع الجيران.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إشراك البرلمان في قرار إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج باعتباره محطة مؤسساتية مهمة في تطور أدوات السياسة الدفاعية الجزائرية، شريطة أن يقترن القرار بتحديد واضح للمهمة والمدة والأهداف، وبما يضمن خضوعه للضوابط الدستورية ذات الصلة.تؤكد التطورات الأخيرة أن الجزائر والنيجر تتجهان نحو شراكة أمنية أكثر تقدماً، بينما تقف العلاقات الجزائرية–المالية أمام اختبار القدرة على تحويل الانفراج الدبلوماسي إلى ثقة سياسية وأمنية مستدامة.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل في توسيع حضورها العسكري فحسب، بل في تثبيت دور إقليمي قادر على الجمع بين حماية الأمن القومي، والمساهمة في استقرار الجوار، فاستقرار النيجر ضرورة أمنية واقتصادية، كما أن استقرار مالي يظل مصلحة استراتيجية لا يمكن تجاوزها.
وبالتالي، إن مستقبل الساحل، ولا سيما مالي والنيجر، لن يتحدد بعدد الاتفاقات العسكرية أو بطبيعة الشراكات مع القوى البعيدة عن واقع المنطقة وحدها، بل بقدرة دوله على بناء تفاهمات إقليمية تعالج التهديدات المشتركة، وتمنع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات مفتوحة.
وفي هذا السياق، تستطيع الجزائر أن تحافظ على دور مؤثر بقدر ما تنجح في الموازنة بين الدفاع عن مصالحها الحيوية والانخراط في الدبلوماسية الوقائية، وبين تطوير أدواتها الدفاعية والإبقاء على الحوار مفتوحاً مع جيرانها كافة، فالأمن المستدام في الساحل لا يتحقق بمنطق المحاور المتنافسة، بل بتعاون إقليمي يجعل استقرار كل دولة جزءاً من أمن المنطقة بأكملها.














