بوابة الجزائر الاخبارية : تكتسي زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر إلى الجزائر أبعادا سياسية ودبلوماسية بارزة، تتجاوز الطابع الديني المحض. و تأتي هذه الزيارة في وقت تواجه فيه الجزائر انتقادات متكررة من دول غربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بشأن ملف حرية الأديان.
فقد صنّفت وزارة الخارجية الأمريكية الجزائر ضمن قائمة “المراقبة الخاصة” بسبب ما وصفته بـ “انتهاكات جسيمة لحرية الدين”، وهو ما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذه التقارير.
وتعد الزيارة البابوية بمثابة رد دبلوماسي ضمني وقوي على هذه الانتقادات ، فاستقبال شخصية عالمية بحجم بابا الفاتيكان، الذي يمثل رمزا للسلام والحوار بين الأديان، يعزز من صورة الجزائر كدولة تحترم التنوع الديني وتكفل حرية ممارسة الشعائر.
كما أنها فرصة للجزائر لتأكيد سيادتها ورفض أي تدخل في شؤونها الداخلية تحت ذريعة حماية الأقليات الدينية، وهو ما يعتبره محللون “شماعة سياسية” لخدمة أجندات خارجية.

وفي قراءة تحليلية لزيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عزالدين نميري، في تصريح لـ “بوابة الجزائر الإخبارية”، أن هذه الزيارة تكتسي طابعا استثنائيا يتجاوز بعدها البروتوكولي، باعتبارها أول تحرك خارجي للبابا الجديد، وهو ما يمنحها رمزية سياسية ودينية مضاعفة، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن مسار تعزيز الحوار بين الأديان والتقارب بين الشعوب، على قاعدة احترام التنوع الديني والتعدد العرقي والثقافي، وتحويل هذا التنوع إلى رافعة للتعاون بدل أن يكون مصدرا للصراعات، خاصة في ظل ما شهده العالم من توترات طائفية كانت لها انعكاسات مباشرة على الأمن والسلم الدوليين.
وأكد نميري أن الجزائر تمتلك رصيدا معتبرا في هذا المجال، إذ تعد من الدول التي ساهمت مبكرا في ترسيخ ما يُعرف بحوار الحضارات وحوار الأديان مع مطلع الألفية، وكانت طرفا فاعلا، إلى جانب عدد من الدول، في الدفع نحو إرساء آليات تضمن ممارسة الشعائر الدينية في بيئة يسودها التسامح بعيدا عن التعصب والتهديد.
وفي ما يتعلق بالانتقادات الغربية، خاصة تلك الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، يذهب المتحدث إلى اعتبارها محاولات لتشويه صورة الجزائر وإعطاء انطباع غير دقيق عن واقع الحريات الدينية فيها. ويتساءل في هذا السياق عن كيفية التوفيق بين هذه الاتهامات وبين الجهود التي تبذلها السلطات الوطنية في ترميم الكنائس والمعابد، وهو ما يعكس، حسب رأيه، إرادة سياسية واضحة للحفاظ على التعدد الديني. كما يشدد على أن الجزائر تدعو باستمرار إلى عدم توظيف الدين كأداة لمعالجة الخلافات السياسية أو كوسيلة للضغط في العلاقات الدولية.
ويرى نميري أن الجزائر يمكن أن تجني مكاسب دبلوماسية مهمة من هذه الزيارة، بالنظر إلى رمزيتها باعتبارها أول محطة خارجية للبابا، ما يعزز الحوار الثنائي ويفتح المجال أمام نقل صورة واقعية عن الوضع الديني في البلاد.
ويضيف أن هذه الديناميكية قد تجعل من الجزائر نموذجا يُحتذى به في كيفية إدارة ملف حرية الأديان، خاصة إذا ما تم استثمار هذا الحدث في تعميق التواصل مع الفاعلين الدوليين وتكثيف المبادرات ذات البعد الثقافي والديني.
ويخلص المتحدث إلى أن هذه الزيارة يمكن اعتبارها، بشكل غير مباشر، اعترافا دوليا بالدور الذي تلعبه الجزائر في تعزيز التعايش الديني، لاسيما وأنها كانت من بين الأطراف الرئيسية التي ساهمت في إطلاق مبادرات ومنتديات دولية تُعنى بحوار الأديان والحضارات.













