بوابة الجزائر الإخبارية: في خطوة تعكس تسارع عجلة إعادة الهيكلة الاقتصادية وتعميق قطاع المحروقات في الجزائر، أُعلن عن التأهيل المسبق لأربع مجموعات هندسية واستشارية دولية كبرى للمنافسة على عقود التصاميم الهندسية الأولى (FEED) ورخص التكنولوجيا وإدارة المشاريع (PMC) لمشروعين استراتيجيين في قطاع التكرير والبتروكيماويات. وتأتي هذه الخطوة الهامة ضمن مسار تنفيذ مخطط استثماري طموح تتجاوز قيمة محفظته 7 مليارات دولار للسنوات الخمس من 2025 إلى 2029، وهو المخطط الذي أعلنت عنه وزارة الطاقة والمناجم بهدف رفع نسبة تحويل المحروقات محلياً من 32% إلى 50%، والانتقال بالتصنيع النفطي من مجرد تصدير المواد الخام إلى استغلال المزايا التنافسية لإنتاج مشتقات عالية القيمة الاقتصادية.

وتتوزع هذه التنافسية الهندسية على مشروعين مفصليين في خارطة الصناعة النفطية الجزائرية، حيث يخص المشروع الأول إنشاء وحدة متخصصة لإنتاج زيوت الأساس من الفئتين الثانية والثالثة بمصفاة أرزيو. وتُعد هذه المنتجات البترولية فائقة التكرير والنقاء المادة الخام الأساسية لصناعة محركات السيارات الحديثة، وزيوت التشحيم الصناعية المتقدمة، وغيرها من المزلقات التخصصية، مما يسهم في سد الاحتياجات الوطنية وتقليص فاتورة الاستيراد والتوجه نحو التصدير الإقليمي. أما المشروع الثاني، فيتمحور حول إقامة مجمع بتروكيماوي متكامل لإنتاج الإيثيلين بالمنطقة الصناعية لسكيكدة، وهي المادة التي تمثل حجر الأساس واللقيم الأهم عالمياً في صناعة البتروكيماويات، حيث يذهب نحو نصف الإنتاج العالمي منها لإنتاج البولي إيثيلين الذي يُعد البلاستيك الأكثر استهلاكاً وإنتاجاً على مستوى العالم.
وقد ضمت القائمة القصيرة للشركات الأربع المقبولة كلاً من شركة الصين لخدمات الهندسة والمقاولات البترولية (HQC) الذراع الهندسية لمجموعة (CNPC)، والشركة الهندسية للصناعات البترولية والبتروكيماوية (Enppi) المصرية ذات الخبرة الإقليمية الممتدة، إلى جانب الشركة الإسبانية (Técnicas Reunidas) المتخصصة في تنفيذ المشاريع المعقدة لقطاع الطاقة، والمجموعة البريطانية (Wood Group) الرائدة عالمياً في خدمات إدارة المشاريع والاستشارات الهندسية.

وعلى الرغم من أن عملية التأهيل المسبق التي انطلقت في أغسطس 2025 شهدت تأجيلات وتمديدات متلاحقة لآجال إيداع الملفات نظراً لدقة واشتراطات المعايير الفنية والمالية المطلوبة، إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة يعكس حرص الطرف الجزائري على اختيار شركاء دوليين يمتلكون أحدث الرخص التكنولوجية والحلول الهندسية التي تضمن أقصى كفاءة تشغيلية وأقل أثر بيئي.
يحمل هذا المسار في طياته عدة دلالات اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية؛ إذ يتيح التحول نحو المواد البتروكيماوية وزيوت الأساس حماية الموازنة العامة من تقلبات أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية، نظراً لما تتسم به المشتقات النهائية من استقرار نسبي في الأسعار وهوامش ربح أعلى. كما أن إنتاج زيوت الأساس المتقدمة يضع الجزائر ضمن الدول الموردة للزيوت التخليقية، وهي سوق تشهد طلباً عالمياً متزايداً بفعل المعايير البيئية الصارمة، بالإضافة إلى أن مجمع الإيثيلين بسكيكدة سيوفر مدخلات أولية بأسعار تنافسية لصناعات التغليف والأنابيب والمستلزمات الطبية، مما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي خارج قطاع المحروقات التقليدي.
تؤكد هذه الخطوة أن قطاع الطاقة الجزائري يمر بمرحلة إعادة تموضع عميقة؛ فالمراهنة لم تعد محصورة في زيادة أحجام ضخ الغاز الطبيعي أو النفط الخام نحو الأسواق العالمية، بل في إرساء قاعدة بتروكيماوية وطنية قادرة على خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتحقيق الأمن الصناعي. ويبقى الرهان الأكبر مستقبلاً مرتكزاً على سرعة إنجاز مراحل الهندسة والتصميم والانتقال السلس إلى مناقصات الإنجاز والبناء (EPC)، لضمان دخول هذه المشاريع مرحلة التشغيل الفعلي ضمن الآفاق الزمنية للمخطط الخماسي.
















