مقال رأي بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل

بوابة الجزائر الإخبارية : ليلة الثالث والعشرين من يوليوز 1999 لم يكن الشعب المغربي حاضرًا في صناعة الحدث الذي سيحدد مصيره لعقود لاحقة، ولم يُستشر، ولم يُطّلع على ما جرى داخل القصر، ولم تُعرض عليه أي وثيقة، ولم يكن يعلم أصلًا ماذا يحدث في الكواليس المغلقة التي كانت تُدار فيها عملية نقل السلطة بعد وفاة المقبور الحسن الثاني إلى ولي عهده آنذاك محمد، وهذا بالتحديد هو جوهر الطعن في شرعية ما سُمّي { بالبيعة }، لأنها لم تكن تعاقدًا بين شعب وحاكم، بل ترتيبات داخلية مغلقة بين أجنحة المخزن لضمان إستمرارية النظام نفسه بعد وفاة رأسه.

ففي الأنظمة التي تحترم شعوبها، يكون إنتقال السلطة لحظة دستورية واضحة وشفافة، تخضع للنقاش العام والرقابة الشعبية والمؤسسات المنتخبة ديمقراطيا، أما في المغرب، فقد جرى كل شيء في الظلام، داخل دوائر ضيقة لا تمثل إلا نفسها.

المغاربة استيقظوا على خبر وفاة الحسن الثاني، وبعد ساعات فقط وجدوا أنفسهم أمام ملك جديد، وكأن مصير بلد بأكمله مجرد شأن عائلي داخلي لا علاقة للشعب به، فلم يُطلب من المواطنين رأي، ولم يُفتح أي نقاش حول طبيعة النظام السياسي، ولم يُتح لأي طرف مستقل الإطلاع على تفاصيل ما وقع أو الإعتراض عليه…! لقد تم التعامل مع المغاربة بإعتبارهم رعايا يجب أن يتلقوا القرار ويخضعوا له، لا بإعتبارهم مواطنين أصحاب السيادة الحقيقيين.
إن أخطر ما في تلك الواقعة ليس فقط أن الموقعين على وثيقة البيعة لا يمثلون الشعب، بل إن الشعب نفسه كان غائبًا بالكامل عن العملية من أصلها، فلا وجود لأي تفويض شعبي، ولا لأي مشاركة شعبية، ولا حتى لأي علم مسبق بما كان يُحضّر خلف الأبواب المغلقة، وهذا وحده كافٍ لإسقاط أي إدعاء بوجود شرعية سياسية حقيقية، لأن الشرعية لا تُولد في غرف القصر، بل تُستمد من إرادة الناس الأحرار.
الأشخاص الذين وقعوا الوثيقة كانوا جميعًا جزءًا من البنية المخزنية المرتبطة مباشرة ببقاء النظام الملكي، أمراء من العائلة الحاكمة، ضباط سامون، رؤساء مؤسسات خاضعة للقصر، مسؤولون دينيون، وأحزاب فقدت إستقلاليتها منذ زمن طويل. هؤلاء لم يكونوا ممثلين للشعب، بل ممثلين لجهاز السلطة نفسه، كانوا يوقعون على إستمرار إمتيازاتهم ومواقعهم داخل الدولة العميقة، لا على إرادة المغاربة، لذلك فإن الحديث عن { إجماع وطني } أو { بيعة شعبية } ليس سوى تزوير سياسي للواقع.
وسيحاول البعض الدفاع عن شرعية تلك البيعة بالقول إن من وقعوا عليها كانوا يمثلون { الأمة }، عبر صفاتهم كرئيسي البرلمان ومجلس المستشارين، أو كأمناء عامين لأحزاب ممثلة داخل المؤسسات المنتخبة، لكن هذا الطرح ينهار بمجرد إخضاعه لأبسط منطق سياسي ديمقراطي، فكيف يمكن الحديث عن { تمثيل شعبي } داخل نظام لم يعرف يومًا إنتخابات حرة ونزيهة بالمعنى الحقيقي منذ ما سُمّي زورًا بفجر الإستقلال؟ وكيف يمكن إعتبار برلمان صُنع لعقود تحت أعين وزارة الداخلية وأجهزة المخزن ممثلًا للإرادة الشعبية؟
إن المؤسسات التي قُدمت بإعتبارها صوت الشعب لم تكن سوى واجهات شكلية لإضفاء مسحة شرعية على حكم قائم أصلًا على التحكم والتدجين وتوزيع الأدوار، فلقد أدرك المغاربة منذ عقود أن اللعبة الإنتخابية داخل المغرب ليست تعبيرًا عن السيادة الشعبية، بل مجرد مسرحية سياسية محكمة الإخراج، يتحكم المخزن في تفاصيلها الكبرى.. من يُسمح له بالصعود، ومن يجب إقصاؤه، ومن يُمنح الفتات، ومن يُصنع { كمعارض رسمي } داخل حدود مرسومة سلفًا، أما الأحزاب التي وُلدت من رحم هذا النظام أو خضعت لاحقًا لترويضه، فقد تحولت مع الوقت إلى مجرد كراكيز سياسية وبهلوانات راقصة فوق خشبة مسرح كبير إسمه { دار المخزن }، تؤدي أدوارًا محددة بعناية لإيهام الداخل والخارج بوجود حياة سياسية ومؤسسات تمثيلية، بينما القرار الحقيقي ظل دائمًا محتكرًا داخل القصر وأجهزته.
لذلك فإن توقيع هؤلاء على وثيقة البيعة لا يمنحها أي شرعية شعبية، لأن فاقد الشرعية لا يمكنه أن يمنحها لغيره، ومن لا يمثل الشعب أصلًا لا يحق له أن يتحدث بإسمه، ومن صعد عبر نظام قائم على التحكم والتزوير والولاء لا يمكن تقديمه بإعتباره تعبيرًا عن الإرادة الحرة للمغاربة.
الحقيقة المؤلمة أن الشعب المغربي كان غائبًا بالكامل عن تلك اللحظة التاريخية، لا صوت له، ولا قرار، ولا حتى حق في المعرفة، أما الذين ظهروا أمام الكاميرات بإعتبارهم { نواب الأمة }، فلم يكونوا سوى موظفين سياسيين داخل منظومة المخزن، يمثلون السلطة أمام الشعب، لا الشعب أمام السلطة.
والأدهى أن الوثيقة نفسها لم تكن موضوع شفافية أو نقاش عمومي، بحيث لم تُنشر تفاصيل ما جرى في الكواليس، ولم يعرف المغاربة كيف تم إتخاذ القرار، ولا من ناقش، ولا من إعترض، ولا ما إذا كانت هناك ترتيبات مسبقة داخل المؤسسة الملكية قبل وفاة الحسن الثاني… كل شيء تم في مناخ من السرية المطلقة، وكأن الشعب قاصر سياسيًا لا يحق له الإطلاع على الكيفية التي يُحدد بها مستقبله السياسي.
إن البيعة، كما قُدمت سنة 1999، لم تكن سوى أداة لإضفاء طابع ديني وتقليدي على عملية توريث السلطة، إذ تم إستعمال الدين والرمزية التاريخية لإخفاء حقيقة بسيطة.. لا أحد إنتخب محمد السادس، ولا أحد فوّضه شعبيًا، ولا توجد أي لحظة ديمقراطية واحدة يمكن الإستناد إليها للقول إن المغاربة إختاروه بحرية.. لقد وُلد داخل الأسرة الملكية، ثم نُصّب ملكًا بقرار داخلي مخزني، وبعدها فُرض الأمر الواقع على الملايين عبر الإعلام الرسمي والأجهزة الأمنية والدعاية السياسية.
وهنا يظهر التناقض الصارخ في خطاب النظام، فهو يتحدث بإستمرار عن { الإجماع }، بينما لم يُتح للشعب أصلًا أن يوافق أو يرفض، فأي إجماع هذا الذي يُصنع دون مشاركة الناس؟ وأي شرعية يمكن أن تقوم على تغييب الأمة بالكامل من أخطر قرار سياسي في تاريخها المعاصر؟ إن الإجماع الحقيقي يُبنى عبر الإقتراع الحر والنقاش المفتوح والتداول الديمقراطي، لا عبر طقوس الولاء داخل القصور.
لقد كانت ليلة 23 يوليوز 1999 لحظة إعلان واضحة بأن الدولة في المغرب لا تعتبر الشعب مصدر السلطة، بل تعتبره مجرد كتلة صامتة يجب إخضاعها لقرارات تُتخذ فوقيًا، وهذا ما يفسر إستمرار العقلية نفسها إلى اليوم، حيث تُحتكر القرارات الكبرى داخل المؤسسة الملكية، بينما تبقى المؤسسات المنتخبة، إن كانت مؤسسات أصلا، مجرد أدوات وواجهات محدودة الصلاحيات، عاجزة عن ممارسة سيادة حقيقية أو محاسبة فعلية.
إن الطعن في شرعية البيعة لا ينبع فقط من رفض الملكية كنظام حكم، بل من حقيقة قانونية وسياسية وأخلاقية واضحة.. لا شرعية لأي سلطة تُفرض على شعب دون علمه أو مشاركته أو موافقته، وما وقع سنة 1999 لم يكن تعبيرًا عن إرادة المغاربة، بل عملية إنتقال مغلقة للسلطة داخل بنية مخزنية حافظت على نفسها بالقوة والقداسة والدعاية.
لقد حاول النظام منذ ذلك التاريخ صناعة صورة لملك { حديث } و { قريب من الشعب }، لكن جوهر السلطة لم يتغير، فما دام أصل الشرعية نفسه قائمًا على التوريث والبيعة المغلقة، فإن كل مظاهر التحديث تبقى مجرد ديكور سياسي يخفي إستمرار البنية القديمة نفسها، إذ لا يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية بينما أهم قرار سيادي فيها، أي من يحكم البلاد، يتم إتخاذه بعيدًا عن الشعب وبلا إستشارته.
والحقيقة التي حاول المخزن دائمًا الهروب منها هي أن الشرعية لا تُورث، ولا تُقدس، ولا تُفرض عبر الإعلام والأجهزة الأمنية، بل تُكتسب من الشعب وحده، أما حين يتم تغييب الشعب بالكامل، وتحويله إلى مجرد متفرج على ترتيبات تُحاك داخل القصر، فإن ما يحدث لا يمكن وصفه بإنتقال شرعي للسلطة، بل بإعادة إنتاج منظومة حكم مغلقة تعتبر الدولة ملكية خاصة، وتعتبر المواطنين مجرد رعايا مطالبين بالطاعة لا شركاء في الوطن والسيادة.
ختاما إلى محمد السادس ومخزنه وأجهزته وحراسه السياسيين.. لا شرعية لكم في حكم أكثر من أربعين مليون مغربي، لأن السلطة التي تُبنى على التوريث والقهر وتغييب إرادة الشعب ليست حكمًا شرعيًا، بل إحتكارٌ مفروض بالقوة.
قد تظنون أن هذا النظام باقٍ إلى الأبد، وأن زمن المحاسبة بعيد، لكن الشعوب لا تنام إلى الأبد، والتاريخ لا يحمي عروشًا قامت على الخوف والإستبداد، وإن كنتم ترون نهاية هذا العبث بعيدة، فنحن نراها أقرب مما تتصورون، فانتظروا… إنا معكم منتظرون.























القافلة تسير وكلاب الجزائر تنبح المراغلة ابناء الزنا اولاد جنود فرنسا ياك مبغيتو حتى الملك نديرو عليه تصويت بحال روؤساء ديالكم لي كيجبهم العسكر