بوابة الجزائر الإخبارية : بينما تُلقي رمال الإقليم المتحركة بظلالها الثقيلة على عواصم الجوار، تصرّ نواكشوط على حبك مسرحيتهم الدبلوماسية الأثيرية بلغة “المسك العصا من الوسط”، وكأنها تعيش في كوكب عزلةٍ ورفاهية بعيداً عن صفيح ساخن يغلي على حدودها.

وفي خطوة تكشف مدى ضيق حيز المناورة أمام دبلوماسية ترتدي قفازات من حرير، عادت الحكومة الموريتانية لتجترّ أسطوانتها المشروخة حول ما تسميه بـ«الحياد الإيجابي التام» تجاه نزاع الصحراء، وكأن الحياد في قضايا مصيرية كبرى يعفي الدولة من كلفة الحسابات أو يمنحها صكّ براءة من ركوب الموجة بانتهازية مريحة.
وبينما يحاول الناطق الرسمي باسم الحكومة تغليف هذا التردد بعبارات فضفاضة من قبيل «نحن جزء من الحل لا المشكلة»، يبدو الواقع أكثر قسوةً ومرارةً؛ فموريتانيا التي تتقاذفها التجاذبات الإقليمية والضغوط الدولية تبدو وكأنها تدير ظهرها لواقع ملتهب ، متصورةً أن مجرد تكرار عبارات الثبات كفيل بإخفاء هشاشة موقف يخاف فيه الكبار من حسم الخيارات، ليكتفي الساسة هناك بدور المتفرج الحائر على رصيف الأزمات بانتظار من يكتب لهم نهاية المشهد.
وفي هذا السياق يصرح أحمد الدوه، مدير تحرير صحيفة الصدى الموريتانية، لبوابة الجزائر، محذراً من أن ممارسة موريتانيا لسياسة «الحياد الإيجابي» لم تعد سوى توازن بائس فوق حبل مشدود وسط ضغوط جغرافية وسياسية معقدة. فعلى صعيد «الوقوف على الحبلين»، يرى الدوه أن هذا “الحياد المريح” تحول من خيار استراتيجي إلى هروب مفضوح للأمام واستنزاف خطير لهامش المناورة؛ ففي ظل منطقة تعيش تحولات متسارعة واعترافات دولية متزايدة بمغربية الصحراء، تتحول سياسة عدم إغضاب أحد عملياً إلى عدم كسب ثقة أحد. علاوة على ذلك، تضع هذه العزلة الاقتصادية والأمنية موريتانيا رهينة للتطورات التكتيكية التي يمليها الآخرون، وتجعل حدودها الشمالية والشرقية عرضة لأي شرارة، متجاهلة أن من يرفض حسم موقعه على الرقعة يتم تحديد موقعه رغماً عنه حين تفرض التطورات واقعها الجديد.
أما في قراءة دلالة التكرار المستمر لمقولة «الحياد الإيجابي وأن موريتانيا جزء من الحل»، فيعتبر الدوه أنها لا تعدو أن تكون دفاعاً عن النفس وغطاءً دبلوماسياً لإدارة الضعف والعجز بعيداً عن أي ثقل حقيقي. فالدور الوسيط لا يُبنى بالخطابات والحياد السلبي والهروب في دور “المتفرج الخائف”، بل بمبادرات ملموسة وحلول خلاقة تغيب تماماً عن أجندة نواكشوط التي لم تقدم طوال عقود سوى لغة امتصاص الصدمات عقب كل تصعيد إقليمي. وفي نهاية المطاف، تدرك الأطراف الأساسية في النزاع أن موريتانيا تفتقر للأوراق الاقتصادية والعسكرية للضغط أو صنع الفارق، ليصبح التسليم بـ”حيادها” مجرد اعتراف بوجود منطقة عازلة يستفيد منها الجميع دون أن تملك نواكشوط حق إدارة ملف الحل الحقيقي.


















